الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهذه الزيادة ثابتة من طرق أخرى كثيرة عن جمع من الصحابة، فهي ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم. والله أعلم.
والأولى القول بثبوتها ولا يلزم من تسمية أصحاب معاوية رضي الله عنه بغاة تكفيرهم فإنهم مجتهدون، وليس كل مجتهد مصيبًا، وقد جاء في القرآن ما يشير إلى ذلك. قال تعالى:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} .
ويكون معنى العبارة أنهم كانوا مجتهدين يظنون أنهم يدعونه إلى الجنة حسب اجتهادهم وحسب اجتهاد عمار يدعونه إلى النار.
ثالثًا: ومن أسباب الاختلافات:
اختلاف العلماء في حكم تغيير جمل الثناء على الله عز وجل أو الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم أو الترضي والترحم على العلماء
فمن يري جواز التغيير لا يتقيد بالرِّواية في ذلك، فيقول - مثلًا - (قال الله عز وجل بدلًا من (قال الله تعالى) أو العكس.
وانظر في تفصيل هذه المسألة ما جاء عن ابن الصلاح وسبق ذكره في التمهيد في المحور الثاني.
ويدخل تحت هذا السبب جملة كثيرة من الاختلافات الواقعة في نسخ «الصحيح» ، والأمثلة عليها كثيرة تظهر مع أدنى تأمل في حواشي الطبعة السلطانية.
رابعًا: اختلاف العلماء في حكم جواز إصلاح الخطأ وتقويم اللحن
فقد اختلفوا إذا وقع في رِواية الراوي لحن أو تحريف: فمنهم من كان يرى أنه يرويه على الخطأ كما سمعه.
فروى الرامهرمزي، والخطيب، وابن عبد البر، والقاضي عِياض، عن
أبي معمر عبد الله بن سخبرة قال: إني لأسمع الحديث لحنًا، فألحن اتباعًا لما سمعت (1).
وروي مثله عن نافع مولى ابن عمر، فروى الخطيب، وابن عبد البر عن إسماعيل ابن أمية قال: كنا نرد نافعًا عن اللحن فيأبى، يقول: إلا الذي سمعته (2).
ومثله عن محمد بن سيرين، فروى الخطيب عن ابن عون عن ابن سيرين أنه كان يلحن في الحديث (3).
وروى الخطيب أيضًا عن أشعث قال: كنت أحفظ عن الحسن وابن سيرين والشعبي، فأما الحسن والشعبي فكانا يأتيان بالمعنى، وأما ابن سيرين فكان يحاكي صاحبه حتى يلحن كما يلحن (4).
ومنهم من كان يلحن اتباعًا لمن سمع منه الرِّواية، فروى الخطيب عن عفان قال: كان يزيد بن إبراهيم التستري إذا حدث عن الحسن لم يلحن، وإذا حدث عن محمد لحن (5).
قلت: محمد هو ابن سيرين وهو ممن كان يرى رِواية الحديث على لحنه، كما قدمت عنه.
ومثل هذا إنما هو من النوع الأول الذي كان يرى أن يروي الحديث
(1)«المحدث الفاصل» ص: 540 (707)، «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» 2/ 21 (1053)، «الكفاية» ص: 285، «جامع بيان العلم وفضله» 1/ 352 (478)، «الِإلمَاع» ص:160.
(2)
«الجامع لأخلاق الراوي» 2/ 22 (1055)، «جامع بيان العلم» 1/ 351 (477).
(3)
«الجامع لأخلاق الراوي» 2/ 22 (1056)
(4)
«الكفاية» ص: 285.
(5)
«الجامع» 2/ 22 (1058)
على الخطأ كما سمعه.
وأما المذهب الثاني: من يرى تغييره وإصلاحه وروايته على الصواب، فروى الرامهرمزي، وابن عبد البر، والقاضي عِياض عن الشعبي قال: لا بأس أن يُقوَّم اللحن في الحديث (1).
ومثله عن الأوزاعي، فروى الرامهرمزي، والخطيب، وابن عبد البر، والقاضي عِياض من طرق عنه قال: أعربوا الحديث؛ فإن القوم كانوا عربًا، وفي آخر: لا بأس بإصلاح اللحن في الحديث (2).
وروى الرامهرمزي والخطيب - مختصرًا - عن عمر بن شبة قال: قال لي عفان: قال لنا همام: ما سمعتم من حديث قتادة فأعربوه؛ فإن قتادة كان لا يلحن. ثم قال لنا عفان: قال لنا حماد بن سلمة: من لحن في حديثي فليس يحدث عني (3).
وروى الرامهرمزي، والخطيب أيضًا عن الحسن بن علي الحلواني قال: ما وجدتم في كتابي عن عفان لحنًا فعرّبوه؛ فإن عفان كان لا يلحن. وقال لنا عفان: ما وجدتم في كتابي عن حماد بن سلمة لحنًا فعرّبوه؛ فإن حمادًا كان لا يلحن، وقال حماد: ما وجدتم في كتابي عن قتادة لحنًا فعرّبوه؛ فإن قتادة كان لا يلحن (4).
(1) ينظر: «المحدث الفاضل» ص: 524 (662)، «جامع بيان العلم» 1/ 339 (453)، «الِإلمَاع» ص:160.
(2)
ينظر: «المحدث الفاصل» ص: 524 (663)، «الجامع لأخلاق الراوي» 2/ 23 (1060 - 1061)، «الكفاية» ص: 296، «جامع البيان» 1/ 339 - 340 (454 - 455، 457)، «الِإلمَاع» ص: 160
(3)
ينظر: «المحدث الفاصل» (664)، «الكفاية» ص: 296 - 297.
(4)
ينظر: «المحدث الفاصل» (665)، «الكفاية» ص:297.
ورواه الخطيب عن الحسن بن علي بلفظ آخر قال: ثنا عفان قال: قال لنا همام: إذا حدثتكم عن قتادة فكان في حديثه لحن فقوموه؛ فإنه كان لا يلحن (1).
وروى أيضًا عن حماد بن زيد قال: من لحن في حديثي فليس يحدث عني (2).
وروى الرامهرمزي عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان قال: إذا سمعت الحديث فيه اللحن والخطأ فلا تحدث إلا بالصواب؛ إنهم لم يكونوا يلحنون (3).
وروى الخطيب عن علي بن الحسن بن شقيق قال: قلت لعبد الله - يعني: ابن المبارك الرجل يسمع الحديث فيه اللحن، يقيمه؟ قال: نعم، كان القوم لا يلحنون (4).
وروي مذهب الإصلاح هذا وتصويب اللحن عن يحيى بن معين وأحمد بن صالح وأحمد بن حنبل والحسن بن محمد الزعفراني (5).
والصواب في هذا الباب: ما قاله أصحاب المذهب الثاني، وهو تغيير اللحن وإصلاحه وروايته على الصواب.
قال الخطيب: والذي نذهب إليه: رِواية الحديث على الصواب، وترك اللحن فيه، وإن كان قد سُمع ملحونًا؛ لأن من اللحن ما يحيل الأحكام،
(1) ينظر: «الكفاية» ص: 297.
(2)
ينظر: «الكفاية» ص: 297.
(3)
ينظر: «المحدث الفاصل» 668.
(4)
ينظر: «الكفاية» ص: 297.
(5)
ينظر: الروايات عنهم في «المحدث الفاصل» 669 - 670، و «الكفاية» ص:298.
ويصير الحرام حلالًا والحلال حرامًا، فلا يلزم اتباع السماع فيما هذه سبيله، والذي ذهبنا إليه قول المحصلين والعلماء من المحدثين (1).
وقال أيضًا: إذا كان اللحن يحيل المعنى فلابد من تغييره، وكثير من الرُّواة يحرفون الكلام عن وجهه ويزيلون الخطاب عن موضعه (2).
وصوبه ابن عبد البر، فقال: والقول في هذا الباب ما قاله الحسن والشعبي وعطاء ومن تابعهم، وهو الصواب (3).
وقال ابن الصلاح عن المذهب الثاني هذا: وهو مذهب المحصلين والعلماء من المحدثين، والقول به في اللحن الذي لا يختلف به المعنى وأمثاله، لازم على مذهب تجويز الرِّواية بالمعنى (4).
وما أجود وأكمل ما قال القاضي عِياض حيث قال في «الِإلماع» :
الذي استمر عليه عمل أكثر الأشياخ نقل الرِّواية كما وصلت إليهم وسمعوها، ولا يغيرونها من كتبهم، حتى أطردوا ذلك في كلمات من القرآن استمرت الرِّواية في الكتب عليها بخلاف التلاوة المجمع عليها، ولم يجيء في الشاذ من ذلك في «الموطأ» والصحيحين وغيرها حماية للباب، لكن أهل المعرفة منهم ينبهون على خطئها عند السماع والقراءة وفي حواشي الكتب، ويقرءون ما في الأصول على ما بلغهم.
ومنهم من يجسر على الإصلاح وكان أجرأهم على هذا من المتأخرين القاضي الوقشي، وكذلك لغيره ممن سلك هذا المسلك.
(1) ينظر: «الجامع» 2/ 23.
(2)
ينظر: «الكفاية» ص: 287.
(3)
«جامع بيان العلم وفضله» 1/ 353.
(4)
«علوم الحديث» ص: 218 - 219 ط نور عتر.
وحماية باب الإصلاح والتغيير أولى؛ لئلا يجسر على ذلك من لا يحسن ويتسلط عليه من لا يعلم، وطريق الأشياخ أسلم مع التبيين، فيذكر اللفظ عند السماع كما وقع وينبه عليه، ويذكر وجه صوابه، إما من جهة العربية أو النقل أو وروده كذلك في حديث آخر، أو يقرءونه على الصواب، ثم يقول: وقع عند شيخنا أو في روايتنا كذا أو من طريق فلان كذا، وهو أولى؛ لئلا يقول على النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقل.
وأحسن ما يعتمد عليه في الإصلاح أن ترد تلك اللفظة المغيرة صوابًا في أحاديث أخرى، فإن ذكرها على الصواب في الحديث أمن أن يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقل، بخلاف إذا كان إنما أصلحها بحكم علمه ومقتضى كلام العرب.
وهذه طريقة أبي علي ابن السكن البغدادي في انتقائه روايته لـ «صحيح البُخارِيّ» ، فإن أكثر متون أحاديثه ومحتمل روايته هي عنده متقنة صحيحة من سائر الأحاديث الأخر الواقعة في الكتاب وغيره. اهـ. ملخصًا (1).
وقال ابن الصلاح: وأما إصلاح ذلك وتغييره في كتابه وأصله فالصواب تركه وتقرير ما وقع في الأصل، على ما هو عليه مع التضبيب عليه، وبيان الصواب خارجًا في الحاشية؛ فإن ذلك أجمع للمصلحة وأنفى للمفسدة (2).
فهذا الاختلاف بين العلماء في حكم إصلاح الخطأ في المروي إلى اختلاف الروايات فمن يرى الجواز صوب الخطأ على ما في ظنه، وقد
(1)«الِإلمَاع» ص: 161 - 162.
(2)
«علوم الحديث» ص: 219 ط. عتر.
يكون الصواب فيما ظنه خطئًا، وقد نتج عن هذا السبب وجود اختلافات كثيرة، والبعض منها من تَصَرُّفِ الرُّواة.
ونتج عن ذلك وجود كثير من الأخطاء الواضحة التي لا يستقيم المعنى إلا بها، وهذا الخطأ أنواع: فمنه ما يكون في آيات القرآن، ومنه ما يكون في الأسانيد، ومنه ما يكون في المتون.
أولًا: ومن الأمثلة التي وقعت في القرآن الكريم:
1 -
ما جاء في قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا ماء ..} [النساء: 43، المائدة: 6].
وقع في أول كتاب التيمم «(اليُونِينيّة» 1/ 73 - 74) قول الله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا ماء ..} [النساء: 43، المائدة: 6]
كذا جاء لأكثر رواة «الصحيح» كما عند اليُونِينِيّ، وهو الصحيح الموافق للقراءة والتلاوة.
لكن جاء عند النَّسفي وعبدوس وأبي ذر، عن كل من المُسْتَمْلِيّ والحَمُّوييّ - كما جاء عند ابن حجر -:(فإن لم تجدوا) قال أبو ذر: كذا في روايتنا، والتلاوة:{فَلَمْ تَجِدُوا} .
قال الحافظ: ظهر لي أن البُخارِيّ أراد أن يبين أن المراد بالآية المبهمة في قول عائشة في حديث الباب: (فأنزل الله آية التيمم)، أنها آية المائدة، وقد وقع التصريح بذلك في رِواية حماد بن سلمة عن هشام عن أبيه عن عائشة في قصتها المذكورة، قال: فأنزل الله آية التيمم: فإن لم تجدوا ماءً فتيمموا
…
الحديث.
فكأن البُخارِيّ أشار إلى هذه الرِّواية المخصوصة، واحتمل أن تكون قراءة شاذة لحماد بن سلمة أو غيره، أو وهمًا منه، وقد ظهر أنها عنت آية المائدة، وأن آية النساء قد ترجم لها المصنف في التفسير، وأورد حديث
عائشة أيضًا، ولم يرد خصوص نزولها في قصتها. اهـ.
وقال العيني: الظاهر أن هذا وهم من حماد أو غيره، أو قراءة شاذة لحماد. اهـ.
قلت: بحثت في مظان شواذ القراءات فلم أجد فيها قراءة شاذة لحماد أو لغيره، والله أعلم. (1).
وقد وقع في كتاب الوضوء، باب: الماء الذي يغسل به شعر الإنسان: وَقال الزُّهْرِيُّ: إِذا وَلَغَ فِي إِناءٍ لَيْسَ لَهُ وَضُوءٌ غَيْرُهُ يَتَوَضّا بِهِ. وَقال سُفْيانُ: هَذا الْفِقْهُ بِعَيْنِهِ؛ يَقُولُ اللَّهُ تَعالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] وَهَذا ماءٌ، وَفِي النَّفْسِ مِنْهُ شَيْءٌ، يَتَوَضّا بِهِ وَيَتَيَمَّمُ (2).
كذا عند اليُونِينِيّ على الصواب، ولم يشر إلى أي اختلاف، وعند ابن حجر كذا لأكثر رواة «الصحيح» ، ووقع في رِواية أبي الحسن القابسي عن أبي زيد المَرْوَزيّ في حكاية قول سفيان:(يقول الله تعالى: (فإن لم تجدوا ماءً)، وكذا حكاه أبو نعيم في «المستخرج على البُخارِيّ»: حكى ذلك الحافظ والعيني والقَسْطَلّانِيّ.
والأول الذي هو للأكثرين، الصواب الموافق للتلاوة، وقال القابسي: وقد ثبت ذلك في «الأحكام» لإسماعيل القاضي - يعني: بإسناده إلى سفيان - قال: وما أعرف من قرأ بذلك.
قال الحافظ والقَسْطَلّانِيّ: لعل الثوري حكاه بالمعنى وكان يرى جواز ذلك.
(1)«اليونينية» 1/ 74، و «مشارق الأنوار» 2/ 330، و «فتح الباري» 1/ 432، و «عمدة القاري» 3/ 229.
(2)
«(اليُونِينيّة» 1/ 45.
لكن اعترض العينيُّ ابنَ حجر فقال في «العمدة» : لا يصح هذا أصلًا؛ لأنه قلب كلام الله تعالى، والظاهر أنه سَهْوٌ أو وقع غلطًا اهـ. وراجعت «انتقاض الاعتراض» فوجدت الحافظ لم يعقب.
وقال القَسْطَلّانِيّ: قد تتبعت كثيرًا من القراءات، فلم أر أحدًا قرأ بها.
قال الحافظ: وكأن هذا هو الذي جر المصنف أن يأتي بمثل هذه العبارة في كتاب التيمم كما سيأتي. اهـ (1).
2 -
ومن ذلك أيضًا:
ما وقع في كتاب الصلاة، باب الأَسِيرِ أَوِ الْغَرِيمِ يُرْبَطُ فِي الْمَسْجِدِ (2).
قال: حَدَّثَنا إِسْحاقُ بْنُ إِبْراهِيمَ قال: أَخْبَرَنا رَوْحٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال:«إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبارِحَةَ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَها - لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، فأمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، فارَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سارِيَةٍ مِنْ سَوارِي الْمَسْجِدِ؛ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمانَ: رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي» . [ص: 35] قال رَوْحٌ: فَرَدَّهُ خاسِئًا (3).
كذا جاءت الآية عند اليُونِينِيّ (رب هب لي ملكا
…
) ورمز لسقوط لفظة: (رب) من عند ابن عساكر فقط. مما يعني رسم الآية كما سبق عند باقي الرُّواة عنده بينما حكى ابن حجر في «الفتح» عن أبي ذر كما هو موافق للتلاوة: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا} ، ووقع لابن عساكر:{وَهَبْ لِي} فقط بإسقاط سابقه، أما القَسْطَلّانِيّ فقد ساقه كما هو موافق
(1)«اليُونِينيّة» 1/ 99.
(2)
«اليُونِينيّة» 1/ 99.
(3)
ينظر: «فتح الباري» 1/ 273، «عمدة القاري» 2/ 335، «إرشاد الساري» 1/ 439.
للتلاوة ثم ذكر عن أبي ذر ما ذكره عنه ابن حجر نقلا عنه ثم قال: ووقع لابن عساكر: {وَهَبْ لِي} فقط بإسقاط سابقه: كما في الفرع وأصله. اهـ.
وكأنه يميل إلى خطأ ما جاء في «اليُونِينيّة» .
والصواب الموافق للقراءة والتلاوة الذي وقع لأبي ذر.
ووجه الكرماني ما وقع للأكثر فقال: لعله ذكره على قصد الاقتباس من القرآن لا على قصد أنه قرآن.
قال الحافظ: وقع عند مسلم كما في رِواية أبي ذر على نسق التلاوة، فالظاهر أنه تغيير من بعض الرُّواة (1).
3 -
ومن ذلك أيضًا:
ما وقع في كتاب: مواقيت الصلاة، باب: فَضْلِ صَلَاةِ الْعَصْرِ.
حَدَّثَنا الْحُمَيْدِيُّ قال: حَدَّثَنا مَرْوانُ بْنُ مُعاوِيَةَ قال: حَدَّثَنا إِسْماعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ قال: كُنّا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً - يَعْنِي: الْبَدْرَ - فَقال: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَما تَرَوْنَ هَذا الْقَمَرَ، لَا تُضامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فإنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا» . ثُمَّ قَرأ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [ق: 39]. قال إِسْماعِيلُ: افْعَلُوا، لَا تَفُوتَنَّكُمْ (2).
كذا سياق الآية في {وَسَبِّحْ} وذكر في الحاشية أن عند أبي ذر الهَرَويّ وأبي الوَقْت والأصيلي وابن عساكر: (فسبح) بالفاء.
(1) ينظر: «صحيح مسلم» (541/ 39)، و «شرح الكرماني» 4/ 121، و «فتح الباري» 1/ 55، و «إرشاد القَسْطَلّانِيّ» 2/ 236
(2)
«اليُونِينيّة» 1/ 115.
قلت (الباحث): والأول الصواب الموافق للتلاوة، وقد نبه على ذلك غير شارح (1).
4 -
ومن ذلك أيضًا:
ما وقع في كتاب العيدين، باب فَضْلِ الْعَمَلِ فِي أَيّامِ التَّشْرِيقِ.
وَقال ابْنُ عَبّاسٍ: واذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ: أَيّامُ الْعَشْرِ، والأَيّامُ الْمَعْدُوداتُ: أَيّامُ التَّشْرِيقِ (2). كذا جاء عند اليُونِينِيّ
وفي رِواية أبي ذر عن الكُشْمِيهَني: (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات).
وفي رِواية أبي ذر عن الحَمُّوييّ والمُسْتَمْلِيّ: (ويذكروا الله في أيام معدودات)، كما في حاشية اليُونِينِيّ.
ووقع في رِواية كريمة وابن شَبُّويه كما عند اليُونِينِيّ في الأصل. ذكره ابن حجر.
وما جاء عن الكُشْمِيهَني هو الصواب الموافق للتلاوة، دون الآخرين.
قال الكرماني: لا يريد به لفظ القرآن.
وقال الحافظ: أجيب بأنه لم يقصد التلاوة، وإنما حكى كلام ابن عباس، وابن عباس أراد تفسير المعدودات والمعلومات. وقال نحوه العيني (3).
5 -
ومن ذلك أيضًا:
ما جاء في كتاب الجنائز، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: يعذب الميت ببعض بكاء
(1) ينظر: «اليونينية» 1/ 115، و «شرح الكرماني» 4/ 199، و «عمدة القاري» 4/ 189، و «إرشاد الساري» 2/ 299.
(2)
«اليُونِينيّة» 2/ 20.
(3)
ينظر: «اليونينية» 2/ 20، و «شرح الكرماني» 6/ 74، و «فتح الباري» 2/ 458، و «عمدة القاري» 5/ 391.
أهله عليه، وهو كقوله: {وان تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِها
…
}.
وقع عند أبي ذر وحده: (وإن تدع مثقلة - ذُنُوبًا - إلى حملها ..).
والأول الصواب الموافق للتلاوة.
قال الحافظ: ليست (ذنوبًا) في التلاوة؛ وإنما هو في تفسير مجاهد فنقله المصنف عنه (1).
ثانيًا: ومن هذا النوع ما يكون الخطأ في الإسناد أو المتن بإصلاح كلمة أو حذفها.
ويلتحق بهذا النوع إلحاق ما هو ساقط في السند ولا يستقم المعنى إلا بإلحاقه، كحذف واو العطف مثلا - أو إثباتها في بعض الروايات.
كما جاء في «الصحيح» في كتاب: الصلاة، باب الْخَوْخَةِ والْمَمَرِّ فِي الْمَسْجِدِ. (2).
حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سِنانٍ قال: حَدَّثَنا فُلَيْحٌ قال: حَدَّثَنا أَبُو النَّضْرِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قال: خَطَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقال: «إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيا وَبَيْنَ ما عِنْدَهُ، فاخْتارَ ما عِنْدَ اللَّهِ» .
كذا إسناد الحديث في «اليُونِينيّة» : عن عبيد بن حنين، عن بسر بن سعيد، عن أبى سعيد الخدري.
ورمز لسقوط قوله: (عن بسر بن سعيد) من عند أبي ذر الهَرَويّ والأصيلي عن أبى زيد، ووضع علامة التصحيح.
وساق ابن الملقن الحديث كما عند اليُونِينِيّ وقال: هكذا ثبت في
(1) ينظر: «اليونينية» 2/ 79، و «فتح الباري» 3/ 153.
(2)
1/ 100 (466).
روايتنا (1): عبيد، عن بسر، عن أبي سعيد (2).
وقال ابن حجر في «الفتح» : قوله: (عن عبيد بن حنين عن بسر بن سعيد) هكذا في أكثر الروايات، وسقط في رِواية الأصيلى عن أبي زيد ذكر (بسر بن سعيد) فصار: عن عبيد بن حنين عن أبي سعيد. اهـ (3)
وساق الجَيّانيّ الحديث في «تقييد المهمل» (4) بحذف (بسر بن سعيد) ثم قال: هكذا الإسناد عند أبى زيد المَرْوَزيّ، ووقع عند ابن السكن وأبي أحمد الجُرْجانيّ: فليح حَدَّثَنا أبو النضر، عن عبيد بن حنين، عن بسر بن سعيد، عن أبى سعيد الخدري.
قال ابن السكن عن الفَرَبْريّ: قال أبو عبد الله: هكذا رواه محمد بن سنان عن فليح - يعني: عن عبيد بن حنين عن بسر عن أبى سعيد - وهو خطأ، وإنما هو: عن عبيد بن حنين، وعن بسر - يعني: بواو العطف. اهـ.
فذكر فيه وجها ثالثًا وهو عطف عبيد بن حنين على بسر بن سعيد.
قال الجَيّانيّ: فهذه ثلاثة أوجه مختلفة عن فليح بن سليمان، ولعل فُليحًا كان يحدث به مرة عن عبيد بن حنين، ومرة عن بسر بن سعيد، ومرة يجمعهما، وكلٌّ صوابٌ. اهـ.
قلت: (الباحث): فتحصل بعد التخريج أربعة أوجه عن أبي النضر.
أولها: ما رواه محمد بن سنان (كما جاء في رِواية ابن السكن وأبي
(1) وهي رواية أبى الوَقْت عن الدَّاوُدِيّ عن أبي أحمد الحَمُّوييّ السرخسي عن الفَرَبْريّ.
(2)
«التوضيح» 5/ 613.
(3)
1/ 558.
(4)
ص: 583.
أحمد الجُرْجانيّ لهذا الحديث على ما حكاه الجَيّانيّ وكما هو في «اليُونِينيّة» في الأصل عن فليح: حَدَّثَنا أبو النضر، عن عبيد بن حنين، عن بسر بن سعيد، عن أبى سعيد الخدري ..
وتابع محمدًا معافى بنُ سليمان الحراني في روايته كما أخرجه الجَيّانيّ في «تقييد المهمل» (1) فرواه عن فليح، عن أبى النضر، عن عبيد بن حنين، عن بسر، عن أبى سعيد.
الثاني: ما رواه أبو عامر العقدي، عن فليح، عن أبى النضر، عن بُسر بن سعيد، عن أبى سعيد الخدري، كما رواه البُخارِيّ في «الصحيح» كتاب: فضائل الصحابة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: سدوا الأبواب (2) قال: حدثني عبد الله بن محمد، حَدَّثَنا أبو عامر به، مثله.
الثالث: ما رواه مالك، عن أبى النضر، عن عبيد بن حنين، عن أبي سعيد الخدري، مثله. رواه البُخارِيّ في «الصحيح» كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي صلى الله عليه وسلم (3). قال: حَدَّثَنا إسماعيل بن عبد الله قال: حدثني مالك به. ورواه مسلم في «صحيحه» (4) قال: حَدَّثَنا عبد الله بن جعفر بن يحيى بن خالد، حَدَّثَنا معن، حَدَّثَنا مالك به.
وأخرجه أيضًا الجَيّانيّ في «تقييد المهمل» (5) قال: حَدَّثَنا أبو عمر النمري، نا أبو محمد بن أسد، نا أحمد بن محمد ابن أبى الموت، نا على
(1) ص: 583، 584.
(2)
5/ 4 (3654).
(3)
5/ 57 (3904).
(4)
كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق (2382).
(5)
ص: 585 - 586.
بن عبد العزيز، نا القعنبى، عن مالك به.
وقال ابن الملقن في «التوضيح» (1) بعد أن ذكر رِواية إسماعيل بن عبد الله، عن مالك التي في البُخارِيّ، وكذا رواه عن مالك عبدُالله بن سلمة (2) وابن وهب ومعن، ومن طريقه أخرجه مسلم (3) ومطرف وإبراهيم بن طهمان - وسماه: عبد الله بن حنين - ومحمد بن الحسن، وعبد العزيز بن يحيى، قال الدارقطني: لم أره في «الموطأ» إلا في كتاب «الجامع» للقعنبي، ولم يذكره في «الموطأ» غيره، ومن تابعه فإنما رواه في غير «الموطأ» . اهـ. وتابع مالكًا محمد بن سنان كما في حديث الباب الذي معنا عند البُخارِيّ في رِواية أبى زيد المَرْوَزيّ، كما عند الجَيّانيّ فيما سبق في أول الباب.
الرابع: ما رواه يونس بن محمد، وسعيد بن منصور، عن فليح بن سليمان، عن أبى النضر، عن عبيد بن حنين وبسر بن سعيد - جميعًا - عن أبى سعيد الخدري.
رواه مسلم في «صحيحه» (4) قال: حَدَّثَنا سعيد بن منصور به.
ورواه عن يونس بن محمد، عن فليحٍ ابنُ أبي شيبة (5)، ورواه من طريقه الجَيّانيّ في «تقييد المهمل» (6) قال: حَدَّثَنا أبو عمر، نا سعيد، نا قاسم
(1) 5/ 614.
(2)
كما عند الترمذي كتاب المناقب، باب مناقب أبي بكر الصديق (3660).
(3)
كما سبق تخريجه.
(4)
كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبى بكر الصديق (2382).
(5)
المصنف 6/ 351 (31917) كتاب الفضائل باب: ما ذكر في أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
(6)
ص: 585.