الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَصْلٌ
إِذا ثَبَتَ هَذَا رَجَعْنَا مِنْهُ إِلى مَعْنَى آخَرَ فَنَقُولُ:
إِذا تَبَيَّنَ (1) أَن لِلرَّاسِخِينَ طَرِيقًا يَسْلُكُونَهَا فِي اتِّبَاعِ الْحَقِّ، وأَن الزَّائِغِينَ على طريق (2) غير طريقهم؛ احتجنا (3) إِلى بيان الطريق التي سلكها هؤلاء لنَجْتَنِبَها (4)، كما بُيِّن (5) الطَّرِيقَ الَّتِي سَلَكَهَا الرَّاسِخُونَ لِنَسْلُكَهَا، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ أَهل أُصول الْفِقْهِ وَبَسَطُوا الْقَوْلَ فِيهِ، وَلَمْ يَبْسُطُوا الْقَوْلَ فِي طَرِيقِ الزَّائِغِينَ، فَهَلْ يُمْكِنُ حَصْرُ مَآخِذِهَا أَوْ (6) لَا؟ فَنَظَرْنَا فِي آيَةٍ أُخرى تَتَعَلَّقُ بِهِمْ كَمَا تَتَعَلَّقُ بِالرَّاسِخِينَ، وهي (7) قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (8):{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} (9)، فأَفادت الْآيَةُ أَن طَرِيقَ الْحَقِّ وَاحِدَةٌ، وأَن لِلْبَاطِلِ طُرُقًا مُتَعَدِّدَةً لَا وَاحِدَةً، وَتَعَدُّدُهَا لَمْ ينحصر بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ. وَهَكَذَا الْحَدِيثُ المفسِّر لِلْآيَةِ، وَهُوَ قول ابن مسعود رضي الله عنه: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يوماً (10) خَطًّا؛ فَقَالَ: "هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ"، ثُمَّ خَطَّ لَنَا خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ وَقَالَ: "هَذِهِ سُبُلٌ، على (11) كل (12) سبيل منها شيطان (13) يدعو
(1) قوله: "إذا تبين" ليس في (خ).
(2)
قوله: "طريق" من (خ) فقط.
(3)
في (خ): "فاجتمعنا".
(4)
في (خ): "لنتجنبها".
(5)
في (خ): "نبين".
(6)
في (غ) و (ر): "أم لا".
(7)
في (م): "وهو".
(8)
في (خ): "قوله تعالى".
(9)
سورة الأنعام: الآية (153).
(10)
قوله: "يوماً" ليس في (خ) و (م).
(11)
قوله: "على" سقط من (م).
(12)
من قوله: "سبيل الله" إلى هنا سقط من (خ)، وحاول رشيد رضا إصلاحه، وعلَّق عليه بقوله:"كان الحديث محرّفاً، وفيه حذف".
(13)
في (خ): "عليه شيطان".
إِليه"، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ (1).
فَفِي الْحَدِيثِ أَنها خُطُوطٌ مُتَعَدِّدَةٌ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ بِعَدَدٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَنَا سَبِيلٌ إِلى حَصْرِ عَدَدِهَا مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ، وَلَا لَنَا أَيضاً سَبِيلٌ إِلى حَصْرِهَا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ أَو الِاسْتِقْرَاءِ.
أَما الْعَقْلُ؛ فإِنه لَا يَقْضِي (2) بِعَدَدٍ دُونَ آخَرٍ؛ لأَنه غَيْرُ رَاجِعٍ إِلى أَمر مَحْصُورٍ. أَلا تَرَى أَن الزَّيْغَ رَاجِعٌ إِلى الْجَهَالَاتِ؟ وَوُجُوهُ الْجَهْلِ لَا تَنْحَصِرُ، فَصَارَ طَلَبُ حَصْرِهَا عَنَاءً مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ.
وأَما الاستقراءُ؛ فَغَيْرُ نَافِعٍ أَيضاً فِي هَذَا المَطْلَب؛ لأَنا لَمَّا نَظَرْنَا في
(1) أخرجه البزار في "مسنده"(5/ 99 رقم 1677) من طريق جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله، فذكره.
قال البزار: "وهذا الحديث قد رواه غير واحد عن أبي وائل".
وسنده صحيح.
وأخرجه أيضاً (5/ 113 ـ 114 رقم 1694) من طريق أبي معاوية محمد بن خازم، عن الأعمش، عن أبي وائل، به.
وسنده صحيح أيضاً.
وأخرجه البزار أيضاً (5/ 251 رقم 1865) من طريق سفيان الثوري، عن أبيه، عن منذر الثوري، عن الربيع بن خثيم، عن ابن مسعود، به.
ثم قال البزار: "وهذا الكلام قد روي عن عبد الله من غير وجه نحوه أو قريباً منه".
وسنده صحيح أيضاً.
وأشهر طرقه ما رواه حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، عن عبد الله؛ قال: خطّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًّا فقال: "هذا سبيل الله"، ثم خطّ خطوطاً عن يمينه وعن شماله، فقال:"وهذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه"، ثم تلا:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} .
أخرجه سعيد بن منصور في "سننه"(5/ 112 رقم 935) وهذا لفظه. وأخرجه الطيالسي في "مسنده"(ص33 رقم 244)، والإمام أحمد في "المسند"(1/ 435)، والدارمي (1/ 60 رقم 208)، وابن أبي عاصم في "السنة"(1/ 13 رقم 17)، والبزار (5/ 131 رقم 1718)، ومحمد بن نصر المروزي في "السنة"(ص5)، والنسائي في "التفسير"(1/ 485 رقم 194)، وابن جرير الطبري في "تفسيره"(12/ 230 رقم 14168)، وابن حبان في "صحيحه"(1/ 180 ـ 181 رقم 6 و7/ الإحسان)، والحاكم (2/ 318) وصححه.
وفي عاصم بن بهدلة كلام يسير في حفظه، وحديثه حسن، ويتقوى بالطرق السابقة.
(2)
في (غ) و (ر): "لا يمضي".
طرق البدع من حين نبغت، وَجَدْنَاهَا تَزْدَادُ عَلَى الأَيام، وَلَا يأْتي زَمَانٌ إِلا وَغَرِيبَةٌ مِنْ غَرَائِبِ الِاسْتِنْبَاطِ تَحْدُثُ، إِلى زَمَانِنَا هَذَا.
وإِذا كَانَ كَذَلِكَ فَيُمْكِنُ أَن يَحْدُثَ بَعْدَ زَمَانِنَا اسْتِدْلَالَاتٌ أُخر لَا عَهْدَ لَنَا بِهَا فِيمَا تَقَدَّمَ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ كَثْرَةِ الْجَهْلِ، وَقِلَّةِ الْعِلْمِ، وَبُعْدِ النَّاظِرِينَ فِيهِ عَنْ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ، فَلَا يُمْكِنُ إِذاً حَصْرُهَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَلَا يُقَالُ: إِنها تَرْجِعُ إِلى مخالفة الطريق (1) الْحَقِّ؛ فإِن وُجُوهَ الْمُخَالَفَاتِ (2) لَا تَنْحَصِرُ أَيضاً.
فَثَبَتَ أَن تَتَبُّعَ هَذَا الْوَجْهِ عَنَاءٌ، لَكِنَّا نَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ أَوجهاً كُلِّيَّةً يُقَاسُ عَلَيْهَا مَا سِوَاهَا.
فَمِنْهَا: اعْتِمَادُهُمْ عَلَى الأَحاديث الْوَاهِيَةِ الضَّعِيفَةِ، وَالْمَكْذُوبِ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَالَّتِي لَا يَقْبَلُهَا أَهل صِنَاعَةِ الْحَدِيثِ (3) فِي الْبِنَاءِ عَلَيْهَا؛ كَحَدِيثِ الِاكْتِحَالِ يوم عاشوراء (4)، وإِكرام الديك
(1) في (خ): "طريق".
(2)
في (خ): "أوجه المخالفة".
(3)
في (غ) و (ر): "التحديث".
(4)
قوله: "عاشوراء" سقط من (غ).
وحديث الاكتحال يوم عاشوراء هذا: أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان"(3/ 367 رقم 3797) عن شيخه أبي عبد الله الحاكم بسنده إلى جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "من اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم يرمد أبداً".
وكان قد قال قبل إخراجه الحديث: "وأما الاكتحال؛ فإنما روي في ذلك بإسناد ضعيف بمرّة". ثم قال بعد إخراج الحديث: "جويبر ضعيف، والضحاك لم يلق ابن عباس".
وأخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات"(2/ 573 ـ 574 رقم 1143) من طريق البيهقي، ثم قال:"قال الحاكم: أنا أبرأ إلى الله من عهدة جويبر، فإن الاكتحال يوم عاشوراء لم يُرْوَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه أثر، وهو بدعة ابتدعها قَتَلة الحسين عليه السلام، قال أحمد: لا يُشتغل بحديث جويبر، وقال يحيى: ليس بشيء، وقال النسائي والدارقطني: متروك".
وقال ابن القيم في "المنار المنيف"(ص112 ـ 113) في الكلام على يوم عاشوراء: "وأما حديث الاكتحال والادهان والتطيب فمن وضع الكذابين، وقابلهم آخرون فاتخذوه يوم تألم وحزن، والطائفتان مبتدعتان خارجتان عن السنة، وأهل السنة=
الأَبيض (1)، وأَكل الْبَاذِنْجَانِ بنيَّة (2)، وأَن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تواجد واهتزّ
=يفعلون فيه ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم؛ من الصوم، ويجتنبون ما أمر به الشيطان من البدع".
ونقل المناوي في "فيض القدير"(6/ 82) عن الزركشي أنه قال: "لا يصح فيه أثر، وهو بدعة"، وعن ابن رجب قوله:"كل ما روي في فضل الاكتحال والاختضاب والاغتسال فيه موضوع لا يصح"، وعن ابن حجر قوله:"إسناده واهٍ جداً"، وعن السخاوي قوله:"هو موضوع".
والحديث حكم عليه الشيخ الألباني رحمه الله بالوضع في "السلسلة الضعيفة"(2/ 89 رقم 624).
(1)
حديث إكرام الديك الأبيض: أخرجه الطبراني في "الأوسط"(1/ 210 رقم 677)، و"مسند الشاميين"(1/ 28 رقم 10) من طريق معلَّل بن نُفَيل، عن محمد بن محصن، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتخذوا الديك الأبيض؛ فإن داراً فيها ديك أبيض لا يقربها شيطان ولا ساحر، ولا الدويرات حولها".
وذكر الطبراني أنه لم يروه عن إبراهيم بن أبي عبلة إلا محمد بن محصن. ومحمد هذا هو ابن إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن عكاشة بن محصن العكاشي، الأسدي، نسب إلى جده الأعلى، وهو آفة هذا الحديث؛ قال ابن حجر في "التقريب" (ترجمة رقم 6308):"كذبوه".
وللحديث طرق أخرى لا يصح منها شيء ذكرها ابن الجوزي في "الموضوعات"(3/ 135 ـ 137 رقم 1348 و1349) في باب في الديك الأبيض، وذكر أحاديث أخرى (3/ 133 رقم 1347) في باب فضل الديك، و (3/ 138 ـ 142 رقم 1350 ـ 1354) في باب فضل الديك الأبيض الأفرق، وباب ما ذكر أن في السماء ديكاً، وحكم عليها جميعها بالوضع، فانظرها إن شئت.
وقال ابن القيم في "المنار المنيف"(ص56 رقم 79): "وبالجملة فكل أحاديث الديك كذب، إلا حديثاً واحداً: "إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، فإنها رأت ملكاً" اهـ.
قلت: وحديث آخر أيضاً أخرجه أبو داود (5/ 398 رقم 5060) من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا الديك؛ فإنه يوقظ للصلاة".
وسنده صحيح.
(2)
حديث أكل الباذنجان بنيّة: ذكره الديلمي في "فردوس الأخبار"(3/ 295 رقم 4755) عن أبي هريرة بلفظ: "كلوا الباذنجان، فإنها شجرة رأيتها في جنة المأوى شهدت لله بالحق، ولي بالنبوة، ولعلي بالولاية، فمن أكلها على أنها داء كانت داء، ومن أكلها=
عِنْدَ السَّمَاعِ حَتَّى سَقَطَ الرداءُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ (1)، وَمَا أَشبه ذَلِكَ، فإِن أَمثال هَذِهِ الأَحاديث ـ على ما هو معلوم ـ لا يُبنى عيها حكم، ولا تُجعل أَصلاً في
=على أنها دواء كانت له دواء". ولم يذكر له ولده سنداً.
وذكر السخاوي في "المقاصد الحسنة"(ص141 رقم 279) حديث: "الباذنجان لما أكل له"، وقال:"باطل لا أصل له، وإن أسنده صاحب تاريخ بلخ"، ثم ذكر حديث الديلمي السابق وأحاديث أخرى، وقال:"كلها باطلة"، ونقل عن بعض الحفاظ قوله:"إنه من وضع الزنادقة"، ونقل عن الزركشي قوله:"وقد لهج به العوام، حتى سمعت قائلاً منهم يقول: هو أصح من حديث "ماء زمزم لما شرب له"، وهذا خطأ قبيح". وانظر "كشف الخفاء"(1/ 278 ـ 279 رقم 874). وأخرج ابن الجوزي في "الموضوعات"(3/ 124 ـ 126 رقم 1338) حديث: "إنما الباذنجان شفاء من كل داء، ولا داء فيه"، وقال: "هذا حديث موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا سقى الله الغيث قبر من وضعه؛ لأنه قصد شَيْنَ الشريعة
…
" إلخ ما قال.
وانظر حاشية محقق "الموضوعات"، و"لسان الميزان"(5/ 37).
(1)
حديث تواجد النبي صلى الله عليه وسلم واهتزازه عند السماع:
أخرجه محمد بن طاهر المقدسي في كتاب: "السماع" ـ كما في "لسان الميزان"(5/ 264 ـ 265) ـ، ومن طريقه رواه السهروردي في "عوارف المعارف"(ص108 ـ 109)، من طريق الهيثم بن كليب الشاشي، عن أبي بكر عمار بن إسحاق، عن سعيد بن عامر، عن شعبة، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أنشده أعرابي:
قد لَسَعَتْ حيّة الهوى كبدي
…
فلا طبيب لها ولا راقي
إلا الحبيب الذي شُغفت به
…
فعنده رقيتي وترياقي
فتواجد حتى سقطت البردة عن منكبيه، فقال معاوية: ما أحسن لهوكم! فقال: "مهلاً يا معاوية! ليس بكريم من لم يتواجد عند ذكر الحبيب".
قال السهروردي: "فهذا الحديث أوردناه مسنداً كما سمعناه ووجدناه، وقد تكلم في صحته أصحاب الحديث
…
، ويخالج سري أنه غير صحيح
…
".
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الحديث في "الفتاوى"(11/ 563) عن ابن طاهر والسهروردي، ثم قال: "فهو حديث مكذوب موضوع باتفاق أهل العلم بهذا الشأن
…
".
ونقل السخاوي في "المقاصد"(ص333 رقم 856) كلام شيخ الإسلام هذا وأقرّه.
واتهم الذهبي في "الميزان"(3/ 164) عمار بن إسحاق بهذا الحديث، فقال:"كأنه واضع هذه الخرافة التي فيها: قد لسعت حية الهوى كبدي، فإن الباقين ثقات".
وانظر "السلسلة الضعيفة"(2/ 34 رقم 558) للشيخ الألباني.
التَّشْرِيعِ أَبداً، وَمَنْ جَعَلَهَا كَذَلِكَ فَهُوَ جَاهِلٌ أَو مُخْطِئٌ (1) فِي نَقْلِ الْعِلْمِ، فَلَمْ يُنقل الأَخدُ بشيء منها عَمَّن يُعْتَدّ بِهِ فِي طَرِيقَةِ (2) الْعِلْمِ، وَلَا طَرِيقَةِ السُّلُوكِ.
وإِنما أَخذ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالْحَدِيثِ الْحَسَنِ؛ لإِلحاقه (3) عند بعض (4) المحدِّثين بِالصَّحِيحِ؛ لأَن سَنَدَهُ لَيْسَ فِيهِ مَنْ يُعاب بجرْحَةٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا. وَكَذَلِكَ أَخذ مَنْ أَخذ مِنْهُمْ بِالْمُرْسَلِ، لَيْسَ إِلَاّ مِنْ حَيْثُ لحق (5) بالصحيح في أَن المتروك (6) ذكره كالمذكور المُعَدَّل (7)، فأَما (8) مَا دُونُ ذَلِكَ فَلَا يُؤْخَذُ بِهِ بِحَالٍ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ.
وَلَوْ كَانَ مِنْ شأْن أَهل الإِسلام الذَّابِّين (9) عَنْهُ الأَخذ مِنَ الأَحاديث بِكُلِّ مَا جَاءَ عَنْ كُلِّ مَنْ جَاءَ، لَمْ يَكُنْ لِانْتِصَابِهِمْ لِلتَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ مَعْنًى ـ مَعَ أَنهم قَدْ أَجمعوا عَلَى ذَلِكَ ـ، وَلَا كَانَ لِطَلَبِ الإِسناد مَعْنًى يَتَحَصَّلُ، فَلِذَلِكَ جَعَلُوا الإِسناد مِنَ الدِّينِ (10)، وَلَا يَعْنُونَ:"حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ" مُجَرَّداً، بَلْ يُرِيدُونَ ذَلِكَ لِمَا تضمَّنه مِنْ مَعْرِفَةِ الرِّجَالِ الَّذِينَ يحدَّث عَنْهُمْ، حتى لا يسند عن مجهول، ولا مُجَرَّح، ولا متهم (11)، ولا عَمَّن لا تَحْصُلُ (12) الثِّقَةُ بِرِوَايَتِهِ؛ لأَن رُوحَ الْمَسْأَلَةِ أَن يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ مِنْ غَيْرِ رِيبَةٍ أَن ذَلِكَ الْحَدِيثَ قَدْ قَالَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم؛ لِنَعْتَمِدَ (13) عَلَيْهِ فِي الشَّرِيعَةِ، وَنُسْنِدَ (14) إِليه الأَحكام.
(1) في (خ): "جاهل ومخطئ".
(2)
في (م): "يعتمد به طريقه".
(3)
في (غ) و (ر): "للحاقة".
(4)
قوله: "بعض" ليس في (خ).
(5)
في (خ): "ألحق".
(6)
يعني الراوي الساقط من الإسناد في الحديث المرسل.
(7)
في (خ): "والمعدل".
(8)
في (غ) و (ر): "وأما".
(9)
في (خ): "اذابين".
(10)
أخرج مسلم في "مقدمة صحيحه"(1/ 15) عن ابن المبارك أنه قال: "الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء".
(11)
في (غ) و (ر): "ولا عن متّهم".
(12)
في (خ): "إلا عمن تحصل".
(13)
في (غ) و (ر): "ليعتمد".
(14)
في (غ) و (ر): "وتسند" وفي (م): "ويسند".
والأَحاديث الضَّعِيفَةُ الإِسناد لَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَهَا، فَلَا يُمْكِنُ أَن يُسْنَدَ إِليها حُكْمٌ، فَمَا ظَنُّكَ بالأَحاديث الْمَعْرُوفَةِ الْكَذِبِ؟
نَعَمْ؛ الْحَامِلُ عَلَى اعْتِمَادِهَا فِي الْغَالِبِ إِنما هُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْهَوَى المتَّبع، وَهَذَا كُلُّهُ (1) عَلَى فَرْضِ أَن لَا يُعَارِضَ الْحَدِيثَ أَصل مِنْ أُصول الشَّرِيعَةِ، وأَما إِذا كَانَ لَهُ مُعَارَضٌ فأَحْرَى أَن لا يُؤخذ به؛ لأَن الأَخذ به (2) هَدْمٌ لأَصل مِنْ أُصول الشَّرِيعَةِ، والإِجماع عَلَى مَنْعِهِ إِذا كَانَ صَحِيحًا فِي الظَّاهِرِ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى الْوَهْمِ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، أَو الغلط (3)، أَو النِّسْيَانِ، فَمَا الظَّنُّ بِهِ إِذا لَمْ يَصِحَّ؟ عَلَى أَنه قَدْ رُوِيَ عَنْ أَحمد بْنِ حَنْبَلٍ أَنه قَالَ: الْحَدِيثُ الضَّعِيفُ خَيْرٌ من القياس (4). وظاهره يقتضي العمل
(1) في (غ) و (ر): "كله إنما هو".
(2)
قوله: "لأن الأخذ به" سقط من (خ)، ولذا علق رشيد رضا على قوله "هدم"، فقال: كذا!! ولعل الأصل: "فهو هدم"، أو:"لأنه هدم".
(3)
في (خ): "أو الغلط من بعض الرواة".
(4)
أخرجه ابن حزم في "المحلى"(1/ 68) من طريق عبد الله بن أحمد، عن أبيه أنه قال:"الحديث الضعيف أحب إلينا من الرأي". وقال ابن الجوزي في "التحقيق"(1/ 143): "ومن مذهب أحمد تقديم الحديث الضعيف على القياس".
وقد علق رشيد رضا رحمه الله بعد هذا الموضع بأسطر بتعليق أخذه عن ابن القيم وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله، فقال:"قال العلامة ابن القيم في "أعلام الموقعين" عند بيان ترجيح أحمد الحديث الضعيف والمرسل على القياس بشرطه ما نصه: وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر، ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه فالعمل به؛ بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن. ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب اهـ.
وسبقه إلى مثله شيخه ابن تيمية رحمهما الله تعالى، فصرح بأن أول من قسم الحديث إلى ثلاثة أقسام: صحيح وحسن وضعيف: الترمذي، وأن الضعيف الذي يرجحه أحمد على الرأي هو الحسن عند الترمذي ومن اختار تقسيمه، كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وحديث إبراهيم الهجري. فما ضعفوه بعلة تقتضي الترك لا يأخذ به أحمد ولا يرجحه على القياس، وما ضعفوه بعلة من علل الحديث لا تقتضي الترك يأخذ به، ويرجحه على القياس إذا لم يكن ثَمَّ شيء يدفعه من حديث صحيح أو قول صحابي أو إجماع. وهذا الذي يقول به أحمد كان عليه عمل جمهور الفقهاء في عصره الذي تحرر فيه نقد الحديث، أي: لم يكونوا يتركون العمل بكل=
بِالْحَدِيثِ غَيْرِ الصَّحِيحِ؛ لأَنَّه قدَّمه عَلَى الْقِيَاسِ الْمَعْمُولِ بِهِ (1) عِنْدَ جُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ هُوَ إِجماع السَّلَفِ رضي الله عنهم. فَدَلَّ عَلَى أَنه عنده أَعلى رتبة في العمل من القياس.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا: أَنه كَلَامُ مُجْتَهِدٍ يَحْتَمِلُ في (2) اجْتِهَادُهُ الْخَطَأَ وَالصَّوَابَ، إِذ لَيْسَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ يَقْطَعُ الْعُذْرَ، وإِن سُلِّمَ فَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ؛ لإِجماعهم عَلَى طَرْحِ الضَّعِيفِ الإِسناد؛ فَيَجِبُ تأْويله عَلَى أَن يَكُونَ أَراد بِهِ الْحَسَنَ السَّنَدِ وَمَا دَارَ بِهِ (3) ـ على القول بإِعماله ـ. أَو أَراد أَنه (4)"خَيْرٌ مِنَ الْقِيَاسِ" لَوْ كَانَ مأْخوذاً بِهِ، فكأَنه يَرُدُّ الْقِيَاسَ بِذَلِكَ الْكَلَامِ مُبَالَغَةً فِي مُعَارَضَةِ مَنِ اعْتَمَدَهُ أَصلاً حَتَّى ردَّ بِهِ الأَحاديث. وَقَدْ كَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَمِيلُ إِلى نَفْيِ الْقِيَاسِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: مَا زِلْنَا نلعن أَهل الرأْي ويلعنوننا (5)، حتى جاءَ الشافعي فَمَزَجَ (6) بَيْنَنَا. أَو أَراد بِالْقِيَاسِ الْقِيَاسَ الْفَاسِدَ الَّذِي لَا أَصل لَهُ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إِجماع، فَفَضَّلَ عَلَيْهِ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ وإِن لم يعمل به أَيضاً (7). فإِذا أَمكن أَن يُحمل كَلَامُ أَحمد عَلَى مَا يُسَوَّغُ، لَمْ يَصِحَّ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ فِي معارضة كلام الأَئمة رضي الله تعالى عنهم.
=ما أعله المحدثون، بل ما أعلوه بمثل عدم الثقة بأحد رواته. أما من ضعفوه بالتفرد بزيادة في حديث لم يروها من هم أوثق منه فقد يعمل بحديثه؛ لأن زيادة الثقة حجة. وقد قدم أبو حنيفة حديث القهقهة في الصلاة، وحديث الوضوء بنبيذ التمر، وحديث أكثر الحيض؛ على القياس. وقد ذكر الإمام أحمد جماعة من الضعفاء الذين يروي عنهم في "المسند" وذكر أنه يروي عنهم للاعتبار، ولتأييد بعض الروايات ببعض لا للاحتجاج. ومن ذلك قوله في ابن لهيعة: ما كان حديثه بذاك، وما أكتب حديثه إلا للاعتبار به والاستدلال. أنا قد أكتب حديث الرجل كأني أستدل به مع حديث غيره يشتد به، لا أنه حجة إذا انفرد. اهـ.
(1)
قوله: "به" ليس في (م).
(2)
قوله: "في" ليس في (خ).
(3)
كذا في جميع النسخ، وفي هامش (م) كتب بخط يشبه خط الناسخ:"وما قاربه"، وكأنه تصويب، والمعنى متقارب، فالمقارب للحديث الحسن هو الحديث الذي فيه ضعف لم يقطع معه بتركه، وهو معنى قول بعضهم في تعريف الحسن:"هو ما فيه ضعف قريب محتمل"، وهذا بمعنى قوله:"وما دار به"؛ أي: دار في فلكه.
(4)
قوله: "أنه" ليس في (خ) و (م).
(5)
في (خ) و (م): "ويلعنونا".
(6)
في (خ) و (م): "فخرج".
(7)
في (خ): "وأيضاً".
فإِن قيل: هذاكله ردٌّ على الأَئمة الذي اعْتَمَدُوا عَلَى الأَحاديث الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ دَرَجَةَ الصَّحِيحِ، فإِنهم كَمَا نَصُّوا عَلَى اشْتِرَاطِ صِحَّةِ الإِسناد، كَذَلِكَ نَصُّوا أَيضاً (1) عَلَى أَن أَحاديث التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ لَا يُشْتَرَطُ فِي نَقْلِهَا لِلِاعْتِمَادِ عليها (2) صحةُ الإِسناد، بل إِن كان كذلك (3) فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وإِلا فَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ نقلها واستند إِليها، فقد فعله الأَئمة كمالك فِي "الْمُوَطَّأِ"، وَابْنِ الْمُبَارَكِ فِي "رَقَائِقِهِ"(4)، وأَحمد بْنِ حَنْبَلٍ فِي "رَقَائِقِهِ" وَسُفْيَانَ (5) فِي "جَامِعِ الْخَيْرِ"، وَغَيْرِهِمْ.
فَكُلُّ مَا فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمَنْقُولَاتِ رَاجِعٌ إِلى التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وإِذا جَازَ اعْتِمَادُ مِثْلِهِ، جَازَ فِيمَا كَانَ نَحْوَهُ مما يرجع إِليه؛ كصلاة الرغائب (6)،
(1) في (خ): "كذلك أيضاً نصوا أيضاً".
(2)
قوله: "عليها" سقط من (خ) و (م).
(3)
في (خ) و (م): "ذلك".
(4)
يعني كتابي "الزهد" لابن المبارك وأحمد بن حنبل.
(5)
أي: الثوري.
(6)
حديث صلاة الرغائب: أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات"(2/ 436 ـ 438 رقم 1008) من طريق علي بن عبد الله بن جهضم الصوفي، عن علي بن محمد بن سعيد البصري؛ قال: حدثنا أبي؛ قال: حدثنا خلف بن عبد الله ـ وهو الصغاني ـ، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي
…
"، وهو حديث طويل، وموضع الشاهد منه قوله: "ولكن لا تغفلوا عن أول ليلة جمعة في رجب، فإنها ليلة تسميها الملائكة: الرغائب، وذلك أنه إذا مضى ثلث الليل لا يبقى ملك في جميع السموات والأرض إلا ويجتمعون في الكعبة وحواليها، ويطلع الله عز وجل عليهم اطلاعة، فيقول: ملائكتي! سلوني ما شئتم، فيقولون: يا ربنا! حاجتنا إليك أن تغفر لصُوّام رجب، فيقول الله عز وجل: قد فعلت ذلك". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما من أحد يصوم يوم الخميس أول خميس في رجب، ثم يصلي فيما بين العشاء والعتمة ـ يعني ليلة الجمعة ـ اثنتي عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة، و {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ *} ثلاث مرات، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *} اثنتي عشرة مرة، يفصل بين كل ركعتين بتسليمة
…
" إلخ.
قال ابن الجوزي عقب إخراجه: "وهذا حديث موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد اتهموا به ابن جهضم ونسبوه إلى الكذب، وسمعت شيخنا عبد الوهاب الحافظ يقول: رجاله مجهولون، وقد فتشت عليهم جميع الكتب، فما وجدتهم
…
" إلخ ما قال.=
والمعراج (1)،
=وذكر الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان"(5/ 250 رقم 5983) أن أبا موسى المديني أخرجه في "وظائف الأوقات"، ثم قال ـ أي المديني ـ:"غريب لا أعلم أني كتبته إلا من رواية ابن جهضم، ورجاله غير معروفين إلى حميد".
وذكر الذهبي في "الميزان"(3/ 142) أن علي بن عبد الله بن جهضم الزاهد هذا هو المتهم بوضع هذا الحديث.
وقال النووي في "شرح مسلم"(8/ 20) عند شرحه لحديث النهي عن تخصيص يوم الجمعة بصلاة، أو ليلها بصلاة:"واحتج به العلماء على كراهة هذه الصلاة المبتدعة التي تسمى: الرغائب، قاتل الله واضعها ومخترعها؛ فإنها بدعة منكرة من البدع التي هي ضلالة وجهالة، وفيها منكرات ظاهرة".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى"(23/ 135) بعد أن سئل عن صلاة الرغائب هل هي مستحبة أو لا: "هذه الصلاة لم يصلها رسول الله، ولا أحد من أصحابه، ولا التابعين، ولا أئمة المسلمين، ولا رغّب فيها رسول الله، ولا أحد من السلف، ولا الأئمة
…
" إلى أن قال رحمه الله:
"والحديث المروي في ذلك عن النبي كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بذلك، ولهذا قال المحققون: إنها مكروهة غير مستحبة، والله أعلم".
وقال ابن القيم رحمه الله في "المنار المنيف"(ص95 رقم 167): "وكذلك أحاديث صلاة الرغائب ليلة أول جمعة من رجب، كلها كذب مختلق على رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (11/ 55): "
…
فإن أصل صلاة النافلة سنة مرغب فيها، ومع ذلك فقد كره المحققون تخصيص وقت بها دون وقت، ومنهم من أطلق تحريم مثل ذلك؛ كصلاة الرغائب التي لا أصل لها
…
".
(1)
صلاة المعراج ـ يعني ليلة سبع وعشرين من رجب ـ: وردت من حديث سلمان الفارسي وأنس ومن قول ابن عباس رضي الله عنهم.
أما حديث سلمان: فأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان"(3/ 373 ـ 374 رقم 3811)، وفي "فضائل الأوقات"(ص95 ـ 96 رقم 11)، من طريق خالد بن الهيَّاج، عن أبيه، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "في رجب يوم وليلة، من صام ذلك اليوم وقام تلك الليلة كان كمن صام من الدهر مائة سنة وقام مائة سنة، وهو لثلاث بقين من رجب، وفيه بعث محمد صلى الله عليه وسلم". والحديث ضعفه البيهقي.
ومن طريق البيهقي أخرجه ابن حجر في "تبيين العجب"(ص29 ـ 30)، ثم قال: "هذا حديث منكر إلى الغاية، وهيّاج هو ابن بسطام التميمي الهروي، روى عن جماعة من التابعين، وضعفه ابن معين، وقال أبو داود: تركوه، وقال صالح بن محمد الحافظ الملقب بجزرة: الهيَّاج منكر الحديث، لا يكتب من حديثه إلا حديثان=
وليلة النصف من شعبان (1)،
=أو ثلاثة للاعتبار، ولم أكن أعلم أنه بكل هذا حتى قدمت هراة، فرأيت عندهم أحاديث مناكير كثيرة له، قال الحاكم أبو عبد الله: وهذه الأحاديث التي رآها صالح من حديث الهيَّاج الذنب فيها لابنه خالد، والحمل فيها عليه. وقال يحيى بن أحمد بن زياد الهروي: كل ما أنكر على الهيَّاج فهو من جهة ابنه خالد".
وذكر الشوكاني هذا الحديث في "الفوائد المجموعة"(ص439 رقم 3) ونقل عن السيوطي أنه قال في "الذيل": "في إسناده هيَّاج، تركوه".
وأما حديث أنس: فأخرجه البيهقي أيضاً في "الشعب" برقم (3812) و"فضائل الأوقات" برقم (12)، من طريق محمد بن الفضل بن عطية، عن أبان، عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "في رجب ليلة يكتب للعامل فيها حسنات مائة سنة، وذلك لثلاث بقين من رجب، فمن صلى فيها اثنتي عشرة ركعة
…
" الحديث.
قال ابن حجر في "تبيين العجب"(ص30) عقب حديث سلمان المتقدم: "وروينا قريباً من هذا المتن من حديث أنس بإسناد مظلم رواه البيهقي أيضاً
…
" ثم ذكره.
وفي إسناده محمد بن الفضل بن عطية وقد كذبوه كما في "التقريب"(6265). وشيخه أبان بن أبي عياش متروك كما في "التقريب"(143).
وأما حديث ابن عباس: فقد أخرجه ابن حجر في "تبيين العجب"(ص21) من طريق محمد بن زياد اليشكري، عن ميمون بن مهران، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "من صلى ليلة سبع وعشرين من رجب ثنتي عشرة ركعة
…
" الحديث.
وفي سنده محمد بن زياد اليشكري الطحّان، الأعور وقد كذبوه كما في "التقريب"(5927).
وقد قال الملا علي القاري في "الأسرار المرفوعة"(ص289): "وكذا صلاة عاشوراء، وصلاة الرغائب موضوع بالاتفاق، وكذا بقية صلوات ليالي رجب، وليلة السابع والعشرين من رجب
…
" وقال العجلوني في "كشف الخفاء" (2/ 421): "وباب صلاة الرغائب، وصلاة نصف شعبان، وصلاة نصف رجب، وصلاة الإيمان، وصلاة ليلة المعراج، وصلاة ليلة القدر، وصلاة كل ليلة من رجب، وشعبان، ورمضان، وهذه الأبواب لم يصح فيها شيء أصلاً".
(1)
حديث قيام ليلة النصف من شعبان: ورد من حديث علي وابن عمر ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وأنس بن مالك رضي الله عنهم، ومرسل محمد بن علي الباقر رحمه الله.
أما حديث علي رضي الله عنه: فله عنه ثلاث طرق:
1 ـ الطريق الأولى: أخرجها ابن ماجه (1388)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(3822)، والفاكهي في "أخبار مكة"(1837)، جميعهم من طريق ابن أبي سبرة، عن إبراهيم بن محمد، عن معاوية بن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، عن علي بن=
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها، وصوموا نهارها، فإن الله ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا
…
" الحديث.
وفي سنده ابن أبي سبرة، وهو أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة، وقد رموه بالوضع كما في التقريب (8030)، فالحديث موضوع من طريقه.
2 ـ الطريق الثانية: أخرجها ابن الجوزي في "الموضوعات"(2/ 440 رقم 1010) من طريق علي بن الحسن، عن سفيان الثوري، عن ليث، عن مجاهد، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يا علي! من صلى مائة ركعة في ليلة النصف من شعبان
…
" الحديث بطوله.
وقد حكم عليه ابن الجوزي بالوضع، وأعلّه بجهالة بعض رواته وضعف بعضهم، وأقره السيوطي في "اللآلئ"(2/ 57 ـ 59).
وقال الذهبي في "تلخيص الموضوعات"(ص185 ـ 186 رقم 435): "والظاهر أنه من وضع علي هذا"، يعني علي بن الحسن بن يعمر السامي الراوي لهذا الحديث عن سفيان الثوري، فإنه ذكر الحديث في ترجمته في "ميزان الاعتدال" (3/ 119 ـ 120) وقال:"وهو باطل، وهو على هذا في عداد المتروكين عفا الله عنه"، وكان قد نقل عن ابن حبان قوله في علي هذا:"لا يحلّ كتب حديثه إلا على جهة التعجب". ونقل الحافظ ابن حجر في "اللسان"(5/ 211 ـ 212) عن الدارقطني قوله: "مصري يكذب يروي عن الثقات البواطيل".
3 ـ الطريق الثالثة: أخرجها البيهقي في "شعب الإيمان"(3/ 386 ـ 387 رقم 3841)، وابن الجوزي في "الموضوعات"(2/ 444 ـ 445 رقم 1014)، كلاهما من طريق عثمان بن سعيد بن كثير، عن محمد بن المهاجر، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم؛ قال: قال علي: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة النصف من شعبان قام فصلى أربع عشرة ركعة
…
الحديث.
قال البيهقي: "يشبه أن يكون هذا الحديث موضوعاً، وهو منكر، وفي [رواته]ـ مثل عثمان بن سعيد ـ مجهولون".
وقال ابن الجوزي: "وهذا موضوع أيضاً، وإسناده مظلم، وكأن واضعه يكتب من الأسماء ما يقع له، ويذكر قوماً ما يعرفون، وفي الإسناد محمد بن مهاجر، قال ابن حبان: يضع الحديث".
وقال الذهبي في "تلخيص الموضوعات"(ص186 رقم 438): "إسناده مظلم، وفيه كذاب".
وأما حديث ابن عمر: فأخرجه ابن الجوزي أيضاً برقم (1011) من طريق الحسين بن إبراهيم، قال: أنبأنا محمد بن جابان المذكِّر
…
، فساقه بسنده إلى يزيد بن محمد،=
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=عن أبيه محمد بن مروان، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ ليلة النصف من شعبان ألف مرّة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *} في مائة ركعة
…
" الحديث.
وأعله ابن الجوزي بأن في رواته مجاهيل، وقال الذهبي في "تلخيص الموضوعات" (ص186 رقم 436):"وهذا من عمل الحسين بن إبراهيم أو شيخه، والإسناد ظلمة" وتعقب السيوطي في "اللآلئ"(2/ 59) ابن الجوزي بطريق أخرجها الديلمي من طريق محمد بن عبد الرحمن العرزمي، عن عمرو بن ثابت، عن محمد بن مروان الذهلي، عن أبي يحيى قال: حدثني أربعة وثلاثون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله سواء.
وهذا حديث موضوع أيضاً. فمحمد بن عبد الرحمن العرزمي قال عنه الدارقطني: "متروك الحديث" كما في "لسان الميزان"(6/ 319)، وعمرو بن ثابت الحداد رافضي متروك، وقد فصّلت القول فيه في "سنن سعيد بن منصور"(2/ 540)، ومحمد بن مروان الذهلي قال عنه الذهبي في "الميزان" (4/ 33):"لا يكاد يعرف"، وأبو يحيى لم أعرفه، ولا أظنه القتّات.
وأما حديث معاذ بن جبل: فأخرجه الأصبهاني في "الترغيب والترهيب"(1/ 248 ـ 249 رقم 374) من طريق سويد بن سعيد، ثنا عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، عن وهب بن منبه، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحيا الليالي الخمس وجبت له الجنة: ليلة التروية، وليلة عرفة، وليلة النحر، وليلة النصف من شعبان"، ولم يذكر الخامسة.
وأخرجه نصر المقدسي في "جزء من الأمالي" ـ كما في "السلسلة الضعيفة"(522) للشيخ الألباني ـ، وذكر أن الليالي أربع، وذكر ليلة الفطر بدل ليلة النصف من شعبان.
وفي إسناد الأصبهاني تصحيف في موضعين:
الأول: قوله: "عبد الرحمن بن زيد"، والصواب:"عبد الرحيم بن زيد" كما في إسناد المقدسي.
الثاني: تصحف فيه "وهب" إلى: "دهب".
والحديث ضعيف جداً؛ فيه ثلاث علل:
1 ـ سويد بن سعيد الحدثاني ضعيف، وفي "التقريب" (2705):"صدوق في نفسه، إلا أنه عمي، فصار يتلقن ما ليس من حديثه، فأفحش فيه ابن معين القول".
2 ـ عبد الرحيم بن زيد العَمِّي متروك، كذبه ابن معين كما في "التقريب"(4083).
3 ـ زيد بن الحواري العَمِّي ضعيف كما في "التقريب"(2143). وقد حكم عليه الشيخ الألباني ـ في الموضع السابق ـ بالوضع.
وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه ابن الجوزي (2/ 443 ـ 444 رقم 1013) من طريق=
وَلَيْلَةِ أَول جُمْعَةٍ مِنْ رَجَبٍ (1)، وَصَلَاةِ الإِيمان (2) والأُسبوع (3)، وصلاة بر
=بقيّة بن الوليد، عن ليث بن أبي سليم، عن القعقاع بن شور الشيباني، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صلى ليلة النصف من شعبان ثنتي عشرة ركعة
…
" الحديث.
قال ابن الجوزي: "وهذا موضوع أيضاً، وفيه جماعة مجهولون، وقبل أن نصل إلى بقية وليث وهما ضعيفان، فالبلاء ممن قبلهم".
وأقرّه عليه السيوطي في "اللآلئ"(2/ 59).
وقال الذهبي في "تلخيص الموضوعات"(ص186 رقم 437): "وإسناده ظلمات إلى بقية".
وأما حديث أنس بن مالك: فيرويه محمد بن سعيد الميلي، عن محمد بن عمرو البجلي، عن النضر بن شميل، عن شعيب بن عبد الملك، عن الحسن البصري، عن أنس مرفوعاً: "من صلى ليلة النصف من شعبان خمسين ركعة
…
" فذكر حديثاً طويلاً في فضل من صلى هذه الركعات في تلك الليلة.
رواه ابن ناصر كما في "ميزان الاعتدال" للذهبي (3/ 565 ـ 566)، وقد أعله الذهبي بمحمد بن سعيد الميلي، فقال:"لا يُدرى من هو"، وقال عن شيخه محمد بن عمرو البجلي:"مجهول مثله".
ثم قال الذهبي: "فقبّح الله من وضعه! فلقد فاه من الكذب والإفك ما لا يوصف
…
، فما أتعجَّب إلا من قلّة ورع ابن ناصر، كيف روى هذا وسكت عن توهينه؟ فإنا لله! ".
وأما مرسل محمد بن علي الباقر: فأخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات"(2/ 442 ـ 443 رقم 1012) من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ ليلة النصف من شعبان ألف مرة قل هو الله أحد في مائة ركعة
…
" الحديث.
وفي سنده إلى جعفر عدة مجاهيل، ولذلك عقَّب عليه ابن الجوزي وعلى حديثي علي وابن عمر بقوله: "هذا الحديث لا يُشك في أنه موضوع، وجمهور رواته في الطرق الثلاثة مجاهيل، وفيهم ضعفاء بمرة
…
" إلخ ما قال.
(1)
قوله: "وليلة أول جمعة من رجب": هي صلاة الرغائب التي تقدم تخريجها.
(2)
لم أجد فيها شيئاً.
(3)
صلاة الأسبوع: هي عدة أحاديث ذكرها ابن الجوزي في الموضوعات (2/ 417 ـ 428 رقم 993 ـ 1001) في فضل صلاة ليلة السبت ويومه، والأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، وحكم عليها بالوضع، واتهم بها الحسين بن إبراهيم وغيره.
وذكرها ابن القيم في "المنار المنيف"(ص48 ـ 49)، وقال: "واستمرَّ هذا الكذاب=
الوالدين (1) ويوم عاشوراء (2)، وصيام رجب (3)،
=الخبيث على حديث طويل فيه من هذه المجازفات، وهو من عمل الحسين بن إبراهيم؛ كذاب يروي عن محمد بن طاهر، ووضع من هذا الضرب أحاديث صلاة يوم الأحد، وليلة الأحد، وصلاة يوم الاثنين، وليلة الاثنين، ويوم الثلاثاء، وليلة الثلاثاء، وهكذا في سائر أيام الأسبوع ولياليه".
وقال في موضع آخر (ص95): "ومنها: أحاديث صلوات الأيام والليالي؛ كصلاة يوم الأحد، وليلة الأحد، ويوم الاثنين، وليلة الاثنين
…
، إلى آخر الأسبوع، كل أحاديثها كذب". وانظر:"اللآلئ المصنوعة"(2/ 48 ـ 52)، و"تلخيص الموضوعات"(ص180 ـ 183 رقم 418 ـ 426)، و"الفوائد المجموعة"(ص44 ـ 46 رقم 87 ـ 102).
(1)
لم أجد فيها شيئاً.
(2)
حديث صلاة يوم عاشوراء: أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات"(2/ 433 رقم 1005) من طريق الحسين بن إبراهيم بإسناده إلى محمد بن سهل، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى يوم عاشوراء ما بين الظهر والعصر أربعين ركعة
…
" الحديث.
قال ابن الجوزي: "وهذا موضوع، وكلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم منزهة عن هذا التخليط، والرواة مجاهيل، والمتهم به الحسين". وأقرّه الذهبي في "تلخيص الموضوعات"(ص184 رقم 430)، والسيوطي في "اللآلئ"(2/ 54 ـ 55).
وأخرج ابن الجوزي قبله (2/ 432 رقم 1004) حديثاً من طريق العشاري، بسنده إلى عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحيا ليلة عاشوراء فكأنما عَبَدَ الله تعالى بمثل عبادة أهل السموات
…
" الحديث، ثم قال: "هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أُدخل على بعض المتأخرين من أهل الغفلة، على أن عبد الرحمن بن أبي الزناد مجروح؛ قال أحمد: هو مضطرب الحديث، وقال يحيى: لا يحتجّ به".
ثم أعاده بطوله (2/ 567 ـ 569 رقم 1140) وحكم عليه بالوضع ونقد متنه.
والذي يظهر أن ابن أبي الزناد بريء من عهدته، والحمل فيه على أبي طالب العشاري محمد بن علي بن الفتح، فقد قال عنه الذهبي في "ميزان الاعتدال" (3/ 656):"شيخ صدوق معروف، لكن أدخلوا عليه أشياء، فحدّث بها بسلامة باطن، منها حديث موضوع في فضل ليلة عاشوراء".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنة"(7/ 433): "وليس في عاشوراء حديث صحيح غير الصوم، وكذلك ما يروى في فضل صلوات معينة فيه، فهذا كله كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة، ولم ينقل هذه الأحاديث أحد من أئمة أهل العلم في كتبهم".
(3)
حديث صيام رجب: أخرجه أبو الفضل محمد بن ناصر في "أماليه" كما في "تبيين العجب"(ص13 ـ 15)، وابن الجوزي في "الموضوعات"(2/ 576 رقم 1147)،=
والسابع والعشرين مِنْهُ (1)، وَمَا أَشبه ذَلِكَ، فإِن جميعَها رَاجِعٌ إِلى التَّرْغِيبِ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَالصَّلَاةُ عَلَى الْجُمْلَةِ ثابتٌ أَصلها، وَكَذَلِكَ الصِّيَامُ وَقِيَامُ اللَّيْلِ، كُلُّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلى خيرٍ نُقلت فضيلتُه عَلَى الْخُصُوصِ.
وإِذا ثَبَتَ هَذَا فَكُلُّ مَا نُقلت فضيلتُه فِي الأَحاديث فَهُوَ مِنْ بَابِ الترغيب، فلا يلزم فيه ـ بشهادة (2) أَهل الحديث ـ صحّة (3) الإِسناد، بخلاف أَحاديث (4) الأَحكام.
=كلاهما من طريق أبي بكر محمد بن الحسن النقاش، عن أبي عمرو أحمد بن العباس الطبري؛ قال: حدثنا الكسائي؛ قال: حدثنا أبو معاوية؛ قال: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي، فمن صام رجب إيماناً واحتساباً استوجب رضوان الله الأكبر
…
" الحديث بطوله، واللفظ لابن الجوزي.
قال ابن ناصر: "وهذا حديث غريب عالٍ من حديث أبي معاوية الضرير، عن الأعمش، وهو غريب من حديث علقمة عن أبي سعيد، تفرد به أبو عمرو الطبري، ولا يعرف إلا من روايته، ولم نسمعه إلا من رواية أبي بكر النقاش عنه".
وتعقبه الحافظ ابن حجر بقوله: "هذا الكلام لا يليق بأهل النقد، وكيف يروج مثل هذا الباطل على ابن ناصر مع تحققه بأن النقاش وضاع دجال ـ نسأل الله العافية ـ، فوالله! ما حدث أبو معاوية ولا من فوقه بشيء من هذا قط، وليس الكسائي علي بن حمزة المقدسي النحوي، فقد جزم بأنه غيره الإمام أبو الخطاب ابن دحية، فقال: الكسائي المذكور لا يدرى من هو. وقال بعد أن أخرج الحديث: هذا موضوع".
وكان ابن حجر قد قال قبل ذكره للحديث: "وورد في فضل رجب من الأحاديث الباطلة أحاديث لا بأس بالتنبيه عليها لئلا يُغترّ بها
…
".
وقال ابن الجوزي عقب الحديث: "هذا حديث موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والكسائي لا يعرف، والنقاش مُتّهم".
وأقره السيوطي في "اللآلئ"(2/ 114 ـ 115)، وابن عراق في "تنزيه الشريعة"(2/ 151 ـ 152).
وقال الذهبي في "تلخيص الموضوعات"(ص208 رقم 507): "رواه أبو بكر النقاش وهو مُتّهم
…
، وهذا الكسائي لا يعرف".
وقد ذكر ابن الجوزي وابن حجر أحاديث أخرى في فضل صيام بعض أيام من رجب، وبينا عللها.
(1)
وهو داخل في حديث صلاة المعراج التي تقدم الكلام عنها.
(2)
في (خ) و (م): "شهادة".
(3)
في (خ): "بصحة".
(4)
قوله: "أحاديث" ليس في (خ) و (م).
فإِذاً هذا الوجه من الاستدلال من طرق (1) الراسخين، لا من طرق (1) الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ، حَيْثُ فَرَّقُوا (2) بَيْنَ أَحاديث الأَحكام فَاشْتَرَطُوا فِيهَا الصِّحَّةَ، وَبَيْنَ أَحاديث التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ فَلَمْ يَشْتَرِطُوا فِيهَا ذَلِكَ.
فَالْجَوَابُ: أَن مَا ذَكَرَهُ علماءُ الْحَدِيثِ مِنَ التَّسَاهُلِ في أَحاديث الترغيب والترهيب (3) لا ينتظم مسأَلتنا (4) المفروضة، بيانه (5): أَن الْعَمَلَ المتكلَّم فِيهِ إِما أَن يَكُونَ مَنْصُوصًا عَلَى أَصله جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، أَو لَا يَكُونُ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ لَا جُمْلَةً (6) وَلَا تَفْصِيلًا، أَو يَكُونُ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ جُمْلَةً لَا تَفْصِيلًا.
فالأَول: لَا إِشكال فِي صِحَّتِهِ، كَالصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ (7)، وَالنَّوَافِلِ الْمُرَتِّبَةِ لأَسباب وَغَيْرِ أَسباب (8)، وَكَالصِّيَامِ الْمَفْرُوضِ (9)، أَو الْمَنْدُوبِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ، إِذَا فُعِلَتْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي نُصَّ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ زيادة ولا
(1) في (خ): "طريق".
(2)
أي: الراسخون في العلم.
(3)
مَا ذَكَرَهُ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ مِنَ التَّسَاهُلِ فِي أحاديث الترغيب والترهيب يعني قول كثير منهم: "إذا روينا في الثواب والعقاب وفضائل الأعمال تساهلنا في الأسانيد وتسامحنا في الرجال، وإذا روينا في الحلال والحرام والأحكام تشددنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال"، وردت هذه العبارة عن عبد الرحمن بن مهدي كما في "المستدرك" للحاكم (1/ 490)، و"دلائل النبوة" للبيهقي (1/ 34). وورد معناها عن يحيى القطان، وابن المبارك، والإمام أحمد كما في "دلائل النبوة"(1/ 35 ـ 38)، و"النكت على كتاب ابن الصلاح"(2/ 888)، و"تدريب الراوي"(1/ 298)، وقد علق رشيد رضا رحمه الله على هذا الموضع بقوله:"نذكر هنا ما شرطه المحدثون لجواز العمل بالضعيف في الترغيب والترهيب. قال الحافظ السخاوي في القول البديع ـ بعد ذكر المسألة وخلاف القاضي أبي بكر ابن العربي فيها إذ جزم بعدم جواز العمل بالضعيف مطلقاً ـ؛ قال: وقد سمعت شيخنا (أي الحافظ ابن حجر) مراراً يقول وكتبه لي بخطه: إن شرائط العمل بالضعيف ثلاثة: الأول: متفق عليه؛ أن يكون الضعف غير شديد. فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب، ومن فحش غلطه. الثاني: أن يكون مندرجاً تحت أصل عام، فيخرج ما يخترع بحيث لا يكون له أصل أصلاً. الثالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، لئلا ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله. قال: والأخيران عن ابن عبد السلام وعن صاحبه ابن دقيق العيد، والأول نقل العلائي الاتفاق عليه" اهـ.
(4)
في (خ): "مع مسألتنا".
(5)
في (خ): "وبيانه".
(6)
في (غ) و (ر): "منصوصا عليه جملة".
(7)
في (غ): "المفروضة".
(8)
في (خ): "وغيرها" بدل "وغير أسباب".
(9)
في (خ): "المفرض".
نُقْصَانٍ؛ كَصِيَامِ عَاشُورَاءَ (1)، أَو يَوْمَ (2) عَرَفَةَ (3)، وَالْوَتَرِ بَعْدَ نَوَافِلَ اللَّيْلِ (4)، وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ (5). فَالنَّصُّ جاءَ فِي هَذِهِ الأَشياء صَحِيحًا عَلَى مَا شَرَطُوا، فَثَبَتَتْ (6) أَحكامها مِنَ الْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ وَالِاسْتِحْبَابِ، فإِذا ورد في مثلها أَحاديثُ تُرَغِّب (7) فيها، أَو تحذِّر (8) مِنْ تَرْكِ الْفَرْضِ مِنْهَا، وَلَيْسَتْ بَالِغَةً مَبْلَغَ الصِّحَّة، وَلَا هِيَ أَيضاً مِنَ الضَّعْف بِحَيْثُ لَا يَقْبَلُهَا أَحد، أَو كَانَتْ مَوْضُوعَةً لَا يَصِحُّ الِاسْتِشْهَادُ بِهَا، فَلَا بأْس بِذِكْرِهَا وَالتَّحْذِيرِ بِهَا وَالتَّرْغِيبِ، بَعْدَ ثُبُوتِ أَصلها مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ.
وَالثَّانِي: ظَاهِرٌ أَنه غَيْرُ صَحِيحٍ، وَهُوَ عين البدعة؛ لأَنه لا يرجع إِلَاّ إِلى مجرد (9) الرأْي الْمَبْنِيّ على الهوى، وهو أَبْعَدُ (10) البدع وأَفحشها؛
(1) أخرج مسلم في "صحيحه"(1162) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: "وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله".
وأمر صلى الله عليه وسلم بصيامه في حديثي ابن عباس وأبي موسى رضي الله عنهما عند البخاري (2004 و2005).
(2)
في (غ) و (ر): "ويوم".
(3)
جاء في حديث أبي قتادة السابق عند مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: "صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده".
(4)
ورد في الحث على الوتر بعد نوافل الليل أحاديث كثيرة، حتى لقد أفرد البخاري في "صحيحه" كتاباً خاصاً بالوتر وأحكامه، ومن جملة ما أخرج فيه: حديث ابن عمر برقم (990): أن رجلاً سأل رسول الله (ص) عن صلاة الليل، فقال:"صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلَّى".
وأخرجه مسلم برقم (749).
(5)
ورد في مشروعية الصلاة عند كسوف الشمس عدة أحاديث، حتى لقد أفرد لها البخاري ومسلم كتابين مستقلين في "صحيحيهما"، وأخرجا فيهما عدة أحاديث، منها: حديث المغيرة بن شعبة؛ قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات إبراهيم، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الشمس والقمر لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم فصلوا وادعوا الله"، أخرجه البخاري برقم (1043)، ومسلم برقم (915).
(6)
في (م): "فثبت".
(7)
في (خ) و (م): "ترغيب".
(8)
في (خ): "أو تحذير".
(9)
في (خ): "إلا لمجرد".
(10)
في (خ): "أبدع".
كالرَّهْبَانيَّة المنْفِيَّة عَنِ الإِسلام (1)، والخِصَاء لِمَنْ خَشِيَ العَنَت (2)، والتعبُّد بِالْقِيَامِ فِي الشَّمس (3)، أَو بالصَّمْتِ مِنْ غَيْرِ كَلَامِ أَحد (4)، فَالتَّرْغِيبُ فِي مِثْلِ هَذَا لَا يَصِحُّ؛ إِذ لَا يُوجَدُ فِي الشَّرْعِ، وَلَا أَصل لَهُ يُرَغَّب فِي مِثْلِهِ، أَو يحذَّر من مخالفته.
(1) قوله: كالرهبانية المنفية عن الإسلام: يدل عليها قوله تعالى في الآية (27) من سورة الحديد: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} . وسيأتي تخريجه بلفظ: "لا رهبانية في الإسلام"(ص212) من هذا المجلد.
وأخرج أبو داود في "سننه"(4868)، وأبو يعلى في "مسنده"(3694) من طريق عبد الله بن وهب، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء؛ أن سهل بن أبي أمامة حدثه: أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة، فقال أنس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "لا تشددوا على أنفسكم فيشدَّد عليكم، فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات، {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} .
وسنده ضعيف؛ تفرد به سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء، ولم أجد مَنْ وثقه، سوى أن ابن حبان ذكره في "ثقاته"(6/ 354)، ولذلك قال الحافظ في "التقريب" (2366):"مقبول" والحديث ضعفه الشيخ الألباني في "ضعيف الجامع"(6232) وانظر ما سيأتي (ص201 ـ 202).
(2)
أخرج البخاري في صحيحه (8/ 276 رقم 4615) كتاب التفسير، باب لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم.
من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم وليس معنا نساء، فقلنا: ألا نختصي؛ فنهانا عن ذلك، فرخص لنا بعد ذلك أن نتزوج المرأة بالثوب، ثم قرأ:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} . [المائدة: 87].
(3)
أخرج البخاري في "صحيحه"(6704) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب؛ إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"مره فليتكلم، وليستظل، وليقعد وليتمّ صومه".
قال ابن خزيمة في صحيحه (3/ 352) بعد أن أشار إلى الحديث: "فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوفاء بالصوم الذي هو طاعة، وترك القيام في الشمس، وإن كان القيام في الشمس ليس بمعصية، إلا أن يكون فيه تعذيب، فيكون حينئذٍ معصية".
(4)
أخرج البخاري في "صحيحه"(3834) من حديث قيس بن أبي حازم؛ قال: دخل أبو بكر على امرأة من أحْمَسَ يقال لها: زينب، فرآها لا تكلَّم، فقال: ما لها لا تكلم؟ قالوا: حجَّت مُصْمِتَةً، قال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحلّ، هذا من عمل الجاهلية، فتكلمت
…
، الحديث.
وَالثَّالِثُ: رُبَّمَا يَتَوَهَّمُ أَنه كالأَول؛ مِنْ جِهَةِ أَنه إِذا ثَبَتَ أَصل عِبَادَةٍ فِي الْجُمْلَةِ، فيُسْتَسْهَلُ (1) فِي التَّفْصِيلِ نَقْلُهُ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ مُشْتَرَطِ الصِّحَّةِ. فَمُطْلَقُ التنفُّل (2) بِالصَّلَاةِ مَشْرُوعٌ، فإِذا جَاءَ تَرْغِيبٌ فِي صَلَاةِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ (3) فَقَدْ عَضَّدَهُ أَصل التَّرْغِيبِ فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ. وكذلك إِذا ثبت أَصل صيام النافلة (4)، ثَبَتَ صِيَامُ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ (5)، وَمَا أَشبه ذَلِكَ. وَلَيْسَ كَمَا توهَّموا؛ لأَن الأَصل إِذا ثَبَتَ فِي الْجُمْلَةِ لَا يَلْزَمُ إِثباته فِي التَّفْصِيلِ، فإِذا ثَبَتَ مُطْلَقُ الصَّلَاةِ لَا يلزم منه إِثبات الظهر أَو العصر (6) أَو الْوَتَرِ أَو غَيْرِهَا حَتَّى يُنَصّ عَلَيْهَا عَلَى الْخُصُوصِ، وَكَذَلِكَ إِذا ثَبَتَ مُطْلَقُ الصِّيَامِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ إِثبات صَوْمِ رَمَضَانَ أَو عَاشُورَاءَ أَو شَعْبَانَ أَو غَيْرِ ذَلِكَ، حَتَّى يثبت التفصيل (7) بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ، ثُمَّ يَنْظُرَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَحاديث التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ بِالنِّسْبَةِ إِلى ذَلِكَ الْعَمَلِ الْخَاصِّ الثَّابِتِ بِالدَّلِيلِ الصَّحِيحِ.
وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرَ فِي السُّؤَالِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، إِذ لَا ملازمة بين ثبوت التنفُّل الليلي أَو النهاري (8) فِي الْجُمْلَةِ، وَبَيْنَ قِيَامِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ بِكَذَا وَكَذَا رَكْعَةٍ، يقرأُ فِي كُلِّ رَكْعَةِ مِنْهَا بِسُورَةِ (9) كَذَا عَلَى الْخُصُوصِ كَذَا وَكَذَا مَرَّةٍ. وَمَثْلُهُ صِيَامُ الْيَوْمِ الْفُلَانِيِّ مِنَ الشَّهْرِ الْفُلَانِيِّ، حَتَّى تَصِيرَ تِلْكَ الْعِبَادَةُ مَقْصُودَةً عَلَى الْخُصُوصِ، لَيْسَ فِي شيءٍ مِنْ ذَلِكَ مَا يَقْتَضِيهِ مطلقُ شَرْعِيَّةِ التنفُّل بِالصَّلَاةِ أَو الصِّيَامِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: أَن تَفْضِيلَ يَوْمٍ مِنَ الأَيام أَو زَمَانٍ مِنَ الأَزمنة بِعِبَادَةٍ مَا يَتَضَمَّنُ حُكْمًا شَرْعَيًّا فِيهِ عَلَى الْخُصُوصِ، كما ثبت لعاشوراء مثلاً
(1) في (خ): "فيسهل".
(2)
في (غ): "التنفيل".
(3)
تقدم تخريجه (ص20).
(4)
قوله: "النافلة" ليس في (خ)، و (م).
(5)
انظر ما تقدم (ص19).
(6)
في (خ): "والعصر".
(7)
في (خ) و (م): "بالتفصيل".
(8)
في (خ): "الليلي والنهاري" وفي (م): "أو النهار".
(9)
في (غ) و (ر): "سور".
أَو لِعَرَفَةَ (1)، أَو لِشَعْبَانَ (2) مزيَّةٌ عَلَى مُطْلَقِ التَّنَفُّلِ بِالصِّيَامِ، فإِنه ثَبَتَ لَهُ (3) مَزِيَّةٌ عَلَى الصِّيَامِ فِي مُطْلَقِ الأَيام. فَتِلْكَ الْمَزِيَّةُ اقْتَضَتْ مَرْتَبَةً فِي الأَحكام أَعلى مِنْ غَيْرِهَا، بِحَيْثُ (4) لا تفهم (5) من مطلق مشروعية الصيام (6) النَّافِلَةِ؛ لأَن مُطْلَقَ الْمَشْرُوعِيَّةِ يَقْتَضِي أَن الْحَسَنَةَ فيه (7) بِعَشْرِ أَمثالها، إِلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ (8) فِي الْجُمْلَةِ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يَقْتَضِي أَنه يُكَفِّرُ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ (9)، فَهُوَ (10) أَمر زَائِدٌ عَلَى مُطْلَقِ الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَمَسَاقُهُ يُفِيدُ لَهُ مزيَّة فِي الرُّتْبَةِ، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إِلى الْحُكْمِ.
فإِذاً هَذَا التَّرْغِيبُ الخاص يقتضي مرتبة في نوع الْمَنْدُوبِ (11) خَاصَّةً، فَلَا بُدَّ مِنْ رُجُوعِ إِثبات الحكم إِلى الأَحاديث الصحيحة بناءً عل قَوْلِهِمْ:"إِن الأَحكام لَا تُثْبَتُ إِلا مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ"(12)، وَالْبِدَعُ الْمُسْتَدَلُّ عَلَيْهَا بِغَيْرِ الصَّحِيحِ لا بد فيها من زيادة (13) على المشروعات؛ كالتقييد بزمان مّا،
(1) تقدم في (ص27) تخريج ما ورد في فضل عاشوراء وعرفة.
(2)
أخرج البخاري في "صحيحه"(1969)، ومسلم (1156/ 175) من حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نقول: لا يصوم. وما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صياماً منه في شعبان.
(3)
في (غ): "فيه".
(4)
في (غ): "من بحيث"، وكأنه ضرب على "من".
(5)
في (م): "لا نفهم".
(6)
في (خ): "الصلاة".
(7)
قوله: "فيه" ليس في (خ).
(8)
أخرج البخاري (7501)، ومسلم (128) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يقول الله: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإذا عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإذا عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها، إلى سبعمائة".
(9)
تقدم في (ص27) تخريج ما ورد في فضل صيام عاشوراء.
(10)
في (غ) و (ر): "فهذا".
(11)
في (خ): "من المندوب".
(12)
تقدم هذا القول (ص26) والتعليق عليه.
(13)
في (خ): "الزيادة".
أَو عدد ما، أَو كيفية ما (1)، فيلزم أَن تكون (2) أَحكام تلك الزيادة (3) ثَابِتَةً بِغَيْرِ الصَّحِيحِ، وَهُوَ نَاقِضٌ لِمَا أَسَّسَهُ (4) العلماءُ.
وَلَا يُقَالُ: إِنهم يُرِيدُونَ أَحكام الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ فَقَطْ؛ لأَنا (5) نَقُولُ: هَذَا تَحَكُّمٌ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، بَلِ الأَحكام خَمْسَةٌ. فَكَمَا لَا يثبت الوجوب إِلا بالصحيح، كذلك الندب (6) والإِباحة وغيرهما (7) لا تثبت (8) إِلا بِالصَّحِيحِ (9)، فإِذا ثَبَتَ الْحُكْمُ فَاسْتَسْهِلْ (10) أَن يَثْبُتَ فِي أَحاديث التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَلَا عَلَيْكَ.
فَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ: كُلُّ مَا رُغِّب (11) فِيهِ إِن ثبت حكمه أو مرتبته في المشروعات من طريق صحيح، فالترغيب (12) بِغَيْرِ الصَّحِيحِ مُغْتَفَر، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ التَّرْغِيبِ، فَاشْتَرِطِ الصِّحَّةَ أَبَدًا، وَإِلَّا (13) خَرَجْتَ عَنْ طَرِيقِ الْقَوْمِ الْمَعْدُودِينَ فِي أَهْلِ الرسوخ. فلقد غلط في هذا الْمَكَانِ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ يُنسب إِلَى الْفِقْهِ، وَيَتَخَصَّصُ عَنِ الْعَوَامِّ بِدَعْوَى رُتْبَةِ الخَوَاصّ. وَأَصْلُ هَذَا الغلط: عدم فهم معنى (14) كلام المحدِّثين في الموضعين، وبالله التوفيق.
(1) في (خ): "بزمان أو عدد أو كيفية ما"، وفي (م):"بزمان أو عدد ما أو كيفية ما".
(2)
في (خ) و (م): "يكون".
(3)
في (خ) و (م): "الزيادات".
(4)
في (خ) و (م): "ناقض إلى ما أسسه".وعلق عليه رشيد رضا بقوله: الظاهر أن يقال: "لما".اهـ.
(5)
في (م): "لا".
(6)
في (غ) و (ر): "المندوب".
(7)
في (غ) و (ر): "وغيرها".
(8)
في (م): "لا يثبت".
(9)
من قوله: "كذلك الندب
…
" إلى هنا سقط من (خ).
(10)
في (خ): "فاشتهل".
(11)
في (غ) و (ر): "كل مرغب".
(12)
علق رشيد رضا هنا بقوله: لعله سقط من هنا لفظ "فيه".
(13)
في (غ) و (ر): "وإن" بدل: "وإلا".
(14)
قوله: "معنى" من (غ) و (ر).