الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ
(115)
خيروا موسى عليه السلام بين أن يبدأواهم بإلقاء حبالهم وعصيهم أو ما معهم بشكل عام، وبين أن يلقي هو، وقدموا التخيير بإلقائه هو عن إلقائهم لأنهم يريدون أن يعرفوا ما عنده من طاقة ويقدروا طاقتهم على قدرها، وعبروا عن إلقائه بقولهم:(إِمَّا أَن تلْقِيَ) معبرين بالفعل استهانة بإلقائه غرورا وتعصبا، وليرضوا فرعون بأنهم فوق موسى في الحلبة، وعبروا عن أنفسهم بقولهم:(وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ) بالجملة الاسمية وتأكيدها بلفظ " نحن " وبقولهم " نكون "، وثوقا بأنفسهم وليثبتوا لفرعون أنهم الغالبون.
ولكن فطنة النبوة عند موسى جعلته يقدمهم عليه في الإلقاء، ليعرف ما عندهم:
(قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ
(116)
ألقوا حبالهم وعصيهم، والسحر لَا يغير حقائق، فلا يجعل العصي والحبال حيات، ولكنه يؤثر في الرائي في نفسه؛ ولذا قال:(سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ) جعلوهم يرون غير الحقيقة، (وَاسْتَرْهَبُوهُمْ) أي طلبوا رهبتهم بذلك السحر، وقد قلنا عند الكلام في السحر: إنه نوع من استهواء النفس، والسيطرة عليها بحيث يجعله في يد المستهوي، أو ما يعبر عنه بالتنويم المغناطيسي، فيغير إحساسها من محبة إلى بغض، ومن بغضٍ إلى محبة؛ ولذلك قال الله تعالى عما يفعله الذين يسحرون:(. . . يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ. . .) فيغيرون حال المحبة بينهما بهذا الاستهواء.
فكل ما فعله السحرة الذين نازلوا موسى عليه السلام أنهم استطاعوا أن يموِّهوا على الأنظار، ويسحروا الأعين لَا أن يغيروا حقائق الأشياء، فلم يجعلوا الحبل ثعبانا، ولكن العيون مسحورة، وأرهبوا الناس بعملهم وجاءوا في هذا بسحر عظيم في بابه الذي أتقنوه، إرادة الأجر من فرعون وإرضائه، ليكونوا من المقربين عنده.