الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2 - باب فضلِ الفُقَراءِ وما كانَ من عَيْشِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم
-
(باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي صلى الله عليه وسلم)
مِنَ الصِّحَاحِ:
4040 -
قال رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: "رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفوعٍ بالأَبوابِ لو أَقسمَ على الله لأبَرَّهُ".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رُبَّ أشعثَ"؛ أي: رُبَّ رجل متفرقِ شَعر الرأس.
"مدفوعٍ بالأبواب"؛ أي: من الأبواب باليد أو باللسان أن يدخلَها؛ من غاية حقارته في نظر الناس.
"لو أَقسَمَ على الله لأَبرَّه"؛ يعني: لو حلفَ يمينًا على أن الله تعالى يفعل الشيءَ أو لا يفعله جاء الأمر فيه على ما يوافق يمينَه؛ من غاية عزَّته عند الله تعالى.
4041 -
وقال: "هل تُنْصَرُونَ وتُرْزَقُونَ إلا بِضُعفَائِكُم؟ ".
"وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تُنصَرون وتُرزَقون إلا بضعفائكم"؛ يعني: إنما حصل لكم النصرُ على الأعداء وقُدِّر لكم الرزقُ ببركة الفقراء؛ فأكَرِمُوهم.
4042 -
وقال: "قُمْتُ على بابِ الجَنَّةِ، فكانَ عامَّةُ مَن دَخَلَهَا المَساكينُ، وأصحابُ الجَدِّ مَحبُوسُونَ، غيرَ أنَّ أصحابَ النارِ قد أُمِرَ بهم إلى النَّارِ، وقُمْتُ على بابِ النَّارِ، فإذا عامَّةُ مَن دَخَلَهَا النِّساءُ".
"وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: قمتُ على باب الجنة، فكان عامةُ"؛ أي: أكثرُ "مَن دخلَها المساكينَ، وأصحابُ الجَدِّ"، وهو بفتح الجيم وتشديد الدال: المَغنى والحظ الدنيوي مالًا ومنصبًا؛ يعني: أصحاب الأموال والمناصب.
"محبوسون" في العَرَصَات لطولِ حسابهم؛ بسبب كثرة أموالهم وتلذُّذهم بها في الدنيا، والفقراء بُرَاء من هذا، فلا يُحبَسون؛ بل يدخلون الجنَّةَ قبل الأغنياء بأربعين خريفًا مكأفاةً عن فقرهم في الدنيا.
"غيرَ أن أصحابَ النار" أُريد بهم: الكفار.
"قد أُمر بهم إلى النار" من غير وقوف في العَرَصَات.
"وقمتُ على باب النار؛ فإذا عامةُ مَن دخلَها النساءُ".
4043 -
وقال: "اطَّلَعتُ في الجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أكثرَ أَهْلِها الفُقَراءَ، واطَّلَعْتُ في النَّارِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها النِّساءَ".
"وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اطَّلعت في الجنة، فرأيت أكثرَ أهلها الفقراء، واطَّلعت في النار، فرأيت أكثرَ أهلها النساءَ"، فإن قيل: إن أهلَ الجنة والنار قبلَ يوم القيامة إما أحياءٌ أو أمواتٌ لم يُبعثوا، فكيف رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قلنا: يحتمل أنه أراد بالماضي المستقبل، أو رأى أرواحَهم، أو أن الجنَّةَ
والنارَ مُثِّلَتَا له بصورتهم يومَ القيامة، كما قال يومًا:"رأيت الجنَّةَ والنارَ في عرض هذا الحائط"؛ أي: مثالَهما.
4044 -
وقال: "إنَّ فُقَراءَ المُهاجِرينَ يَسبقونَ الأَغْنياءَ يومَ القِيامةِ إلى الجَنَّةِ بأربعينَ خَرِيفًا".
"وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن فقراءَ المهاجرين يسبقون الأغنياءَ يومَ القيامة إلى الجنة بأربعين خريفًا"؛ أي: سنةً.
4045 -
عن سهلِ بن سَعْدٍ قال: مرَّ رَجُلٌ على رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ لرَجُلٍ عِنْدَه جالسٍ: "ما رأيُّكَ في هذا؟ " فقال: رجلٌ مِن أَشْرافِ الناسِ، هذا والله حَرِيٌّ إنْ خَطَبَ أنْ يُنْكَحَ، وإنْ شَفَعَ أنْ يُشفَّعَ، قال: فَسَكَتَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ، فقالَ لهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"ما رأيُّكَ في هذا؟ " فقالَ: يا رسولَ الله! هذا رَجُلٌ مِن فُقَراءَ المُسلِمينَ، هذا حَرِيٌّ إنْ خَطَبَ أنْ لا يُنكَحَ، وإنْ شَفَعَ أنْ لا يُشفَّعَ، وإنْ قالَ أنْ لا يُسْمَعَ لقولهِ، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"هذا خيرٌ مِن ملءِ الأرضِ مِن مثلِ هذا".
"عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: مرَّ رجل على النبي صلى الله عليه وسلم: فقال لرجلٍ عندَه جالسٍ: ما رأيُك في هذا؟ "؛ أي: ما ظنُّك في حق هذا الرجل، تظنُّه خيرًا أم شرًّا؟
"فقال: رجلٌ من أشراف الناس، هذا والله حَرِيٌّ"، (هذا): مبتدأ، خبره (حري)، والقَسَم معترض بينهما؛ أي؛ جديرٌ وحقيقٌ "إنْ خَطبَ"؛ أي: طلبَ أن يتزوجَ بامرأة "أن يُنكحَ": متعلق بـ (حري).
"وإنْ شَفَعَ" - بالتخفيف - "أنْ يُشفَّع" بضم الياء وفتح الفاء المشددة؛ أي: تُقبَل شفاعتُه.
"قال: فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم مرَّ رجلٌ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما رأيُّك في هذا؟ "؛ أي: ما ظنُّك بهذا الرجل، تظنُّه خيرًا أم شرًّا؟
"فقال: يا رسولَ الله! هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حَرِيٌّ إنْ خَطبَ أن لا يُنكح، وإن شَفَعَ أن لا يُشفَّع، وإن قال أن لا يُسمَع لقوله"؛ أي: لا يَسمع أحدٌ لكلامه، ولا يُلتفَت إليه؛ من غاية فقره وحقارته.
"فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خيرٌ من ملء الأرض من مثل هذا".
4046 -
وعن عائِشَةَ قالت: ما شَبعَ آلُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مِن خُبْزِ الشَّعيرِ يومَيْنِ مُتَتابعَيْنِ حَتَّى قُبضَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.
"عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما شبعَ آلُ محمدٍ من خبز الشعير يومَين متتابَعين، حتى قُبض رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ".
4047 -
وقال أبو هُريرةَ: خَرَجَ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم مِن الدُّنيَا ولم يَشبعْ مِن خُبْزِ الشَّعيرِ.
"وقال أبو هريرة رضي الله عنه خرجَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم من الدنيا، ولم يَشبَع من خبز الشعير".
4048 -
عن أنسٍ: أنه مَشَى إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بخُبْزِ شَعيرٍ وإهَالَةٍ سَنِخَةٍ،
ولقد رَهَنَ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم دِرْعًا بالمَدينةِ عندَ يهودي وأخذَ منهُ شَعيرًا لأَهْلِهِ، ولقد سَمِعْتُه يقولُ: ما أَمْسَى عندَ آلِ مُحَمَّدٍ صاعُ بُرٍّ ولا صاعُ حَبٍّ، وإنَّ عِنْدَه لَتِسعَ نِسْوَة.
"عن أنس رضي الله عنه: أنه مشى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بخبز شعير وإهالة" بكسر الهمزة: ما أُذيب من الألية والشحم، وقيل: الدسم الجامد، وقيل: الوَدَك، وهو دسم الشحم، وقيل: كل دُهن يُؤتَدَم به.
"سَنِخَة" بفتح السين المهملة وكسر النون وفتح الخاء المعجمة؛ أي: متغيرة لطول المكث.
"ولقد رَهنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم درعًا له بالمدينة عند يهوديٍّ، وأخذ منه شعيرًا لأهله، ولقد سمعته"؛ أي: قال راوي هذا الحديث عن أنس صلى الله عليه وسلم: سمعتُ أنسًا "يقول: ما أمسى"؛ أي: لم يُدَّخر في الليل للغد "عند آل محمد صاعُ بُرٍّ ولا صاعُ حَبٍّ" للقُوت.
"وإن عنده": الواو للحال.
"لَتسعَ نسوةٍ".
4049 -
وقال عُمَرُ رضي الله عنه: دَخَلْتُ على رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو مُضْطَجعٌ على رِمالِ حَصيرٍ، ليسَ بينَهُ وبينَهُ فِرَاشٌ، قد أثَّرَ الرِّمَالُ بجَنْبه، مُتَّكِئًا على وِسادةٍ من أَدَمٍ حَشْوُها ليفٌ، قلتُ: يا رسولَ الله! اُدْعُ الله فلْيُوَسِّعْ على أُمَّتِكَ، فإنَّ فارِسَ والرُّومَ قد وُسِّعَ عليهم، وهم لا يَعبُدونَ الله، فقال:"أَوَ في هذا أَنْتَ يا ابن الخطابِ! أُولئكَ قومٌ عُجِّلَتْ لهم طيباتُهم في الحياةِ الدنيا".
وفي رِوايةٍ: "أَمَا تَرْضَى أنْ تكونَ لهُم الدُّنيا ولَنَا الآخِرَةُ؟ ".
"وقال عمر رضي الله عنه: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا هو مضطجعٌ على رمالِ حصيرٍ" بكسر الراء المهملة وضمها: جمع رَمِيل بمعنى: مَرمُول؛ أي: منسوج، ويُستعمل في الواحد، وهذا من إضافة الجنس إلى النوع، كـ (خاتم فضة)؛ أي: رمال من حصير، والمراد هنا: المنسوج من ورق النخل.
وقيل: الرمال: ما يُنسَج عُودًا عُودًا.
"ليس بينه وبينه فراشٌ، قد أثَّر الرمال بجنبه صلى الله عليه وسلم، متكئًا على وسادةٍ من أدم، حشوُها لِيفٌ، قلت: يا رسولَ الله! ادعُ الله فَلْيوسِّعْ على أمتك؛ فإن فارسَ والرُّومَ قد وُسِّعَ عليهم وهم لا يعبدون الله، فقال: أوفي هذا أنتَ": استفهام على سبيل الإنكار؛ أي: أأنت في هذا ونظرُك مرتهنٌ بهذه الأشياء؟! أي: أين أنت من النِّعَم الباقية الغائبة عنك "يا ابن الخطاب؟! " وفي ترك مخاطبته بـ (عمر) في هذا المعرض معنًى لطيفٌ؛ لأن الارتهانَ بطيبات الدنيا من خصال ذوي الجهل والعمى، فكان نسبتُه صلى الله عليه وسلم إلى أبيه ذي الجهل والعمى أَولى وأليقَ بالكلام، كأنه قال: يا ابن ذلك المقيَّد بطيبات الدنيا الغافل عن نعيم الآخرة.
"أولئك قومٌ عُجِّلت لهم طيباتُهم في الحياة الدنيا، وفي رواية: أَمَا ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ ".
4050 -
عن أبي هُريرةَ قال: "لقد رأيتُ سَبْعينَ مِن أصحابِ الصُّفَّةِ، ما مِنهم رَجلٌ عليه رِداءٌ، إِمَّا إِزَارٌ وإمَّا كساءٌ، قد رَبطوا في أَعْناقِهم، فمِنْها ما يبلُغُ السَّاقَيْنِ، ومنها ما يَبْلُغُ الكَعْبينِ، فيَجمعَه بيدِه كراهِيةَ أنْ تُرَى عورتُه".
"عن أبي هريرة رضي الله عنه: لقد رأيت سبعين من أصحاب الصُّفَّة": وهم الفقراء الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم.
"ما منهم رجلٌ عليه رداء"؛ أي: لم يكن منهم رجلٌ عليه رداءٌ وإزارٌ، بل يكون له "إما إزارٌ" فقط يستر به عورتَه، "وإما كِساءٌ" يشتمل به.
"قد ربطوا في أعناقهم، فمنها"؛ أي مِن كِساءٍ "ما يَبلُغ نصفَ الساقين، ومنها ما يَبلُغ الكعبين، فيجمعه بيده؛ كراهيةَ أن تُرى عورتُه".
4051 -
وقال رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذا نَظَرَ أَحَدُكم إلى مَن فُضلَ عليهِ في المالِ والخَلْقِ، فلْيَنظرْ إلى مَن هو أَسْفَلَ منهُ".
"وقال أبو هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا نظر أحدُكم إلى مَن فُضلَ"؛ أي: زِيدَ "عليه في المال والخَلق"؛ يعني: إذا رأى أحدُكم مَن هو أكثر منه مالًا وجثةً ولباسًا وجمالًا.
"فَلْينظرْ إلى مَن هو أسفلُ"؛ أي: أقلُّ "منه" في ذلك؛ ليَعرفَ أن الله تعالى أنعمَ عليه نعمةً كثيرةً بالنسبة إليه.
4052 -
وقال: "انظُرُوا إلى مَن هو أَسْفَلَ منكم، ولا تَنظُرُوا إلى مَن هو فَوْقَكم، فهوَ أَجْدرُ أنْ لا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ الله علَيْكم".
"وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انظروا إلى مَن هو أسفلُ منكم، ولا تنظروا إلى مَن هو فوقَكم؛ فهو أجدرُ"؛ أي: النظرُ إلى مَن هو أسفلَ منكم مالًا وجمالًا وجثةً ولباسًا أحقُّ "أن لا تزدروا"؛ أي: بألا تحتقروا "نعمةَ الله عليكم"؛ لأنكم بذلك النظرِ علمتُم أن لله تعالى عليكم نعماءَ كثيرةً.
مِنَ الحِسَان:
4053 -
قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَبْشِروا يا مَعْشَرَ صَعَاليكِ المُهاجرينَ! بالنُّورِ التامِّ يومَ القيامةِ، تَدْخُلونَ الجَنَّةَ قبلَ أغنياءِ النَّاسِ بنصْفِ يَوْمٍ وذلكَ خَمْسُ مِئَةِ سَنَةٍ".
"من الحسان":
" عن أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَبشِروا يا مَعشرَ صعاليك المهاجرين" جمع: صُعلوك، الفقير الذي لا مالَ له ولا اعتمالَ.
"بالنور التام يومَ القيامة، تدخلون الجنَّةَ قبل أغنياء الناس بنصف يوم، وذلك خمس مئة سنة"؛ فإن اليومَ الأخرويَّ مقدارُ طولِه ألفُ سنة من سِنِي الدنيا، لقوله تعالى:{وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [الحج: 47]، فنصفه خمس مئة.
4054 -
وقال: "يدخُلُ الفُقَراءُ الجَنَّةَ قبلَ الأَغْنياءِ بِخَمْسِ مِئَةِ عامٍ نصفِ يومٍ".
"عن أبي هريرة وجابر - رضي الله تعالى عنهما - قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يدخل الفقراءُ الجنَّةَ قبل الأغنياء بخمسِ مئةِ عامٍ، نصفِ يومٍ" بالجر: بدل، أو عطف بيان عن (خمس مئة عام).
4055 -
عن أنسٍ: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللهمَّ! أَحْيني مِسْكينًا، وأَمِتْني مِسْكينًا، واحشُرْني في زُمْرةِ المَساكينِ"، فقالت عائِشَةُ: لِمَ يا رسولَ الله؟ قال: "إنَّهم يَدْخُلونَ الجَنَّةَ قبلَ أَغنِيائهم بأَرْبعينَ خَرِيفًا، يا عائِشةُ! لا تَرُدِّي
المِسْكِينَ، ولو بِشِقِّ تمرةٍ، يا عائِشَةُ! أَحِبي المَساكينَ وقَرِّبيهم، فإنَّ الله يُقَرِّبُكِ يومَ القِيامةِ".
"عن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اللهم أَحْيني مسكينًا، وأَمِتْني مسكينًا، واحشرْني في زُمرة المساكين"، معناه: اجعلْني متواضعًا لا جبارًا متكبرًا، وقد فسَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم المسكينَ:"وهو الذي لا يجد غنًى يغنيه، ولا يُفطَن به فيتصدَّق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس"، قيل: هذا تعليم منه لأمته صلى الله عليه وسلم أن يعرفوا فضلَ الفقراء ليحبُّوهم وليجالسوهم لينالَهم بركتهم، ويجوز أن يُراد بهذا أن يجعل قُوتَه عليه كفافًا، ولا يشغله بالمال؛ فإن كثرةَ المال مذمومةٌ في حق المقرَّبين.
"فقالت عائشة: لِمَ يا رسولَ الله؟ قال: إنهم يدخلون الجنَّةَ قبل أغنيائهم بأربعين خريفًا، يا عائشة! لا تردِّي المسكينَ ولو بشق تمرة، يا عائشةُ! أحبي المساكينَ وقرِّبيهم؛ فإن الله تعالى يقرِّبك يومَ القيامة"، "غريب".
4056 -
عن أبي الدَّرْداءَ، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"ابغُونِي في ضُعَفَائِكُم، فإنَّما تُرْزَقُونَ وتُنصَرونَ بضُعَفائِكُم".
"عن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ابغوني في ضعفائكم" بهمزة قطع ووصل، من: بَغَى بُغَاءً بالضم: طلبَ؛ أي: اطلبوا رضائي في رضا ضعفائكم؛ فمَن أكرمَهم فقد أكرمَني، ومَن آذاهم فقد آذاني.
"فإنما تُرزَقون وتُنصَرون بضعفائكم".
4057 -
ورُوِيَ: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ يَستفتِحُ بصَعَاليكِ المُهاجِرينَ.
"ورُوي: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يَستفتح"؛ أي: يطلب الفتحَ والنصرةَ من الله الكريم "بصعاليك المهاجرين"؛ أي: ببركة فقرائهم.
4058 -
عن أبي هُريرةَ قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تَغْبطَنَّ فاجِرًا بنعْمَةٍ، فإنك لا تَدري ما هوَ لاقٍ بعدَ مَوْتِه، إنَّ لهُ عندَ الله قاتِلًا لا يَموتُ"، يعني: النَّار.
"عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تَغبطَنَّ فاجرًا"، قيل: أي: كافرًا.
"بنعمةٍ"؛ يعني: لا تتمنَّيَنَّ أن يكونَ لك ما له من النِّعَم.
"فإنك لا تدري ما هو لاقٍ بعد موته، إن له"؛ أي: للفاجر.
"عند الله قاتلًا" من: القتل، كذا في أكثر النسخ.
"لا يموت"؛ أي: لا يَفْنَى.
"يعني: النار": تفسير (قاتلًا).
وفي "شرح السُّنة": " قائلًا"؛ أي: مَقيلًا، من: القَيلولة.
4059 -
وقال: "الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وسَنَتُهُ، فإذا فارقَ الدُّنْيا فارقَ السِّجْنَ والسَّنَةَ".
"وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدنيا سجنُ المؤمن وَسَنتُه"؛ أي: قحطُه وشدةُ عيشِه.
"فإذا فارقَ الدنيا فارقَ السجنَ والسَّنةَ".
4065 -
وعن قتادَةَ بن النُّعْمانِ: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أَحَبَّ الله عَبْدًا حَماهُ الدُّنْيا كما يَظَلُّ أَحَدُكُمْ يَحمِي سَقيمَهُ الماءَ".
"عن قتادة بن النعمان رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أحبَّ الله عبدًا حَمَاه الدنيا"؛ أي: منعَه منها ووقاه أن يتلوثَ بزينتها؛ كيلا يمرضَ قلبُه بداء محبتها.
"كما يظلُّ أحدكم"؛ أي: كما طفقَ أحدُكم.
"يحمي سقيمَه"؛ أي: مريضَه المستسقي "من الماء"؛ كيلا يزيدَ مرضُه بشربه.
4061 -
عن مَحْمودِ بن لَبيدٍ: أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "اثنتانِ يَكرَهُهُما ابن آدَمَ: يَكْرَهُ المَوْتَ، والمَوْتُ خيرٌ للمُؤْمِنِ مِنَ الفِتْنَةِ، ويَكْرَهُ قِلّةَ المالِ، وقِلّةُ المالِ أقلُّ للحِسابِ".
"عن محمود بن لبيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اثنتان يكرههما ابن آدم: يكرهُ الموتَ؛ والموتُ خيرٌ للمؤمن من الفتنة"؛ والفتنةُ التي الموتُ خيرٌ منها هي الوقوعُ في الشِّرك أو في فتنة يتسخَّطها الإنسان ويجري على لسانه ما لا يليق، وفي اعتقاده ما لا يجوز.
"ويكرهُ قلةَ المال؛ وقلةُ المال أقلُّ للحساب".
4062 -
عن عبدِ الله بن مُغَفَّلٍ قال: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: إنِّي أُحِبُّكَ، قالَ:"اُنظُرْ ما تقولُ"، فقالَ: والله إِنِّي لأُحِبُّكَ، ثلاثَ مرَّاتٍ، قال:
"إنْ كُنتَ صَادِقًا فأَعِدَّ لِلفَقْرِ تِجْفافًا، لَلْفَقْرُ أَسْرعُ إلى مَنْ يُحِبني مِنَ السَّيْلِ إلى مُنْتهَاهُ"، غريب.
"عن عبد الله بن مغفَّل رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: إني لأَحبُّك، قال: انظرْ ما تقول؟ " قاله لتفخيم شأن المقول؛ أي: فكِّر فيما تقول في أنك تحبني، أنتَ صادق في هذه الدعوى أم لا؟
"فقال: والله إني لأَحبُّك، ثلاث مرات، قال: إن كنتَ صادقًا فأعدَّ"؛ أي: فهيئ.
"للفقر تِجْفَافًا" بكسر التاء وسكون الجيم: شيء يُلبَس لدفع السلاح؛ يعني: آلةً تدفع بها عن دِينك ضررَه من الصبر والقناعة والرضا، كنَّى بالتِّجفاف عن الصبر؛ لأنه يستر الفقرَ كما يسترُ التجفافُ البدن.
(لَلفقر): اللام لام الابتداء.
"أسرعُ إلى مَن يحبني من السيل إلى منتهاه"؛ يعني: لابد من وصول الفقر إليه.
"غريب".
4063 -
عن أنسٍ قال: قال رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: لقدْ أُخِفْتُ في الله وما يُخافُ أَحَدٌ، ولقدْ أُوذِيْتُ في الله وما يُؤْذَى أَحَدٌ، ولقدْ أتَتْ عليَّ ثلاثونَ منْ بينِ ليلةٍ وَيوْمٍ وما لِي ولِبلالٍ طَعامٌ يأْكْلُهُ ذُو كَبدٍ، إلا شَيءٌ يُوارِيهِ إبْطُ بِلالٍ".
"عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لقد أُخِفتُ" بصيغة المجهول من: الإخافة.
"في الله"؛ أي: في إظهار دينه.
"وما يُخاف أحدٌ" بصيغة المجهول؛ أي: مثلَ ما أُخِفتُ.
"ولقد أُوذيتُ في الله، وما يُؤذَى أحَدٌ"؛ أي: مثلَ ما أُوذيتُ؛ يعني: كنتُ وحيدًا في ابتداء إظهاري الدينَ، فخوَّفني الكفارُ وآذَوني في ذلك، ولم يكن معي أحد يوافقني في تحمُّل الأذيَّة.
"ولقد أتَتْ عليَّ"؛ أي: قد كان بعضُ الأوقات مرَّ عليَّ.
"ثلاثون من بين ليلةٍ ويومٍ"، (بين): زائدة، تقديره: من ليلةٍ ويومٍ كان بلالٌ رفيقي في ذلك الوقت.
"وما لي ولبلالٍ طعامٌ يأكلُه ذو كبد": هذا إشارة إلى قلته، والمراد بـ (ذو كبد) هاهنا: نحو الفأرة والهِرَّة مما يَشبَع بأدنى شيء.
"إلا شيءٌ": بدل من (طعام).
"يُوارِبه"؛ أي: يسترُه.
"إبطُ بلال" من خبز ونحوه، كنَّى بالمواراة تحت الإبط عن الشيء اليسير، وعن عدم ما يُجعَل فيه الطعامُ من الظَّرف.
4064 -
عن أبي طَلْحَةَ قال: "شَكَونْا إلى رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم الجُوعَ، ورَفْعنا عنْ بُطونِنا عنْ حَجَرٍ حَجَرٍ، فرفعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عنْ بَطْنِه عنْ حَجَرَينِ"، غريب.
"عن أبي طلحة رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوعَ، ورفعْنا عن بطوننا عن حَجَرٍ حَجَرٍ": بدل اشتمال، كما تقول: زيدٌ كشفَ عن وجهِه عن حُسنٍ خارقٍ.
عادة أهل الرياضة إذا اشتد جوعُهم أن يربطَ كلُّ واحدٍ منهم حَجَرًا على
بطنه؛ كيلا يسترخي بطنُه، وتنزلَ أمعاؤه، فيشقُّ عليه التحريك.
"فرفع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه عن حَجَرَين"؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أكثرُهم جوعًا وأشدَّهم رياضةً.
"غريب".
4065 -
عن أبي هُريرةَ: أنَّهُ أصابَهُم جُوْعٌ، فأَعْطاهُمْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم تَمْرَةً.
"عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه أصابهم جوعٌ، فأعطاهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم تمرةً تمرةً".
4066 -
عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، عن أَبيه، عن جَدِّه، عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال:"خَصْلتانِ مَنْ كانتا فيهِ كتَبَهُ الله شاكِرًا صابرًا: مَنْ نظَرَ في دِينِه إلى مَنْ هوَ فَوْقَهُ فاقْتَدَى بهِ، ونظَرَ في دُنْياهُ إلى مَنْ هوَ دُونَهُ، فحَمِدَ الله على ما فضَّلَهُ الله عليهِ؛ كتبَهُ الله شاكِرًا صابرًا، ومَنْ نظرَ في دِينِه إلى مَنْ هوَ دُونَهُ، ونظرَ في دُنْياهُ إلى مَنْ هو فَوْقَهُ، فأَسِفَ على ما فاتَهُ منهُ؛ لمْ يكتُبْهُ الله شاكِرًا ولا صابرًا".
"عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خصلتانِ مَن كانتا فيه كتبه الله شاكرًا صابرًا: مَن نَظرَ في دينه إلى مَن هو فوقَه"؛ أي: نظر في الأعمال الصالحة إلى مَن هو أكثرُ منه عبادةً ورياضةً وقناعةً.
"فاقتدى به، ونظرَ في دنياه إلى مَن هو دونَه"؛ أي: إلى مَن هو أفقرُ وأقلُّ مالاً منه.