الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الرابع:
وسائل توجيه الاختلافات
وسائل توجيه الاختلافات
مما لا شك فيه أن هناك بعض العوامل تساعد في الترجيح بين الروايات المختلفة. فاختلاف الروايات في صورة من صور الاختلاف التي سبق ذكرها سواء أكان ذلك في سياق الصحيح أو الأحاديث أو ما كان خاصًا بالرواة أو المتون، لا يعني بالضرورة التعارض، ودفع أحد الوجهين للآخر.
فمسائل تفاوت الروايات والتفضيل بينها من أصعب المسالك التي يسلكها الناقد أو المجتهد.
وهي مجال لا يحيط به إلا من رزقه الله تعالى الحفظ والإتقان، والوقوف على كثير من الروايات حتى ينقدح في ذهن الناقد الترجيح بين الروايات المختلفة إن تعذر الجمع بينها.
فبالنسبة للرواة عن «الصحيح» يمكن إعمال بعض القواعد التي اصطلح عليها الناقد في عصر الرواية على الرواة بالإضافة إلى اعتبارات أخرى اقتضتها الظروف الزمانية وبعد الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم (1).
فينبغي الوقوف على عدة أمور:
1 -
الحكم بتفاوت الروايات وتفضيل بعضها على بعض أمر اجتهادي.
فيحكم كل إمام من الأئمة في ترجيح رواية على أخرى بمقتضى علمه، وعلم النقاد والأئمة يتفاوت كمًا وكيفًا.
2 -
أن الترجيح بين الروايات يشتمل على أمرين:
الأول: تفضيل رواية كاملة على رواية أخرى، أو نسخة كاملة على نسخة أخرى.
(1) ينظر: «الكفاية» ص: 806 وما بعدها.
الثاني: التفضيل في الاختلافات في كل موضع.
والمجال التطبيقي في بحثي هذا يدور على الأمر الأول.
أما الأمر الثاني فيحتاج إلى تتبع وحصر وليس هذا مجاله، وإنما اكتفيت بذكر أمثلة تطبيقية للدلالة على المراد فقط.
3 -
أنه لا يلجأ المجتهد إلى الترجيح بين الروايات إلا بعد تعذر الجمع بين الروايتين أو الأكثر، فكثير من الاختلافات تكون أوجه مختلفة لحقيقة واحدة، كأن يكون الخلاف في ذكر اسم راوٍ، فيذكر في بعض الروايات بما يدل عليه، وفي الأخرى باسمه وكنيته، وفي بعضها الآخر بالاسم والكنية واللقب، وهكذا (1).
وبعض الاختلافات الواقعة في الأسانيد والطرق تكون محفوظة عمن رويت عنه بأكثر من وجه فيكون الجمع بين الروايات أولى من الترجيح بينها.
4 -
أن نتيجة الترجيح لا تكون بالضرورة رد المرجوح كما إذا لم يكن ثم مخالفة، بل قد يكون الترجيح للاختيار والتفضيل.
لكن إذا كانت نتيجة الترجيح الحكم برد المرجوح لمخالفته للراجح، فهنا يجب العمل بالراجح دون المرجوح، وهذا في مجال المفاضلة بين الاختلافات الجزئية.
5 -
أن كثيرًا من وجوه الترجيح بين الروايات التي يذكرها الأصوليون أو المحدثون للترجيح بين الرواة لا تصلح عند التطبيق العملي؛ وذلك لاختلاف الزمان وكيفية الرواية واختلاف المنهجين.
(1) مثاله ما جاء في بعض الروايات (حدثنا أبو اليمان) وفي بعضها: (حدثنا الحكم بن نافع) وهما واحد.
كما أن هناك بعض وجوه الترجيح التي تختص بالترجيح بين الروايات أو النُسخ، وهذه الوجوه هي التي تتعلق بالنُسخ وضبطها وكتابتها، وغير ذلك كما أن هناك بعض وجوه الترجيح عند الأصوليين لا تصلح للترجيح بين النسخ والروايات (1).
6 -
قد يجتمع في الرواية عدة مرجحات، وقد يكون بعضها أقوى في الدلالة على الترجيح من بعض، وهي ليست مرتبة بحيث لا يلجأ للمرجح الثاني إلا بعد فقد الأول منهما.
7 -
هناك وسائل مساعدة ترجع إلى ما قبل البخاري، وذلك باعتبار المتابعات التي تأتي عن شيوخ البخاري أو شيوخ شيوخه أو غير ذلك.
فأبو علي الجياني مثلًا كثيرًا ما يستدل على ترجيح بعض الروايات باعتبار الرواة عن مالك مثلًا. أو غير ذلك.
8 -
الترجيح بين الاختلافات الواقعة بين الروايات ينبغي أن يكون موضعًا موضعًا، ولا يكون ذلك بترجيح رواية مطلقة ولا رد رواية مطلقة.
وإنما يكون ذلك بعدة مرجحات، فتقديم العلماء لرواية معينة لا يعني ترجيح ما فيها مطلقًا، وإنما يجب اعتبار عدد من المرجحات.
9 -
أن الاختلاف بين الرواة قد يقع في طبقة الرواة عن البخاري وقد يقع الاختلاف بينهم فيما بعد ذلك من طبقات، كما وقع الخلاف بين الرواة عن الفربري من قبل أبي زيد والكشميهني عنه
…
الخ، وكما وقع الخلاف بين الرواة على أبي زيد من قبل الرواة عنه مثل: الأصيلي والقابسي وعبدوس، وكما وقع الخلاف بين أبي ذر الهروي وكريمة في
(1) انظر «المحصول الرازي» 5/ 414 وما بعدها، و «البحر المحيط» للزركشي 6/ 149 وما بعدها، و «التقييد والإيضاح» للعراقي ص: 271 - 274.