الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ادخلوا أيها المخلصون الذين أخلصوا دينهم، وصبروا وصابروا الجنة بما فيها من نعيم حسي، وراحة نفسية، وطلب الدخول هنا تقرير للدخول؛ لأنهم دخلوا فعلا، وما كان دخولهم بعد الطلب، إنما كان قبله، كما ترى إنسانا في أرض طيبة فينتفع وهو فيها، ويستحقها، تقول له: ادخلها وابق فيها.
(لا خَوْفٌ عَلَيْكُم) من شر يحيق بكم، ولا هم يغمكم، بل أنتم في رَوح وريحان، (وَلا أَنتُمْ تَحزنونَ) على الخير لكم، وحاضر نعيم، وسعادة، وقد نزع الله تعالى من قلوبكم الغل فأنتم تنعمون براحة البال والمحبة والتواد بينكم، فلا تنغص من حقد أو حسد، أو تباغض.
تنبيه: إن أهل الأعراف يحبسون عن دخول الجنة، ويرون ما عليه أهل النار، وما عليه أهل الجنة، ويقول. في ذلك الزمخشري في الكشاف:" فائدة ذلك بيان أن الجزاء على قدر الأعمال، وأن التقدم والتأخر على حسبها، وإن أحدا لا يسبق عند الله إلا بسبقه في العمل، ولا يتخلف إلا بتخلفه فيه وليرغب السامعون في حال السابقين ويحرصوا على إحراز قصبتهم، ولتصور أن كل أحد يعرف في ذلك اليوم بسيماه التي استوجب أن يوسم بها من أهل الخير والشر، فيرتدع المسيء عن إساءته، ويزيد المحسن في إحسانه، وليعلم أن العصاة موبخهم كل أحد حتى أقصد الناس عملا ".
فإنك كما ترى أهل الأعراف لم يدخلوا الجنة، وهم يطمعون فيها ومع ذلك كان فيهم ذلك التوبيخ والتنديد بالعصاة.
* * *
(وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ
…
(50)
* * *
انتهت المجاوبة التي كانت بين أهل الأعراف وأصحاب الجنة التي لم يدخلوها، وكانوا يطمعون فيها، وهي دلت على أن الأعمال هي تدخل الجنة، وأن التقاصر عنها هو الذي يدخل غيرها.
وإن أهل النار كانوا في لثمقاء، فعند أهل الجنة ما يشتاهون من لحم، وعسل مصفى، وحور عين، وأنهار تجري. . أما أهل النار ففي حرمان مطلق من كل
هذا، ولقد صورهم القرآن الكريم يتقدمون طالبين الماء وبعض هذه الخيرات؛ ولذا قال تعالى:(وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ) رادوهم مستصرخين من شدة العطش، وحرارة النار (أَنْ أَفِيضوا)، " أن " هنا تفسيرية، لأن المطلوب هو إفاضة الماء، فكان المعنى نادوهم: أفيضوا علينا الماء.
وإفاضة الماء التوسعة في إعطائه، ويبدو أن أهل الجنة كانوا في مرتفع تجري فيه الأنهار والعيون، وأهل النار في منحدر والماء يفيض من الأعلى إلى الأدنى، والمعنى لَا يمنعونه بسدود، حتى يفيض عليهم مدرارا، وينهمر أنهارا.
والماء أهم شيء للأحياء، والصدقة به أبر الصدقات، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أبر الصدقات فقال: الماء، وهل معنى هذا أن أهل النار كانوا محرومين من الماء حرمانا مطلقا؛ نقول لَا، بل كان عندهم، ولكنه حميم، وغساق يمزق الأحشاء فلم يكن عندهم النمير العذب الذي تجري به الأنهار وتنضح به العيون.
نادوهم، وفيهم آباء لمن ينادونهم، وأخلاء في الدنيا، ولكن الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو، فهي قطيعة بين أهل النعيم وأهل الجحيم قطعوها في الدنيا، فسجل الله تعالى عليهم ذلك في الآخرة.
ولقد طلبوا مع الماء شيئا مما هو عند أهل الجنة من طعام شهي، وفاكهة ورمان ولذا قالوا:(أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) أي أعطاكم من خيرات من لبن سائغ للشاربين، وعسل مصفى، وخمر لَا غول فيها ولا يصدعون منها، طلبوا هذا، ولكن ذلك حرام عليهم، ولذا أجاب أهل الجنة وقالوا:(إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ).
قال أهل الجنة معتذرين عن عدم الإجابة، أو مقررين الوقائع التي غابت عن أهل النار تحت تأثير العطش الشديد، والحاجة الملحة إلى الطعام، وهو أن ذلك
جزاء الله تعالى، ووعده الذي وعدهم به وإن الله لَا يخلف الميعاد، قالوا لهم:(إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ) ذلك أن لكل نصيبه وجزاءه، وحسبكم ما تمتعتم به في الدنيا آثمين ظالمين كافرين بالحق مستكبرين عن اتباعه مكذبين لدعاته.
والتعبير بالكافرين إشارة إلى أن سبب الحرمان هو الكفر، ولا خلاص لكم مما كتب عليكم بأعمالكم.
* * *
(الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51) وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53)
* * *
هذا بيان للكافرين وأعمالهم في الدنيا، وقد ذكر - سبحانه - ما ينزل بهم في الآخرة، وأنهم في شقاء جهنم يطلبون الماء العذب فلا يجدونه، بل يجدون حميما وغساقا، ويطلبون الطعام، فلا يجدون إلا شجرة الزقوم.
وقد ذكر سبحانه وتعالى حالهم في الدنيا ليبين عدالة ما يستحقون في الآخرة، وأنه جزاء ما كسبوا. ذكر الله تعالى لهم وصفين خطيرين كانا السبب فيما ينالهم في الآخرة:
أولهما - أنهم اتخذوا دينهم لهوا ولعبا، ودينهم هو ما خوطبوا به من الرسل الذين أرسلوا إليهم، إذ هو الدين الذي طلبوا بالقيام بحقه، فأعرضوا عنه، واتخذوه لهوا وهو ما يلهيهم عن الحق، ويموِّهون به الباطل، ويتعابثون به على الرسل وأتباعهم وازدرائهم، وقالوا هم أراذلنا، فكل هذا ألهاهم عن الحق، ولم يفكروا أن الدلائل الموصلة بل فكروا في أهواء ضالة. واللعب هو الأعمال العابثة التي لم يكن لها حد مقصود بل ترفع إليه أهواء جامحة كشربهم الخمر ولعبهم بالميسر، واتخاذهم القِيان (1)، وانغماسهم في حياة عابثة.
ثانيهما - أنهم غرتهم الحياة الدنيا بزخرفها، وشهواتها، وما ينالون منها، وظنوها الحياة التي لَا حياة بعدها، فاغترارهم بهذه الحياة جعلتهم ينكرون البعث، ويقولون:(. . . أَئِذَا كنا تُرَابًا أَئا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ. . .).
ولقد كانوا يتهكمون على هذه العقيدة، ويقولون متهكمين لاعبين: أرجع آباءنا، أرجع قُصَيًّا؛ فإنه رجل خير. . . وهكذا كانوا يعبثون بالحقائق؛ وذلك لأنهم قوم ماديون، لَا يؤمنون بالغيب، ولا يؤمنون إلا بما يرون ويحسون. وقد نسوا الله تعالى، ونسوا مقدرته في هذا الوجود، فكان أن تركهم كما تركوه.
ولذا قال تعالى:
(1) القيان جمع قينة، وهي الجارية المغنية.
(فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) النسيان على الله تعالى لَا يجوز، لأنه - سبحانه - لَا يغفل عن شيء قلَّ أو جَلَّ، وكل شيء عنده في كتاب أحصاه لَا يتخلف عن علمه شيء، وأريد بالنسيان لازمه، وهو الترك بل بعض علماء اللغة يقول: إن الأصل في معنى النسيان هو الترك، والمعنى في قوله تعالى:(فَالْيَوْمَ) الذي تجزى فيه كل نفس بما كسبت نتركهم في جهنم يريدون الماء فلا يجدونه إلا في حميم، ويطلبون الطعام، فلا يذوقون إلا طعام الزقوم.