الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم بين الله سبحانه أنه راجع إليه سبحانه، فقال منذرا، مبشرا:(وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرون).
الضمير ضمير الشأن، والمعنى، وأنه الحال والشأن تُحشرون، أي تجمعون مهما يكن جمعكم، ومهما تداخلت أجزاؤكم في الأجسام، ولو كنتم في حجارة أو حديد، أو خلق مما يكبر في صدوركم، فأنتم مجتمعون، والتعبير بـ (تحشرون) يفيد الجمع مهما يكن العدد، ومهما تتناثر الأجزاء أو يتباين كونها.
وقدم الجار والمجرور للدلالة على أن الناس جميعا يحشرون إليه وحده، وهو الذي أنذر وبشر، وأنه منفذ ما وعد، وما أوعد.
فهذه الجملة السامية تربي مهابة اللقاء، وتؤكده، وإنه لقاء بالغفور الرحيم العزيز الحكيم المنعم الجبار.
(وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
(25)
إن ظلم الجماعات لَا تقف مغباته عند من يرتكبون الظلم، بل يتجاوز إلى الإفساد في الجماعة نفسها، فمن أشاع الفاحشة في الذين آمنوا بأن جاهر بها مرتكبا لها، أو أشاع قول السوء في الجماعة - إنما يدعو إليها، محرضا عليها ولو كان ما يرتكبه ليس كثيرًا، ولكن المجاهرة بها دعوة إليها، وتحريض عليها، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الاستتار، فيقول فيما روى الشافعي:" يا معشر الناس من ارتكب شيئا من هذه القاذورات، فليستتر، فهو في ستر الله، ومن أبدى صفحته أقمنا عليه الحد "(1).
ومن أجل هذا حث الله تعالى على اتقاء الفتن، وهي الذنوب، أو الذنوب التي تختبر بها الجماعات ومن شأنها أن تشيع أو تفسد رأيها العام، كما نرى في عصور الانحلال وشيوع الفساد، وشيوع الدعوات المنحرفة، ويكون فيها الهوى
(1) سبق تخريجه.
متبعا، والرأي منحرفا، أو الفتن تموج كموج البحر، كما رأينا في بغي معاوية ومن معه على إمام الهدى عالم المسلمين، وحامل سيف الحق علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
يقول تعالى: (وَاتَّقوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً) ومعنى اتقوا: اجعلوا بينكم وبين الفتن التي تعم آثارها وقاية، وذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتنوير العقول وتثقيف القلوب. وتطهير الرأي العام من شيوع الأقوال الباطلة، فإنها تفسد الأفكار ولا تجعلها متجهة صوب الحق، بل تتميع العقول، ويكون شح مطاع وهوى متبع، ولا يكون التفكير الدقيق لما يقال، بل يتبع كل فاسق.
وإن الوقاية تكون بأمرين: أولهما - العدل، وثانيهما - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطُرنه على الحق أطرا، أو ليضرِبَنَّ الله بقلوب بعْضكم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم "(1).
وقوله تعالى: (لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمًوا منكُمْ خَاصَّةً) هي جواب لشرط محذوف أو في معنى جواب الأمر، وهو (اتَّقُوا)، والمعنى: إن تتقوها، لَا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة. ودخلت نون التوكيد الثقيلة؛ لأن جواب الأمر في معنى الأمر، ونون التوكيد تدخل الأمر فتؤكد جوابه، وذكرت الصلة في الموصول للإشارة إلى السبب وهو الظلم الذي يعم، ولا يخص، وأظهر الظلم ليتبين أنه السبب، وأن السبب في عموم الفتن أو الذنوب، أو الفساد في الأمة بعمل الطاغين، وعدم الخصوصية أن ظلم الخاصة تكون نتيجته على الجميع؛ لأنه لا يوجد من ينهاهم، وقد أمروا بأن ينهوهم بل أن يحاجزوا بينهم وبين الظلم كما أشرنا، وكما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: " لا تؤخذ العامة بظلم الخاصة
(1) سبق تخريجه.
إلا إذا رأوه ولم ينكروه "، فلا يعترض على عموم الفتنة بقوله تعالى:(وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرَى)، فالعامة لَا يؤخذون بوزر غيرهم إنما يؤخذون بتقصيرهم، وإنه إذا كان الفساد من بعضهم، فأثر الفساد يعم، فإذا شاع العبث، ونتأ برأسه غير مبال بشيء فإن الجماعة كلها مسئولة؛ لأنها لم تأخذ على يد من يدعو إلى الشر، ويعلنه جهارا، ورضيت من المتسلطين ما يفعلون أو لم يستنكروا، ولم يقاطعوا أعمال المنكَرين، ومن يدفعونهم أو يشجعونهم، فكانوا وهم على سواء. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وإنه لَا يكفي أن يكون الأخيار غير مرتكبين ما يرتكبه الأشرار، بل إنه يجب أن يقوموا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن الفتنة الكبرى التي وقعت بعد مقتل الإمام عثمان رضي الله عنه وظهور البغي السافر في عهد إمام الهدى عليٍّ وقعت آثاره على المؤمنين، ولنترك الكلمة للإمام الزمخشري في تفسيره فقد قال ناقلا:" روي أن الزبير قال: نزلت فينا وقرأناها زمانا، وما نرانا من أهلها، فإذا نحن المعنيون بها ". وعن السدي: نزلت في أهل بدر فاقتتلوا يوم الحلبة، وروى أن الزبير كان يساير النبي صلى الله عليه وسلم يوما إذ أقبل عليٌّ رضي الله عنه فضحك إليه الزبير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" كيف حبك لعلي "؟ فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي إني أحبه كحبي لولدي أو أشد حبا. فقال: " فكيف أنت إذا سرت إليه تقاتله "(1).
ولقد كان ما انتهى بأن ذهبت الشورى في الإسلام، وصارت مُلكا عضوضا، صالحا أو طالحا، ولكن فقد الحكم قوة الأمة، وأهمل قوله تعالى:(وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ. . .).
ولم يبق إلا أن نعلم أن الله أنذرنا بعقابه فقال: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) وإنا قد علمناه، ولم نرتدع عن غينا، ونسلك طريق ربنا، علمناه وآمنا به، ورأينا بعضه، وهو عقاب الدنيا، فتفرق جمعنا، وتقطع الأمر بيننا، وتحكِّم الأعداء فينا وصرنا نهبا مقسوما، وصار أكثر حكامنا يرتمون في أحضان من
(1) ذكره بهذا اللفظ الرازي في التفسيرج 15، ص 473، والزمخشري في الكشاف: ج 2، ص 152.
لا يرجون للإسلام وقارا، ويفسدون تفكير المسلمين، وما يلقانا يوم القيامة أشد هولا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
* * *
الإسلام قوة للمؤمنين إن آمنوا به
(وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)
* * *
إنه لكي تشعر الجماعات والأفراد بنعمة الحاضر يجب أن تعرف الماضي، وأن تكون صورته حاضرة دائما في حاضرها، وكذلك إذا عرفت ما كان في ماضيها من خير أدركت ما عساه يكون حاضرها، ومن حكمة الله وسنته دائما أن يجعل الماضي نوراً للحاضر، أو يكون فيه عبرة للمعتبر (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11).
يذكر الله سبحانه وتعالى ما كان بالمؤمنين من ضعف ليذكروا ما هم فيه من قوة ونعمة، وليشكروه على ما أعطاهم وعلى ما آتاهم، فيقول:
(وَاذْكرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ).
" الواو " عاطفة على قوله تعالى: (اسْتَجِيبوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) الوقت هنا " إذ " مفعول به، وليست مفعولا فيه، فالذكر ليس ظرفه الوقت، وإنما ذات الوقت هو المذكر، والوقت إذا كان في الوقت يكون مظروفا فيه لَا يعدوه، وأما إذا كان هو المقصود فيكون الذكر لذات الوقت، وما كان فيه من أحداث وأحوال.
والمعنى: اذكروا في زمن العزة زمن الذلة، وصور الله سبحانه وتعالى الحال فقال:(إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ) أي: عدد قليل فإن الإسلام إذ نشأ كان عدد المسلمين قليلا، وكان المشركون يستذلونهم، ويستضعفونهم ويؤذونهم، مرة بالسخرية والاستهزاء، ومرة بالضرب والأذى، ومرة بوضع الحجر المحمى على ظهورهم، حتى كانوا يضطروهم إلى أن ينطقوا بكلمة الكفر، وقلوبهم مطمئنة بالإيمان، ولم يسلم النبي صلى الله عليه وسلم من الأذى، حتى إنه ليرمى عليه فرث الجزور وهو يصلي، ومع هذا الاستضعاف في الأرض غير مستقرين في أنفسهم وأموالهم فهم في خوف وفزع واضطراب؛ ولذا وصفهم الله تعالى بقوله:(تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ) والتخطف معناه: سلبهم أو سلت أموالهم سريعا من غير تلبث، والتخطف هو موضع الخوف، ولا يكون معه استقرار أبدا، فلا يأمن التاجر، ولا العامل، ولا الزارع، لَا على ماله، ولا على نفسه، ولذلك كانت منهم الهجرة إلى الحبشة، وقد بين الله نعمته بالإيواء والتأييد بالنصر، والرزق من الطيبات.
فقال سبحانه: (فَآوَاكُمْ) بالهجرة إلى المدينة حيث الإخوة بالمدينة الذين آووا ونصروا وعوضوكم عن نصرة القوابة والنسب التي عقَّها الشرك أُخُوَّة الإيمان، وآثروكم على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة وقال:(وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ) فجعل لكم الغلب والقوة، وكان يوم الفرقان، إذ جعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا، وأعزكم بعد ذلك، وصاروا هم - أي الكفار - يخافون الاختطاف
العادل، وسلبهم الله تعالى الأمن والاطمئنان. وقال:(وَرَزَقَكم مِّنَ الطَيِّبَاتِ) أي الطعام الطيب في ذاته، والطيب في طريق الحصول عليه، فوجدتم في المدينة الزرع والثمار بدل الجدب، وأعطاكم من غنائم المشركين حلالا طيبا، ثم قال سبحان:(لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي رجاء أن تشكروه على ما أنعم.
ونجد أن الخطاب للمؤمنين ليشكروه على ما أنعم من نعم نالوها بإيمانهم، واتجه بعض المفسرين إلى أن الآية تبين نعمة الإسلام على العرب، بعد أن دخل الناس في الإسلام أفواجا، أفواجا، ولا يقتصر الإيواء والنصر على ما كان بعد الهجرة مباشرة، بل يعم ما شمل العرب من خير عميم، وجاء ذلك في أقوال بعض التابعين، فقد روي عن قتادة السدوسى في هذه الآية أنه قال: (كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلا، وأشقاها عيشا، وأجوعها بطونا، وأعراها جلودا، وأبينها ضلالا، من عاش منهم عاش شقيا، ومن مات منهم زوى في النار.
يؤكلون، ولا يأكلون، والله ما نعلم من حاضر أهلٍ يومئذ من كانوا شرا منزلا منهم حتى جاء الإسلام، فمكَّن به في البلاد، ووسَّع به في الرزق، وجعلهم ملوكا على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا الله على نعمه، فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله).
وإن هذا ليس رأيا مغايرا للتفسير السابق، ولكنه حكم بعموم النعمة على العرب أجمعين، لَا للذين هاجروا وجاهدوا، وأيدهم الله تعالى بنصر النبي صلى الله عليه وسلم، بل بكل العرب؛ إذ رفعهم من جهل إلى علم بالإيمان، ومن شظف العيش إلى عيش رفيع، حتى لقد قال خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم:(والله ليتألمن من النوم على الصوف الأذربى كما يتألم - أحدكم من النوم على حسك السعدان)، ولقد حذر الله تعالى من أسباب الفساد عندما يفيض الخير فقال عز من قائل:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27)
أمر الله تعالى المؤمنين بأن يذكروا في الرخاء الشدة، وفي الكُثر يذكرون القل، وفي العز يذكرون الذل، وفي حال الاعتزاز يذكرون الاستضعاف ليعرفوا النعمة، وحقها، وقد ذكر بعد ذلك ما يصون رفعة الأمم والآحاد، فذكر أنه الأمانة؛ ولذا حث عليها بالنهي عن الخيانة.
والتفسير اللغوي لكلمة " خان " هو أن معناها نقص؛ ولذا يقال لنقيضها، " وفّى " فيقال خان الأمانة، بمعنى نقضها، ويقال وفَّاها أي أداها على وجهها، والنهي عن خيانة الله وخيانة رسوله فهي واحدة، لأن ما يطلبه الله يطلبه رسوله، ولكن ألحق جلاله مع النبي أو النبي مع الله؛ لتأكيد المعنى في أن من أطاع الرسول فقد أطاع الله، ولبيان أن الرسول لَا يطلب إلا ما يطلبه الله تعالى؛ ولأن يبين أن نصرة لرسول نصرة لله، ومحبة الرسول محبة لله (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ. . .)، وأن خيانة الرسول خيانة لله تعالى.
وخيانة الله ورسوله، تشمل عدم إطاعة الشرع، ومخالفة نواهيه، وترك الجهاد، وإفشاء أسرار المؤمنين، وإعلان ما أمر الله بكتمانه، والغلول في الغنيمة قبل قسمتها، والكيد لجماعات المسلمين، واتخاذ بطانة من غيرهم، وموالاة أعداء الحق، وفي الجملة مناوأة أهل الحق سرا وباطنا، فهذه كلها خيانة لله ورسوله، وعدم رعاية الأمانات، ومناصرة الظالم، ومعاونته على الظلم وعدم مراعاة الأمانات، وفي الجملة تشمل خيانة الله ورسوله كل خيانة للشريعة، سواء أكانت تتعلق بالآحاد والجماعات، وقوله:(وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) عطف على خيانة الله ورسوله، والمراد (أَمَانَاتِكُمْ) الأمانات التي عهد إليكم بالقيام عليها، وأدائها في وقتها ويكون النهي عن خيانتها وارد من ناحيتين:
الناحية الأولى: من جهة أن خيانتها خيانة لله ولرسوله؛ لأن الله تعالى أمر بأداء الأمانات إلى أهلها، فقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُمْ أَن تؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا
وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)، ومن أن شريعة الله التي بلغها محمد صلى الله عليه وسلم تأمر بأداء أمانات العباد إلى أصحابها.
والناحية الثانية من أمانات العباد: حق العباد، وديوان ظلم العباد لَا يُغفر إلا برد مظلمة ظلم الطاغين، وقد أكد الله تعالى النهي وغلَّظه بقوله تعالى:(وأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) أي تجحدون الأمانة وأنتم تعلمون وجوبها، أو تنكرونها، وأن تعلمون أمرها، وأن أداءها واجب عليكم.
ونرى من هذا أن خيانة الله ورسوله والناس أجمعين منهي عنها، وأن عمومها لَا يمنع أنها قد تكون اقترنت في نزولها بحوادث وقعت من بعض الصحابة.
فقد روى أن أبا لُبابة كان بينه وبين بني قريظة صلات، فلما حكَم النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ فيهم أشار إليهم أبو لبابة بألا يحكِّموه، وأشار إليهم بأن حكمه الذبح، فأحس بأنه خان رسول الله صلى الله عليه وسلم فربط نفسه في سارية المسجد، ونذر ألا يأكل حتى يحله رسول الله، فمكث تسعة أيام خر على أثرها مغشيا عليه فتاب الله تعالى عليه، وحل وثاقه فقال: إنه نذر أن ينخلع من كل ماله، إن تاب الله عليه، فاكتفى رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلث ماله (1).
وروى أنها نزلت عندما أرسل حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين يخبرهم بسير النبي صلى الله عليه وسلم وقد أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالكتمان، فخان المسلمين بهذا الإخبار (2).
وفى الحق إن الآية عامة لهذه الأحوال وغيرها.
وإن خيانة الأمانة سببيا الهوى، ومسير الهوى ودافعه فتنة المال والولد؛ ولذا قال تعالى ذاكرا سبب الخيانة ليكون الحذر:
* * *
(1) رواه أحمد: مسند المكيين - حديث أبي لبابة (15323) وانظر مسند الإمام أحمد: مسند الأنصار - باقي مسند عائشة رضي الله عنها (24573).
(2)
انظر البخاري: الجهاد والسير الجاسوس (3007)، ورواه مسلم: فضائل الصحابة - من فضائل أهل بدر (2494).