الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويثبتوا، ولقد قال في ذلك ابن كثير في تفسيره والباء في قوله تعالى:(بِمَا كَذَّبُوا) للسببية أي ما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل بسبب تكذيبهم بالحق أول ما ورد لهم، حكاه ابن عطية رحمه الله، وهو متجه حسن.
وذلك لأن أول خاطر يتعلق بالنفس، ويلتصق بالفكر، فيكون التخلي عنه محتاجا إلى جهد لَا يستطيعه إلا الصابرون، وإن أولئك الذين يكذبون لأول وهلة من غير نظر يصلون إلى الحق بمجهودين أولهما الانخلاع مما سبق إليهم، والثاني التماس البينات بلب سليم، وفكر مستقيم قد خلا مما يعوقه.
ولقد بين تعالى أن هذا طريق إغلاق القلوب عن نور الحق (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ).
أي كهذه الحال التي رأيتموها من المسارعة بالتكذيب لأول وهلة والاستمساك بأهدابه، ليطبع الله على قلوب الكافرين، فلا يدخلها نور الحق، فهم سلكوا الباطل مسارعين إليه، قبل أن يتبعوا، فلما جاءهم الحق بالبينات فكان القلب قد أغلق على الباطل، فضلوا وما أضلهم الله، إذ هم الذين سدوا الطريق وإن أولئك الذين طبع الله تعالى على قلوبهم قد أفسدوا فطرتهم بإصرارهم على التكذيب، وخالفوا العهد الذي أخذ الله على بني آدم من ظهورهم ذريتهم؛ ولذا قال تعالى:
(وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ
(102)
الفطرة الإنسانية توجب الإيمان، لو استقامت على طريقتها من غير وسوسة الشياطين؛ ولذا قال صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري ومسلم:" كل مولود يولد على الفطرة، فأبوه يهودانه، وينصرانه ويمجسانه "(1).
وروى مسلم بسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: " إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم "(2).
(1) سبق تخريجه.
(2)
سبق تخريجه.
وإن الله تعالى عهد إلى بني آدم من ظهورهم ذريتهم أن يؤمنوا بالله، فقال تعالى:(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172).
هذا عهد الله على بني آدم، وهم في ضلال آياتهم، قبل أن يصلوا إلى أرحام أمهاتهم، وهذا يدل على أن الإيمان الذعن هو استجابة للفطر، ومن يكفر بالحق إذ جاءه إنما يحيد بالإنسان عن طريق الفطرة المستقيمة.
وقوله تعالى: (وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ) الذين فسقوا عن أوامر الله تعالى ونواهيه التي جاء بها النبيون وكذبوا ليس لهم من عهد، يوفون به، حتى عهد الفطرة التي فطرهم الله تعالى، فهم خالفوا العهد الأول، وخالفوا كل عهد عاهدوه، حتى انحلت نفوسهم انحلالا، و " مِنْ " هنا لاستغراق النفي، أي ما وجدنا لأكثرهم أي عهد يحترمونه، وينفذونه، وأولها وأقواها عهد الفطرة الذي أخذه الله تعالى في الأصلاب.
وإذا كانوا لَا عهد لهم، وخالفوا فطرة الله التي فطرهم، فهو فاسقون خارجون عن قضايا العقل البديهية؛ ولذا قال تعالى:(وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ) إن هنا هي المخففة من الثقيلة وضمير الشأن اسمها، وقوله تعالى:(وَجَدْنَا أَكثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ)، والمعنى إنه أي الحال والشأن وجدنا.
واللام في قوله (لَفَاسِقِينَ) لام التوكيد، واقعة في خبر إن.
ونجد هنا حكم الله تعالى العادل، يحكم بالكثرة الغالبة، لَا بالكلية الشاملة، فمنهم صالحون ومنهم فاسقون وإن الأمم لَا توصف كلها بالفسوق؛ لأنها تفسق كلها، إنما توصف بالفسق، لأن كثرتها الغالبة المسيطرة، الفاسقة فهي الظاهرة البارزة، وهي المسيطرة على الجماعة، وهي التي توجد رأيا عاما فاسدا، يسوده الشر، ويختفي فيه الخير والله رءوف بالعباد.
* * *
موسى وفرعون وبنو اسرائيل
(ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103) وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112) وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114) قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122)
* * *
ذكر الله تعالى أخبار الأنبياء الذين أشرك أقوامهم، ودعوة الأنبياء لهم فذكر نوحا وقومه، وما نزل بهم، وذكر عادا، ونبيهم هود، وثمود ونبيهم صالحا، وذكر لوطا وقومه وما كانوا عليه من مفاسد لم يسبقهم بها أحد من العالمين.
وقد بين سبحانه وتعالى سنته في هداية الأقوام، وكيف يضلون.
ومن بعد ذلك ذكر موسى عليه السلام وأنه لقي أكبر طاغية في عصره، وإن وجد من حاول محاكاته من بعده ومع موسى وفرعون ذكر لأحوال بني إسرائيل، بعد أن أنقذهم موسى عليه السلام من فرعون الذي كان يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم.
وإن هؤلاء في الزمن بعد من سبق ذكرهم في القرآن من نوح إلى شعيب، وأكثر أولئك كانوا في البلاد العربية. وموسى عليه السلام نشأ في مصر، وبعث في أرض مصر، وتقدم هو وأخوه هارون لدعوة فرعون.
قال تعالى:
(ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ).
والتعبير بـ (ثُمَّ) يدل على بعد الزمان والمكان ما بين هؤلاء الذين جاء ذكرهم من الأنبياء، وموسى عليه السلام فأولئك كانوا قبله بقرون وكانوا في أرض العرب، وموسى في أرض مصر، وأولئك خاطبوا أقوامهم في صحراء أقرب إلى البادية ولم تعرف لهم حضارة، وموسى عليه السلام كان في أرض فرعون، وفيها ملك ثابت، وإن لم يقم على الإيمان، وكانت مصر ذات علوم وفنون.
ويقول الله تعالى في بعث موسى: (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ) فلم يكن إلى فرعون وحده، بل كان إليه وإلى الكبراء من قومه فذكرهم مع أنه إذا ذكر جاءوا في ذكره ضمنا، ونقول: إن كل ذي طاغوت لَا يكون طاغوته من شخصه وحده،
بل منه ومن حاشيته فهم مطبوعون بطابعه، يزينون له ما يفعل، ويحسنونه ويؤيدونه، ويشجعونه، ولولا أنهم حوله ما طغى وبغى، أو ما كان طغيانه بالمقدار الذي وصل أو يصل إليه كل طاغية، ولقد رأينا بعض الطواغيت في هذا الزمان يتخذ حاشية تعينه على الظلم، بل تطغى عليه وهو لَا يشعر، رأينا ذلك رأي العيان؛ ولذا خص الله تعالى ملأ فرعون بالذكر، وسنجد من سياق القصص الحكيم في أمر فرعون أنه ملأه كان يعاونه بالقول والفعل، ويسكت عن جرائمه من اعتراض دائما.
وقد نسب الله تعالى الظلم إليهم مع فرعون ولم يفرده بالظلم، فقال:(فَظَلَمُوا بِهَا) فلم يكن الظلم من فرعون وحده بل كان منه ومن هذا الملأ والشعب مأكول فيهما ومأسور بظلمهما.
والظلم يشمل ظلم الرعية، ويشمل الظلم في العقيدة بالشرك، وإن الشرك لظلم عظيم، والظلم يؤدي الفساد، فالشرك في العقيدة إفساد للعقل والفكر والنفس بالضلال، والضلال أبلغ أنواع الشرك، والشرك ينشأ من الأوهام ويؤدي إلى كثرة الأوهام والضلال، ألم تر أنهم كانوا يعبدون العجل، والظلم يؤدي إلى فساد الرعية بالخنوع والطاعة للظالم، والرضا بالهون، وفقد الحرية والاندفاع في الظلم، حتى ساغ له أن يقول لهم: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى.
ولذا قال تعالى بعد أن ذكر الظلم: (فَانظُرْ كيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) انظر يا محمد مآل الذين أفسدوا في الأرض بشركهم وإرهاقهم للرعية، واستبدادهم إني عاقبتهم أن أغرقوا في اليم، ولم يُجْد فرعون وملأه أن قالوا: آمنا برب هارون وموسى.
فلننظر إلى ما كان من فرعون أكبر طاغية في عصره، ويحاكيه الطغاة في كل عصر، وقد كان فرعون جاهل في أرض مصر، وسام أهلها سوء العذاب، لجنونه وحمقه وجهله، حتى أرداها فيما لم تترد فيه شيء أي عصر من عصورها.