الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَصْلٌ
إِذا ثَبَتَ هَذَا: فَالدُّخُولُ فِي عَمَلٍ عَلَى نيَّة الِالْتِزَامِ لَهُ إِن كَانَ فِي المُعْتاد بحيث إِذا داوم عليه أَورث ما لا ينبغي (1)، فلا ينبغي اعتقاد (2) هذا الالتزام؛ لأنه (3) مَكْرُوهٌ ابْتِدَاءً، إِذ هُوَ مؤدٍّ إِلى أُمور جَمِيعُهَا منْهِيٌّ عَنْهُ:
أَحدها: أَن اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَهدى إليه (4) فِي هَذَا الدِّينِ التَّسْهِيلَ وَالتَّيْسِيرَ، وَهَذَا المُلْتَزِمُ يُشْبه مَنْ لَمْ يَقْبَلْ هديَّته، وَذَلِكَ يُضَاهِي ردَّها عَلَى مُهْديها، وَهُوَ غَيْرُ لَائِقٍ بِالْمَمْلُوكِ مَعَ سَيِّدِهِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالْعَبْدِ مَعَ رَبِّهِ؟.
وَالثَّانِي: خَوْفُ التَّقْصِيرِ أَوِ الْعَجْزِ عَنِ الْقِيَامِ بما هو أَولى وآكد في الشرع، وقد قال (5) صلى الله عليه وسلم (6) إِخباراً عَنْ دَاوُدَ عليه السلام:"كَانَ (7) يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ (8) إِذا لَاقَى"، تَنْبِيهًا عَلَى أَنه لَمْ يُضْعِفْهُ الصيام عن لقاءِ العدو، فِيَفِرّ أو يترك (9) الجهاد في مَظَانّ (10) تأكيده (11) بسبب ضعفه.
(1) قوله: "ما لا ينبغي" سقط من (م).
(2)
في (خ): "أورث مللاً ينبغي أن يعتقد أن"، وفي هامش (م) ـ تعليقاً على هذا الموضع ـ:"افتقاد أو ابتعاد".
(3)
قوله: "لأنه" ليس في (خ)، وفي (م):"أنه".
(4)
قوله: "إليه" زيادة من (غ) و (ر).
(5)
في (خ): "وقال"، بدل "وقد قال".
(6)
في إحدى روايات حديث عبد الله بن عمرو عند البخاري (1977 و1979)، ومسلم (1159/ 186).
(7)
في (خ): "إنه كان"، وكذا في (ر)، ولكن أشار الناسخ إلى حذف "إنه".
(8)
في (ر): "ولا يعد".
(9)
في (خ): "ويترك".
(10)
في (خ) و (م): "مواطن".
(11)
في (خ): "تكبده".
وَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: إِنك لَتُقِلُّ الصَّوْمَ! فَقَالَ: إِنه يَشْغَلُنِي عَنْ قراءَة الْقُرْآنِ، وقراءَة الْقُرْآنِ أَحبّ إِليَّ مِنْهُ (1).
وَلِذَلِكَ (2) كَرِهَ مَالِكٌ إِحياءَ اللَّيْلِ كُلَّه، وَقَالَ: لَعَلَّهُ يُصْبِحُ مَغْلُوبًا، وَفِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُسوة (3). ثُمَّ قَالَ: لَا بأْس بِهِ مَا لَمْ يَضُرّ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ (4).
وَقَدْ جاءَ فِي صِيَامِ (5) يَوْمِ عَرَفَةَ أَنه يُكَفِّرُ سَنْتَيْنِ (6)، ثُمَّ إِن الإِفطار فِيهِ لِلْحَاجِّ أَفضل؛ لأَنه قُوَّةٌ عَلَى الْوُقُوفِ وَالدُّعَاءِ، ولابن وهب في ذلك حكاية (7).
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(8909)، والطبراني في "الكبير"(9/ 175 رقم 8868)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(2018 و2019)، ثلاثتهم من طريق الأعمش، عن شقيق، عن ابن مسعود، به. وتصحف "شقيق" في رواية ابن أبي شيبة وإحدى روايات البيهقي إلى "سفيان".
وسنده صحيح.
وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(7903)، ومن طريقه الطبراني (8870)، من طريق سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد؛ قال: كان عبد الله يقلّ الصيام، فقلنا له: إنك تقلّ الصيام! قال: إني إذا صمت ضعفت عن الصلاة، والصلاة أحبّ إليّ من الصيام.
وسنده صحيح أيضاً.
وأخرجه الطبراني (8869 و8875) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، به، وزاد:"فإن صام صام ثلاثاً من الشهر".
وله طرق أخرى عند عبد الرزاق والطبراني
(2)
في (م): "وكذلك"، ويشبه أن تكون هكذا في (غ).
(3)
في (ر): "أسوة حسنة"، وأشار الناسخ إلى حذف قوله:"حسنة".
(4)
انظر: "مواهب الجليل شرح مختصر خليل"(1/ 410)، و"الموافقات"(2/ 250).
(5)
في (ر) و (غ): "صوم".
(6)
أخرجه مسلم (1162)، وتقدم (ص27) من هذا الجزء.
(7)
انظرها في "ترتيب المدارك"(3/ 239).
وقد ذكر المؤلف هذه الحكاية في "الموافقات"(2/ 250) فقال: "ونحو هذا ما حكى عياض عن ابن وهب: أنه آلى أن لا يصوم يوم عرفة أبداً؛ لأنه كان في الموقف يوماً صائماً، وكان شديد الحر، فاشتد عليه. قال: فكان الناس ينتظرون الرحمة، وأنا أنتظر الإفطار".
وَقَدْ جاءَ فِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ لأَهلك عَلَيْكَ حقاً، ولزَوْرِك (1) عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفَسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا"(2)، فَإِذَا انْقَطَعَ إِلى عِبَادَةٍ لَا تَلْزَمُهُ فِي الأَصل، فَرُبَّمَا أَخلّ بشيءٍ مِنْ هَذِهِ الْحُقُوقِ.
وَعَنْ أَبي جحيفة رضي الله تعالى عنه؛ قال: آخَى (3) رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ سَلْمَانَ وأَبي الدَّرْداءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبا الدَّرْدَاءِ (4)، فرأَى أُم الدَّرْدَاءِ متبذِّلة، فَقَالَ: مَا شأْنك مُتَبَذِّلَةً؟ قَالَتْ: إِن أَخاك أَبا الدَّرْدَاءِ ليس (5) لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا. قَالَ: فَلَمَّا جاءَ أَبو الدَّرْدَاءِ قَرَّبَ إِليه طَعَامًا، فَقَالَ (6): كُلْ فإِني صَائِمٌ؛ قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تأْكل. قَالَ: فأَكل، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبو الدَّرْدَاءِ لِيَقُومَ، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: نَمْ، فَنَامَ ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ لَهُ: نَمْ، فَنَامَ (7)، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ قَالَ لَهُ سلمان: قم الآن، فقاما (8) فصلَّيا، فقال (9): إِن لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولضيفك عليك حقاً، وإن لأهلك (10) عَلَيْكَ حَقًّا، فأَعط لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فأَتيا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ:"صَدَقَ سَلْمَانُ". قَالَ التِّرْمِذِيُّ (11): "صَحِيحٌ".
وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ جَمَعَ التَّنْبِيهَ عَلَى حَقِّ الأَهل بالوطءِ وَالِاسْتِمْتَاعِ، وَمَا يَرْجِعُ إِليه، والضيف بالخدمة والتّأْنِيس والمُوَاكلة وَغَيْرِهَا، وَالْوَلَدِ بِالْقِيَامِ عَلَيْهِمْ بِالِاكْتِسَابِ وَالْخِدْمَةِ، وَالنَّفْسِ بِتَرْكِ إِدْخَالِ المشقَّات عَلَيْهَا، وَحَقِّ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ بِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ، وَبِوَظَائِفَ أُخر؛ فَرَائِضَ وَنَوَافِلَ آكد مما هو فيه.
(1) في (خ): "ولزوارك".
(2)
تقدم تخريجه (ص157).
(3)
قوله: "آخى" مكرر في (خ).
(4)
قوله: "فزار سلمان أبا الدرداء" سقط من (ر) و (غ).
(5)
في (خ): "ليست".
(6)
في (غ) و (ر): "قال".
(7)
قوله: "فنام" سقط من (ر) و (غ).
(8)
في (غ) و (ر): "فقام".
(9)
في (خ): "فقال سلمان".
(10)
في (خ): "ولأهلك".
(11)
في "جامعه"(2413)، وعنه أخذ المصنف هذا الحديث، وفاته أن البخاري أخرجه في "صحيحه"(1968).
والواجب أَن يُعْطَى كُلُّ (1) ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وإِذا الْتَزَمَ الإِنسان أَمراً مِنَ الأُمور الْمَنْدُوبَةِ، أَو أَمرين، أَو ثَلَاثَةً، فَقَدْ يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنِ الْقِيَامِ بِغَيْرِهَا، أَو عن إكماله (2) عَلَى وَجْهِهِ، فَيَكُونُ مَلُوماً.
وَالثَّالِثُ: خَوْفُ كَرَاهِيَةِ النَّفْسِ لِذَلِكَ الْعَمَلِ المُلْتَزَم؛ لأَنه قَدْ فُرِضَ (3) من جنس ما يشق الدوام عليه، فبدخول (4) المشقة لَا يُقَرِّبُ (5) مِنْ وَقْتِ الْعَمَلِ إِلا وَالنَّفْسُ تَشْمَئِزّ مِنْهُ، وتَوَدّ لَوْ لَمْ تَعْمَلْ، أَو تتمنَّى لَوْ لَمْ تَلْتَزِمْ، وإِلى هَذَا الْمَعْنَى يشير حديث عائشة رضي الله تعالى عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنه قَالَ:"إِن هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فأَوْغِلُوا فيه بِرِفْق، ولا تُبَغِّضوا إِلى أنفسكم (6) عِبَادَةَ اللَّهِ، فإِن الْمُنْبَتَّ لَا أَرضاً قَطَعَ وَلَا ظَهَرًا أَبقى"(7). فشبَّه المُوغِلَ بالعُنْف بالْمُنْبَتّ؛ وهو المنقطع في بعض الطريق تَعْنِيفًا عَلَى الظَّهْرِ ـ وَهُوَ الْمَرْكُوبُ ـ حَتَّى وَقَفَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى السَّيْرِ، وَلَوْ رَفَقَ بِدَابَتِهِ (8) لوصل إِلى رأْس المسافة.
(1) في (خ): "لكل".
(2)
في (خ) و (م): "كماله".
(3)
في (غ) و (ر): "لأنه بالفرض".
(4)
في (خ): "فتدخل"، وفي (م):"فيدخل".
(5)
في (خ): "بحيث لا يقرب".
(6)
في (خ): "لأنفسكم".
(7)
أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان"(3885) من طريق علي بن معبد، عن عبيد الله بن عمرو، عن محمد بن سوقة، عن محمد بن المنكدر، عن عائشة رضي الله عنها، به.
قال البيهقي: "ورواه أبو عقيل يحيى بن المتوكل، عن محمد بن سوقة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، ورواه أبو معاوية، عن محمد بن سوقة، عن محمد بن المنكدر، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً، وهو الصحيح. وقيل غير ذلك".
فما دام الراجح إرساله، فهو ضعيف.
وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وسيأتي في (ص173)، وآخر مختصر من حديث أنس بن مالك، ولا يصح شيء منهما، ولا يثبت الحديث من هذه الطرق، فانظر الكلام عليه مُطَوَّلاً إن شئت في "كشف الخفاء"(1/ 300)، و (2/ 284)، و"الأجوبة المرضية" للسخاوي (1/ 10 ـ 15 رقم 2) وحاشية المحقق، وحاشية الشيخ مشهور بن حسن على "الموافقات"(2/ 236)، وحاشية الشيخ عبد الرحمن الفريوائي على "الزهد" لوكيع (234).
(8)
في (ر) و (غ): "على دابته".
فَكَذَلِكَ الإِنسان عُمُرُهُ مَسَافَةٌ، وَالْغَايَةُ الْمَوْتُ، وَدَابَّتُهُ نفسه، فكما هو مطلوب بِالرِّفْقِ عَلَى الدَّابَّةِ حَتَّى يَصِلَ بِهَا، فَكَذَلِكَ هُوَ مَطْلُوبٌ بِالرِّفْقِ (1) بِنَفْسِهِ حَتَّى يَسْهُلَ عَلَيْهَا قَطْعُ مَسَافَةِ الْعُمُرِ؛ بِحِمْلِ التَّكْلِيفِ، فَنَهَى فِي الْحَدِيثِ عَنِ التسبُّب فِي تَبْغِيض الْعِبَادَةِ لِلنَّفْسِ، وَمَا نَهَى الشَّرْعُ عَنْهُ لَا يَكُونُ حَسَنًا.
وخرَّج الطبري (2) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: لما نزلت: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا *} {وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا *} : دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلِيًّا وَمُعَاذًا فَقَالَ: "انْطَلِقَا فبشِّرا، ويَسِّرا وَلَا تعسِّرا، فإِني قد أُنزلت عليَّ:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا *وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا *} .
وخرَّج مُسْلِمٌ (3) عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبي بُرْدَةَ عَنْ أَبيه، عَنْ جَدِّهِ: أَن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَهُ وَمُعَاذًا إِلى الْيَمَنِ، فَقَالَ:"بشِّرا وَلَا تُنَفِّرا، ويَسِّرا وَلَا تُعَسِّرا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا".
وَعَنْهُ (4): أَن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذا بَعَثَ أَحداً مِنْ أَصحابه فِي بَعْضِ أَمره قَالَ: "بشِّروا وَلَا تُنَفِّروا، ويَسِّروا وَلَا تُعَسِّروا"، وَهَذَا نَهْيٌ عَنِ التَّعْسِيرِ الَّذِي الْتِزَامُ (5) الْحَرَجِ في التعبد نوع منه.
(1) من قوله: "على الدابة" إلى هنا سقط من (خ) و (غ) و (ر)، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: كذا في الأصل!.
(2)
لم أجده في "تفسيره"، ولا في المطبوع من "تهذيب الآثار"، ولا في "تاريخه".
وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "تفسير ابن كثير"(6/ 430)، والطبراني في "المعجم الكبير"(11/ 247 ـ 248 رقم 11841)، كلاهما من طريق عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي، عن شيبان، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، به.
وعبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي هذا ضعيف؛ قال أبو حاتم: "ليس بقوي"، وضعفه الدارقطني في رواية، وفي أخرى قال:"متروك الحديث"، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال:"يعتبر حديثه من غير روايته عن أبيه". انظر: "الضعفاء" لابن الجوزي (1897)، و"ميزان الاعتدال"(7871)، و"لسان الميزان"(5113).
(3)
برقم (1733)، وأخرجه البخاري أيضاً (3038).
(4)
عند مسلم أيضاً (1732).
(5)
في (غ) و (ر) و (م): "إلزام".
وَفِي الطَّبَرِيِّ (1) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (2) قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى رَجُلٍ يُصَلِّي عَلَى صَخْرَةٍ بِمَكَّةَ، فأَتى نَاحِيَةَ مَكَّةَ، فَمَكَثَ مَلِيًّا، ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَجَدَ الرجل يصلي على حاله، فقال:"يا أَيُّهَا (3) النَّاسُ! عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ وَالْقِسْطِ ـ ثَلَاثًا ـ، فإِن الله لا يَمَلُّ (4) حَتَّى تَمَلّوا".
وَعَنْ بُرَيْدَةَ الأَسْلمي (5): أَن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رأَى رَجُلًا يصلي، فقال: "من
(1) لعله في المفقود من "تهذيب الآثار"، فإني لم أجده في شيء من كتب الطبري المطبوعة.
والحديث أخرجه ابن ماجه (4241)، وأبو يعلى (1796 و1797)، ومن طريقه ابن حبان في "صحيحه"(357/الإحسان)، كلاهما من طريق عيسى بن جارية، عن جابر رضي الله عنه، به.
وسنده ضعيف؛ فعيسى بن جارية الأنصاري المدني: فيه لين كما في "التقريب"(5323).
وقوله صلى الله عليه وسلم: "فإن الله لن يملّ حتى تملوا" مخرج في "صحيح البخاري"(1970)، ومسلم (782).
(2)
في (م): "جابر أن عبد الله".
(3)
في (خ) و (م): "أيها".
(4)
في (خ) و (م): "لن يمل".
(5)
كذا ذكر المصنف! والراوي إنما هو محجن بن الأدرع، فالظاهر أن المصنف رأى ذكر بريدة في أول الحديث، ثم اختصره فأخذ آخره؛ وهو موضع الشاهد.
فالحديث أخرجه الطيالسي (1295 و1296)، وأحمد في "المسند"(4/ 338)، أما الطيالسي فمن طريق أبي عوانة، وأما أحمد فمن طريق شعبة، كلاهما عن أبي بشر ـ جعفر بن إياس ـ، عن عبد الله بن شقيق، عن رجاء بن أبي رجاء؛ قال: كان بريدة على باب المسجد، فمرّ مِحْجن عليه وسَكَبَة يصلي، فقال بريدة ـ وكان فيه مزاح ـ لمحجن: ألا تصلي كما يصلي هذا؟ فقال محجن: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيدي، فصعد على أحد، فأشرف على المدينة، فقال:"ويل أمها قرية يدعها أهلها خير ما تكون ـ أو كأخير ما تكون ـ، فيأتيها الدجال فيجد على كل باب من أبوابها ملكاً مصلتاً بجناحه، فلا يدخلها". قال: ثم نزل وهو آخذ بيدي، فدخل المسجد، وإذا هو برجل يصلي، فقال لي:"من هذا؟ " فأثنيت عليه خيراً، فقال:"اسكت! لا تُسمعه فتهلكه". قال: ثم أتى حجرة امرأة من نسائه، فنفض يده من يدي، قال:"إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره". وهذا لفظ أحمد.
وفي سنده رجاء بن أبي رجاء الباهلي، البصري، وهو مقبول كما في "التقريب"(1932).
هَذَا؟ " فَقُلْتُ: هَذَا فُلَانٌ، فَذَكَرْتُ مِنْ عِبَادَتِهِ وَصَلَاتِهِ، فَقَالَ: "إِن خَيْرَ دِينِكُمْ أَيسره" (1).
وَهَذَا مشعر بِعَدَمِ الرِّضَا بِتِلْكَ الْحَالَةِ، وإِنما ذَلِكَ مَخَافَةَ الكراهية للعمل، وكراهية العمل مظنَّة الترك (2) الَّذِي هُوَ مَكْرُوهٌ لِمَنْ أَلزم نَفْسَهُ لأَجل نَقْضِ الْعَهْدِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الرَّابِعُ.
وَقَدْ مَرَّ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فإِن قوله صلى الله عليه وسلم:"فإِن الْمُنْبَتَّ لا أَرضاً قَطَع، ولا ظهرا أَبقى" مع قوله: "ولا تُبَغِّضوا إِلى أَنفسكم (3) عبادة الله (4) " يَدُلُّ عَلَى أَن بُغْضَ الْعَمَلِ وَكَرَاهِيَتَهُ مَظِنَّةُ الانقطاع، ولذلك مثّل صلى الله عليه وسلم بالْمُنْبَتّ ـ وَهُوَ الْمُنْقَطِعُ (5) عَنِ اسْتِيفَاءِ الْمَسَافَةِ ـ، وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:{فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} عَلَى التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ.
وَالْخَامِسُ: الْخَوْفُ مِنَ الدُّخُولِ تَحْتَ الْغُلُوِّ فِي الدِّينِ، فإِن الْغُلُوَّ هُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي الْأَمْرِ، وَمُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فِيهِ إِلى حَيِّز الْإِسْرَافِ، وَقَدْ دلَّ عَلَيْهِ مِمَّا تَقَدَّمَ أَشياء، حيث قال صلى الله عليه وسلم: "يَا أَيها النَّاسُ! عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ (6)
…
"، الْحَدِيثَ (7).
وَقَالَ الله عز وجل: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} (8).
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قال لي رسول الله (ص) غَدَاةَ الْعَقَبَة: "الْقُطْ (9) لِي حَصَيَاتٍ (10) مِنْ حَصَى الخَذْف، فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ (11) قَالَ: "بأَمثال هَؤُلَاءِ (12)، إِياكم وَالْغُلُوَّ في الدين! فإِنما هلك مَن
(1) في (خ): "يسره".
(2)
في (خ) و (م): "للترك".
(3)
في (خ): "إلى نفسكم".
(4)
في (خ): "العبادة".
(5)
قوله: " (ص) بالمنبت وهو المنقطع" مكرر في (م).
(6)
في (خ): "أنفسكم بالقصد".
(7)
تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
(8)
سورة النساء: الآية (171)، وسورة المائدة: الآية (77).
(9)
في (خ): "اجمع"بدل "القط"، وسقط من أصل (م) وأثبت في الهامش هكذا:"أبغ".
(10)
في (ر) و (غ): "حصاة".
(11)
في (غ) و (ر): "وضعتهن بيده".
(12)
في (خ): "فأمثال هؤلاء، ما مثل هؤلاء".
كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ (1) ".
فأَشار إِلى أَن الْآيَةَ فِي النَّهْيِ عَنِ الْغُلُوِّ يَشْتَمِلُ مَعْنَاهَا عَلَى كُلِّ مَا هُوَ (2) غُلُوٌّ وإِفراط، وأَكثر هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمُقَيَّدَةِ آنِفًا، خَرَّجَهَا (3) الطَّبَرِيُّ (4).
وخرَّج أَيضاً (5) عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ؛ قَالَ: "كَانَ يُقَالُ: اعْمَلْ وأَنت مُشْفِق، وَدَعِ الْعَمَلَ وأَنت تحبه، عملٌ دَائِمٌ وإِن قَلّ (6) ".
وأَتى معاذاً رجُلٌ فقال: أَوصني؛ قال: أَمطيعني أَنت؟ قَالَ: نَعَمْ؛ قَالَ (7): صَلّ وَنَمْ، وصُمْ وأَفطر (8)، واكْتَسِبْ، وَلَا تأْت اللَّهَ إِلا وأَنت مسلم، وإِياك ودعوة المظلوم! (9).
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(13907)، وأحمد في "المسند"(1/ 215 و347)، وابن ماجه (3029)، وابن أبي عاصم في "السنة"(98)، والنسائي (4063)، وأبو يعلى (2427 و2472)، وابن الجارود (473)، وابن خزيمة (2867 و2868)، وابن حبان (3871/الإحسان)، والحاكم (1/ 466)، جميعهم من طريق عوف بن أبي جميلة، عن زياد بن حصين، عن أبي العالية، عن ابن عباس، به.
وسنده صحيح، وصححه الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله في "الصحيحة"(1283)، وحكى تصحيحه أيضاً عن النووي وشيخ الإسلام ابن تيمية.
(2)
في (ر) و (غ): "من هو".
(3)
في (خ): "أخرجها".
(4)
في المفقود من "تهذيب الآثار" فيما يظهر.
(5)
وأخرجه ابن المبارك في "الزهد"(1333)، ووكيع في "الزهد"(232)، والمروزي في "زوائد الزهد"(1110)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(34971)، جميعهم من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن يحيى بن جعدة أنه قال:"كان يقال: اعمل وأنت مشفق، ودع العمل وأنت تحبه، عمل صالح دائم وإن قلّ".
ورجاله ثقات، إلا أن حبيب بن أبي ثابت كثير الإرسال والتدليس كما في "التقريب"(1092)، ولم يصرِّح بالسماع.
(6)
كذا في النسخ الثلاث، إلا أن هناك علامة على هذا الموضع في (خ)، وكتب في الهامش:"خير من عمل كثير منقطع"؛ على أنه تكملة لكلام يحيى بن جعدة، وكأنه بخط الناسخ.
(7)
في (خ): "قل".
(8)
في (خ): "وأفطر وصم".
(9)
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"(34686)، والإمام أحمد في "الزهد"(ص225)،=
وعن إِسحاق بن سُويد (1) قال: تعبَّدَ عبدُ الله (2) بن مُطَرِّف، فقال له مُطَرِّف (3):"يَا عَبْدَ اللَّهِ! الْعِلْمُ أَفضل مِنَ الْعَمَلِ، وَالْحَسَنَةُ بَيْنَ السَّيِّئَتَيْنِ، وَخَيْرُ الأُمور أَوسطها، وشر السَّيْر الحَقْحَقَةُ (4) ".
ومعنى قوله: "الْحَسَنَةَ بَيْنَ السَّيِّئَتَيْنِ": أَنَّ الْحَسَنَةَ هِيَ الْقَصْدُ والعدل، والسيئتان (5): مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ وَالتَّقْصِيرُ، وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَى مَعْنَاهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ
…
} الْآيَةَ (6)، وَقَوْلُهُ: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا
…
} الآية (7). ومعنى الحَقْحَقَة: أَرفع السير، وأَتعبه للظهر (8)، وهو راجع إِلى الغلو والإفراط.
=وأبو نعيم في "الحلية"(1/ 233)، ثلاثتهم من طريق عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن معاذ، به. وزاد أحمد وأبو نعيم بعد قوله:"وهل أنت مطيعني؟ ": "قال: إني على طاعتك لحريص".
وفي سنده عبد الله بن سَلِمةَ المرادي، الكوفي، وهو صدوق، إلا أنه تغير حفظه كما في "التقريب"(3384).
(1)
في هذا الموضع إشارة لحق في (خ)، وكتب الناسخ ما نصه:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال" على أن الكلام الآتي مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
(2)
في (خ): "لعبد الله" بدل "تعبد عبد الله".
(3)
قوله: "فقال له مطرف" ليس في (خ) و (م).
(4)
قول مطرِّف هذا أخرجه أبو عبيد في "غريب الحديث"(2/ 397 ـ 398)، ومن طريقه البيهقي في "شعب الإيمان"(3888)، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (2/ 209)، كلاهما من طريق إسماعيل بن عليَّة، عن إسحاق بن سويد، به.
وسنده صحيح.
وأخرجه الطبري في "تفسيره"(19/ 300) من طريق كعب بن فروخ، عن قتادة، عن مطرِّف بن عبد الله قال:"خير هذه الأمور أوساطها، والحسنة بين السيئتين". فقلت لقتادة: ما الحسنة بين السيئتين؟ فقال: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا}
…
} الآية.
وأخرجه الدارمي في "سننه"(1/ 100) من طريق المسعودي، عن عون بن عبد الله، عن مطرِّف بن عبد الله بن الشخِّير أنه قال لابنه:"يا بني! إن العلم خير من العمل بلا علم".
(5)
في (خ): "والسيئتين".
(6)
سورة الإسراء: الآية (29).
(7)
سورة الفرقان: الآية (66).
(8)
في (خ): "وإتعاب الظهر"، ويبدو أنها كانت في (م) كما هو مثبت هنا، وحاول أحد=
وَنَحْوُهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُرّة الجُعْفي قَالَ: "الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ، وَالْحَسَنَةُ بَيْنَ السَّيِّئَتَيْنِ"(1).
وَعَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ (2): إِن هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فلا تُقَذِّرْ (3) إِليك دِينَ اللَّهِ، وأَوْغِل بِرِفْقٍ، فإِن المُنْبَتّ لم يقطع بُعْداً ولم يَسْتَبْقِ ظهراً، اعمل (4) عَمَلَ المرءِ الَّذِي يَرَى أَنه لَا يَمُوتُ إِلا هرماً (5)، وَاحْذَرْ حَذَرَ المرءِ الَّذِي يَرَى أَنه يَمُوتُ غَدًا.
وخرَّج ابْنُ وَهْبٍ نَحْوَهُ عَنْ عَبْدِ الله بن عمرو (6) بن العاص (7).
=المطالعين إصلاحها كما في (خ)، فصعب عليه ذلك، وصعبت قراءتها، فكتب في الهامش:"وإتعاب"، ولم يتعرض لقوله:"للظهر".
(1)
أخرجه ابن جرير الطبري في "تفسيره"(19/ 300) من طريق ابن حميد، عن حكام، عن عنبسة، عن العلاء بن عبد الكريم، عن يزيد بن مرة الجعفي، به.
وابن حميد هو محمد بن حميد الرازي، وهو متهم بالكذب؛ اتهمه جمع من الأئمة، منهم أبو حاتم وأبو زرعة وصالح جزرة وغيرهم كما في "تهذيب الكمال"(25/ 97 ـ 108).
(2)
لم أجد رواية كعب الأحبار هذه.
(3)
في (خ): "فلا تبغض".
(4)
في (خ): ""واعمل".
(5)
في (خ): "اليوم" بدل "إلا هرماً"، وفي (م):"إلا يوماً".
(6)
في (خ): "عمر".
(7)
أخرجه ابن المبارك في "الزهد"(1334) عن محمد بن عجلان: أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق، ولا تبغضوا إلى أنفسكم عبادة الله، فإن المنبتّ لا بَلَغَ بُعداً، ولا أبقى ظهراً. واعمل عمل امرئٍ يظن أنه لا يموت إلا هرماً. واحذر حذر امرئٍ يحسب أنه يموت غداً".
وسنده منقطع إن لم يكن معضلاً، فمحمد بن عجلان لم يدرك عبد الله بن عمرو بن العاص.
وخولف فيه عبد الله بن المبارك.
فأخرجه البيهقي في "السنن"(3/ 19)، وفي "شعب الإيمان"(3886) من طريق أبي صالح، عن الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن مولى لعمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي صلى الله عليه وسلم، به هكذا مرفوعاً، وفيه ذكر الواسطة بين ابن عجلان وعبد الله بن عمرو.
ورواية ابن المبارك أرجح من هذه، مع أن كلا الطريقين ضعيف، لكن رواية الليث هذه يرويها عنه كاتبه أبو صالح عبد الله بن صالح الجهني وهو صدوق، إلا أنه كثير الغلط، وفيه غفلة، وهو ثبت في كتابه كما في "التقريب"(3409).
ومولى عمر بن عبد العزيز مجهول لا يدرى من هو.
وَهَذِهِ إِشارة إِلى الأَخذ بِالْعَمَلِ الَّذِي يَقْتَضِي المداومة عليه من غير حرج.
وعن عمير (1) بن إِسحاق قال (2): لَمَنْ (3) أَدركت مِنْ أَصحاب رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَكثر مِمَّنْ سَبَقَنِي مِنْهُمْ، فَمَا رأَيت قَوْمًا أَيسر سِيرَةً، وَلَا أَقل تَشْدِيدًا مِنْهُمْ (4).
وَقَالَ الْحَسَنُ: دِينُ اللَّهِ وُضِعَ فَوْقَ التَّقْصِيرِ وَدُونَ الْغُلُوِّ (5).
والأَدلة فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ (6)، جَمِيعُهَا رَاجِعٌ إِلى أَنه لَا حَرَجَ فِي الدِّينِ. وَالْحَرَجُ كَمَا يَنْطَلِقُ عَلَى الْحَرَجِ الْحَالِيِّ ـ كَالشُّرُوعِ فِي عِبَادَةٍ شَاقَّةٍ فِي نَفْسِهَا ـ، كذلك ينطلق على الحرج المآلي (7)؛ إذا (8) كَانَ الحرجُ لَازِمًا مَعَ الدَّوَامِ؛ كَقِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو (9) رضي الله عنهما، وَغَيْرِ ذَلِكَ (10) مِمَّا تَقَدَّمَ. مَعَ أَن الدَّوَامَ مَطْلُوبٌ حسبما اقتضاه قول أَبي أُمامة (11)
(1) في (خ) و (م): "وعن عمر".
(2)
في (م): "قا"، وهذا وقع بسبب تصويبها والكلامة التي تليها بخط مغاير فيما يظهر.
(3)
قوله: "لمن" سقط من (خ)، وهو مصوب في (م) كما ذكرت في التعليق السابق.
(4)
أخرجه ابن سعد في "الطبقات"(7/ 220)، وابن أبي شيبة في "المصنف"(35549)، والدارمي في "سننه"(1/ 51)، وعبد الله بن أحمد في "زوائد فضائل الصحابة"(1959)، وابن عدي في "الكامل"(5/ 69)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(1049)، جميعهم من طريق عبد الله بن عون، عن عمير بن إسحاق؛ قال: كان من أدركت
…
فذكره.
وسنده صحيح إلى عمير بن إسحاق.
وعمير بن إسحاق أبو محمد مولى بني هاشم هذا مقبول كما في "التقريب"(5214)، وانظر الموضع السابق من "الكامل" لابن عدي.
(5)
أخرجه الإمام أحمد في "الزهد"(ص344) من طريق محمد بن جعفر، عن عوف، عن الحسن، فذكره.
وسنده صحيح.
(6)
قوله: "كثيرة" ليس في (خ).
(7)
أي: الذي يصير إليه حال الإنسان ويرجع.
(8)
كذا في جميع النسخ، وأثبتها رشيد رضا:"إذ"!.
(9)
في (خ): "عمر".
(10)
في (خ): "وغيرها".
(11)
المتقدم (ص149).
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} ، وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"أَحب الْعَمَلِ إِلى اللَّهِ مَا دَاوَمَ (1) عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وإِن قَلّ (2) ". فَلِذَلِكَ كَانَ صلى الله عليه وسلم إِذا عَمِلَ عَمَلًا أَثبته (3)، حَتَّى قَضَى رَكْعَتَيْ (4) ما بعد الظهر (5) بعد العصر (6).
هذا وإِن (7) كَانَ الْعَامِلُ لَا يَنْوِي الدَّوَامَ فِيهِ، فَكَيْفَ به (8) إِذا عَقَدَ فِي نِيَّتِهِ أَن لَا يَتْرُكَهُ؟ فَهُوَ أَحرى بِطَلَبِ الدَّوَامِ، فَلِذَلِكَ (9) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو (10):"يَا عَبْدَ اللَّهِ! لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ الليل"، وهو حديث صحيح (11). فنهاه صلى الله عليه وسلم أَن يَكُونَ مِثْلَ فُلَانٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي كراهيته للترك (12) مِنْ ذَلِكَ الْفُلَانِ (13) وَغَيْرِهِ.
فَالْحَاصِلُ: أَن هَذَا الْقِسْمَ الَّذِي هُوَ مَظِنَّة للمشقَّة عِنْدَ الدَّوَامِ: مطلوب الترك لعلّة أَكثرية يُفْهَمُ (14) عند تقريرها (15) أَنها إِذا فُقِدَتْ زَالَ طَلَبُ التَّرْكِ، وإِذا ارْتَفَعَ طَلَبُ التَّرْكِ رَجَعَ إِلى أَصل الْعَمَلِ؛ وَهُوَ طَلَبُ الْفِعْلِ.
فَالدَّاخِلُ فِيهِ عَلَى الْتِزَامِ شَرْطِهَ دَاخِلٌ فِي مَكْرُوهٍ ابْتِدَاءً مِنْ وَجْهٍ؛ لِإِمْكَانِ عدم الوفاءِ بالشرط، وفي مندوبٍ (16) إِليه حَمْلًا عَلَى ظَاهِرِ الْعَزِيمَةِ عَلَى الْوَفَاءِ.
فَمِنْ حَيْثُ النَّدْبُ أَمره الشَّارِعُ بِالْوَفَاءِ؛ وَمِنْ حَيْثُ الْكَرَاهِيَةُ كَرِهَ لَهُ أَن يَدْخُلَ فِيهِ.
(1) في (خ) و (م): "ما دام".
(2)
أخرجه البخاري (1970)، ومسلم (782).
(3)
كما في "صحيح مسلم"(746/ 141) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(4)
في (غ) و (ر) و (خ): "ركعتين".
(5)
في (خ): "مابين الظهر والعصر" بدل "ما بعد الظهر".
(6)
أخرجه البخاري (1233 و4370).
(7)
في (خ): "إن".
(8)
قوله: "به" ليس في (خ) و (م).
(9)
في (غ) و (ر): "ولذلك".
(10)
في (خ) و (م): ""لعبد الله بن عمر".
(11)
متفق عليه، وتقدم تخريجه (ص162).
(12)
في (خ): "كراهة الترك".
(13)
في (خ): "لفلان".
(14)
في (خ): "تفهم"، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: كذا في نسختنا! ولعل الأصل: لعلّة كثرته، ففهم. اهـ.
(15)
في (خ) و (م): "تقريره".
(16)
في (خ): "المندوب".
وحين صارت الكراهية (1) هي المُقَدَّمة كان دخوله في العمل بقصد (2) الْقُرْبَةِ يُشْبِهُ الدُّخُولَ فِيهِ بِغَيْرِ أَمر، فأَشبه الْمُبْتَدِعَ الدَّاخِلَ فِي عِبَادَةٍ غَيْرِ مأْمور بِهَا. فَقَدْ يُسْتَسْهَلُ بِهَذَا (3) الِاعْتِبَارِ إِطلاق الْبِدْعَةِ عَلَيْهَا كَمَا اسْتَسْهَلَهُ أَبو أُمامة رضي الله عنه (4).
وَمِنْ حَيْثُ كَانَ الْعَمَلُ مأْموراً بِهِ ابْتِدَاءً قَبْلَ النَّظَرِ فِي الْمَآلِ، أَو مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْمَشَقَّةِ، أَو مَعَ اعْتِقَادِ الْوَفَاءِ بِالشَّرْطِ: أَشبه صاحبُه مَنْ دَخَلَ فِي نَافِلَةٍ قَصْدًا للتعبُّد بِهَا، وَذَلِكَ صَحِيحٌ جارٍ عَلَى مُقْتَضَى أَدلة النَّدْبِ، وَلِذَلِكَ أَمر بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ بِالْوَفَاءِ، كَانَ نَذْرًا أَو الْتِزَامًا بِالْقَلْبِ غَيْرَ نَذْرٍ، وَلَوْ كَانَ بِدْعَةً دَاخِلَةً فِي حَدِّ الْبِدْعَةِ لَمْ يُؤْمَرْ بِالْوَفَاءِ، وَلَكَانَ عَمَلُهُ بَاطِلًا.
وَلِذَلِكَ جاءَ فِي الْحَدِيثِ: أَن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رأَى رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْسِ، فَقَالَ:"مَا بَالُ هَذَا؟ " فَقَالُوا: نَذَرَ أَن لَا يَسْتَظِلَّ، وَلَا يَتَكَلَّمَ، وَلَا يَجْلِسُ، وَيَصُومَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"مره (5) فليجلس وليتكلم ويَسْتَظِلّ (6)، وَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ"(7).
فأَنت تَرَى كَيْفَ أَبطل عَلَيْهِ التعبُّد (8) بِمَا لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ البتَّةَ (9)، وأَمره بِالْوَفَاءِ بِمَا هُوَ مَشْرُوعٌ فِي الأَصل، فَلَوْلَا أَنَّ لِلْفَرْقِ (10) بَيْنَهُمَا مَعْنًى لَمْ يَكُنْ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا مَعْنًى مَفْهُومٌ. وأَيضاً فإِذا كَانَ الدَّاخِلُ مأْموراً بِالدَّوَامِ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَن يَكُونَ الدُّخُولُ طَاعَةً، بلا بُدٍّ (11)؛ لِأَنَّ الْمُبَاحَ ـ فَضْلًا عَنِ الْمَكْرُوهِ وَالْمُحَرَّمِ ـ لَا يُؤْمَرُ بِالدَّوَامِ عَلَيْهِ، وَلَا نَظِيرَ لِذَلِكَ في الشريعة. وعليه
(1) في (خ): "الكراهة".
(2)
في (خ): "لقصد".
(3)
في (غ) و (ر): "فقد" بدل "بهذا".
(4)
في حديثه المتقدم (ص149).
(5)
في (خ): "مروه".
(6)
في (خ): "وليستظل".
(7)
تقدم تخريجه (ص28).
(8)
في (خ) و (م): "التبدع".
(9)
قوله: "البتة"، ليس في (خ).
(10)
المثبت من (غ)، وفي باقي النسخ:"فلولا الفرق".
(11)
في (خ): "بل لا بد".
يَدُلُّ (1) قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ نَذَرَ أَن يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ (2) "، وَلِأَنَّ اللَّهَ مَدَحَ مَنْ أَوفى بِنَذْرِهِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ:{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} (3) فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ وَتَرْتِيبِ (4) الْجَزَاءِ الْحَسَنِ، وَفِي آيَةِ الْحَدِيدِ:{فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ} (5)، وَلَا يَكُونُ الأَجر إِلا عَلَى مَطْلُوبٍ شَرْعًا.
فتأَمّلوا هَذَا الْمَعْنَى فَهُوَ الَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِ عَمَلُ السَّلَفِ الصَّالِحِ رضي الله عنهم بِمُقْتَضَى الأَدلة، وَبِهِ يَرْتَفِعُ إِشكال التَّعَارُضِ الظَّاهِرِ لِبَادِيَ الرأْي، حَتَّى تَنْتَظِمَ الْآيَاتُ والأَحاديث وَسِيَر مَنْ تقدم، والحمد لله.
غير أَنه يبقى بعد هذا (6) إِشكالان قويان، بالنظر (7) فِي الْجَوَابِ عَنْهُمَا يَنْتَظِمُ مَعْنَى المسأَلة عَلَى تمامه بحول الله (8)، فلنعقد في كل إِشكال فصلاً.
(1) في (خ): "أيد" بدل "يدل".
(2)
أخرجه البخاري (6696 و6700) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(3)
سورة الإنسان: الآية (7).
(4)
في (خ): "وترتب".
(5)
سورة الحديد: الآية (27).
(6)
في (خ): "بعدها".
(7)
في (خ): "وبالنظر".
(8)
قوله: "بحول الله" ليس في (خ).