الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخضر بن أحمد بن الخضر بن أبي العافية
«1»
من أهل غرناطة، يكنى أبا القاسم.
حاله: من كتاب «عائد الصلة» «2» : كان، رحمه الله، صدرا من صدور القضاة، من أهل النظر والتقييد، والعكوف على الطّلب، مضطلعا «3» بالمسائل، مسائل الأحكام؛ مهتديا «4» لمظنّات النّصوص، نسخ بيده الكثير، وقيّد على الكثير من المسائل، حتى عرف فضله، واستشاره الناس «5» في المشكلات. وكان بصيرا بعقد الشروط، ظريف الخطاب «6» ، بارع الأدب، شاعرا مكثرا، مصيبا غرض الإجادة.
وتصرّف في الكتابة السلطانية، ثم في القضاء، وانتقل في الولايات الرفيعة النّبيهة.
وجرى ذكره في «التّاج المحلّى» بما نصّه «7» :
«فارس في ميدان البيان، وليس الخبر كالعيان؛ وحامل لواء الإحسان، لأهل هذا الشّان «8» ؛ رفل في حلل «9» البدائع فسحب أذيالها، وشعشع أكواس «10» العجائب فأدار جريالها «11» ، واقتحم على الفحول «12» أغيالها «13» ، وطمح إلى الغاية البعيدة فنالها، وتذوكرت المعضلات «14» فقال: أنا لها. عكف واجتهد، وبرز إلى مقارعة المشكلات ونهد، فعلّم وحصّل، وبلغ الغاية وتوصّل؛ وتولّى القضاء، فاضطلع بأحكام الشّرع، وبرع في معرفة الأصل والفرع، وتميّز في المسائل بطول الباع، وسعة الذّراع؛ فأصبح صدرا في مصره، وغرّة في صفحة عصره. وسيمرّ في بديع كلامه، وهثّات «15» أقلامه، وغرر إبداعه، ودرر اختراعه، ما يستنير «16» لعلم الحليم، وتلقي له البلغاء يد التسليم» .
شعره: قال في غرض الحكمة والأمثال «1» : [الكامل]
عزّ «2» الهوى نقصان والرأي الذي
…
ينجيك منه، إذا ارتأيت مروما «3»
فإذا رأيت الرأي يتّبع الهوى
…
خالف وفاقهما تعدّ حكيما
وكيف تخاف من الحليم مداجيا «4»
…
خف من نصيحك ذي «5» السّفاهة شوما
واحذر معاداة الرجال توقّيا
…
منهم ظلوما كنت أو مظلوما
فالناس «6» إما جاهل لا يتّقي
…
عارا ولا يخشى العقوبة لوما
أو عاقل يرمي بسهم مكيدة
…
كالقوس ترسل سهمها مسموما
فاحلم عن القسمين تسلم منهما
…
وتسد فتدعى سيّدا وحليما «7»
ودع المعاداة «8» التي من شأنها
…
أن لا تديم على الصّفاء قديما «9»
أبت المغالبة الوداد فلا تكن
…
ممّن يغالب ما حييت نديما «10»
وإذا منيت بقربه «11» فاخفض جنا
…
ح «12» الذّلّ واخضع ظاعنا ومقيما
إنّ الغريب لكالقضيب محاير «13»
…
إن لم يمل للريح عاد رميما
وارع «14» الكفاف ولا تجاوز حدّه
…
ما بعده يجني عليك هموما
وابسط يديك متى غنيت ولا تكن
…
فيما «15» يكون به المديح ذميما
وإذا بذلت فلا تبذّر إنّ ذا ال
…
تبذير يومئذ أخوه رجيما «16»
وعف الورود إذا تزاحم مورد
…
واحسب ورود الماء منه حميما
واصحب كريم الأصل ذا فضل فمن
…
يصحب لئيم الأصل عدّ لئيما
فالفضل من لبس الكرام فمن عرى
…
عنه فليس لما «17» يقول كريما
(إنّ المقارن بالمقارن يفتدي)«1»
…
مثل جرى جري الرياح قديما
وجماع كلّ الخير في التّقوى فلا
…
تعدم حلى التّقوى تعدّ عديما
وقال يصف الشّيب من قصيدة، وهي طويلة؛ أولها «2» :[الكامل]
لاح الصباح، صباح شيب المفرق
…
فاحمد سراك نجوت ممّا تتّقي
هي شيبة الإسلام فاقدر قدرها
…
قد أعتقتك وحقّ قدر المعتق
خطّت بفودك أبيضا في أسود
…
بالعكس من معهود خطّ مهرق «3»
كالبرق راع بسيفه «4» طرف الدّجى
…
فأعار «5» دهمته شتات «6» الأبلق
كالفجر يرسل في الدّجنّة خيطه
…
ويجرّ «7» ثوب ضيائه بالمشرق
كالماء يستره بقعر «8» طحلب
…
فتراه بين خلاله كالزّئبق
كالحيّة الرقشاء إلّا أنه
…
لا يبرأ الملسوع منه إذا رقي
كالنّجم عدّ لرجم شيطان الصّبا
…
يا ليت شيطان الصّبا لم يحرق
كالزّهر إلّا أنه لم يستنم «9»
…
إلّا بغصن «10» ذابل لم يورق
كتبسّم الزّنجيّ إلّا أنه
…
يبكي العيون بدمعه «11» المترقرق
وكذا البياض قذى العيون ولا ترى
…
للعين أبكى «12» من بياض المفرق
ما للغواني وهو لون خدودها
…
يجزعن من لألائه المتألّق
وأخلته لمع السّيوف ومن يشم
…
لمع السّيوف على المفارق يفرق
هو ليس ذاك ولا الذي أنكرته «13»
…
كن «14» خائفا ما خفن منه واتّق
داء يعزّ على «15» الطبيب دواؤه
…
ويضيع خسرا فيه مال المنفق
لكنه والحقّ أصدق مقول
…
شين المسيء الفعل زين المتّقي
ومن مقطوعاته قوله «1» : [المتقارب]
أقلّي فما الفقر بالمرء عار «2»
…
ولا دار من يألف الهون دارا
وما «3» يكسب العزّ إلّا الغنى
…
غنى النّفس فلتتّخذه «4» شعارا
وما اجتمع الشّمل في غيره
…
فيحسن إلّا وساء انتشارا
فزهرة غيرك لا تنظري «5»
…
فيألم قلبك منه انكسارا
وهزّي إليك بجذع الرّضى
…
تساقط عليك الأماني ثمارا
وقال أيضا: [المجتث]
العلم حسن وزين
…
والجهل قبح وشين
والمال عزّ وعيش
…
والفقر ذلّ وحين
والناس أعضاء جسم
…
فمنهم است وعين
هذي مقالة حقّ
…
ما في الذي قلت مين
وقال أيضا: [الخفيف]
إن أراك الزمان وجها عبوسا
…
فستلقاه بعد ذلك طلقا «6»
لا يهمّنك حاله إنّ في طر
…
فة عين ترتاح فيه وتشقى
أيّ عزّ رأيت أو أيّ ذلّ
…
لذوي الحالتين في الدهر يبقى
سل نجوم الدّجى إذا ما استنارت
…
ما الذي في وقت الظّهيرة تلقى
وتفكّر وقل بغير ارتياب
…
كلّ شيء يفنى وربّك يبقى
وقال أيضا «7» : [الكامل]
لو أنّ أيام الشّباب تعود لي
…
عود النّضارة للقضيب المورق
ما إن بكيت على شباب قد ذوى
…
وبقيت منتظرا لآخر مونق
وقال في القلم «1» : [الطويل]
لك القلم الأعلى الذي طال فخره
…
وإن لم يكن إلّا قصيرا مجوّفا
تعلّم منه الناس «2» أبدع حكمة
…
فها هو أمضى ما يكون محرّفا
وقال في التشبيه: [البسيط]
كأنما السّوسن الغضّ الذي افتتحت
…
منه كمائمه المبيضّة اللون
بنان كفّ فتاة قطّ ما خضبت
…
تلقى بها من يراها خيفة العين
وقال يعرّض بقوم من بني أرقم: [المتقارب]
إذا ما نزلت بوادي الأشى «3»
…
فقل ربّ من لدغه سلّم
وكيف السلامة في موطن
…
به عصبة من بني أرقم؟
وقال موريا بالفقه، وهو بديع «4» :[الخفيف]
لي دين على الليالي قديم
…
ثابت الرّسم منذ خمسين حجّه «5»
أفأعدى بالحكم بعد عليها «6» ؟
…
أم لها في تقادم الدّهر «7» حجّه؟
ونختم مقطوعاته بقوله «8» : [الطويل]
نجوت بفضل الله ممّا أخافه
…
ولم لا وخير العالمين شفيع؟
وما ضعت في الدنيا بغير شفاعة
…
فكيف إذا كان الشفيع أضيّع؟
وقال أيضا: [الطويل]
عليك بتقوى الله فيما ترومه
…
من الأمر تخلص بالمرام وبالأجر
ولا ترج غير الله في نيل حاجة
…
ولا دفع ضرّ في سرار ولا جهر
فمن أمّ غير الله أشرك عاجلا
…
وفارقه إيمانه وهو لا يدري «9»
وفاته: توفي قاضيا ببرجة، وسيق إلى غرناطة، فدفن بباب إلبيرة عصر يوم الأربعاء آخر يوم من ربيع «10» عام خمسة وأربعين وسبعمائة.