المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌9 - باب البيان والشعر - شرح المصابيح لابن الملك - جـ ٥

[ابن الملك]

فهرس الكتاب

- ‌20 - كِتابُ اللِّبَاسِ

- ‌2 - باب الخاتَمِ

- ‌3 - باب النعَال

- ‌4 - باب التَّرجيل

- ‌5 - باب التَّصاويرِ

- ‌21 - كِتَابُ الطِّبُ وَالرُّقَى

- ‌1 - باب"باب الطّبِّ والرُّقَى

- ‌2 - باب الفَأْلِ والطِّيرَةِ

- ‌3 - باب الكهانَةِ

- ‌22 - كِتَابُ الرُّؤْيَا

- ‌23 - كِتَابُ الأَدَبِ

- ‌1 - باب السَّلامِ

- ‌2 - باب الاسْتِئْذَانِ

- ‌3 - باب المُصافَحَةِ والمُعانَقَةِ

- ‌4 - باب القِيَام

- ‌5 - باب الجُلوُسِ والنَّومِ والمَشْيِ

- ‌6 - باب العُطَاسِ والتَّثَاؤُبِ

- ‌7 - باب الضَّحِكِ

- ‌8 - باب الأَسَامِي

- ‌9 - باب البَيانِ والشِّعرِ

- ‌10 - بابحِفْظِ اللِّسانِ والغِيْبةِ والشَّتمِ

- ‌11 - باب الوعد

- ‌12 - باب المُزَاحِ

- ‌13 - باب المُفاخَرَةِ والعَصَبيَّةِ

- ‌14 - باب البر والصِّلَةِ

- ‌15 - باب الشَّفَقَةِ والرَّحمَةِ على الخَلْقِ

- ‌16 - باب الحُبِّ في الله والبُغْضِ في الله

- ‌17 - باب ما يُنهَى من التَّهاجُرِ والتَّقاطُعِ واتباعِ العَوْراتِ

- ‌18 - باب الحذَرِ والتَّأَنِّي في الأُمورِ

- ‌19 - باب الرفق والحياء وحسن الخلق

- ‌20 - باب الغضب والكبر

- ‌21 - باب الظُّلمِ

- ‌22 - باب الأمر بالمعروف

- ‌24 - كِتابُ الرِّقَاقِ

- ‌2 - باب فضلِ الفُقَراءِ وما كانَ من عَيْشِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌3 - باب الأَمَلِ والحِرْصِ

- ‌4 - باب استِحبابِ المالِ والعُمُرِ للطَّاعةِ

- ‌5 - باب التَّوَكلِ والصَّبرِ

- ‌6 - باب الرِّياءِ والسُّمْعَةِ

- ‌7 - باب البكاء والخوف

- ‌8 - باب تغيُّر الناس

- ‌9 - باب

- ‌25 - كِتابُ الفِتَنِ

- ‌2 - باب المَلاحِمِ

- ‌3 - باب أَشْراطِ السَّاعَةِ

- ‌4 - باب العلاماتِ بين يَدَي السَّاعةِ، وذِكْرُ الدَّجَّالِ

- ‌5 - باب قِصَّةِ ابن الصَّيَّادِ

الفصل: ‌9 - باب البيان والشعر

3715 -

وَقَالَ: "وَلَا تَقُولُوا للمُنَافِقِ: سيدٌ، فإنَّه إِنْ يَكُ سَيداً فَقَدْ أَسْخَطُتُم ربَّكُم".

"عن بريدة الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقولوا للمنافق سيدنا، فإنه إن يك سيداً"؛ أي: صاحبَ عبيدٍ وإماءٍ وأموال.

"فقد أسخطتم"؛ أي: أغضبتم "ربكم" لأنكم عظَّمتم مَن لا يستحقُّ التعظيم، وإن لم يكن كذلك فقد كذبتم.

* * *

‌9 - باب البَيانِ والشِّعرِ

(باب البيان والشعر)

و (البيان): إظهار المقصود بأفصح لفظ وأبلغه، وأصله: الكشف والظهور.

مِنَ الصِّحَاحِ:

3719 -

عَنِ ابن عُمرَ قَال: قَدِمَ رَجُلانِ مِنَ المَشْرقِ فخطَبا فعَجبَ النَّاسُ لِبيَانِهِما، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"إنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْراً".

"من الصحاح":

" عن ابن عمر قال: قدم رجلان من المشرق فخطبا" ببلاغة ومحسنات ألفاظ.

"فعجب الناس لبيانهما، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن من البيان لسحراً": يعني: إن بعض البيان بمثابة السحر في ميلان القلوب أو في العجز عن الإتيان بمثله، وهذا النوعُ ممدوحٌ إذا صُرف إلى الحق، ومذمومٌ إذا

ص: 220

صرف إلى الباطل.

* * *

3720 -

وقَالَ: "إنَّ مِنَ الشِّعرِ حِكْمَةً".

"وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن من الشعر لحكمة"؛ أي: كلامًا نافعًا يمنع عن الجهل والسفه، وهو ما نَظَمه الشعراء من المواعظ والأمثال المنتفِع بها الناسُ، والثناءِ على الله ورسوله، والنصيحةِ للمسلمين، وما أشبه ذلك، وهذا النوع من الشعر محمودٌ وممدوحٌ، والشعر المذمومُ ما فيه كلام قبيح.

* * *

3721 -

وقَالَ: "هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ"، قَالَهَا ثَلاثاً.

"وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ألا هلك المتنطعون" وهم المتعمِّقون في الكلام الغالُون في خوضهم فيما لا يعنيهم منه، وقيل: المتكلِّفون في الفصاحة، وقيل: أراد بهم المصوِّتين من قعر حلوقهم والمردِّدين لكلامهم في أفواههم رعونةً في القول وفصاحة.

"قالها"؛ أي: هذه الكلمة.

"ثلاثاً" تهويلًا لشأن هذا الأمر وتحريضًا على التيقُّظ لمَا فيه من الغائلة العظيمة.

* * *

3722 -

وقَالَ: "أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبيدٍ:

أَلا كُلُّ شَيءٍ مَا خَلا الله باطِلٌ"

ص: 221

"عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أصدق كلمة"؛ أي: كلام.

"قالها الشاعر كلمة لبيد بن ربيعة: ألا كل شيء ما خلا الله باطل"؛ أي: فانٍ في حد ذاته، وهو الممكن، و (خلا) بمعنى سِوى، وإنما كان هذا القولُ أصدق لأن النقل والعقل شاهدان عليه.

روي: أن لبيداً لما أنشد هذا المِصرَاع قال صلى الله عليه وسلم له: "صدقت"، ولمَّا قال: وكلُّ نعيم لا محالةَ زائلُ، قال صلى الله عليه وسلم:"كذبتَ فإن نعيم الجنة لا يزول".

3723 -

وعَن عَمرِو بن الشَّريدِ، عَنْ أبيهِ، قال: رَدِفْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَوْماً فَقَالَ: "هلْ مَعَكَ مِن شِعرِ أُمَيَّةَ بن أبي الصَّلتِ شَيء؟ " قُلتُ: نعم، قَال:"هِيْهِ"، فأَنشدْتُه بَيْتاً، فَقَال:"هيهِ"، ثُمَّ أنشدتُهُ بيتاً، فَقَالَ:"هِيْهِ"، حتى أَنشدتُه مئةَ بيْتٍ.

"وعن عمرو بن الشريد، عن أبيه أنه قال: ردفتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ قلت: نعم، قال: هيه" بمعنى إيهِ -بكسر الهمزة- هو اسم فعل معناه الأمر؛ أي: تكلَّم، وقد تنوَّن فتحاً وكسراً للتنكير نحو: إيهٍ وإيهاً؛ أي: حدّث حديثاً.

"فأنشدته بيتاً، فقال: هيه، ثم أنشدته بيتاً فقال: هيه، حتى أنشدته مئة بيت".

وأمية ثقفيٌّ من شعراء الجاهلية، وكان مترهِّباً وحريصًا على استعلام أخبار النبي صلى الله عليه وسلم مصدِّقا لخروجه، راجيًا كونَه من قومه ثقيف، فلما أُخبر أنه من قريش أيس منه ومنعه الحسدُ عن الإيمان به، ولم يلبث أن مات.

ص: 222

يروى أنه قال عند وفاته:

إن تغفر اللهم فاغفر جماً. . . وأيُّ عبدٍ لك لا ألمَّا

وقال:

وكلُّ عيشٍ كان تطاول دهراً. . . صائرٌ مدةً إلى أنْ يزولا

ليتني كنت قبل ما بدا لي. . . في قلال الجبال أرعى الوعولا

ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في بعض طرق الحديث: "أسلم شعرُه وكفر قلبُه".

وقال صلى الله عليه وسلم لأخته لمَّا قدمت عليه بعد فتح الطائف: "كان مَثَلُ أخيك كمَثَلِ الذي أعطاه الله آياتِ فانسلخ منها فكان من الغاوين"، وهذا يدل على استحباب قراءة الشعر إذا كان فيه حكمة وموعظة.

3724 -

وعَنْ جُنْدَبٍ: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ في بَعضِ المَشَاهدِ وقَد دَمِيَتْ إصبَعُه فَقَال:

"هلْ أنتِ إلَاّ إصبَعٌ دَمِيتِ. . . وفي سَبيْلِ الله ما لَقِيتِ"

"وعن جندب بن سفيان البجلي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بعض المشاهد"؛ أي: الغزوات.

"وقد دميت إصبعه" والواو للحال.

"فقال هل أنت إلا إصبع دميت" بكسر التاء: خطابٌ للإصبع؛ أي: جُرحت.

"وفي سبيل الله ما لقيت"؛ أي: الذي لقيته في سبيل الله لا في سبيل غيره، والحبيب إذا لقي في سبيل حبيبه سوءاً لا يشتكي منه، لم يقصد صلى الله عليه وسلم بتكلُّمه بهذا

ص: 223

وأشباهه الشعر، ولكن خرج من غاية فصاحته على نظم الشعر من غير قصده إياه.

3725 -

وعَنِ البَراءِ بن عَازِبٍ رضي الله عنه قَال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يومَ قُرَيْظَةَ لِحَسَّانَ بن ثابتٍ: "اهْجُ المُشْرِكِينَ، فإن جِبْرِيلَ مَعَك".

"وعن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قريظة لحسان بن ثابت: اهجُ المشركين"؛ أي: اذكر عيوبهم وقلةَ عقولهم في عبادة الأصنام.

"فإن جبريل معك".

3726 -

وكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ لِحَسَّانَ: "أَجِبْ عنِّي، اللهمَّ! أَيدهُ بِرُوحِ القُدُسِ".

"وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان: أجب عني"؛ أي: اهجُهم فإني لا أُحسن الشعر حتى أهجوهم.

"اللهم أيده"؛ أي: قوِّه، يعني حسان.

"بروح القدس"؛ أي: بجبريل، سمي به لأنه كان يأتي الأنبياء بما فيه حياة القلوب، و (القُدُس) بمعنى المقدَّس وهو الله، فإضافة الروح للتشريف، أو (القدس) صفة للروح وإنما أضيف إليه تنبيهاً على زيادة الاختصاص، وتأييدُه إمداده بالجواب وإلهامه بالصواب.

3727 -

وعَنْ عَائِشةَ رضي الله عنها: أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "اهْجُوا قُرَيْشاً، فإنَّه أَشَدُّ عَليْهِم مِن رَشْقِ النَّبلِ".

ص: 224

وقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقولُ لِحَسَّانَ: "إن رُوحَ القُدُسِ لا يَزالُ يُؤَيدُكَ ما نافَحْتَ عَنِ الله ورَسُوله".

وقالتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقولُ: "هجاهُم حَسَّانُ فَشَفَى واشْتَفَى".

"عن عائشة- رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: اهجوا قريشاً، فإنه"؛ أي: الهجو "أشدُّ عليهم من رشق النبل" بفتح الراء وسكون الشين؛ أي: من رمي السهم.

"وقالت: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول لحسان: إن روح القدس لا يزال يؤيدك" يجوز أن يكون هذا دعاءً أو إخباراً.

"ما نافحت"؛ أي: خاصمت.

"عن الله"؛ أي: مدةَ دفعك عن عباد الله.

"ورسوله" وتقويتهم على المشركين.

روي عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضع لحسان منبراً فيقوم عليه يهجو من كان يهجو رسول الله.

"وقالت: سمعت رسول الله يقول: هجاهم حسان فشفى"؛ أي: غيره من المؤمنين؛ يعني: وجدوا بذلك شفاءً لما في قلوبهم من الغيظ.

"واستشفى" هو بنفسه.

3728 -

عَنِ البَراءِ قَال: كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ينقُلُ التُّرابَ يومَ الخَنْدقِ حتَّى اغبَرَّ بطْنُهُ ويَقُولُ:

"والله لَوْلا الله ما اهتَدَيْنَا. . . ولا تَصَدَّقْنَا ولا صَلَّينَا

ص: 225

فأنْزِلَنْ سَكِيَنة عَلَيْنَا. . . وَثَبت الأَقْدَامَ إنْ لَاقَيْنَا

إنَّ الألَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا. . . إذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا

يَرفَعُ بِها صَوْتَه: أَبَينا، أَبَيْنا".

"عن البراء أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل التراب يوم الخندق": وهو يوم اتفق قبائل العرب على محاربة النبي صلى الله عليه وسلم، فاجتمعوا وجاؤوا حتى نزلوا حول المدينة، فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: طريق دفعهم أن يحفر حولها خندقاً كيلا يقدروا أن يتجاوزوا الخندق فإنهم أكثر من أن نقدر على مقاومتهم، فاشتغل صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه بحفر الخندق.

"حتى اغبر بطنه"؛ أي: صار ذا غبار.

"ويقول: والله لولا الله"؛ أي: لولا هدايةُ الله، أو فضلُه علينا بأن هدانا إلى الإسلام.

"ما اهتدينا" مصداقه قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف: 43].

"ولا تصدَّقنا ولا صلينا، فأنزلن سكينة علينا"ـ؛ أي: وقاراً وأمنًا من العدو.

"وثبت الأقدام"؛ أي: أقدامنا على محاربة العدو.

"إن لاقينا"؛ أي: العدو.

"وإن القريش قد بغوا علينا"؛ أي: ظلمونا بإخراجنا من مكة.

"إذا أرادوا فتنة" أراد بها الرد إلى الكفر.

"أبينا"؛ أي: امتنعنا.

"يرفع"؛ أي: النبي صلى الله عليه وسلم "بها صوته" ويكرر: "أبينا أبينا".

ص: 226

3729 -

عَنْ أَنسٍ رضي الله عنه قَال: جَعَلَ المُهاجِرُونَ والأنْصَارُ يَحْفِرُون الخَنْدقَ وينقُلُونَ التُّرابَ وهُم يَقُولُونَ:

نَحْنُ الَّذِينَ بايَعُوا مُحَمَّداً. . . على الجهادِ ما بَقِيْنا أَبَدًا

ويَقُولُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وهوَ يُجيبُهُم:

"اللهمَّ! لا عَيْشَ إلا عَيْشُ الآخِرهْ. . . فاغْفِر للأَنْصَارِ والمُهاجِره"

"عن أنس رضي الله عنه أنه قال: جعل المهاجرون والأنصار"؛ أي: شرعوا "يحفرون الخندق وينقلون التراب وهم يقولون: نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبداً، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم وهو يجيبهم: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة" التاء فيها للجمع، يريد المهاجرين.

3735 -

وقَال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: "لأنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحاً يَرِيْهِ خَيْرٌ مِن أَنْ يَمتَلِئَ شِعراً".

"عن سعد بن أبي وقاص صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأَنْ يمتلئ جوف رجل قيحاً حتى يَرِيَه" الضمير للجوف، معناه: يفسد رئته، من قولهم: وَرَى القيحُ جوفَه؛ أي: أكله.

"خير من أن يمتلئ شعراً" والمراد به: كلُّ شعر شاغل عن ذكر الله والعلم.

ص: 227

مِنَ الحِسَان:

3731 -

عَنْ كعبِ بن مَالكٍ رضي الله عنه: أنَّه قَال للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: إنَّ الله تعالى قَدْ أَنْزلَ في الشِّعرِ مَا أَنْزلَ، فَقَال النَّبي صلى الله عليه وسلم:"إنَّ المُؤْمنَ يُجاهِدُ بسيفِه ولِسانِه، والذي نفسي بيدِه، لَكَأنَّما ترمُونهم بِهِ نضحُ النَّبلِ".

"من الحسان":

" عن كعب بن مالك أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أنزل في الشعر ما أنزل" وهو ذم الشعراء بقوله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} [الشعراء: 224]، فهل يجوز لنا أن نقول الشعر في هجو الكفار؟.

"فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه" تنبيهاً على أن هذا ليس من الغواية بل هو مجاهدةٌ في سبيل الله.

"والذي نفسي بيده لكأنَّ ما ترمونهم به"؛ أي: بالشعر واللسان.

"نضحُ النبل"؛ أي: نضحاً مثل نضح النبل، أي: رمياً مثل رمي السهم، يعني: تأثيره في نفوسهم كتأثير السهام بل أشد.

3732 -

عن أَبي أُمامَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الحَيَاءُ والعِيُّ شُعبَتانِ مِن الإِيْمانِ، والبَذاءُ والبَيَانُ شُعبَتانِ مِن النِّفاقِ".

"عن أبي أمامة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: الحياء والعِيُّ" بكسر العين المهملة هو التحيّر في الكلام والعجزُ، والمراد هنا: السكوت عما فيه إثم من الكلام.

"شعبتان من الإيمان" وذلك لمناسبتهما له في منعهما من المعاصي والاجتراء على الله بِعَثْرةِ اللسان وتبيعة القول كما يمنع الإيمان من ذلك.

ص: 228

"والبذاء" بفتح الباء: هو الفحش من القول.

"والبيان" أراد به ما فيه إثم من الفصاحة، كهجو أحد، أو مدحه (1) بما لا يليق بالبشر.

"شعبتان من النفاق" يريد أن منشاهما النفاق.

3733 -

عَنْ أَبي ثَعلبةَ الخُشَنيِّ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَال: "إنَّ أَحَبَّكم إِليَّ وأَقْرَبَكم مِنِّي يَوْمَ القِيَامةِ أحاسِنُكُم أَخَلَاقاً، وإِنَّ أَبْغضَكُم إليَّ وأَبْعَدَكم مِنِّي مَسَاوِئُكم أخلَاقاً، الثَّرثَارُونَ المُتشدِّقُونَ المُتَفَيْهِقُونَ".

"عن أبي ثعلبة الخشني: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: إن أحبكم إلي وأقربكم مني يوم القيامة أحاسنكم" -جمع الأحسن- "أخلاقاً".

"وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مساوئكم" - بفتح الميم: جمع السوء، وهو ضد الحسن- "أخلاقاً".

"الثرثارون" وهم الذين يكثرون الكلام تكلُّفًا وخروجاً عن الحق.

"المتشدقون"؛ أي: المتمخصون، وقيل: المستهزئون بالناس.

"المتفيهقون"؛ أي: المتوسعون في الكلام، وفي هذا شيء من التكبُّر والرعونة.

3734 -

عَنْ سَعْدِ بن أبي وَقَّاص قَال: قَال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تَقُومُ السَّاعةُ حتَّى يخرُجَ قَوْمٌ يأكُلُونَ بألسِنَتِهِم كَمَا تأكُلُ البقَرُ بأَلِسنَتِها".

(1) في "ت": "أو ذمه".

ص: 229

"عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى يخرج قوم يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقر بألسنتها"؛ يعني: كما أن البقر تأكل الحشيش من كل نوع ولا تميز بين النافع والضار، فكذلك هؤلاء لا يبالون بما يقولون من كلامهم.

وقيل: إن البقرة كما لا تهتدي إلى الكلأ، ولا تتمكن من الاحتشاش إلا بلسانها، فكذلك هؤلاء لا يهتدون إلى المآكل إلا بذلك، لا يميزون بين الحق والباطل، وبين الحلال والحرام، سمَّاعون للكذب أكَّالون للسحت، فوقع ضربُ المثل بالبقر عن هذين المعنيين.

3735 -

عَنْ عَبدِ الله بن عَمرٍو: أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَال: "إنَّ الله يُبغِضُ البَليغَ مِن الرَّجالِ، الَّذي يتَخَلَّلُ بلِسَانِهِ كَمَا تتَخَلَّلُ البَاقِرَةُ بِلِسانِها"، غريب.

"عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: إن الله تعالى يبغض البليغ"؛ أي: الفصيح، وهو المبالغ في الكلام.

"من الرجال الذي يتخلَّل"؛ أي: يأكل "بلسانه"؛ يعني يدير اللسان حول الأسنان في التكلم تفاصحاً.

"كما تتخلل الباقرة" بمعنى البقرة.

"بلسانها" ومعناه كمعنى الحديث الأول، فالمرضيُّ من الكلام أن يكون قَدْرَ الحاجة غيرَ زائد عليها، يوافق ظاهرُه باطنَه.

"غريب".

3736 -

عَنْ أنسٍ رضي الله عنه قَال: قَال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَرَرْتُ لَيْلةَ أُسرِيَ بي بِقَومٍ تُقْرَضُ شِفاهُهم بمقارِيض مِنَ النَّارِ، فَقُلْتُ: يا جبريلُ! مَن هؤُلاءَ؟ قَال:

ص: 230

هؤُلاءَ خُطباءُ أُمَّتِكَ الَّذينَ يقولونَ ما لا يعلَمونَ"، غريب.

"عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مررتُ ليلةَ أسري بي" بناء (ليلة) على الفتح؛ لإضافتها إلى الجملة.

"بقوم تقرض"؛ أي: تقطع.

"شفاههم" بكسر الشين: جمع شَفة بالفتح.

"بمقاريض": جمع مقراض.

"من النار، فقلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك"؛ أي: علماؤهم.

"الذين يقولون ما لا يعلمون".

"غريب".

3737 -

عَنْ أبي هُريْرَة رضي الله عنه قَال: قَال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن تَعَلَّم صَرْفَ الكَلامِ ليَسبيَ به قُلوبَ الرِّجَالِ -أَوِ: النَّاس- لَمْ يقبلِ الله مَنْهُ يومَ القِيامةِ صَرفاً ولا عَدلاً".

"عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تعلَّم صرف الكلام" يريد به فضله وزيادته؛ يعني: مَن تعلَّم الفصاحة وأنواعَ البلاغة من الشعر وغيره من العلوم لا لله تعالى بل "ليسبي به قلوب الرجال أو الناس"؛ أي: ليجعل قلوبهم إليه مائلةً.

"لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً"؛ أي: حيلةً، أو توبة، أو فريضة.

"ولا عدلاً"؛ أي: فداء، أو نافلةً، أو قُربةً.

ص: 231

3738 -

عَنْ عَمرِو بن العَاصِ: أنَّه قَال يَوْماً -وقَامَ رجل فأكثرَ القَولَ- قَالَ عمرٌو: لو قَصَدَ في قويهِ لَكَانَ خَيْراً لهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"لَقْد رَأَيتُ -أو: أُمِرتُ- أنْ أتجوَّزَ في القَولِ، فإنَّ الجَوازَ هُوَ خيرٌ".

"عن عمرو بن العاص أنه قال يوماً"؛ أي: قولاً.

"وقام رجل فأكثر القول، قال عمرو: لو قصد في قوله" والقصد في القول هو ما بين الإفراط والتفريط قِصَراً وطولاً.

"لكان خيراً له، سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: لقد رأيت" بمعنى علمت.

"أو أمرت أن أتجوَّز"؛ أي: أقتصر.

"في القول، فإن الجواز"؛ أي: الاقتصار فيه "هو خير".

3739 -

عن صَخْرِ بن عبدِ الله بن بُرَيْدَةَ، عَنْ أبيْهِ، عَنْ جَدِّه رضي الله عنه، قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: "إن مِن البَيانِ سحراً، وإنَّ مِن العِلْم جَهْلاً، وإنَّ مِن الشِّعرِ حُكْمًا، وإنَّ مِنَ القَولِ عِيَالاً".

"عن صخر بن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن جده أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: إن من البيان لسحراً وإن من العلم جهلاً"؛ يعني: قد يكون من العلوم ما يكون كالجهل بل الجهلُ خيرٌ منه؛ لكونه عِلْماً مذمومًا، وقيل: معناه: إن بعضًا من العلوم لا يُحتاج إليه كعلوم القدماء، فالاشتغال به يمنعه عن تعلم ما يحتاج إليه في دينه فيكون جهلاً.

"وإن من الشعر حكمًا" قيل: المراد به الحكمة، كقوله تعالى:{وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12]؛ أي: الحكمة، وقوله تعالى:{فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا} [الشعراء: 21]؛ أي: حكمة، وأصل الحكمة المنع.

ص: 232