الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد ختم الله سبحانه وتعالى الآية الكريمة بقوله: (إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فهو عزيز يخلق العزة وأسبابها، عالم يجمع القلوب بحكمته وتدبيره، وهو الذي أحاط بكل شيء علما.
وفيه إشارة إلى أمرين:
أولهما - أن ائتلاف القلوب والتحاب والتواد، والبعد عن التباغض والتنابز هما عماد العزة، والتدبير الحكيم.
وثانيهما - إنه لَا غلب ولا سلطان إلا بالتآلف، وإن يصير المجتمع كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا.
اللهم أعد للمسلمين ائتلافهم، واجمعهم على محبتك ومحبة رسولك، وأزل ما بينهم من بغضاء وعداوة وأبدل بهما محبة وولاء، إنه لَا يقدر على ذلك إلا أنت، كما ألفت القلوب ابتداء، فأعدها بعزتك وحكمتك إنك سميع مجيب الدعاء.
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
(64)
النداء للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان النداء بـ " يا " التي تكون للبعيد، لبعد الشرف في موضوع النداء وهو الاعتماد على الله والالتقاء بحمايته، وبكلاءته سبحانه.
والكلام السابق في هذه الآية وما قبلها للتحريض على الجنوح للسلام إن جنحوا معتمدا على الله، آمنا من أن يخدعوه؛ لأن الله تعالى منه وكالته، والمؤمنون معه يؤيدونه وينصرونه، وإنه بنعمته سبحانه ألف بين قلوبهم، وما كان يمكن لأحد أن يؤلف قلوبهم، وتلك إحدى خوارق العادات، وهنا تصرح الآية الكريمة بأن الله وحده عاصم نبيه ومن معه.
(حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) معنى حسبك عاصمك وكافيك وحاميك، ولقد قال شاعر:
إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا
…
فحسبك والضحاك سيف مهند
أي إذا كانت الهيجاء تكاد تحبك مع الضحاك سيف مهند.
و" الواو " في قوله (وَمَنِ اتَّبَعَكَ) هي واو المعية، والمعنى عاصمك وكافيك مع المؤمنين ذلك، أن النبي خاف من الحروب على من معه من المؤمنين أن يُخانوا أو يخدعوا، فبين الله أنه حاميه وعاصمه هو ومن معه من المؤمنين، فلن يأخدهم من مأمنهم، لأن الله معهم.
ويصح أن تكون الواو عاطفة " من اتبعك من المؤمنين " على " الكاف " في " حسبك "، ويجوز العطف على الضمير المجرور من غير إبرازه بضمير منفصل، ويكون المعنى حسبك أنت ومن معك من المؤمنين.
والمعنيان واضحان من حيث المؤدى، ولكن الأخد بأن الواو للمعية أولى؛ لأنها تدل على الصحبة، والتصريح به هنا يقوى الكلام ويؤيده.
وقوله: (وَمَنِ اتَبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) يشير إلى حكمة العصمة والكفاية، وهو كونهم الذين اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته، ونصرته، وإنهم بذلك قوة الرسالة، فهم قوة الدين الحق، وكان الله تعالى عاصمهم كما وعد نبيه بأنه عاصمه من الناس كما قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. . .).
وإن الله تعالى إذ يأمرنا بالسلام، إن جنحوا، ويزيل كل شك في أن يأخدوا المؤمنين على غِرَّة يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يجعل المؤمنين على حذر ويستعدوا للحرب إن جالوا جولة ثانية، وذلك بأن يحرضهم على الاستعداد للقتال، وأن يقووا وحدتهم، وجماعتهم وأن يعلموا أنهم لن يُغلبوا من قلة.
إن الفئة المؤمنة لها قوتان: قوة الإيمان، والعدد المناسب، وقوة الألفة فوقهما، فيكونون بهذه القوة محاربين أشداء؛ ولذا قال تعالى:
* * *
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66)
* * *
هذا بيان تحذير الله تعالى لنبيه إذا جنحوا للسلم، فلا تُغمد السيوف في أجفانها، ولا يسترخون، ويسكنون فإن المشركين إن جنحوا للسلم مدة، وجنح المسلمون استجابة للسلام يكونون على حذر دائم، فعساهم يأخذون المسلمين على غرة فيجب أن يكون المسلمون على استعداد دائم يستجيبون لكل هيعة (1)، ويكونون مستعدين للنفير دائما، كما قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِروا ثبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا). ولذا أمر الله نبيه بأن يبث فيهم روح القتال دفاعا عن الحق، كما يبث فيهم الإيمان، فإنه لَا بد لهم من شوكة
(1) الهيعة: الصوت عند حضور العدو.
(يا أَيّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُومِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ) أي حثهم وبث فيهم روح الحمية، وإعداد العدة والاستعداد للحرب وإن يأخذوا الأهبة للقتال، ويدربوا أولادهم، فإن الكفار لا أمان لهم، ولو جنحوا للسلم، لأن الاستعداد وقاية من أن ينقضُّوا على المؤمنين انقضاضا.
ولقد كان من الحض على القتال أن يبين لهم أنهم لإيمانهم أشد بأسا، وأكثر عزما، فإن كانوا في العدد كثير، فهم بالإيمان أكثر وأغلب، وأقوى وأثبت، وبالصبر والعزيمة أعظم وأشد.
وقوله تعالى: (إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) إلى آخر ما ذكر من أعداد؛ أهو إخبار من الحكيم الخبير، ويتضمن الحض على الإيمان والصبر، أم هو أمر بالثبات مع هذا العدد، وعلى أنه أمر يكون ما في النص تكليف بألا يفر مائة من ألف، ولا عشرون من مائة، فإذا التقى عشرون في سرية بمائة لَا يفرون منهم، ويعودون أدراجهم لمكاثرتهم بالعدد، بل عليهم أن يقاتلوهم صابرين في قتالهم، وإذا التقى مائة بألف، لَا يفرون منهم لكثرتهم، بل يقاتلون مريدين النصر والعزة، وعندما تكاثر المجوس على المسلمين، وخاف عمر رضي الله عنه على المسلمين لم يأمرهم بأن يعودوا، بل اعتزم أن يخرج إليهم، ويتقدم صفوفهم، ويذهب للقتال، واستشار الصحابة في ذلك فمنهم من وافقه، ولكن عليا اعترض ومنع، وهو أخبرُهم بالجهاد في سبيل الله، فقال رضي الله عنه:" كن قطبا، واستدر رحى الحرب بالعرب، فإنك إن خرجت فما تَدع وراءك من العورات أشد، وأما كثرة العدد، فإنا ما كنا ننتصر بالعدد، بل بالنصر والمعاونة ".
هذا على قول من قال: إذ ذكر الأعداد للأمر بألا يكون الفرار من أقل من هذا العدد.
وابتدأ بذكر العشرين؛ لأن السرية عادة لَا تكون في أقل من العشرين.
وقال بعض المفسرين، والنص يحتملها: إن ذلك للإخبار عن قوة النفوس بالصبر والإيمان، وأن الواحد بها بعد كعشرة ممن لم يؤتوا الإيمان والصبر وعزة الحق، ونفوسهم بوار من هذه القوى كلها، وهذا النحو من القول فيه تثبيت للقلوب، فإن جنحت فعندها من مدخر من هذه القوى، ما تقابل بها الخيانة إن كانت، وإن حاربوا ولم يسالموا ولم يجنحوا إلى سلم - كانت القوى واقفة تدفع الباطل بالحق فإذا هو زاهق وللكافرين الويل مما يصفون، وإنه إذا كان القول للإخبار، فإن الأمر يجيء نتيجة للخير، إذ إن مقتضى إخبار الله المحيط بكل شيء علما بذلك الخبر الذي لَا يتطرق إليه الشك - أن يكون الوجوب عليهم بمقدار ما منحهم الله تعالى من هذه القوة التي منحهم الله إياها، فالوجوب على مقدار
الاستطاعة، والاستطاعة كانت عظيمة، فالواجب عظيم. ينتهي الأمر بأن المؤمنين عليهم أن يعدوا العدة من قوة المادة والدربة وأن يعدوا أقوى عدة، وهي الصبر والعزيمة والاعتزاز بعزة الله تعالى وعزة الحق.
وهنا أمور تجب ملاحظتها هنا في هذه الآية التي تثبت القلوب:
أولها - أنها تثبت أن المؤمنين إن كانوا أقوياء بالوحدة المؤلفة الجامعة للقلوب والمشاعر، يكون العشرون غالبين لمائتين، فإذا كان الرجل بالرجل، فلِقُوَّة النفس والائتلاف تسعة رجال وحدها، فيكون الواحد بعشرة، وبذلك يتبين فضل الصبر والوحدة المؤتلفة التي لَا تفرق فيها.
ثانيها - أن الله تعالى وصف العشرين بالصبر، وترك ذكره في المائة، وهو ملاحظ فيها، ولم يذكر اعتمادا على ذكره في الأول، وذلك شأن الكلام البليغ فكيف يكون الشأن في أبلغ كلام في الوجود.
ثالثها - قوله تعالى في آخر الآية: (يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) وهو وصف أيضا للمائتين، أي أنهم من الذين كفروا، وذكر الوصف بالموصول للدلالة على الكفر هو سبب الضعف كما كان الإيمان والصبر هما بسبب القوة فينا، فعلينا أن ندرع بالصبر والإيمان دائما، لأنهما قوتنا، وعزتنا.
وقد علل الله سبحانه هزيمة الكفار بقوله تعالت كلماته: (بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) أي سببًا لذلك التفاوت في القوة الذي كان مظهره التفاوت العددي، بأن
كانت العشرون الصابرة تعادل منهم، السبب في ذلك " أنهم قوم لَا يفقهون " أي لايدركون إدراكا ينفد إلى الحقائق، وإلى لب الأمور، فإنهم بذلك ضلوا، فلم ينفذوا إلى الحق فيؤمنوا به، ولم ينفذوا إلى إدراك قوة الحق فظنوا أنهم يغلبونه بالكثرة الكاثرة، ولا تغنيهم في الشديدة فتيلا، ولم ينفذوا إلى سبب الغلب، فغرهم الغرور.