المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌فَصْلٌ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي شأْن عِيسَى عليه السلام وَمَنِ اتَّبَعَهُ: - الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني - جـ ٢

[الشاطبي الأصولي النحوي]

الفصل: ‌ ‌فَصْلٌ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي شأْن عِيسَى عليه السلام وَمَنِ اتَّبَعَهُ:

‌فَصْلٌ

قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي شأْن عِيسَى عليه السلام وَمَنِ اتَّبَعَهُ: {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَاّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} (1).

فخرَّج عَبْدُ (2) بْنُ حُمَيْدٍ وإِسماعيل بْنُ إِسحاق القاضي وغيرهما (3) عن

(1) سورة الحديد: آية (27).

(2)

في (خ): "عبد الله".

(3)

أخرجه الطيالسي في "مسنده"(376) فقال: حدثنا الصعق بن حزن، عن عقيل الجعدي، عن أبي إسحاق، عن سويد بن غفلة، عن عبد الله بن مسعود فذكره إلى قوله:"يزحف على استه"، وفيه زيادة.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "المسند"(321)، وأبو يعلى في "مسنده" كما في "المطالب العالية"(3038/ 3)، ومحمد بن نصر في "السنة"(ص21)، وابن جرير الطبري في "تفسيره"(23/ 204 ـ 205)، والطبراني في "الكبير"(10/ 220 رقم 10531)، و"الأوسط"(4479)، والحاكم في "المستدرك"(2/ 480)، وأبو نعيم في "الحلية"(4/ 177)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(9510)، جميعهم من طريق الصعق بن حزن، به، وبعضهم ذكره بتمامه، وبعضهم نقص منه.

وأخرجه أيضاً عبد بن حميد والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" وابن المنذر وابن مردويه كما في "الدر المنثور"(8/ 64).

قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، فتعقبه الذهبي بقوله:"ليس بصحيح، فإن الصعق ـ وإن كان موثقاً ـ، فإن شيخه منكر الحديث، قاله البخاري".

وقول البخاري هذا تجده في "التاريخ الكبير"(7/ 53 ـ 54).

والحديث ذكره ابن أبي حاتم في "العلل"(1977)، ونقل عن أبيه قوله:"منكر، لا يشبه حديث أبي إسحاق، ويشبه أن يكون عقيل هذا أعرابياً، والصعق لا بأس به".

وأخرجه ابن أبي حاتم في "التفسير" ـ كما في "تفسير ابن كثير"(8/ 54 ـ 55)، والطبراني في "الكبير"(10357)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه"(747)،=

ص: 143

عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "هَلْ تَدْرِي أَيَّ النَّاسِ أَعلم؟ " قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعلم. قَالَ: "أَعلم النَّاسِ أَبصرهم بِالْحَقِّ إِذا اخْتَلَفَ النَّاسُ، وإِن كَانَ مقصِّراً فِي الْعَمَلِ، وإِن كَانَ يَزْحَفُ عَلَى اسْتهِ (1) وَاخْتَلَفَ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا عَلَى ثِنْتَيْنِ (2) وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، نَجَا مِنْهَا ثَلَاثٌ وَهَلَكَ سَائِرُهَا: فِرْقَةٌ آزَتِ (3) الْمُلُوكَ وَقَاتَلَتْهُمْ عَلَى دِينِ اللَّهِ وَدِينِ عيسى ابن مريم عليهما السلام حَتَّى قُتِلُوا، وَفِرْقَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ طَاقَةٌ بِمُؤَازَاةِ الْمُلُوكِ، فَأَقَامُوا عَلَى دِينِ اللَّهِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ (4) قَوْمِهِمْ، فَدَعَوْهُمْ إِلَى دِينِ اللَّهِ وَدِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فَأَخَذَتْهُمُ الْمُلُوكُ (5)، فَقَتَلَتْهُمْ، وقطَّعتهم بِالْمَنَاشِيرِ. وَفِرْقَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ طَاقَةٌ (6) بمُؤَازَاةِ الْمُلُوكِ، وَلَا بِأَنْ يُقِيمُوا بَيْنَ ظَهَرَانَيْ قَوْمِهِمْ فَيَدْعُوهُمْ إِلى دِينِ اللَّهِ وَدِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (7)، فَسَاحُوا فِي الْجِبَالِ وترهَّبوا فِيهَا، هُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عز وجل فِيهِمْ (8):{وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَاّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} . فالمؤمنون الذين آمنوا بي

=وابن عساكر في "تاريخه"(10/ 313 مخطوط)، جميعهم من طريق بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده عبد الله.

قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(7/ 515): "رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح غير بكير بن معروف، وثقه أحمد وغيره، وفيه ضعف".

وقال ابن حجر في "التقريب"(776) عن بكير هذا: "صدوق فيه لين"، فالحديث ضعيف بهذا الإسناد لأجله.

(1)

في (خ): يشبه أن تكون: "أليتيه".

(2)

في (خ): "اثنتين".

(3)

أي: قاومت؛ من آزَيْتُه: إذا حاذيته، يقال: فلان إزاءٌ لفلان: إذا كان مقاوماً له. انظر "لسان العرب"(14/ 32). وضبطت في (ر): "أزّت"، وعُلِّق عليها في الهامش بما نصه:"أَزّيت الرجل: ساويته".

(4)

في (م): "ظهران"، وكتب في الهامش:"لعله ظهراني".

(5)

من قوله: "فأقاموا على دين الله" إلى هنا سقط من (غ) و (ر).

(6)

في (ر) و (غ): "طاقات".

(7)

من قوله: "حتى قتلوا" إلى هنا سقط من (خ).

(8)

قوله: "فيهم" من (خ) فقط.

(9)

قوله تعالى: "فما رعوها حق رعايتها" سقط من (غ) و (ر).

ص: 144

وصدَّقوا بِي، وَالْفَاسِقُونَ الَّذِينَ كذَّبوا بِي (1) وَجَحَدُوا بي" (2).

وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَحاديث الْكُوفِيِّينَ، وَالرَّهْبَانِيَّةُ فِيهِ بمعنى اعتزال الخلق بالسياحة (3) في الجبال (4)، واطِّراح الدُّنْيَا وَلَذَّاتِهَا مِنَ النساءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَمِنْهُ: لُزُومُ الصَّوَامِعِ والدِّيارات (5) ـ عَلَى مَا كَانَ عليه كثير من النَّصَارَى (6) قَبْلَ الإِسلام ـ، مَعَ الْتِزَامِ الْعِبَادَةِ، وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ.

وَيُحْتَمَلُ أَن يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَاّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ} مُتَّصِلًا وَمُنْفَصِلًا. فإِذا بَنَيْنَا عَلَى الِاتِّصَالِ، فكأَنه يَقُولُ: مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ الْعَمَلُ بِهَا ابتغاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ. فَالْمَعْنَى: أَنها مِمَّا كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ (7)؛ أَي: مِمَّا شُرِعَتْ (8) لَهُمْ، لَكِنْ بِشَرْطِ قَصْدِ الرِّضوان، فما رعوها حق رعايتها؛ يُرِيدُ أَنَّهُمْ تَرَكُوا رِعَايَتَهَا حِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ؛ لأَن قَصْدَ الرِّضْوَانِ إِذا كَانَ شَرْطًا فِي الْعَمَلِ بِمَا شُرِعَ لَهُمْ؛ فَمِنْ حَقِّهِمْ أَن يَتَّبِعُوا ذَلِكَ الْقَصْدَ، فإِلى أَيْنَ سَارَ (9) بِهِمْ سَارُوا، وإِنما شَرَعَ لَهُمْ عَلَى شَرْطِ أَنه إِذا نُسخ بِغَيْرِهِ رجعوا إِلى ما أُحكم وتركوا مَا نُسخ، وَهُوَ مَعْنَى ابْتِغَاءَ الرِّضْوَانِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فإِذا لَمْ يَفْعَلُوا وأَصرُّوا عَلَى الأَوّل كَانَ ذَلِكَ اتِّباعاً لِلْهَوَى لَا اتِّبَاعًا لِلْمَشْرُوعِ، واتباع المشروع هو الذي يحصل به الرضوان، وقصد الرضوان؛ فلذلك قال الله تَعَالَى (10):{فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} . فَالَّذِينَ آمِنُوا هُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الرَّهْبَانِيَّةَ ابتغاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ، وَالْفَاسِقُونَ هُمُ الْخَارِجُونَ عَنِ الدُّخُولِ فِيهَا بِشَرْطِهَا؛ إِذ لَمْ يُؤْمِنُوا بِرَسُولِ اللَّهِ (ص).

(1) قوله: "بى" ليس في (خ).

(2)

قوله: "بي" ليس في (خ) و (م).

(3)

في (خ) و (م): "في السياحة".

(4)

قوله: "في الجبال" ليس في (خ).

(5)

في (خ): "والديارت".

(6)

في (خ) و (م): "عليه أمر النصارى".

(7)

في (غ) و (ر): "كتب لهم".

(8)

في (غ) و (ر): "شرع".

(9)

في (خ): "أسار"، وعلق عليها رشيد رضا بقوله: كذا في الأصل! ولعل صوابه: "أسارهم"، أو:"سار بهم". ومعنى "أساره": جعله يسير كسيره، ولا يظهر معه معنى لباء الملابسة والمصاحبة. اهـ.

(10)

في (خ) و (م): "بذلك قال تعالى".

ص: 145

إِلا أَن هَذَا التَّقْرِيرَ يَقْتَضِي أَن الْمَشْرُوعَ لَهُمْ يُسَمَّى (1) ابْتِدَاعًا، وَهُوَ خِلَافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدُّ الْبِدْعَةِ.

وَالْجَوَابُ أَنه يُسَمَّى (2) بِدْعَةً مِنْ حَيْثُ أَخلّوا بِشَرْطِ الْمَشْرُوعِ، إِذ شَرَطَ عليهم فيه شرط (3) فَلَمْ يَقُومُوا بِهِ. وإِذا كَانَتِ الْعِبَادَةُ مَشْرُوطَةً بشرط فعُمِلَ (4) بِهَا دُونَ شَرْطِهَا لَمْ تَكُنْ عِبَادَةً عَلَى وَجْهِهَا وَصَارَتْ بِدْعَةً، كَالْمُخِلِّ قَصْدًا بِشَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ؛ مِثْلَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، أَو الطَّهَارَةِ، أَو غيرها، بحيث (5) عَرَفَ بِذَلِكَ وعَلِمَه فَلَمْ يَلْتَزِمْهُ، ودأَب عَلَى الصَّلَاةِ دُونَ شَرْطِهَا، فَذَلِكَ الْعَمَلُ مِنْ قَبِيلِ الْبِدَعِ. فَيَكُونُ ترهُّب النَّصَارَى صَحِيحًا قَبْلَ بَعْثِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ (6) صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا بُعث وَجَبَ الرُّجُوعُ عَنْ ذَلِكَ كلِّه إِلى مِلَّتِهِ، فالبقاءُ عَلَيْهِ مَعَ نَسْخِهِ بَقَاءً عَلَى مَا هُوَ بَاطِلٌ بِالشَّرْعِ، وَهُوَ عَيْنُ الْبِدْعَةِ.

وإِذا بَنَيْنَا عَلَى أَن الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ ـ وَهُوَ قَوْلُ فَرِيقٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ ـ، فَالْمَعْنَى: مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ أَصلاً؛ وَلَكِنَّهُمُ (7) ابْتَدَعُوهَا ابتغاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ، فَلَمْ يَعْمَلُوا بِهَا بِشَرْطِهَا، وَهُوَ الإِيمان بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ إِذ بُعث إِلى النَّاسِ كَافَّةً.

وإِنما سُمِّيَتْ بِدْعَةً عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لأَمرين:

أَحدهما: يَرْجِعُ إِلى أَنها بِدْعَةٌ حَقِيقِيَّةٌ ـ كَمَا تَقَدَّمَ ـ؛ لأَنها دَاخِلَةٌ تَحْتَ حَدِّ الْبِدْعَةِ.

وَالثَّانِي: يَرْجِعُ إِلى أَنها بِدْعَةٌ إِضافية؛ لأَن ظَاهِرَ الْقُرْآنِ دَلَّ عَلَى أَنها لَمْ تَكُنْ مَذْمُومَةً فِي حَقِّهِمْ بِإِطْلَاقٍ، بَلْ لأَنهم أَخلّوا بِشَرْطِهَا، فَمَنْ لَمْ يُخِلَّ مِنْهُمْ بِشَرْطِهَا، وَعَمَلِ (8) بِهَا قَبْلَ بَعْثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَصَلَ لَهُ فِيهَا أجر،

(1) في (غ) و (ر): "سمي".

(2)

في (غ) و (ر): "سمي".

(3)

قوله: "فيه شرط" سقط من (خ) و (م).

(4)

في (خ) و (م): "فيعمل".

(5)

في (خ) و (م): "فحيث".

(6)

قوله: "رسول الله" ليس في (غ) و (ر).

(7)

في (غ): "ولكن".

(8)

في (غ) و (ر): "أو عمل".

ص: 146

حَسْبَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: {فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ} ؛ أَي: أَنَّ مَنْ عَمِلَ بِهَا (1) فِي وَقْتِهَا ثُمَّ آمَنَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ بَعْثِهِ وفَّيناه أَجره.

وإِنما قُلْنَا: إِنها فِي هَذَا الْوَجْهِ إِضافية؛ لأَنها لَوْ كَانَتْ حَقِيقِيَّةً لَخَالَفُوا بِهَا شَرْعَهُمُ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ؛ لأَن هَذَا حَقِيقَةُ الْبِدْعَةِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ بها أَجر، بل كانوا يستحقون بها (2) الْعِقَابَ لِمُخَالَفَتِهِمْ لأَوامر اللَّهِ وَنَوَاهِيهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنهم إنما (3) فعلوا ما كان جائزاً لهم فعله، وعند ذلك تكون بدعتهم جائزاً لهم فعلها (4)، فَلَا تَكُونُ بِدْعَتُهُمْ حَقِيقِيَّةً، لَكِنَّهُ يُنْظَرُ عَلَى أَي مَعْنَى أُطْلِقَ عَلَيْهَا لَفْظُ الْبِدْعَةِ، وسيأْتي بعدُ (5) بِحَوْلِ اللَّهِ.

وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَهَذَا الْقَوْلُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الأُمة مِنْهُ حُكْمٌ؛ لأَنه قد (6) نُسِخَ فِي شَرِيعَتِنَا، فَلَا رهبانيَّة فِي الإِسلام (7)، وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي"(8).

عَلَى أَن ابْنَ الْعَرَبِيِّ (9) نَقَلَ فِي الْآيَةِ أَربعة أَقوال: الأَول: مَا تَقَدَّمَ (10). وَالثَّانِي: أَن الرَّهْبَانِيَّةَ رَفْضُ النِّسَاءِ، وَهُوَ الْمَنْسُوخُ فِي شَرْعِنَا (11). وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا (12) اتخاذ الصوامع للعزلة. والرابع: أنها (13)

(1) في (غ) و (ر): "عمل فيها".

(2)

قوله: "بها" ليس في (خ).

(3)

قوله: "إنما" ليس في (خ).

(4)

من قوله: "وعند ذلك تكون" إلى هنا سقط من (خ).

(5)

قوله: "بعد" ليس في (ر).

(6)

قوله: "قد" ليس في (خ) و (م).

(7)

يشير إلى الحديث الآتي تخريجه (ص212).

(8)

هذا جزء من حديث أخرجه البخاري (5063)، ومسلم (1401)، كلاهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

(9)

في "أحكام القرآن"(4/ 1744).

(10)

وهو ما سبق في حديث ابن مسعود (ص144)، والرهبانية فيه بمعنى اعتزال الخلق بالسياحة في الجبال والترهب فيها.

(11)

في (غ) و (ر): "شريعتنا".

(12)

قوله: "أنها" ليس في (خ).

(13)

قوله: "أنها" سقط من (خ).

ص: 147

السِّياحة. قَالَ: وَهُوَ مَنْدُوبٌ إِليه فِي دِينِنَا عِنْدَ فَسَادِ الزَّمَانِ (1).

وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي (2) أَنها بِدْعَةٌ؛ لأَن الَّذِينَ ترهَّبوا قَبْلَ الْإِسْلَامِ إِنما فَعَلُوا ذلك فراراً منهم بدينهم، ثم سُمِّيت (3) بِدْعَةً، وَالنَّدْبُ إِليها يَقْتَضِي أَن لَا ابْتِدَاعَ (4) فِيهَا، فَكَيْفَ يَجْتَمِعَانِ؟ وَلَكِنْ للمسأَلة فِقْهُ (5) يُذكر بحول الله.

وقيل: إِن قوله (6) تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا} معناه (7): أَنهم تَرَكُوا الْحَقَّ، وَأَكَلُوا لُحُومَ الْخَنَازِيرِ، وَشَرِبُوا الْخَمْرَ، وَلَمْ يَغْتَسِلُوا مِنْ جَنَابَةٍ، وَتَرَكُوا الْخِتَانَ، {فَمَا رَعَوْهَا} يعني: الطاعة والملة {حَقَّ رِعَايَتِهَا} ، فالهاءُ رَاجِعَةٌ إِلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، وَهُوَ الْمِلَّةُ الْمَفْهُومُ (8) مَعْنَاهَا مِنْ قَوْلِهِ:{وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً} ؛ لأَنه يَفْهَمُ مِنْهُ أَن ثَمَّ مِلَّةٌ مُتَّبَعَةٌ؛ كَمَا دَلَّ (9) قَوْلُهُ: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ *} (10) على معنى (11) الشَّمْسِ، حَتَّى عَادَ عَلَيْهَا (12) الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ تعالى:{حَتَّى (13) تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} (14)، وَكَانَ الْمَعْنَى عَلَى هَذَا الْقَوْلِ: مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ عَلَى هَذَا (15) الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلُوهُ، وإِنما أَمرناهم بِالْحَقِّ، فَالْبِدْعَةُ فِيهِ إِذاً حَقِيقِيَّةٌ لَا إِضافية، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الَّذِي قَالَ بِهِ أَكثر الْعُلَمَاءِ، فَلَا نَظَرَ فيه بالنسبة إِلى هذه الأُمة.

(1) الذي في أحكام القرآن لابن العربي قوله: الثاني اتخاذ الصوامع للعزلة، وذلك مندوب إليه عند فساد الزمان، اهـ ولم يذكره عند السياحة كما في نقل الشاطبي عنه.

(2)

قوله: "يقتضي" ليس في (غ).

(3)

في (خ): "وسميت"، وفي هامش (م) ما نصه:"ولعلها: سماها".

(4)

في (غ): "أن الابتداع".

(5)

في (خ): "فقد"، ولذا أشكلت العبارة على رشيد رضا، فعلق على قوله:"للمسألة" فقال: كذا! ولعل كلاماً سقط من الناسخ هو "بيان"، أو نحوه. اهـ.

(6)

في (خ): "معنى قوله".

(7)

قوله: "معناه" ليس في (خ).

(8)

في (م): "المفهومة".

(9)

في (غ): "دل عليه".

(10)

سورة ص: الآية (31). وقوله: "الصافنات الجياد" من (ر) فقط.

(11)

قوله: "معنى" من (غ) و (ر) فقط.

(12)

في (م): "عليه".

(13)

قوله تعالى: "حتى" ليس في (خ).

(14)

سورة ص: الآية (32). وعلق رشيد رضا رحمه الله على هذا الموضع بقوله: في تفسير الآية وجه آخر، وهو: أن ضمير "توارت" يرجع إلى الخيل التي عبر عنها بلفظ الخيل. وكذلك ضمير "ردوها علي"، وهذا الوجه أصح لفظاً ومعنى. اهـ.

(15)

قوله: "هذا" ليس في (غ) و (ر).

ص: 148