الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يسمعَ حسًّا، شبَّه فعلَ المُظهِرِ دِينًا وورعًا ذريعةً إلى تحصيل الدنيا بختل الذئب والصائد وخدعهما للصيد.
"بئسَ العبدُ عبدٌ يَختِل الدِّينَ بالشُّبهات"، أي: يقع في الحرام بالتأويل؛ أي: يجعل الإتيانَ بالشُّبهات أساسَ دِينه، ويَخدع أهلَ المِلَّة بذلك مُظهِرًا لهم مهارتَه في الدِّين.
"بئسَ العبدُ عبدٌ طمعٌ": هو وصفٌ بالمصدر مبالغةً، أو على تقدير: ذو طمع، أو له طمع "يقوده"، وكذا في قوله:
"بئسَ العبدُ عبدٌ هَوًى يُضلُّه"، ولو قُرِئ بالإضافة - كما ذُكر في شرحٍ - بها لَجازَ واستقامَ بلا تكلُّف.
"بئسَ العبدُ عبدٌ رُغْبٌ": وهو - بضم الراء وسكون الغين المعجمة: الشَّرَهُ والحرصُ على الدنيا، وأصله: سعة الجوف، يقال: جوف رغيب، أي: واسع.
"يُذلُّه"، وقيل: الرُّغْب: سعة الأمل وطلب الكثير.
ويُروى بفتح الغين بمعنى: الرغبة في الدنيا.
"ضعيف".
* * *
21 - باب الظُّلمِ
(باب الظُّلم)
مِنَ الصِّحَاحِ:
3974 -
عن ابن عُمَرَ: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "الظُّلْمُ ظُلُماتٌ يومَ القِيامَةِ".
"من الصحاح":
" عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الظُّلمُ ظلماتٌ يوم القيامة" جمع: الظُّلمة، والمراد بها: الشدائد، كما فُسرت بها في قوله تعالى:{قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام: 63]؛ يعني: الظلمُ سببٌ لشدائد صاحبه، ويجوز أن يُحمَل على ظاهره، فيكون الظلمُ سببًا لبقاء الظالم في الظُّلمة، فلا يهتدي إلى السبيل حين يسعى نورُ المؤمنين بين أيديهم.
* * *
3975 -
عن جابرٍ: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "اتَّقوا الظُّلْمَ، فإنَّ الظُّلْمَ ظُلُماتٌ يومَ القيامةِ، واتَّقوا الشُّحَّ، فإنَّ الشُّحَ أَهْلَكَ مَن كانَ قبلَكم، حَمَلَهم على أنْ سَفَكُوا دِماءَهم واستَحَلُّوا مَحارِمَهم".
"وعن جابر: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: اتقوا الظلم؛ فإن الظلمَ ظلماتٌ يومَ القيامة، واتقوا الشُّحَّ": وهو منع الواجب، وقيل: هو الحرص الشديد الذي يَحملُه على ارتكاب المَحارم وإتيان الفواحش.
"فإن الشُّحَّ أَهلَكَ مَن كان قبلكم، حملَهم على أن يسفكوا دماءَهم"؛ أي: حرَّضَهم على جمع المال، حتى قتلَ بعضُهم بعضًا لأخذه.
"واستحلُّوا مَحارمَهم"؛ أي: جعلوا المُحرَّمَ عليهم من وطءِ نسائهم حلالًا.
* * *
3976 -
وقال: "إنَّ الله لَيُملي للظَّالِم حتى إذا أخذَهُ لم يُفْلِتْهُ، ثُمَّ قَرَأَ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ} الآية".
"وعن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لَيُمْلِي للظالم"، من: الإملاء، الإمهال والتأخير؛ أي: لَيُمهِلُ ويطوِّل عمرَه حتى يَكثُرَ منه الظلمُ
والفواحشُ، ثم يأخذُه أخذًا شديدًا.
"حتى إذا أخذَه لم يُفلِتْه"؛ أي: لم يتركْه، ولم يخلصْ من الله.
"ثم قرأ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى} "؛ أي: أهلَ القرى.
" {وَهِيَ ظَالِمَةٌ} الآية".
وفي الحديث: تسلية للمظلوم، ووعيد للظالم؛ لئلا يغترَّ بإمهاله.
* * *
3977 -
عن ابن عُمَرَ: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا مَرَّ بالحِجْرِ قال: "لا تَدخُلوا مَساكِنَ الذينَ ظَلَموا أنفسَهم إلا أنْ تَكُونُوا باكينَ، أنْ يُصيبَكم مِثْلُ ما أصابَهم"، ثم قَنَّعَ رأسَه، وأَسْرَعَ السَّيْرَ حتى اجتازَ الوادِيَ.
"عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنه -: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لمَّا مرَّ بالحجْر" بفتح الحاء المهملة قبل الجيم الساكنة وكسرها: اسمٌ لأرض ثمود قوم صالح عليه السلام "قال: لا تدخلوا مساكنَ الذين ظلموا أنفسَهم إلا أن تكونوا باكين؛ أن يصيبَكم"؛ أي: حذرَ أن يصيبَكم "ما أصابَهم"، وكان قولُه صلى الله عليه وسلم ذلك عند مسيره إلى تبوك، خَشِيَ صلى الله عليه وسلم على أصحابه أن يجتازوا على تلك الديار ساهين، غيرَ متَّعظين بما أصاب أهلَ تلك الديار، وقد أمرَهم الله بالانتباه والاعتبار في مثل تلك المواطن.
قيل: الداخلُ دارَ قومٍ أُهلكوا بخسفٍ أو عذابٍ غيرَ باكٍ شفقةً عليهم أو على نفسه من حلول مِثلِه به = يدلُّ على قساوة القلب وقلة الخشوع، فلا يَأمنَ مَن كان كذا أن يصيبَه ما أصابهم.
وفيه: دليل على أن ديارَ هؤلاء لا تُتخذ وطنًا؛ لأنه لا يكون دهرَه كلَّه باكيًا.
"ثم قنَّع رأسَه" بتشديد النون: مبالغة من الإقناع؛ أي: أطرقَ ولم يلتفت يمينًا وشمالًا؛ لئلا يقعَ نظرُه عليها، أو جعلَ قناعًا على رأسه شبهَ الطَّيلسان.
"وأسرعَ السيرَ حتى اجتاز الوادي"؛ أي: قطعَه وخرجَ من حدِّه.
* * *
3978 -
عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"مَن كانَت له مَظْلَمَةٌ لأَخيهِ مِن عِرْضه أو شيءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ منه اليَومَ، قبلَ أنْ لا يكونَ دينارٌ ولا دِرْهمٌ، إنْ كانَ له عَمَلٌ صالحٌ أُخِذَ منهُ بقدرِ مَظْلَمَتِه، وإنْ لم يكنْ له حَسَناتٌ أُخِذَ مِن سَيئاتِ صاحبهِ فحُمِلَ عليهِ".
"عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: مَن كانت له مَظلِمة" بكسر اللام: اسمُ ما أخذَه الظالم.
"لأخيه"؛ أي: في الدنيا.
"مِن عِرضه"، عِرْضُ الرجل: جانبه الذي يَصُونه من نفسه وحَسَبه، ويَتَحامى أن يُنتقصَ.
"أو شيء": تعميم بعد التخصيص؛ أي: من شيءِ آخرَ، كأخذ ماله أو المنع من الانتفاع به.
"فَلْيتحلَّلْه منه"؛ أي: لِيَطلبْ من أخيه حِلَّه.
"اليومَ" أراد به: حياة الدنيا.
"قبلَ أن لا يكونَ دينار ولا درهم"؛ أي: قبلَ يومِ القيامة؛ لأن الدينارَ والدرهمَ لا يوجدان فيه.
"إن كان له عمل صالح": هذا استئنافُ جوابٍ عمَّن قال: فكيف الحالُ إذا لم يكن دينار ولا درهم هناك؟
"أُخذ منه بقَدْر مَظلمته، وإن لم يكن له حسناتٌ أُخذ من سيئات صاحبه فحُمل عليه": يحتمل أن يكون المأخوذُ نفسَ الأعمال، بأن يتجسَّد فيصير كالجوهر، وأن يكون ما أُعدَّ لها من النّعَم والنِّقَم إطلاقًا للسبب على المسبب، وهذا لا ينافي قوله تعالى:{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]؛ لأن الظالمَ في الحقيقة مَجْزِيٌّ بوِزْرِ ظلمِه، وإنما أَخذ من سيئات المظلوم تخفيفًا له وتحقيقًا للعدل.
* * *
3979 -
عن أبي هُريرةَ: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتدرونَ ما المُفْلِسُ"؟ قالوا: المُفْلِسُ فينا مَن لا دِرْهَمَ له ولا متاعَ، فقال:"إنَّ المُفْلِسَ مِن أُمَّتي يأتي يومَ القِيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأكلَ مالَ هذا، وسَفَكَ دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعطَى هذا مِن حَسَناتِه، وهذا مِن حَسَناتِه، فإنْ فَنِيَتْ حَسَناتُه قبلَ أنْ يُقضَى ما عليهِ أُخِذَ مِن خطاياهم فطُرِحَتْ عليهِ، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ".
"عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله قال الله تعالى عليه وسلم: أتدرون مَنِ المُفلِسُ؟ قالوا: المُفلِس فينا مَن لا درهمَ له ولا متاعَ، فقال: إن المُفلِسَ مِن أمتي": هذا بيان لمُفلِس أمته في الحقيقة، وليس باحتراز عن سائر الأمم.
"مَن يأتي يومَ القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شَتمَ هذا، وقَذفَ هذا، وأكلَ مالَ هذا، وسفكَ دمَ هذا"؛ أي: أَراقَ.
"وضربَ هذا"؛ يعني: بغير حقٍّ في الجميع.
"فيُعطَى" - على بناء المجهول - "هذا من حسناته"؛ أي: المظلومُ بعضَ حسنات الظالم.
"وهذا من حسناته، فإن فَنِيَتْ حسناتُه قبلَ أن يُقضَى ما عليه"؛ أي: من الحقوق.
"أُخذ من خطاياهم"؛ أي: خطايا أصحاب الحقوق.
"فطُرحت عليه، ثم طُرِحَ في النار".
* * *
3980 -
وقال: "لَتُؤَدُّنَّ الحُقوقَ إلى أَهْلِها يومَ القِيامةِ حتى يُقادَ للشَّاةِ الجَلْحاءِ مِن الشَّاةِ القَرْناءِ".
"وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَتُؤَدُّنَّ الحقوقَ": اللام فيه جواب قَسَم مقدَّر، والدال فيه مضمومة، والفعل مسنَد إلى الجماعة الذين خُوطِبُوا به، و (الحقوقَ): مفعوله.
"إلى أهلها يومَ القيامة حتى يُقادَ"؛ أي: يُقتَصَّ.
"للشاة الجَلْحَاء": وهي التي لا قرنَ لها.
"من الشاة القَرناء": وهي التي لها قرنٌ؛ يعني: لو نَطحتْ شاةٌ قرناءُ شاةً جلحاءَ في الدنيا؛ فإذا كان يومُ القيامة يُؤخَذ القرنُ من الشاة القرناء ويُعطَى الجلحاء، حتى تقتصَّ لنفسها من الشاة القرناء.
فإن قيل: الشاة غير مكلَّفة، فكيف يُقتصُّ منها؟ قلنا: الله تعالى فعَّال لما يريد: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء: 23]، والغرض منه: إعلامُ العباد بأن الحقوقَ لا تضيع، بل يُقتصُّ حقُّ المظلوم من الظالم.
* * *
مِنَ الحِسَان:
3981 -
عن حُذَيفة رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تكونوا إمَّعةً؛
تقولونَ: إنْ أحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وإنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنا، ولكنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكم: إنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أنْ تُحْسِنُوا، وإنْ أساؤُوا فلا تَظْلِموا".
"من الحسان":
" عن حذيفة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تكونوا إمَّعَةً" بكسر الهمزة وفتح الميم المشددة: هو الذي يقول لكل أحدٍ: أنا معك؛ لضعف رأيه ويقلد الناس، والفعل منه: تأمَّع واستَأمَعَ، والهاء للمبالغة، ولا يُستعمل في النساء، ووزنه:(فِعِّلَة)، وليست الهمزة زائدة لعدم (إفْعَلَة) في الصفات، وهي في الأسماء أيضًا قليلةٌ والمراد به هاهنا: الذي يقول: أنا أكون مع الناس كما يكونون معي.
"تقولون: إنْ أَحسنَ الناسُ أحسنَّا، وإن ظلموا ظلمْنا، ولكن وطِّنُوا" أمر من: التوطين، وهو العزم الجازم على الفعل، وقيل: أي: ثبتوا "أنفسَكم إنْ أَحسنَ الناسُ أن تُحسِنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا".
* * *
3982 -
كتبَ مُعاوِيةُ إلى عائِشَةَ رضي الله عنها: أنْ اكُتُبي إليَّ كتابًا تُوصِيني فيهِ ولا تُكْثِري، فكتَبَتْ: سلامٌ عليكَ، أمَّا بعدُ: فإنِّي سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "مَن التَمَسَ رِضا الله بسَخَطِ النَّاسِ كفاهُ الله مَؤُولة النَّاسِ، ومَن التَمَسَ رِضا النَّاسِ بسَخَطِ الله وَكَلَهُ الله إلى النَّاسِ، والسَّلامُ عليكَ".
"وكتب معاوية بن أبي سفيان إلى عائشة: أن اكتبي إليَّ كتابًا توصيني فيه ولا تُكْثِري، فكتبت: سلامٌ عليك، أما بعدُ: فإني سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: مَنِ التمسَ رضا الله بسخط الناس"؛ أي: مَن طَلبَ رضاه في شيءٍ يسخَطُ الناسُ بسببه عليه.