الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بانوا وطرفي «1» والفؤاد ومقولي
…
باك ومسلوب العزاء وداع
فتولّ يا مولاي حفظهم ولا
…
تجعل تفرّقنا فراق وداع
وفاته: توفي، رحمه الله وعفا عنه، أيام الطاعون الغريب «2» بمالقة، في منتصف ليلة الجمعة خامس صفر عام خمسين وسبعمائة «3» ، وخرجت جنازته في اليوم التالي، ليلة وفاته في ركب من الأموات، يناهز الألف، وينيف بمائتين، واستمرّ ذلك مدة، وكان مولده عام تسعة وثمانين وستمائة، رحمه الله تعالى.
أحمد بن عبد الله بن محمد بن الحسن بن عميرة المخزومي
«4»
بلنسي شقوري الأصل، يكنى أبا مطرّف.
أوّليّته: لم يكن من بيت نباهة؛ ووقع لابن عبد الملك في ذلك نقل، كان حقه التجافي عنه، لو وفّق.
حاله: قال ابن عبد الملك «5» : كان أوّل طلبه العلم شديد العناية بشأن الرواية، فأكثر من سماع الحديث وأخذه عن مشايخ أهله، وتفنّن «6» في العلوم، ونظر في العقليّات «7» وأصول الفقه، ومال إلى الأدب «8» فبرع فيه «9» براعة عدّ بها من كبار مجيدي النّظم. وأما «10» الكتابة، فهو «11» علمها المشهور، وواحدها الذي «12» عجزت عن ثانيه «13» الدّهور، ولا سيما في مخاطبة الإخوان، هنالك استولى على أمد الإحسان، وله المطوّلات المنتخبة، والقصار المقتضبة، وكان يملح كلامه نظما ونثرا بالإشارة إلى التاريخ «14» ، ويودعه إلماعات بالمسائل «15» العلمية
منوّعة المقصد «1» . قلت: وعلى الجملة، فذات أبي المطرّف فيما ينزع إليه، ليست من ذوات الأمثال، فقد كان نسيج وحده، إدراكا وتفنّنا، بصيرا بالعلوم، محدّثا، مكثرا، راوية ثبتا، سجرا في التاريخ والأخبار، ريّان، مضطلعا بالأصلين، قائما على العربية واللغة، كلامه كثير الحلاوة والطّلاوة، جمّ العيون، غزير المعاني والمحاسن، وافد أرواح المعاني، شفّاف اللفظ، حرّ المعنى، ثاني بديع الزمان، في شكوى الحرفة، وسوء الحظ، ورونق الكلام، ولطف المأخذ، وتبريز النثر على النظم، والقصور في السّلطانيات.
مشيخته: روى عن أبي الخطاب بن واجب، وأبي الربيع بن سالم، وأبي عبد الله بن فرج وأبي علي الشّلوبين، وأبي عمر بن عات، وأبي محمد بن حوط الله، لقيهم، وقرأ عليهم، وسمع منهم، وأجازوا له؛ وأجاز له من أهل المشرق أبو الفتوح نصر بن أبي الفرج وغيره.
من روى عنه: روى عنه ابنه القاسم، وأبو بكر بن خطّاب، وأبو إسحاق البلقيني الحفيد، والحسن بن طاهر بن الشّقوري، وأبو عبد الله البرّي. وحدّث عنه أبو جعفر بن الزّبير، وابن شقيف، وابن ربيع، وغيرهم مما يطول ذكره.
نباهته: صحب أبا عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن خطّاب قبل توليته ما تولّى من رياسة بلده، وانتفع به كثيرا؛ وكتب عن الرئيس أبي جميل زيّان بن سعد وغيره من أمراء شرق الأندلس. ثم انتقل إلى العدوة «2» ، واستكتبه الرشيد أبو محمد عبد الواحد بمراكش، مدة يسيرة؛ ثم صرفه عن الكتابة وولّاه قضاء مليانة من نظر مرّاكش الشرقي، فتولّاه قليلا، ثم نقله إلى أقصى رباط الفتح. وتوفي الرشيد، فأقرّه على ذلك الوالي بعده، أبو الحسن المعتضد أخوه؛ ثم نقله إلى قضاء مكناسة الزّيتون؛ ثم لمّا قتل المعتضد لحق بسبتة، وجرى عليه بطريقها ما يذكر في محنته. ثم ركب البحر منها متوجّها إلى إفريقية، فقدم بجاية على الأمير أبي زكريا يحيى بن الأمير أبي زكريا. ثم توجّه إلى تونس فنجحت بها وسائله، وولّي قضاء مدينة الأرش. ثم انتقل إلى قابس، وبها طالت مدة ولايته؛ واستدعاه المستنصر بالله محمد بن أبي زكريا، ولطف محلّه منه، حتى كان يحضر مجالس أنسه، وداخله بما قرفته الألسن بسببه حسبما يذكر في وصمته.
مناقبه: وهي الكتابة والشعر؛ كان يذكر أنه رأى في منامه النبيّ، صلى الله عليه وسلم، فناوله أقلاما، فكان يروى له أن تأويل تلك الرّؤيا، ما أدرك من التّبريز في الكتابة، وشياع الذكر، والله أعلم.
ومن بديع ما صدر عنه، فيما كتب في غرض التّورية، قطعة من رسالة، أجاب بها العبّاس بن أمية، وقد أعلمه باستيلاء الروم على بلنسية، فقال:
ومن شعره في المقطوعات التي ورّى فيها بالعلوم قوله «1» : [الخفيف]
قد عكفنا على الكتابة حينا
…
وأتت «2» خطّة القضاء تليها
وبكلّ لم يبق للجهد إلّا
…
منزلا نابيا وعيشا كريها
نسبة بدّلت ولم تتغيّر
…
مثل ما يزعم المهندس فيها
وكقوله مما افتتح به رسالة «3» : [البسيط]
يا غائبا سلبتني الأنس غيبته
…
فكيف صبري وقد كابدت بينهما؟
دعواي أنّك في قلبي فعارضها «4»
…
شوقي إليك فكيف الجمع بينهما؟
وفي مثل ذلك استفتاح رسالته أيضا «5» : [الكامل]
إن «6» الكتاب أتى وساحة طرسه
…
روح «7» موشّى بالبديع مرتّع «8»
وله حقوق ضاق وقت وجوبها
…
ومن الوجوب مضيّق «9» وموسّع
وفي مثل ذلك في استفتاح رسالة أيضا «1» : [الكامل]
كبّرت بالبشرى «2» أتت وسماعها
…
عيدي الذي لشهوده تكبيري
وكذلك الأعياد سنّة يومها
…
مختصّة بزيادة التّكبير
وفي أغراض أخر «3» : [الخفيف]
بايعونا مودّة هي عندي
…
كالمرآة «4» بيعها بالخداع
فسأقضي بردّها ثم أقضي
…
بعدها «5» من مدامعي ألف صاع
وله في معنى آخر «6» : [الطويل]
شرّطت عليهم عند تسليم مهجتي
…
وعند انعقاد البيع قربا يواصل
فلمّا أردت الأخذ بالشّرط أعرضوا
…
وقالوا يصحّ البيع والشّرط باطل
تصانيفه: له تأليف في كائنة ميرقة «7» وتغلّب الرّوم عليها، نحى فيه منحى العماد الأصفهاني، في الفتح القدسي «8» ؛ وكتابه في تعقيبه على فخر الدين بن الخطيب الرّازي في كتاب المعالم في أصول الفقه منه؛ وردّه على كمال الدين أبي محمد بن عبد الكريم السّماكي في كتابه المسمّى بالتّبيان في علم البيان؛ واقتضابه النبيل في ثورة المريدين «9» ، إلى غير ذلك من التعاليق والمقالات، ودوّن الأستاذ أبو عبد الله بن هانىء السّبتي كتابته وما يتخلّلها من الشّعر في سفرين بديعين أتقن ترتيبهما، وسمّى ذلك «بغية المستطرف، وغنية المتطرّف، من كلام إمام الكتابة ابن عميرة أبي المطرّف» .
دخوله غرناطة: قال شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب: عمير أخبر بذلك من شيوخه، والرجل ممّن يركن إليه في أخباره فيما أحقّوا على سبيل الرواية والإخبار، من شرّق الأندلس إلى غرناطة، إلى غربها إلى غير ذلك، عند رحلته، وهو الأقرب، وقال: قال المخبر: عهدي به طويلا، نحيف الجسم، مصفرّا، أقنى الأنف؛ أصيب