الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإشارة هنا إلى الذين كذبوا آيات الله، واستكبروا معرضين عنها متجاوزين، والإشارة إلى الموصوف بصفات فيها إيماء إلى أن هذه الصفات هي السبب في الجزاء، فهذا الاستكبار، وذلك التكذيب هو السبب في هذا العقاب وهو دخول النار، وتخليدهم فيها، وأنهم لَا خروج لهم منها، وقد أكد سبحانه وتعالى خلودهم في النار بمؤكدات ثلاثة أولها - القصر، فقد قصرها عليهم بتعريف الطوفين، وتعريف الطرفين من أنواع القصر، فالمعنى أولئك وحدهم هم أصحاب النار، ثانيها - أنهم أصحاب النار أي الملازمين لها ملازمة الصاحب لصاحبه. ثالثها - التأكيد بضمير الفصل، إذ يقول سبحانه:(هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وتقديم (فيها) في معنى قصرهم على النار، أي أنهم فيها لَا في غيرها خالدون.
وقد بين سبحانه وتعالى ظلم أولئك المكذبين للرسل المفترين على الله تعالى وما يكون لهم يوم القيامة فقال تعالت كلماته:
* * *
(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ
…
(37)
* * *
بعد أن بين الله الذين اتبعوا هدى الله، وما منحهم الله من فضله من اطمئنان وأمن ورحمة، وذكر الذين شقوا فكذبوا بآيات الله تعالى واستكبروا - وصف بعض أفعال المكذبين الكافرين ومآلهم، فقال: إنهم افتروا على الله الكذب، وهم بذلك ظالمون، وكذبوا بآياته، وذلك ظلم ثان عظيم، فقال تعالى:(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كذِبًا أَوْ كذبَ بِآيَاتِهِ).
الاستفهام هنا إما للتعجب أو للإنكار، وعلى الأول يكون المعنى: أي ظلم أفحش وأشد من الكذب على الله تعالى، والافتراء عليه، بهذا أمر من شأنه التعجب منه، وإما على كونه للإنكار فيكون إنكار للواقع للتوبيخ على هذا الذي وقع منه، والتعجب أو الإنكار من أمرين: أحدهما - الافتراء على الله، وهو الكذب عليه عن جهل قاطع للحق، والثاني - تكذيب الآيات، وإن الافتراء على الله تعالى قد وقع من بعض، فمنهم حرم بعض الطعام الطيب ونسب ذلك إلى الله تعالى، ومنهم من زعم أن الملائكة بنات الله تعالى، ومن زعم أن الأوثان
تقرب إلى الله تعالى، فكل هذا افتراء عليه سبحانه وتعالى عما يقولون علوا عظيما.
وهذا ظلم عظيم بذاته يتعجب منه ويستنكر، والظلم الثاني التكذيب بآياته، ومعناها ألا يأخذ بما يهديه إليه من معجزات باهرات، وآيات في الكون ظاهرات، ومنها آيات توجب الإيمان بها إيمانا بالرسائل الإلهية كآيات التكليف التي أنزلها الله تعالى على رسله، وعلى رأسها القرآن الكريم.
وهنا إشارتان بيانيتان:
الأولى - قوله: (افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا). . " افترى " هنا معناها قال قولا مخترعا له لم يكن له أصل وهو كذب في ذاته، فالمعنى أنه في حقيقته كذب، قد اخترعه أو افتراه كما في قوله:(. . . إِفْكٌ افْتَرَاهُ. . .).
الثانية - في التعبير بأو بدل الواو، وهي للترديد، وهي تشير أن الافتراء على الله بمثل ما ذكرنا من اتخاذ الولد، وغير ذلك من المفتريات ظلم فاحش يستنكر ويتعجب منه، فليس الاستنكار منهما مجتمعين، بل من كل واحد منهما منفردا، ومجتمعا.
بعد ذلك بين الله تعالى ما يترتب على افترائهم وتكذيبهم، فقال تعالت حكمته:(أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهم مِّنَ الْكِتَابِ) الإشارة هنا إلى أولئك الذين ارتكبوا أشد الكذب نكرا، وأفحشه كفرا، وكما ذكرنا هذه الإشارة تفيد أن ذلك الوصف هو سبب ذلك الحكم عليهم.
و (الْكِتَابِ) المراد به عند بعض المفسرين ما كتب لهم في الدنيا من رزق، وما مكنوا منه من متع وما ينالون من مكاسب ومن سلطان، ومن بعد ذلك يأخذهم الله تعالى أخذ عزيز مقتدر، ولذلك ختم قوله تعالى بقوله:(حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَوْنَهُمْ) فهذا الذي ينالهم هو في الحياة الدنيا، وذلك كقوله:(قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (69) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)، ومثل قوله تعالى:
(وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (23) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (24)، وهذا توجيه قول الذين فسروا الكتاب بما كتب في الدنيا من رزق، وما كتب لهم من أجل. ولكن يرد على هذا التعبير بـ (يَنَالُهُمْ) لَا بـ " ينالون "، فالرزق والمتع إذا كانت هي المكتوبة ينالونها، وهذا يخالف التعبير بـ " ينالهم " إنما نيلهم بأمر يكون عقابا لهم لَا متعة ينالونها ويقترفونها.
ولذا نرى أن الكتاب الذي هو كتب لهم في الآخرة من حساب وعقاب، إذ يجدون كتابهم قد سجلت فيه أعمالهم وينالهم هذا النصيب من الكتاب الذي سجل ما فعلوا، والتعبير بـ " نصيبهم " من الكتاب تعبير دقيق يصور عدل الله تعالى فنصيبهم من العذاب هو نصيبهم في أعمالهم، فجزاؤهم مشتق من أعمالهم، فكل نفس تجزى ما كسبت أي جزاؤها من كسبها، فلولا ما كسبت ما عذبت، فعقابهم جزاء وفاق لعملهم.
وإن ذلك الكتاب الذي سجلت فيه أعمالهم يأخذهم بنصيبهم منه من وقت قبض أرواحهم، ولذا قال تعالى:(حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يتوفَوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ).
" حتي " هنا على قول من يقول: إن النصيب هو الأرزاق والمتع والآجال تكون بمعنى " إلى " أو للغاية، أي أنهم يتمتعون بما كتب لهم حتى تجيء إليهم رسل الموت، الملك عزرائيل ومن معه فيما كلفه الله تعالى إياه، وكان جمع " الرسل " لهذا ومن قال - وهو ما نختار - أن الكتاب ما كتب عليهم من أعمال تنالهم بالعذاب عليها - تكون " حتي " تفريعية أي مبينة تفريعًا العذاب من أول نزولها بإحصائها عليهم من أول لقائهم في الآخرة.
يقول لهم رسل الله تعالى التي تقبفأرواحهم: (أَيْنَ مَا كنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) أي تدعون دعاء عباده تشركون بالله بهم، والاستفهمام هنا للتعجيز والتوبيخ والتبكيت، وتذكيرهم بسوء ما كانوا في دنياهم يفعلون.
وكقوله تعالى: (يَتَوَفَوْنَهُمْ)، أي يفيضون أرواحهم وقد توفوهم نصيبهم من الحياة الدنيا وبقي ما ينالهم من حساب وعقاب في الحياة الآخرة.
ويكون جوابهم ما عبر الله عنه بقوله: (قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ).
فالوا: (ضَلُّوا عَنَّا)، أي غابوا غيبة من لَا يستطيع أن يعودوا منها، وبذلك ثبت عجزهم وثبت لهم بهذا الإقرار أنهم لَا يستطيعون أن ينفعوهم أو يضروهم وفى هذا اليوم العصيب الذي استقبلهم، (وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ) الشهادة هنا إقرار وحكم على أنفسهم أنهم كانوا في حياتهم الدنيا كافرين بالحق وبالله وحسب ذلك دليلا عليهم، وعلى استحقاقهم كل عقاب ينزله الله تعالى بهم.
* * *
(قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (38) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41)
* * *
أشار سبحانه وتعالى إشارات بينات واضحات إلى ما أغرق فيه المشركون أنفسهم في الدنيا، وبين سبحانه وتعالى طغيان أنفسهم، وفساد عقولهم،
وضلال تفكيرهم، وفي هذه الآيات يذكر - سبحانه - عاقبة أمرهم وهي دخولهم في مجتمع أهل النار فقال تعالى:
(قَالَ ادْخلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ).
القائل هو الله تعالى ولم يصرح به بجوار الفعل؛ لأنه مذكور دائما في الأفهام وفي القلوب فلا حاجة إلى ذكره (ادْخلُوا فِي أممٍ)" فى " هنا قيل: إنها بمعنى " مع "، أي ادخلوا مع أمم قد خلت أي مضت من قبلكم في النار، ونحن نرى أن " في " معناها الظرفية كأصل وصفها، وإدخالها في هذه الأمم فيه إشارة إلى أنها وليست غيرا عنها، والمعية قد توهم المغايرة، ولا مغايرة بل هم أمم في ذواتهم، وهم أمة واحدة في كفرهم، فإن فرقتهم الأجيال فقد جمعهم الضلال وجمعهم العقاب، والتكذيب لآيات الله تعالى، والمعاندة لأحكامه.
وقوله تعالى: (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم)، أي مضت قبلكم منتحلة ما انتحلتم، مكذبة ما كذبتم من الحق والآيات، كاذبة على الله وغير مصدقة لآياته، ومستكبرة عنها.
وهذا النص يفيد أولا - أن الكفر كله ملة واحدة لَا تفريق بينها، فالباطل قد جمعها والعقاب قد وحدها، ويفيد ثانيا أنه يتسلسل في الأجيال جيلا بعد جيل، وبعد تفرقهم في الأجيال تجدهم قد التقوا في النار جميعا، وإن تنظر إلى تاريخ الملل والديانات الإنسانية تجدها أحيانا تتلاقى في نوع واحد من الكفر، فتجد مثلا عقيدة التثليث في الاعتقاد المزعوم من آلهة ثلاثة يوجد عند المصريين وعند البراهمة، وعند البوذية وعند الأفلاطونية الحديثة التي قبست من البرهمية والبوذية. . وعند النصارى الذين اتبعوا بولس، وقد قبسوها من البرهمية الذين قالوا في " كرشنة " ما قاله هؤلاء في يسوع عند بولس، وقبسوها أيضا من كلام البوذيين في بوذا، فنحلوه ليسوع في زعمهم، ثم قبضوا القبضة الكبرى من الأفلاطونية، وسموا ذلك نصرانية بعد أن انحرفوا عن المسيح عليه السلام الذي علمهم التوحيد واعتنقوه حتى غيروا وبدلوا.
وهكذا نجد فكرة وثنية عمت أجيالا، وكذلك عبادة الأوثان سيطرت على اليونان والرومان والعرب في عصر واحد.
فإذا كانت هذه الأجيال والأمم من الإنسان والجن فإنها تدخل النار جميعا، يلحق التابع المتبوع، وقد جمعهم الشرك بالله تعالى ووحد بينهم العقاب، ولذا يقول سبحانه وتعالى يوم القيامة:(ادْخُلُوا فِي أُمَم قَد خَلَتْ مِن قَبلِكُم)، أي مضت من الإنس والجن، والنار متسعة للجميع.
و" مِنْ " في قوله تعالى: (مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ) بيانية لبيان شمولها الضالين من الجنسين، الجن أتباع إبليس والإنس الذين أضلهم.
وفى هذا المجتمع الجهنمي يكون التابع والمتبوع، ولقد ذكر الله - تعالى - ما يكون بينهما في ذلك المحشر:
(كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ).
إن الله - تعالى - ذكر تلاحق هذه الأمم التي ضلت، وكان ضلالها واحدا، أو متقاربا مختلفا في شكله، متحدا في معناه؛ إذ كله وثنية وإشراك بالله تعالى، وكفر بالحقيقة الإلهية، وضلال أي ضلال في فهم حقيقة خالق الوجود ومنشئه، وقال تعالى:(كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا) التي دخلت معها، أو التي سبقتها، وذلك يدل على النفرة التي تكون بينهما، فإن من أشد العقوبات النفرة النفسية بين المجتمعين في واحد، ويدل أيضا على أن الاتحاد في عقيدة ضالة جعل واحدا من المتحدين يلغيها ويلعن من يعتنقها، لأنه يحسب أنه هو الذي سهل دخولها عليه، ثم يلعن الأتباع المتبوعين؛ ولذا قال تعالى:(حَتَّى إِذَا ادَّارَكوا فِيهَا جَمِيعًا) أي تلاحقوا فيها جيلا وراءه جيل، وسلفا وراءه خلف وآباءً وراءهم أبناءُ.
قال المتأخر للمتقدم، أو التابع للمتبوع:(هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا) وعبر الله تعالى عن ذلك بقوله: (قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ).