المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌13 - باب المفاخرة والعصبية - شرح المصابيح لابن الملك - جـ ٥

[ابن الملك]

فهرس الكتاب

- ‌20 - كِتابُ اللِّبَاسِ

- ‌2 - باب الخاتَمِ

- ‌3 - باب النعَال

- ‌4 - باب التَّرجيل

- ‌5 - باب التَّصاويرِ

- ‌21 - كِتَابُ الطِّبُ وَالرُّقَى

- ‌1 - باب"باب الطّبِّ والرُّقَى

- ‌2 - باب الفَأْلِ والطِّيرَةِ

- ‌3 - باب الكهانَةِ

- ‌22 - كِتَابُ الرُّؤْيَا

- ‌23 - كِتَابُ الأَدَبِ

- ‌1 - باب السَّلامِ

- ‌2 - باب الاسْتِئْذَانِ

- ‌3 - باب المُصافَحَةِ والمُعانَقَةِ

- ‌4 - باب القِيَام

- ‌5 - باب الجُلوُسِ والنَّومِ والمَشْيِ

- ‌6 - باب العُطَاسِ والتَّثَاؤُبِ

- ‌7 - باب الضَّحِكِ

- ‌8 - باب الأَسَامِي

- ‌9 - باب البَيانِ والشِّعرِ

- ‌10 - بابحِفْظِ اللِّسانِ والغِيْبةِ والشَّتمِ

- ‌11 - باب الوعد

- ‌12 - باب المُزَاحِ

- ‌13 - باب المُفاخَرَةِ والعَصَبيَّةِ

- ‌14 - باب البر والصِّلَةِ

- ‌15 - باب الشَّفَقَةِ والرَّحمَةِ على الخَلْقِ

- ‌16 - باب الحُبِّ في الله والبُغْضِ في الله

- ‌17 - باب ما يُنهَى من التَّهاجُرِ والتَّقاطُعِ واتباعِ العَوْراتِ

- ‌18 - باب الحذَرِ والتَّأَنِّي في الأُمورِ

- ‌19 - باب الرفق والحياء وحسن الخلق

- ‌20 - باب الغضب والكبر

- ‌21 - باب الظُّلمِ

- ‌22 - باب الأمر بالمعروف

- ‌24 - كِتابُ الرِّقَاقِ

- ‌2 - باب فضلِ الفُقَراءِ وما كانَ من عَيْشِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌3 - باب الأَمَلِ والحِرْصِ

- ‌4 - باب استِحبابِ المالِ والعُمُرِ للطَّاعةِ

- ‌5 - باب التَّوَكلِ والصَّبرِ

- ‌6 - باب الرِّياءِ والسُّمْعَةِ

- ‌7 - باب البكاء والخوف

- ‌8 - باب تغيُّر الناس

- ‌9 - باب

- ‌25 - كِتابُ الفِتَنِ

- ‌2 - باب المَلاحِمِ

- ‌3 - باب أَشْراطِ السَّاعَةِ

- ‌4 - باب العلاماتِ بين يَدَي السَّاعةِ، وذِكْرُ الدَّجَّالِ

- ‌5 - باب قِصَّةِ ابن الصَّيَّادِ

الفصل: ‌13 - باب المفاخرة والعصبية

‌13 - باب المُفاخَرَةِ والعَصَبيَّةِ

(باب المفاخرة والعصبية)

مِنَ الصِّحَاحِ:

3801 -

عَنْ أبي هُريْرَة رضي الله عنه قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: أَيُّ النَّاسِ أكرَمُ؟ قالَ: "أكْرَمُهُم عِنْدَ الله أتقاهُم"، قالوا: لَيْسَ عَنْ هذَا نسألكَ، قالَ:"فأكرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ الله، ابن نَبِيِّ الله، ابن نَبِيِّ الله، ابن خَليلِ الله"، قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هذَا نسألكَ، قالَ:"فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ تَسْألُوني؟ "، قَالُوا: نعم، قالَ:"فَخِيارُكم في الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُم في الإسْلامِ إذا فَقُهُوا".

"من الصحاح":

" عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند الله أتقاهم، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله" سمي كريماً لأنه اجتمع له شرف النبوة والعلم وكرم الأخلاق والعدل ورئاسة الدنيا والدين.

"ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فعن معادن العرب"؛ أي: أصولها التي ينسبون إليها ويتفاخرون بها "تسألوني؟ قالوا: نعم، قال: فخياركم في الجاهلية" بالمآثرة والشرف "خياركم في الإسلام إذا فقهوا" بضم القاف؛ أي: علموا آداب الشريعة وأحكام الإسلام، ومن لم يُسلم فقد هدم شرفه وضيَّعه.

3802 -

وقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الكَريم، ابن الكَريم، ابن الكَريْم، ابن

ص: 265

الكَريْم: يُوسُفُ بن يَعْقُوبَ بن إسْحَاقَ بن إبْراهِيْمَ صلَّى الله عليْهِم".

"وعن ابن عمر رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم"، (الكريم) اسم جامع لكل ما يحمد به، فإنه مع الشرف والفضائل المذكورة ابن ثلاثة أنبياء مرسلين، فأيُّ رجل أكرمُ من هذا؟.

3803 -

عَنِ البَرَاء بن عَازِبٍ: أَنَّه قَالَ في يَوْمِ حُنَيْنٍ: كَانَ أبو سُفْيانَ بن الحَارِثِ آخِذاً بِعِنَانِ بَغْلَتِهِ -يَعْنِي: بَغْلَةَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فلمَّا غَشِيه المُشْرِكونَ نزَلَ فَجَعَلَ يَقُولُ:

"أَنَا النَّبيُّ لا كَذِبْ

أَنَا ابن عبدِ المُطَّلِبْ"

قَالَ: فَمَا رئيَ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ أَشَدُّ مِنْهُ.

"عن البراء بن عازب أنه قال: في يوم حنين كان أبو سفيان بن الحارث آخذاً بعنان بغلته -يعني: بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما غشيه المشركون"؛ أي: غلبوه وأتوه من كل جانب "نزل" صلى الله عليه وسلم عن بغلته.

"فجعل يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب" قيل: انتسب صلى الله عليه وسلم إلى عبد المطلب للتعريف دون المفاخَرة، وذلك أن عبد الله كان قد رأى في المنام أن شجرة عظيمة خرجت من صلبه وانتشرت، وبلغت أغصانُها في المغرب والمشرق، وارتفعت فروعها إلى السماء، فقص الرؤيا على المعبرين فعبروها بأنه نبي آخر الزمان يخرج من صلبك، وكانت هذه القصة مشهورةً فيما بين العرب، فأشار صلى الله عليه وسلم بهذا إلى أنه هو الولد الذي رآه في المنام، وهذا وأمثاله مقولٌ على سبيل الشكر والتحدُّث بالنعمة، قال الله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ

ص: 266

فَحَدِّثْ}، فاللام في (أنا النّبي) حينئذ للعهد.

وقيل: انتسابه للمفاخرة، والافتخارُ المنهيُّ ما كان في غير جهاد الكفار، وقد رخَّص الخيلاء في الحرب مع نهيه عنها في غيرها.

"قال"؛ أي: الراوي: "فما رؤي من الناس يومئذ أشد منه"؛ أي: أقوى وأشجع من النبي صلى الله عليه وسلم.

3804 -

عَنْ أَنسٍ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يا خَيْرَ البَرِيَّةِ! فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ذاكَ إبراهِيمُ".

"وعن أنس رضي الله عنه أنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا خير البرية! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك إبراهيم عليه السلام" يحمل على أنه صلى الله عليه وسلم قاله على جهة التواضع؛ ليوافق الأحاديث الدالة على فضله صلى الله عليه وسلم على سائر البشر، أو يحمل على أن إبراهيم كان يُدعَى بهذا النعت حتى صار عَلَماً له كالخليل، فيكون معنى (خير البرية) على هذا في إبراهيم راجعًا إلى مَن خُلق دون مَن لم يُخلق بعد.

3805 -

وقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لَا تُطْرُوني كما أَطْرَتْ النَّصَارَى ابن مَرْيَمَ، فإنَّما أنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ الله ورَسُولُهُ".

"وعن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تُطروني"، أي: لا تُجاوِزوا عن الحد في مدحي.

"كما أطرت النصارى ابن مريم"؛ أي: كما بالغوا في مدحه حتى ضلُّوا وجعلوه ولداً لله وإلهًا، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

ص: 267

"فإنما أنا عبده فقولوا" في حقي: "عبد الله ورسولُه".

3806 -

عَنْ عِياضِ بن حِمارِ المُجاشِعيِّ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إنَّ اللهَ أَوْحىَ إِلَيَّ أَنْ تَواضَعُوا حَتَّى لا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلى أَحَدٍ، ولا يَبْغِي أَحدٌ على أَحَدٍ".

"عن عياض بن حمار" المجاشعي "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل أوحى إليَّ أن تواضعوا"، (أن) هذه مفسِّرة، والتواضعُ تفاعُل من الضَّعَة وهي الذلُّ والهوان.

"حتى لا يفخر أحد على أحد" والفخر ادعاءُ العظم والكبر والشرف.

"ولا يبغي"؛ أي: لا يظلم "أحد على أحد".

مِنَ الحِسَان:

3807 -

عَنْ أَبيْ هُريْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَينتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبائِهم الَّذينَ مَاتُوا، إِنَّما هُم فَحمٌ مِنْ جَهنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللهِ من الجُعَلِ الَّذي يُدَهْدِهُ الخُرْءَ بأَنْفِهِ، إنَّ الله قَدْ أَذهبَ عَنْكُم عُبيَّةَ الجَاهِلِيةِ وفَخْرَها بِالآباءَ، إِنَّما هُوَ مُؤْمِن تَقيٌّ، أَوْ فاجِرٌ شَقيٌّ، النَّاسُ كُلُّهُم بنو آدمَ، وآدَمُ مِنْ تُرابٍ".

"من الحسان":

" عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحم جهنم، أو ليكونُنَّ"؛ أي: القوم.

"أهون على الله"؛ أي: أذلُّ.

ص: 268

"من الجعل" بضم الجيم وفتح العين: هي الدُّوَيبَّةَ السوداء.

"الذي يدهده الخرء"؛ أي: يدحرج العَذِرة والرَّوث.

"بأنفه" شبَّه صلى الله عليه وسلم المفتخرين بآبائهم الذين ماتوا في الجاهلية بالجعل، وآباءَهم المُفْتخَرَ بهم بالعذرة، ونفسَ افتخارهم بهم بالدهدهة بالأنف، و (أو) في (ليكونن) لأحد الأمرين من الانتهاء عن الافتخار بآبائهم ومن كونهم أذلَّ عند الله من الجعل الموصوف، والتخيير ثابتٌ في وصفهم بأيهما أريد، وجاز جَعلُ (أو) بمعنى (إلا) الاستثنائية، والمعنى: لينتهين الأقوام المذكورون، وإلا؛ أي: وإن لم ينتهوا عن الافتخار بالآباء فوالله ليكونن كذا.

"إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية" بضم العين وكسرها وفتح الباء ثم الياء المشددة؛ أي: فخرَها وتكبُّرها.

"وفخرها بالآباء، إنما هو"؛ أي: المفتخر المتكبر بالآباء "مؤمن تقي" فإذن لا ينبغي له أن يتكبر على أحد، "أو فاجر شقي" فهو ذليل عند الله، والذليل لا يستحق التكبر، فالتكبر منفيٌّ بكل حال.

"الناس كلهم بنو آدم وادم من تراب"؛ أي: خُلق منه فلا يليق بمن أصلُه التراب أن يفتخر.

3816 -

وعن مُطَرِّفٍ قَالَ: انطَلَقْتُ في وَفْدِ بنىْ عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقُلْنَا: أنتَ سَيدناُ، فَقَال:"السَّيدُ الله"، فَقُلْنَا: وأَفْضَلُنَا فَضْلاً، وأَعْظَمُنَا طَوْلاً، فَقَال:"قُولُوا قَوْلَكُم، أَوْ بَعض قَولكُم، ولا يَسْتَجْرِيَنَّكُم الشَّيْطَان".

"وعن مطرف بن عبد الله [بن] الشخير أنه قال: قال أبي: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: أنت سيدنا"، سلك القوم فيه على عادتهم في الخطاب مع رؤسائهم، فكرهه صلى الله عليه وسلم لأنه كان من حقه أن يخاطبوه بالنبي صلى الله عليه وسلم -

ص: 269

والرسول، فإنها المنزلة التي لا منزلة وراءها لأحد من البشر، وحوَّل الأمر فيه إلى الحقيقة.

"فقال: السيد هو الله؛ أي: الذي يملك أمور الخلق ويسوسهم هو الله تعالى، وأما العبد فسيادته قاصرة، قيل: إنما منعهم أن يدعوه سيداً مع أنه صلى الله عليه وسلم قال: "أنا سيد ولد آدم"؛ لأنهم قوم حديثُـ[ـوا] عهد بالإسلام، فحسبوا أن السيادة بالنبوة كهي بأسباب الدنيا.

"فقلت: أنت أفضلنا فضلًا وأعظمنا طَوْلاً"؛ أي: عطاء.

"فقال: قولوا قولكم"؛ أي: قولوا مجموع ما قلتم من قولكم: (أفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً).

"أو بعض قولكم" بأن تقتصروا على إحدى الكلمتين من غير حاجة إلى المبالغة بهما.

أو معناه: قولوا قولَ أهل ملَّتكم، فخاطبوني بما يخاطبونني: بالنبي والرسول، ودعوا التكلُّف في الثناء.

"ولا يَسْتجرينَّكم الشيطان"؛ أي: لا يتَّخذنكم جَرِيَّه؛ أي: وكيله، وهو من الجريِّ: الوكيل؛ لأنه يجري مجرى موكِّله، يريد: تكلموا بما حضركم من القول ولا تتكلفوه كأنكم وكلاء الشيطان تنطقون عنه في الإضلال والكفر والبدع، أو من الجرأة -بالهمزة- وهو الشجاعة، فالمعنى: لا يجعلنكم ذوي شجاعة على التكلُّم بما لا يجوز.

3808 -

عَنِ الحَسَنِ بن سَمُرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "الحَسَبُ المَالُ، والكَرَمُ التَّقْوَى".

ص: 270

"عن الحسن بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: الحسب" بفتح الحاء والسين المهملتين، وهو ما يفتخر به الرجل من خصال حميدة توجد فيه وفي آبائه؛ يعني: الشيء الذي يكون الرجل به عظيمَ القَدر عند الناس: "المال، والكرم، وهو ضد اللوم؛ يعني: الشيء الذي يكون الرجل به عظيم القَنر عند الله: "التقوى"، قال الله تعالى:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] والافتخار بالآباء ليس بشيء منهما.

3809 -

وعَنْ أُبَيِّ بن كَعبٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ تَعَزَّى بِعَزاءِ الجَاهِلِيَّةِ فأَعِضُّوْهُ بِهنِ أَبيْهِ ولا تَكْنُوا".

"وعن أبي بن كعب أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مَن تعزَّى"؛ أي: انتسب "بعزاء الجاهلية"؛ أي: بنسبها؛ يعني: مَن افتخر بآبائه وقبائله الكفارِ على العادة الأولى.

"فأَعِضُّوه بِهَنِ أبيه"؛ أي: قولوا له: اعضض بأير أبيك.

"ولا تكنوا" عن الأير بالهنِ؛ تنكيلاً له عفا تباهى به، والعضُّ: أخذ الشيء بالأسنان.

قال [أبو] عبيد الهروي: الهنُ: القبيح من الفعل والقول؛ يعني: قولوا له: اذكر قبائح آبائك من عبادة الأصنام والزنا وشرب الخمر وغيرها، ويجوز أن يكون معناه: عُدُّوا أنتم يا مسلمون قبائح ابائه ولا تكنوا؛ أي: لا تذكروا قبائح آبائه بطريق الكناية بل بالمجاهرة والتصريح، فلعله يستحي من الافتخار بآبائه.

ص: 271

3810 -

عَنْ عَبْدِ الرّحمَنِ بن أَبي عُقَبةَ، عْن أَبي عُقْبةَ رضي الله عنهما، وكانَ مَوْلَى مِنْ أَهْلِ فارِسٍ، قَالَ: شَهِدتُ معَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أحُداً، فَضَرَبتُ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكينَ، فَقُلْتُ: خُذْها مِنِّي وأَنا الغُلامُ الفارِسيُّ، فالْتَفَتَ إلَيَّ فقالَ:"هَلَّا قُلْتَ: خُذْها مِنِّي وأَنا الغُلامُ الأَنْصارِيُّ؟ ".

"عن عبد الرحمن بن أبي عقبة، عن أبي عقبة وكان مولًى"؛ أي: معتقاً "من أهل فارس أنَّه قال: شهدت"؛ أي: حضرت "مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أُحدًا، فضربتُ رجلًا من المشركين فقلت: خذها"؛ أي: الضربة أو الطعنة مني.

"وأنا الغلام الفارسي، فالتفت"؛ أي: الرسول صلى الله عليه وسلم "إليَّ فقال: هلَّا قلت: خذها مني وأنا الغلام الأنصاري"؛ أي: هلَّا افتخرت بشرف النسبة؛ يعني: إذا افتخرت عند الضراب فانتسب إلى الأنصار الذين هاجرتُ إليهم ونصروني، وكان عادة المحاربين إذا خرج واحد منهم للمبارزة أن يخبره باسمه وقبيلته إظهارًا لشجاعته، وكان أهل فارس في ذلك الزمان كفارًا، فكره صلى الله عليه وسلم الانتسابَ إليهم لذلك وأمره بالانتساب إلى الأنصار.

* * *

3811 -

عنِ ابن مَسْعُودٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ نَصَرَ قَوْمَهُ عَلَى غَيْرِ الحَقِّ فَهُوَ كالبَعيْرِ الَّذي ترَدَّى، فَهُوَ يُنْزَعُ بِذَنبَهِ".

"عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي تردَّى"؛ أي: سقط في البئر وهلك.

"فهو يُنزع بذنبه" شبَّه القوم بالبعير الهالك؛ لأنَّ من كان على غير الحق فهو هالكٌ، وشبَّه ناصرهم بذَنَب هذا البعير الهالك؛ لأنه يُنزع بذَنبَه منها فلا يقدر على خلاصة وإن جهد كل الجهد بنزعه إياه بالذّنَب، فكما أن نزعه بذَنبَه

ص: 272

لا يخلِّصه من الهلكة، فكذلك الناصر على غير الحق وقع في الإثم والهلاك.

* * *

3812 -

عَنْ واثِلَةَ بن الأسْقَع قَالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ الله! ما العَصَبيَّةُ"؟ قال: "أَنْ تُعِينَ قَوْمَكَ على الظُّلْم".

"وعن واثلة بن الأسقع أنَّه قال: قلت: يا رسول الله! ما العصبية؟ "؛ أي: التعصب.

"قال: أن تُعين قومك على الظلم".

* * *

3813 -

وعَنْ سُراقَةَ بن مالِكِ بن جُعْشُم قَالَ: خَطَبنا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَقالَ: "خَيْرُكُمْ المُدافعُ عَنْ عَشِيرَتِهِ ما لَمْ يَأثَمْ".

"عن سراقة بن مالك بن جُعْشُم أنَّه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: خيركم المدافع"؛ أي: مَن يدفع الظلم "عن عشيرته"؛ أي: عن أقاربه.

"ما لم يأثم"؛ أي: ما لم يظلم؛ يعني: لو قدر في دفعه عنهم بكلام لم يَجز له الضربُ، ولو قدر بالضرب لم يجز له بالقتل.

* * *

3814 -

عَنْ جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ: أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَيْسَ مِنّا مَنْ دَعا إِلَى عَصَبيَّةٍ، ولَيْسَ مِنَّا مَنْ قاتَلَ عَصَبيَّةً، ولَيْسَ مِنّا مَنْ ماتَ عَلَى عَصَبيَّةٍ".

"عن جبير بن مطعم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس منا من دعا إلى عصبية"؛ أي: إلى معاونة ظالم.

"وليس منا من قاتل عصبيةً"؛ أي: بالباطل.

ص: 273