المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌10 - بابحفظ اللسان والغيبة والشتم - شرح المصابيح لابن الملك - جـ ٥

[ابن الملك]

فهرس الكتاب

- ‌20 - كِتابُ اللِّبَاسِ

- ‌2 - باب الخاتَمِ

- ‌3 - باب النعَال

- ‌4 - باب التَّرجيل

- ‌5 - باب التَّصاويرِ

- ‌21 - كِتَابُ الطِّبُ وَالرُّقَى

- ‌1 - باب"باب الطّبِّ والرُّقَى

- ‌2 - باب الفَأْلِ والطِّيرَةِ

- ‌3 - باب الكهانَةِ

- ‌22 - كِتَابُ الرُّؤْيَا

- ‌23 - كِتَابُ الأَدَبِ

- ‌1 - باب السَّلامِ

- ‌2 - باب الاسْتِئْذَانِ

- ‌3 - باب المُصافَحَةِ والمُعانَقَةِ

- ‌4 - باب القِيَام

- ‌5 - باب الجُلوُسِ والنَّومِ والمَشْيِ

- ‌6 - باب العُطَاسِ والتَّثَاؤُبِ

- ‌7 - باب الضَّحِكِ

- ‌8 - باب الأَسَامِي

- ‌9 - باب البَيانِ والشِّعرِ

- ‌10 - بابحِفْظِ اللِّسانِ والغِيْبةِ والشَّتمِ

- ‌11 - باب الوعد

- ‌12 - باب المُزَاحِ

- ‌13 - باب المُفاخَرَةِ والعَصَبيَّةِ

- ‌14 - باب البر والصِّلَةِ

- ‌15 - باب الشَّفَقَةِ والرَّحمَةِ على الخَلْقِ

- ‌16 - باب الحُبِّ في الله والبُغْضِ في الله

- ‌17 - باب ما يُنهَى من التَّهاجُرِ والتَّقاطُعِ واتباعِ العَوْراتِ

- ‌18 - باب الحذَرِ والتَّأَنِّي في الأُمورِ

- ‌19 - باب الرفق والحياء وحسن الخلق

- ‌20 - باب الغضب والكبر

- ‌21 - باب الظُّلمِ

- ‌22 - باب الأمر بالمعروف

- ‌24 - كِتابُ الرِّقَاقِ

- ‌2 - باب فضلِ الفُقَراءِ وما كانَ من عَيْشِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌3 - باب الأَمَلِ والحِرْصِ

- ‌4 - باب استِحبابِ المالِ والعُمُرِ للطَّاعةِ

- ‌5 - باب التَّوَكلِ والصَّبرِ

- ‌6 - باب الرِّياءِ والسُّمْعَةِ

- ‌7 - باب البكاء والخوف

- ‌8 - باب تغيُّر الناس

- ‌9 - باب

- ‌25 - كِتابُ الفِتَنِ

- ‌2 - باب المَلاحِمِ

- ‌3 - باب أَشْراطِ السَّاعَةِ

- ‌4 - باب العلاماتِ بين يَدَي السَّاعةِ، وذِكْرُ الدَّجَّالِ

- ‌5 - باب قِصَّةِ ابن الصَّيَّادِ

الفصل: ‌10 - بابحفظ اللسان والغيبة والشتم

وإن من القول عيالاً" بكسر العين؛ أي: وبالاً وثقلاً؛ يعني: قد يكون من أقوال الرجل ما يكون عليه منه إثم؛ لكونه من مناهي الشرع.

‌10 - باب

حِفْظِ اللِّسانِ والغِيْبةِ والشَّتمِ

(باب حفظ اللسان من الغيبة (1) والشتم)

مِنَ الصِّحَاحِ:

3740 -

قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "مَن كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فلْيقُلْ خَيْراً، أو لِيَسْكُتْ".

"من الصحاح":

" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت"؛ يعني: إن تكلَّمَ فليتكلَّم بما له ثواب وإلا فليسكت؛ لأن السكوت خيرٌ من كلام فيه إثم.

3741 -

وقَال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ومَا بينَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ".

"وعن سهل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يضمن لي"؛ أي: يكفل بمحافظة "ما بين لحييه" وهو الفم من أكل الحرام وقبح الكلام.

"وما بين رجليه" وهو الفرج من الزنا.

(1) في "غ": "والغيبة".

ص: 233

"أضمن له الجنة" كونه صلى الله عليه وسلم مكفولاً له باعتبارِ أنه طالبٌ لهذه المحافظة، ونفعُها عائد إليه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم هو الهادي، واهتداء المولى المدلول نافع له.

3742 -

وَقَال صلى الله عليه وسلم: "إنَّ العَبْدَ لَيتكلَّمُ بالكَلِمةِ مِن رِضْوانِ الله لا يُلْقي لَها بَالاً يَرْفعُهُ الله بِها دَرَجَاتٍ، وإنَّ العَبْدَ لَيتكلَّمُ بالكَلِمةِ مِن سَخَطِ الله لا يُلْقِي لَها بالاً يَهوي بِها في جَهنَّم".

ويُروى: "يَهْوِي بِهَا في النَّارِ أَبْعدَ مَا بَيْنَ المَشرقِ والمَغربِ".

"عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن العبد" اللام فيه للجنس.

"ليتكلم بالكلمة"؛ أي: بالكلام.

"من رضوان الله"؛ أي: حالَ كونها مما يَرضَى الله بها.

"لا يلقي لها بالاً" بضم ياء المضارعة وكسر القاف؛ أي: لا يُحضر لها قلبه ولا يلتفت عاقبتها، حالٌ من ضمير (يتكلم).

"يرفعه الله بها درجات" هذا استئناف جواب عمن قال: ماذا يستحق المتكلّم بها؟.

"وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها"؛ أي: يسقط بتلك الكلمة "في جهنم"؛ والمعنى: إنه ليتكلم بكلمة الحق يظنها قليلة وهي عند الله جليلةٌ، فيحصل له بها رضوانه، وقد يتكلم بسوء ولا يعلم أنها كذلك وهو عند الله ذنبٌ عظيم، فيحصل له السخط من الله تعالى، وفيه حث على التدبُّر والتفكُّر عند المتكلم.

"ويروى: يهوي بها في النار أبعد" صفته مصدر محذوف؛ أي: هوى أبعدَ.

ص: 234

"ما بين المشرق والمغرب"، (ما) موصولة والظرفُ صلته؛ يعني: أبعد قعراً من البعد الذي بين المشرق والمغرب.

3743 -

وقَالَ: "سِبَابُ المُسْلِم فُسُوقٌ وقِتَالُه كُفْرٌ".

"وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سِباب" بكسر السين؛ أي: شتم "المسلم فسوق"؛ لأن شتمه بغير حق حرام.

"وقتاله"؛ أي: مجادلته ومحاربته بالباطل "كفر" والحديث محمول على التغليظ والتهديد.

3744 -

وقَالَ صلى الله عليه وسلم: "أَيُّمَا رَجُل قَالَ لأِخِيهِ: كَافرٌ، فَقَد باءَ بِها أَحَدُهُمَا".

"وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أيما رجل قال لأخيه كافر فقد باء بها"، أي: رجع بتلك الكلمة "أحدهما"، وفي بعض النسخ:(به)، أي: بالكفر، وهو أولى.

وإنما رجع بالكفر أحدهما؛ لأنه إما أن يَصْدُقَ عليه أو يكذب، فإن صدق فهو كافر، وإن كذب عاد الكفر إليه لتكفيره أخاه المسلم بسبب ذنبٍ صدر عنه (1) واعتقد فيه كونه كافراً بذلك، قيل: هذا فيمن كفَّر مسلماً بلا تأويل، وأما المتأوِّل فخارجٌ عنه.

(1) في "غ": "منه".

ص: 235

3745 -

وقَالَ صلى الله عليه وسلم: "لا يَرْمِي رَجُل رَجُلاً بالفُسُوقِ، ولا يَرْمِيْهِ بالكُفْرِ، إِلَاّ ارتَدَّتْ عَلَيْه إنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كذَلَك".

"وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدَّت عليه"؛ أي: على الرجل الرامي؛ يعني: رجعت تلك الكلمة إلى قائلها "إن لم يكن صاحبه كذلك".

3746 -

وقَالَ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ دَعَا رَجُلاً بالكفُرِ، أو قَالَ: عَدُواً للهِ، ولَيْسَ كَذَلك، إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ".

"وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من دعا رجلاً بالكفر، أو قال: عدو الله، وليس كذلك إلا حار"؛ أي: رجع ذلك "عليه".

3747 -

وقَالَ: "المُسْتَبَّانِ مَا قَالا، فعلى البَادِئَ مَا لَمْ يَعتَدِ المَظْلُومُ".

"وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المستبَّان"؛ أي: اللذان سبَّ كلٌّ منهما الآخر؛ أي: شتمه.

"ما قالا"؛ أي: إثم ما قالا من السباب "فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم"؛ أي: لم يتجاوز المسبوبُ في السبِّ عن حدِّه، فإذا تجاوز لا يكون الإثم على البادئ فقط بل يكون الآخرَ آثما أيضاً باعتدائه.

3748 -

وقَالَ: "لَا ينبَغِي لِصدِّيقٍ أنْ يَكُونَ لعَّاناً".

ص: 236

"وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ينبغي لصِدِّيقٍ أن يكون لعَّاناً" وهو الذي يكثر اللعن على لسانه.

3749 -

وقَالَ: "إنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُهدَاءَ ولَا شُفَعَاءَ يومَ القِيَامةِ".

"وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن اللعانين لا يكونون شهداء"؛ أي: على الأمم السالفة بأنَّ رسلهم بلَّغوا الرسالة إليهم، فيحرمون من هذه الرتبة الشريفة المختصة بهذه الأمة.

"ولا شفعاء،" أي: لا يكونون أيضًا شفعاء في إخوانهم العاصين.

"يوم القيامة" قيل: في ذكر اللعانين بصيغة التكثير إشارةٌ إلى أن هذا الذمِّ إنما هو لمن أكثر منه اللعن لا لمن يصدر منه مرة أو مرتين.

3750 -

وقَالَ: "إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أَهْلَكُهُم".

"وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قال الرجل: هلك الناس"؛ أي: استوجبوا النار بسوء أعمالهم.

"فهو أهلكَهم" بفتح الكاف فعلاً ماضيا؛ أي: أوقَعَهم في الهلاك لأنه حملهم على ترك الطاعات والتلئس بالمعاصي يأساً منهم، أو هو الذي أوجب لهم الهلاك لا الله تعالى.

ويروى بالضم أفعلَ تفضيلٍ؛ أي: هو أشدُّهم هلاكاً وأسوؤهم حالاً؛ لأنه يُولع بعيبهم ويذهب بنفسه عجباً.

قيل: لو قاله تحزُّنا عليهم لمَا يرى فيهم من أمر دينهم فلا بأس به.

ص: 237

3751 -

وقَالَ: "تَجدُوْنَ شَرِّ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامةِ ذَا الوَجْهيْنِ، الَّذي يأتِي هؤُلاءِ بِوَجهٍ وهؤلاء بوجهٍ".

"وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تجدون شر الناس يوم القيامة ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه" هذا إذا لم يكن للإصلاح، فلو كان لأجله جاز.

3752 -

وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يَدخُلُ الجُنَّةَ قَتَّاتٌ".

ويروى: "لا يَدخُلُ الجَنَّةَ نمَّامٌ".

"وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يدخل الجنة قتَّات" بفتح القاف وتشديد التاء الأولى؛ أي: نمَّام، والنميمة: نقلُ الكلام على وجه الإفساد.

"ويروى: لا يدخل الجنة نمام" فرَّق بعضٌ بينهما: بأن النمام هو الذي يتحدث مع القوم فينم، والقتات هو الذي يتسمَّع على القوم وهم لا يعلمون ثم يَنُمُّ.

3753 -

وقَالَ صلى الله عليه وسلم: "عَلَيْكُم بالصدقِ، فإنَّ الصِّدقَ يَهدِي إلَى البرِّ، وإنَّ البرَّ يَهْدِي إلَى الجَنَّةِ، ومَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصدُقُ ويَتَحَرَّى الصِّدقَ حتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ الله صِدِّيقاً، وإيَّاكُم والكَذِبَ، فإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلَى الفُجُورِ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلَى النَّارِ، ومَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ ويتحَرَّى الكَذِبَ حتَّى يُكْتَبَ عِندَ الله كَذَاباً".

وفي رِوَايَةٍ: "إنَّ الصِّدقَ بِرٌّ، وإنَّ البرَّ يَهْدِي إلى الجَنَّةِ، وإنَّ الكَذِبَ فُجُورٌ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلى النَّارِ".

ص: 238

"وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليكم بالصدق"؛ أي: الزموا الصدقَ، وهو الإخبار على وفاقِ ما في الواقع.

"فإن الصدق يهدي"؛ أي: يوصل صاحبه.

"إلى البر" وهو اكتساب الحسنات والاجتنابُ عن السيئات.

"وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يَصْدُقُ ويتحرى الصدق"؛ أي: يجتهد في طلب الصدق.

"حتى يكتب عند الله صدِّيقاً" بكسر الصاد وتشديد الدال للمبالغة.

"وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله تعالى كذاباً".

"وفي رواية: إن الصدق بر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الكذب فجورٌ، وإن الفجور يهدي إلى النار".

3754 -

وقَالَ: "لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذي يُصلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، ويَقُولُ خَيْراً، وَينْمِي خَيْراً".

"وعن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس الكذاب" فيه نفي المبالغة في الكذب.

"الذي يصلح بين الناس"؛ يعني: مَن كذب ليصلح بين الناس لم يكن عليه إثم ذلك الكذب، بل يثبت له أجرٌ.

"ويقول خيراً وينمي"؛ أي: يبلِّغ "خيراً" ويقال: نَمَى يَنْمِي نَميْاً: إذا بلَّغ أحداً حديثَ أحد على وجه الإصلاح وطلبِ الخير، بأن يقول مثلاً للإصلاح بين

ص: 239

زيد وعمرو: يسلِّم عليك زيدٌ، ويمدحك، ويقول: أنا أحبه، وكذلك يجيء إلى زيد ويبلِّغه من عمرو السلامَ مثل ذلك.

3755 -

وقَالَ: "إِذَا رَأيْتُم المَدَّاحينَ فاحثُوا في وُجُوهِهِمُ التُّرابَ".

"عن مقداد بن الأسود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم المداحين" وهم الذين اتخذوا مدح الناس عادةً وبضاعة يستأكلون به الممدوح ويفتنونه.

"فاحثوا في وجوههم التراب" كنى به عن الحرمان؛ أي: فلا تعطوهم شيئاً.

وقيل: يؤخذ التراب ويُحثى؛ أي: يرمي به في وجه المادح عملاً بالظاهر.

وقيل: معناه الأمر بدفع المال إليهم، إذ المال شيء حقير كالتراب؛ أي: أعطوهم إياه واقطعوا به ألسنتهم؛ لئلا يهجوكم ويذمُّوكم.

أما إذا مدح رجلاً على فعلٍ حسن ترغيبًا له على أمثاله وحثاً للناس على الاقتداء به في أشباهه، فغير مدَّاح.

3756 -

وعَنْ أَبي بَكْرَةَ رضي الله عنه قَال: أثنى رَجُلٍ على رَجُلٍ عِنْدَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَال: "ويلَكَ! قَطَعتَ عُنُقَ أَخِيْكَ -ثَلاثاً- مَن كَانَ مِنْكُم مَادِحًا لا مَحالَةَ فليقُلْ: أَحْسِبُ فُلاناً والله حَسِيبه، إنْ كَانَ يَرَى أنَّه كَذَلِكَ، ولَا يُزكِّي على الله أَحَداً".

"وعن أبي بكرة رضي الله عنه أنه قال: أثنى رجل على رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ويلك قطعت عنق أخيك! ثلاثاً" إنما كره ذلك لئلا يغترَّ المقولُ له فيستشعر

ص: 240

الكبر والعجب، وذلك خيانةٌ عليه، فيصير كأنه قطع عنقه فأهلكه.

"من كان منكم مادحاً لا محالة" بالفتح؛ أي: في حالة لا بدَّ من مدحه.

"فليقل: أحسب فلاناً"، كذا وكذا، وهو من الحسبان بمعنى الظن.

"والله حسيبه"؛ أي: مُجازيه على أعماله، وهو العالم بحقيقة حاله.

"إن كان يرى"؛ أي: يظن.

"أنه كذلك"؛ أي: الممدوح كما مدحه.

"ولا يزكي" عطف على (يرى)، وهو الصواب؛ أي: وكان لا يزكي.

"على الله أحداً"؛ أي: لا يقطع بتقوى أحد ولا بزكاته عند الله، فإن ذلك غيبٌ عنا، عدَّاه بـ (على) لتضمنه معنى الغلبة؛ لأن مَن جزم على تزكية أحد عند اللُّه فكأنه غَلَبَ عليه في معرفته.

3757 -

عن أَبي هُريْرَةَ رضي الله عنه: أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أتدرُوْنَ مَا الغِيْبةُ؟ " قَالُوا: الله ورَسَولهُ أَعلَمُ، قَال:"ذِكْرُكَ أَخَاكَ بَما يَكْرَه"، قِيْل: أفرَأَيْتَ إنْ كَانَ في أَخِيْ مَا أقولُ؟ قَال: إنْ كَانَ فيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغتبْتَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فيهِ فَقَد بهتَّهُ".

ويُروَى: "إذَا قُلْتَ لأِخيْكَ مَا فيهِ فَقْد اغْتبْتَهُ، وإذَا قُلْتَ مَا لَيْسَ فيهِ فَقدْ بَهتَّهُ".

"عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدرون ما الغيبة؟ "؛ أي: أتدرون جواب هذا السؤال؟.

"قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره"؛ يعني: الغيبة أن تصف أخاك حال كونه غائباً بوصفٍ يكرهه إذا سمعه.

ص: 241

"قيل: أفرأيت"؛ أي: أخبرني يا رسول الله "إن كان في أخي ما أقول؟ "؛ أي: إن كان أخي موصوفاً بما وصفتُه هل يكون غيبة؟.

"قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتَّه"؛ أي: قلت فيه بهتاناً؛ أي: كذبًا عظيماً، والبهتان هو الباطل الذي يُتحيَّر من بطلانه وشدة فكره.

"ويروى: أذا قلت لأخيك ما فيه فقد اغتبته، وإذا قلت ما ليس فيه فقد بهتَّه".

3758 -

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أنَّ رَجُلاً اسْتأذَنَ على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَال: "ائْذَنُوا لَهُ، فبئسَ أَخُو العَشِيرَةِ هُوَ"، فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم في وَجْهِهِ، وانْبَسَطَ إليْه، فلمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَت عَائِشَةُ رضي الله عنها: يَا رَسُولَ الله! قُلْتَ لهُ: كَذا وكَذا، ثُمَّ تَطلَّقتَ في وجْهِهِ، وانبسَطْتَ إليه! فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"مَتَى عَهدتِنِي فَحَّاشاً؟ إنَّ شَرَّ النَّاس عِنَدَ الله مَنْزلةً يَومَ القِيامةِ مَن تَرَكهُ النَّاس اتقَاءَ شَرِّه".

ويُرْوَى: "اتّقاءَ فُحشِهِ".

"وعن عائشة رضي الله عنه أن رجلاً" قيل: هو عيينة بن حصن.

"استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم "؛ أي: طلب الإذن في الدخول عليه.

"فقال: ائذنوا له فبئس أخو العشيرة" هو؛ أي: بئس هو في قومه، وهذا تعريف له بسوء الفعل وخبث النفس، وكذلك يدل على جواز ذكر مساوئ الخبيث ليُحترز منه ويُتوقَّى شره.

"فلما جلس تطلَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم "؛ أي: أظهر الطلاقة والبشاشة "في

ص: 242

وجهه وانبسط إليه"؛ يعني جعله قريبًا من نفسه وتبسم في وجهه.

"فلما انطلق الرجل"؛ أي: ذهب "قالت عائشة: يا رسول الله! قلت له كذا وكذا، ثم تطلَّقت في وجهه وانبسطت إليه؟! فقال رسول الله: متى عاهدتني"؛ أي: وجدتني "فحاشاً؟ " أصل الفحش: زيادة الشيء على مقداره، وهذا إنكارٌ على عائشة قولها: إنك خالفت بين الغيبة والحضور.

"إن شر الناس" استئنافٌ كالتعليل لقوله: (متى عاهدتني فحاشًا).

"عند الله منزلةً يوم القيامة من تركه الناس"؛ أي: تركوا التعرُّض له "اتقاء شره" كيلا يؤذيه بلسانه، وفيه رخصةُ التواضع لدفع الضرر.

"ويروى: اتقاء فحشه" وهو مجاوزة الحد قولًا وفعلاً، قيل: ذلك الرجل ظهر كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم، ارتدَّ بعده مع المرتدين وجيء به أسيراً إلى أبي بكر رضي الله عنه.

3759 -

عَنْ أَبي هُريرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "كُلُّ أُمَّتِي مُعَافَى إلَّا المُجاهِرِينَ، فإنَّ مِن المُجَاهرةِ: أنْ يَعمَلَ الرَّجُلُ باللَّيلِ عَمَلاً ثُمَّ يُصبحُ وقد سَتَرَهُ الله فَيقولَ: يَا فُلانُ! عَمِلْتُ البَارِحَةَ كذا وكذا، وقد بَاتَ يسْترُه ربُّه، ويُصْبحُ يكشِفُ سِتْرَ الله عَنْهُ".

"عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: كلَّ أمتي معافًى" مفعول من عافاه الله، قيل: أي: أعطاه العافية وهي السلامة من المكروه.

"إلا المجاهرون" مستثنى من (معافى)؛ لأنه في معنى النفي؛ أي: كل أمتي لا ذنب عليهم إلا المجاهرون بالمعاصي.

"وإن من المجانة": يقال: مَجَنَ يَمجنُ مُجوناً ومَجَانة فهو ماجِنُ؛ أي: لم يبال بما صنع ولا بما قيل له من غيبته ومذمتِه، ونسبتِه إلى فاحشة.

ص: 243

"أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان! عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه"؛ يعني: مَن أظهر ذنبه بين الناس فهو الذي لا يبالي بأن يغتابه الناس ويذمونه، وهذا غير مرضيٍّ عند الله وعند الناس.

مِنَ الحِسَان:

3760 -

قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَن تَرَكَ الكَذِبَ وهُوَ بَاطِلٌ بنيَ لَهُ في رَبَض الجَنَّةِ، ومَن تَرَكَ المِراءَ وهُوَ مُحِقٌّ بنيَ لَهُ في وَسَطِ الجنةِ، ومَن حَسَّنَ خُلُقَه بنيَ لَهُ في أَعلَاها".

"من الحسان":

" عن أبي أمامة وأنس قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ترك الكذب وهو باطل" جملة اعتراضيةٌ إخبارٌ عن الواقع؛ أي: الكذبُ باطلٌ في الواقع، أو حاليةٌ؛ أي: وحالُ ذلك أنه باطل لا مصلحة فيه أصلاً، قيد به لأنه إن لم يكن باطلاً بأنْ كان لإصلاح ذات البين فالإتيانُ به يوجب الأجر فلا يستحبُّ تركه.

"بني له في ربض الجنة"، و (الربض) بالضم: وسط الشيء، وبالتحريك: نواحيه؛ أي: حوالي الجنة من داخلها لا من خارجها.

"ومن ترك المراء"؛ أي: الجدال.

"وهو مُحِقٌّ"؛ أي: والحالُ أن التارك محق؛ أي: صادقٌ في تكلُّمه بالحق.

"بني له في وسط الجنة" نيلُه وسطَها بترك المراء مع أنه محق؛ لتركه كسر قلب مَن يجادله، ورفعة نفسه وإظهار فضله.

ص: 244

"ومَن حَسُنَ خلقُه بني له في أعلاها".

"غريب".

3761 -

وقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أتدرُوْنَ مَا أكثرُ مَا يُدخِلُ النَّاسَ الجَنَّة؟ تَقْوَى الله وحُسنُ الخُلُقِ، أترُوْنَ مَا أكثرُ مَا يُدخِلُ الناسَ النَّار؟ الأَجْوَفانِ: الفَمُ والفَرجُ".

"وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدرون ما أكثر ما يدخل الناس الجنة"(ما) الأولى استفهامية والثانية موصولة أو موصوفة؛ أي: أيُّ شيء أكثرُ إدخالاً للناس الجنة؛ يعني: أتدرون جواب هذا القول؟.

"تقوى الله وحسن الخلق أتدرون ما أكثر ما يدخل الناس النار؟ الأجوفان الفم والفرج" فإنهما يوقعان الناس في الإثم؛ لأن الرجل ربما لا يقنع بقليل من الحلال ويطلب الكثير من الحرام، وكذلك الفرج، فيدخل بسببه النار.

3762 -

وقَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيتكَلَّمُ بالكَلِمةِ مِن الخَيْر مَا يعلمُ مَبْلَغَها، يَكْتُبُ الله لَهُ بِها رِضْوانَه إلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيتكَلَّمُ بالكَلِمةِ مِن الشرِّ مَا يَعلَمُ مبلَغَها، يَكْتُبُ الله بِها عَلَيْهِ سَخَطَه إِلَى يَوْمِ يَلْقَاه".

"عن بلال بن الحارث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الرجل ليتكلَّم بالكلمة من الخير ما يعلم مبلغها"؛ أي: قَدرَ تلك الكلمة عند الله؛ إذ ربما يظن أنها يسير وهي عند الله عظيمة.

"يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه" بالإضافة؛ أي: إلى يوم القيامة.

ص: 245

"وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من الشر ما يعلم مبلغها، يكتب الله بها عليه سخطه إلى يوم يلقاه".

3763 -

وقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "وْيلٌ لِمَنْ يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضحِكَ بهِ القَوْمَ، ويلٌ لَهُ، ويلٌ له".

"وعن معاوية بن حَيْدةَ القشيري قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ويل لمن يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له ويل له" والويل: الهلاك، وقيل: وادٍ في جهنم، وهذا يدل على أن من يحدِّث فيَصدُق في المزاح فيضحك منه الحاضرون فلا بأس به.

3764 -

وقَالَ: "إنَّ العَبْدَ لَيقُولُ الكَلِمَةَ لَا يَقْولُها إلَّا ليُضحِكَ بِها النَّاسَ يَهْوِي بِها أَبْعَدَ مَمَّا بَيْنَ السَّماءِ والأرضِ، وإنَّه لَيزِلُّ عَنْ لِسَانِهِ أَشَدَّ مِمَّا يَزِلُّ عَنْ قدمِهِ".

"وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن العبد ليقول الكلمة لا يقولها إلا ليُضْحِك بها الناس يهوي بها"؛ أي: يسقط بسبب تلك الكلمة الكاذبة إلى جهنم سقوطاً "أبعدَ مما بين السماء والأرض".

وقيل: معناه: يبعد بها عن الخير والرحمة بعداً أبعد مما بينهما.

"وإنه ليزل"؛ أي: يسقط "عن لسانه أشد مما يزل عن قدمه" يريد أن صدور الكذب عن لسانه أضرُّ عليه من سقوطه عن رجله على وجهه.

3765 -

وقَالَ: "كَفَى بالْمَرءِ كذِبًا أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ ما سَمِعَ".

ص: 246

"وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع" تقدم بيانه في (باب الاعتصام بالكتاب والسنة).

3766 -

وقَالَ: "مَن صَمَتَ نَجَا".

"عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من صمت"؛ أي: سكت عن الشر "نجا"؛ أي: خلص من عذاب الدارين.

3767 -

وقَالَ عُقْبةُ بن عَامِر: لَقِيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: "املِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، ولْيَسَعكَ بيتُكَ، وابْكِ عَلَى خَطِيْئَتِكَ".

"وقال عقبة بن عامر: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ما النجاة؟ فقال: املك" بكسر الهمزة: أَمرٌ مِنْ مَلَكَ يملك؛ أي: احفظ "عليك لسانك"؛ أي: ولا تتكلم إلا بما يكون لك لا عليك.

"وليسعك بيتك"؛ أي: اسكن في بيتك ولا تخرج منه إلا للضرورة، ولا تضجر من الجلوس في مسكنك والاشتغالِ بشأنك، ودع ما لا يعنيك ومخالطةَ من يشغلك عن دينك.

"وابك على خطيئتك" أمر من الندم والتوبة.

وهذا أسلوب الحكيم؛ لأنه سأل عن النجاة فأجاب صلى الله عليه وسلم بسببها.

3768 -

عَنْ أَبي سَعِيْدٍ رَفَعَهُ، قَالَ: "إِذَا أَصبَحَ ابن آدَمَ فَإِنَّ الأَعضَاءَ كُلَّها تُكَفِّرُ اللّسانَ فتَقُولُ: اتَّقِ الله فيْنَا، فإنَّما نَحْنُ بِكَ، فإنْ استَقمتَ استَقَمنا،

ص: 247

وإنْ اعْوَجَجْتَ اعوجَجْنَا".

"عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه يرفعه قال: إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان"؛ أي: تَذِلُّ وتخضع، والتكفير هو أن يطاطئ رأسه وينحني قريباً من الركوع عند تعظيم صاحبه.

"فتقول"؛ أي: الأعضاء للِّسان: "اتق الله فينا"؛ أي: في حفظ حقوقنا.

"فإنما نحن بك"؛ أي: نستقيم بك ونعوجُّ بك.

"فإن استقمت استقمنا وإن اعوَجَجْتَ اعوَجَجْنا".

3769 -

وقَالَ صلى الله عليه وسلم: "مِنْ حُسْنِ إسْلام المرَءَ تَركُه مَا لا يَعْنيهِ".

"وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مِن حُسْن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه"؛ أي: لا يهمُّه؛ يعني: إسلامُ الرجل إنما يَحسُنُ ويكمُلُ إذا ترك من الأقوال والأفعال ما لا ضرورة فيه ولا منفعةَ له منه.

3770 -

عَنْ أَنسٍ رضي الله عنه قَال: تُوفِّيَ رَجُل مِنَ الصَّحَابةِ فَقَال رَجُل: أبشِرْ بالجنَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"أَوَلا تدرِي، فلعَلَّه تكلَّمَ فيْمَا لا يَعنِيهِ، أو بَخِلَ بَمِا لا يُنقِصُهُ".

"عن أنس صلى الله عليه وسلم أن قال: توفِّي رجل من الصحابة، فقال رجل: أبشر بالجنة"؛ أي: افرح بحصول الجنة لك بأن صحبت النبيَّ صلى الله عليه وسلم.

"فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوَلا تدري" يروى بفتح الواو عاطفةً على مقدَّر؛ أي: أتقول هكذا ولا تدري ما تقول؟ أو للحال؛ أي: والحال أنك لا تدري،

ص: 248

ويروى بسكونها عاطفةً على مقدَّر أيضًا؛ أي: أتدري أنه من أهلها أو لا تدري؟ أي: بأيِّ شيء علمت ذلك؟.

"فلعله تكلم بما لا يعنيه أو بخل بما لا ينقصه" من التكلُّم بكلام الخير والتأديب والتعليم وغير ذلك، فإن ذلك لا ينقص شيئًا من لسانه، وقيل: معناه: بخل بالزكاة التي لا تنقص المال، فالضمير المنصوب عائد إلى الرجل والمرفوع إلى (ما)، أو هو عام في جميع ما لا ينقص بالبذل من المال والمسائل العلمية التي لا يحتاج الناس إليها.

3771 -

عَنْ سُفيَانَ بن عَبْدِ الله الثَّقَفي قَالَ: قُلتُ: يا رسولَ الله! مَا أَخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ؟ قَالَ: فأخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ وقَالَ: "هذا"، صحيح.

"عن سفيان بن عبد الله الثقفي أنه قال: قلت: يا رسول الله! ما أخوف"(ما) استفهامية مبتدأ خبره (أخوف)، وهو أفعل التفضيل للمفعول.

"ما تخاف"، (ما) هذه موصولة، والعائد محذوفٌ تقديره: أيّ شيء أخوفُ أشياء تخاف منها "عليَّ؟ قال: فأخذ بلسان نفسه وقال: هذا" إشارة إلى لسانه؛ يعني: "أكثر خوفي عليك منه.

"صحيح".

3772 -

وقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا كَذَبَ العَبْدُ تَبَاعَدَ عَنْهُ المَلَكُ مِيْلاً مِن نتنِ مَا جَاءَ بهِ".

"عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا كذب العبد تباعَدَ عنه الملك"، لعله الحفظة.

"ميلاً" وهو ثلث الفرسخ، أو قطعة من الأرض، أو مدَّ البصر.

ص: 249

"من نتن ما جاء به" من الكذب الذي تكلم به.

3773 -

وقَالَ: "كبُرَتْ خِيَانةً أنْ تُحدِّثَ أَخَاكَ حَدِيْثاً، هُوَ لَكَ بهِ مُصَدِّقٌ، وأَنْتَ بهِ كَاذبٌ".

"عن سفيان بن أسيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كبرت خيانة" نصبٌ على التميز، و (كبرت) مسند إلى (أن تحدِّث)، والتأنيث على تأويل الخصلة أو الفعلة، وقيل: تقديره: كبرت الخيانةُ خيانةً.

"أن تحدِّث أخاك حديثاً هو لك به مصدِّق وأنت به كاذب"؛ يعني: هذا الفعل خيانةٌ عظيمة عند الله.

3774 -

وقَالَ: "مَن كَانَ ذا وَجْهينِ في الدُّنيا، كَانَ لَهُ يَومَ القِيامةِ لِسَانَانِ مِن نَارٍ".

"عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من كان ذا وجهين في الدنيا" المراد به مَن يرى نفسه عند شخص أنه من جملة محبيه وناصحيه وهو يحدِّثُ بمساوئه في غيبته.

"كان له يومَ القيامة لسانان من نار".

3775 -

وقَالَ: "لَيْسَ المُؤْمِنُ بالطَّعَّانِ، ولا باللَّعَّانِ، ولا الفَاحِشِ، ولا البَذِيء"، غريب.

"وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس المؤمن

ص: 250

بالطعان"؛ أي: ليس المؤمن الكاملُ طعاناً، طَعَنَ عليه يطعنُ فتحاً وضماً؛ أي: عابه، ومنه الطعن في النسب.

"ولا باللعان" واللعن منهيٌّ عنه أن يلعن رجلاً بعينه مواجهةً براً كان أو فاجراً؛ لأن عليه توقيرَ البر ورَحْمَ الفاجر بالاستغفار له، وأما لعنُ الكافر والفاجر على العموم فغير مني عنه.

"ولا الفاحش" وهو الذي يشتم الناس.

"ولا البذيء": وهو الذي لا حياء له.

"غريب".

3776 -

وقَالَ: "لا يَكُونُ المُؤْمِنُ لَعَّاناً".

وفي رِوَاية: "لا يَنْبَغِي للمُؤْمنِ أنْ يَكُونَ لعَّاناً".

"وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يكون المؤمن لعاناً"؛ أي: ليس من صفة المؤمن الكامل أن يلعن أحداً.

"وفي رواية: لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعاناً".

3777 -

وقَالَ: "لا تَلَاعَنُوا بِلَعنَةِ الله، ولا بِغَضَبِ الله، ولا بِجَهنَّم".

وفي رِوَايَةً: "ولا بالنَّارِ".

"وعن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تلاعنوا" بحذف إحدى التائين للتخفيف، وفي بعض:(لا تلعنوا).

"بلعنة الله"؛ أي: لا تقولوا لمسلم: عليك لعنة الله.

ص: 251

"ولا بغضب الله" بأن تقولوا: عليك غضب الله.

"ولا بجهنم" بأن تقولوا: لك جهنم.

"وفي رواية: ولا بالنار" بأن تقولوا: أدخلك الله النار، وما أشبه ذلك.

3778 -

وقَالَ: "إنَّ العَبْدَ إِذَا لَعَنَ شَيْئاً صَعِدَتْ اللَّعنةُ إلى السَّماءِ، فتُغلَقُ أبْوَابُ السَّماءِ دُوْنها، ثُم تَهْبطُ إلى الأَرضِ فتغْلَقُ أبوابُها دونها، ثُمَّ تأخُذُ يَمينًا وشِمَالاً فإذا لَمْ تَجد مَساغاً رَجَعَتْ إلى الَّذي لُعِنَ، فإنْ كَانَ لِذَلكَ أَهلاً، وإلَّا رَجَعَتْ إلى قائِلِها".

"وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يميناً وشمالاً" صعود اللعنة وهبوطها وضربُها يميناً وشمالاً تجوُّزٌ وتصوير أن فعله هذا كالضالِّ المتردّد الذي لا يجد سبيلًا.

"فإذا لم يجد مساغاً" بفتح الميم؛ أي: مدخلاً وطريقاً، ساغ الشراب في الحلق يسوغ؛ أي: دخل سهلاً.

"دخلت"؛ أي اللعنة "إلى الذي لُعِنَ" على صيغة المجهول.

"إن كان لذلك" اللعن "أهلاً، وإلا"؛ أي: كان لم يكن لذلك أهلاً بأن كان مظلوماً "رجعت إلى قائلها".

3779 -

عَنِ ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ رَجُلاً نَازَعَتْهُ الرِّيحُ رِدَاءَهُ فلَعَنَها، فَقَال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:"لا تَلْعَنْها فَإِنَّها مَأمُورَةٌ، وإِنَّه مَنْ لَعَنَ شَيْئاً لَيْسَ لهُ بأهْلٍ رَجعتْ اللَّعنةُ عَلَيهِ".

ص: 252

"عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رجلاً نازعته الريح بردائه"؛ أي: جاذبته.

"فلعنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تلعنها فإنها مأمورةٌ، وإنه من لعن شيئاً ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه".

3780 -

وقَالَ: "لا يُبَلِّغْنِي أَحَدٌ مِنْ أَصحَابي عَنْ أَحَدٍ شَيئاً فإنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إليْكُم وأَنَا سَليمُ الصَّدرِ".

"وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يبلِّغني أحدٌ من أصحابي عن أحد شيئاً" بأن شتم أحداً، أو آذاه، أو فيه خصلة سوء، كيلا أغضب عليه.

"فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر" ليس فيه غضب ولا حقد لأحد، وهذا تعليم للأمة.

3781 -

وعن عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قلتُ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: حَسبُكَ مِن صفِيَّة كَذَا وكَذَا، تَعِني: قَصِيْرةً، فَقَال:"لَقَد قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَ بِها البَحرُ لَمَزَجَتهُ"، صحيح.

"وقالت عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا، تعني"؛ أي: تريد "قصيرة".

"فقال: لقد قلت كلمة لو مُزج بها البحر"؛ أي: بالكلمة التي اغتبت بها أختك المؤمنة.

"لمزجته"؛ أي: لغلبته بالمزج، وصار البحر مغلوباً بها، وهو مبالغةٌ في عظم تلك الكلمة؛ يعني: إن هذه الكلمة لو كانت مما يمزج بالبحر لغيرته عن

ص: 253

حاله مع كثرته من غاية قبحها.

3782 -

وقَالَ: "مَا كانَ الفُحْشُ في شَيْءٍ إلَّا شَانَهُ، ومَا كانَ الحَيَاءُ في شَيْءٍ إِلَاّ زَانَهُ".

"وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كان الفحش في شيء إلا شانه"؛ أي: عابه.

"وما كان الحياء في شيء إلا زانه"؛ أي: زيَّنه.

3783 -

وقَالَ: "مَن عيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يعمَلَهُ"، منقطع.

"وعن خالد بن معدان، عن معاذ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من عيَّر أخاه"؛ أي: عابه ولامه "بذنب" قد تاب عنه "لم يمت حتى يعمله".

"منقطع".

3784 -

وقَالَ: "لا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لأِخيكَ، فَيَرْحَمُهُ الله ويَبْتلِيْكَ"، غريب.

"وعن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تظهر الشماتة لأخيك"؛ أي: لا تفرح بذنبٍ صدر من عدوك، أو بنكبةٍ وردت إليه، فلعلك تقع في مثل ذلك.

"فيرحمه" في بعض: (فيعافيه)"الله ويبتليك".

"غريب".

ص: 254

3785 -

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ أَحَداً وأَنَّ لِيْ كذا وكذا"، صَحِيْح.

"عن عائشة قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أحب أني حكيت أحداً"؛ أي: فعلت مثل فعله، يقال: حكاه؛ أي: شابهه، وأكثر ما تستعمل المحاكاة في القبيح، وقيل: معناه: ما أحبُّ أن أتحدث بعيب أحد.

"وأن لي" -الواو للحال-"كذا وكذا" من الدنيا بسبب ذلك الحديث.

"صحيح".

3786 -

عَنْ جُنْدُبٍ قَالَ: جَاءَ أَعرَابيٌّ فأنَاخَ رَاحِلَتَهُ، ثُمَّ عَقَلَها، ثُمَّ دَخَلَ المَسْجدَ فصَلَّى خَلْفَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فلَمَّا سَلَّم أتى راحِلَتَهُ فأَطْلَقَها، ثُمَّ رَكِبَ، ثُمَّ نَادَى: اللهمَّ! ارحَمني ومُحَمَّداً، ولا تُشْرِكْ في رَحمَتِنا أَحداً، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"أتقُولُونَ: هُوَ أَضَلُّ أَمْ بَعِيْرُه؟ ألم تَسْمَعُوا إِلَى مَا قَالَ؟! قَالُوا: بَلَى".

"عن جندب: أنه جاء أعرابي فأناخ راحلته ثم عقلها، ثم دخل المسجد فصلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سلَّم أتى راحلته فأطلقها" من وثاقها، والإطلاقُ ضدُّ القيد.

"ثم ركب، ثم نادى: اللهم ارحمني ومحمداً ولا تشرك في رحمتنا أحداً، فقال رسول الله: أتقولون"؛ أي: أتظنون "هو أضل"؛ أي: أجهلُ أو أَهْلَكُ "أم بعيره، ألم تسمعوا إلى ما قال؟ قالوا: بلى".

ص: 255