المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌فَصْلٌ إِذا ثَبَتَ هَذَا، فَكُلُّ مَنْ عَمِلَ عَلَى هَذَا الْقَصْدِ (1) - الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني - جـ ٢

[الشاطبي الأصولي النحوي]

الفصل: ‌ ‌فَصْلٌ إِذا ثَبَتَ هَذَا، فَكُلُّ مَنْ عَمِلَ عَلَى هَذَا الْقَصْدِ (1)

‌فَصْلٌ

إِذا ثَبَتَ هَذَا، فَكُلُّ مَنْ عَمِلَ عَلَى هَذَا الْقَصْدِ (1) فَعَمَلُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لأَنه عَامِلٌ إِما بِغَيْرِ شَرِيعَةٍ؛ لأَنه لَمْ يَتَّبِعْ أدلَّتها (2)، وإِما عَامِلٌ بِشَرْعٍ مَنْسُوخٍ، وَالْعَمَلُ بِالْمَنْسُوخِ مَعَ الْعِلْمِ بِالنَّاسِخِ بَاطِلٌ بِلَا خِلَافٍ؛ لأَن الترهُّب وَالِامْتِنَاعَ مِنَ اللَّذَّاتِ (3) والنساءِ (4) وَغَيْرِ ذَلِكَ إِن كَانَ مَشْرُوعًا فَفِيمَا قَبْلَ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ مِنَ الشَّرَائِعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"لَكِنِّي أَصوم وأُفطر، وأُصلي (5) وَأَرْقُدُ (6)، وأَتزوج النساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي"(7)، وَهُوَ مَعْنَى الْبِدْعَةِ.

فإِن قِيلَ: فَقَدْ تَقَدَّمَ (8) مِنْ نَقْلِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي الرَّهْبَانِيَّةِ: أَنَّهَا السِّيَاحة واتِّخاذ الصَّوَامِعِ للعُزْلَة. قَالَ: وَذَلِكَ مَنْدُوبٌ إِليه فِي دِينِنَا عِنْدَ فَسَادِ الزَّمَانِ.

وَقَدْ بَسَطَ الْغَزَالِيُّ هَذَا الْفَصْلَ فِي "الإِحياء"(9) حين (10) ذَكَرَ الْعُزْلَةِ، وَذَكَرَ فِي كِتَابِ "آدَابِ النِّكَاحِ" (11) مِنْ ذَلِكَ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ. وَحَاصِلُهُ: أَن ذَلِكَ مَشْرُوعٌ، بَلْ هُوَ الأَولى عِنْدَ عُرُوضِ الْعَوَارِضِ، وَعِنْدَمَا يَصِيرُ النِّكَاحُ وَمُخَالَطَةُ النَّاسِ وَبَالًا عَلَى الإِنسان، ومؤدِّياً إِلى اكْتِسَابِ الْحَرَامِ وَالدُّخُولِ

(1) في (ر) و (غ): "العهد".

(2)

في (م): "أدلته".

(3)

قوله: "اللذات" ليس في (خ).

(4)

في (خ): "النساء".

(5)

في (غ): قدم قوله: "وأصلي" على قوله: "وأفطر"، ثم وضع عليهما علامتي التقديم والتأخير (مـ مـ).

(6)

في (خ) و (م): "وأنام".

(7)

تقدم تخريجه (ص147).

(8)

تقدم (ص147).

(9)

(2/ 222).

(10)

في (خ): "عند".

(11)

من "الإحياء"(2/ 22 ـ 37).

ص: 229

فِيمَا لَا يَجُوزُ، كَمَا جاءَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"يُوشِكُ أَن يَكُونَ خيرَ مالِ الْمُسْلِمِ غنمٌ (1) يَتْبَعُ بها شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْر، يَفِرّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَن"(2). وَسَائِرُ مَا جاءَ فِي هَذَا الْمَعْنَى.

وَأَيْضًا فإِن اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً *} (3). والتَّبَتُّلُ ـ عَلَى مَا قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسلم ـ: رَفْضُ الدُّنْيَا؛ مِنْ قَوْلِهِمْ: بَتَلْتُ الحَبْلَ بَتْلاً: إِذا قطعته، ومعناه: انقطع مِنْ كُلِّ شيءٍ إِلا مِنْهُ.

وَقَالَ الْحَسَنُ (4) وغيره: بَتِّل إِليه نفسَكَ واجْتَهِد. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ (5): تفرَّغْ لِعِبَادَتِهِ. هَذَا إِلى مَا جاءَ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنَ الِانْقِطَاعِ إِلى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَفْضِ أَسْبَابِ الدُّنْيَا، والتخلِّي عَنِ الْحَوَاضِرِ إِلى الْبَوَادِي، وَاتِّخَاذِ الخَلَوَات فِي الْجِبَالِ والبَرارِي، حَتَّى إِن بَعْضَ الْجِبَالِ الشاميَّة قد خصَّها الله بالأَولياءِ والمنقطعين؛ كجبل (6) لُبْنَانَ وَنَحْوِهِ.

فَمَا وَجْهُ ذَلِكَ (7)؟

فَالْجَوَابُ: أَن الرَّهبانية إِن كانت بالمعنى (8) المقرَّر في الشرائع (9) الأُوَلِ، فَلَا نسلِّم أَنَّهَا فِي شَرْعِنَا؛ لِمَا تقدم من الأَدلة الدالّة (10) عَلَى نَسْخِهَا، كَانَتْ لعارِضٍ أَوْ لِغَيْرٍ عارِض، إِذ لا رهبانية في الإِسلام (11)،

(1) في (غ) و (ر): "غنماً".

(2)

أخرجه البخاري (19).

(3)

سورة المزمل: الآية (8).

(4)

أخرجه الطبري في "التفسير"(23/ 688) من طريق أشعث بن سَوّار، عن الحسن البصري، وسنده ضعيف لضعف أشعث بن سَوّار؛ كما في "التقريب"(528).

(5)

هو: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ وقوله هذا: أخرجه الطبري في "التفسير"(23/ 689) بسند صحيح إليه.

(6)

في (م) و (خ): "إلى" بدل "كجبل".

(7)

أي: ما وجه كلام ابن العربي؟ وقوله: "ذلك" سقط من (غ) و (ر).

(8)

في (م): "بمعنى".

(9)

في (خ): "في شرائع" وفي (م): "بالشرائع".

(10)

قوله: "الدالة" ليس في (خ).

(11)

تقدم تخريج حديث: "لا رهبانية في الإسلام"(ص27 ـ 28 و212).

ص: 230

وقد ردَّ رسول الله (ص)(1) التبُّتل (2) حَسْبَمَا تَقَدَّمَ (3).

وإِن كَانَتْ بِمَعْنَى الِانْقِطَاعِ إِلى اللَّهِ حَسْبَمَا شَرَع، وَعَلَى (4) حدِّ مَا انْقَطَعَ إِلَيْهِ (5) رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ المُخَاطَب بِقَوْلِهِ:{وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} (6)، فهذا هو الذي نحن في تقريره: أنه (7) السُّنَّة المُتَّبَعَةُ، والهَدْيُ الصَّالِحُ، وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ. وَلَيْسَ فِي كَلَامِ زَيْدِ بْنِ أَسلم وَغَيْرِهِ فِي معنى التبتُّل ما يُنَافِرُ (8) هَذَا الْمَعْنَى؛ لأَن رَفْض الدُّنْيَا لَيْسَ بِمَعْنَى طَرْح اتِّخَاذِهَا جُمْلَةً، وَتَرْكِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، بَلْ بِمَعْنَى تَرْكِ الشُّغل بِهَا عَمَّا كُلِّف الإِنسان بِهِ مِنَ الْوَظَائِفِ الشَّرْعِيَّةِ.

وَاجْعَلْ سِيَرَ السَّلَفِ الصالح فيها (9) مِرْآةً لَكَ تَنْظُرُ فِيهَا مَعْنَى التبتُّل عَلَى وجهه (10)؛ اقْتِداءً بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَلَقَدْ كَانُوا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ مُكْتَسِبِينَ لِلْمَالِ، متمتِّعين (11) بِهِ فِيمَا أُبيح لَهُمْ، مُنْفِقِين لَهُ حَيْثُ نُدبوا، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِقُلُوبِهِمْ مِنْهُ شَيْءٌ، إِذا عَنَّ لَهُمْ أَمر أَو نَهْي، بَلْ قَدَّموا أَمر اللَّهِ وَنَهْيَهُ عَلَى حُظُوظِ أَنْفُسِهِمُ الْعَاجِلَةِ (12) عَلَى وجهٍ لَمْ يُخِلَّ بِحُظُوظِهِمْ فِيهِ، وَهُوَ التوسُّط الذي تقدم تقريره (13).

ثُمَّ نَدَبَهُمُ الشَّارِعُ إِلى اتِّخَاذِ الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ، فَبَادَرُوا إِلى الِامْتِثَالِ، وَلَمْ يَقُولُوا: هُوَ شَاغِلٌ لَنَا عَمَّا أُمرنا بِهِ؛ لأَن هَذَا الْقَوْلَ مُشْعِرٌ بِالْغَفْلَةِ عَنْ مَعْنَى التَّكْلِيفِ بِهِ، فإِن الأَصل الشَّرْعِيَّ: أَن كلَّ مَطْلُوبٍ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُتعبَّد بِهِ إِلى اللَّهِ تَعَالَى، ويُتقرب بِهِ إِلَيْهِ. فَالْعِبَادَاتُ (14) المَحْضَة ظاهرٌ فِيهَا ذَلِكَ، وَالْعَادَاتُ (15) كلُّها إِذا قُصد بِهَا امْتِثَالُ أمر الله عبادات؛ إِلا أنه إِذا

(1) قوله: "رسول الله" ليس في (خ).

(2)

في (ر) و (غ): "المتبتل".

(3)

انظر صفحة (206 ـ 208).

(4)

في (غ) و (ر): "على".

(5)

في (م): "ما انقطع إلى الله".

(6)

سورة المزمل: الآية (8).

(7)

في (خ) و (م): "وأنه".

(8)

في (خ) و (م): "ما يناقض".

(9)

قوله: "فيها" ليس في (خ) و (م).

(10)

في (خ): "على وجه".

(11)

قوله: "متمتعين" سقط من (خ) و (م).

(12)

في (خ): "الفاصلة".

(13)

في (خ) و (م): "ذكره" بدل "تقريره".

(14)

في (ر) و (غ): "بالعبادات".

(15)

في (غ) و (ر) و (خ): "والعبادات".

ص: 231

لم (1) يقصد بها ذلك القصد (2)، ونَحَى (3) بِهَا نَحْوَ الْحَظِّ مُجَرَّداً، فَإِذْ ذَاكَ لَا تَقَعُ مُتَعَبَّداً بِهَا، وَلَا مُثَابًا عَلَيْهَا، وإِن صَحّ وُقُوعُهَا شَرْعًا.

فَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى تَعَالَى عَنْهُمْ قَدْ فَهِمُوا هَذَا الْمَعْنَى، وَلَا يُمْكِنُ مَعَ فَهْمِه أَنْ تَتَعَارَضَ (4) الأَوامر فِي حَقِّهِمْ، وَلَا فِي حَقٍّ مَنْ فَهِمَ مِنْهَا ما فهموا (5)، فالتبتُّل عَلَى هَذَا الْوَجْهِ صَحِيحٌ أَصِيلٌ فِي الْجَرَيَانِ عَلَى السُّنَّةِ، وَكَذَلِكَ كَلَامُ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ صَحِيحٌ إِذا "أَخَذَ هَذَا المأْخذ؛ أي: لا تتبع الهوى (6) وَاتَّبِعْ أَمر رَبِّكَ؛ فإِنه الْعَلِيمُ بِمَا يَصْلُح لَكَ، وَالْقَائِمُ عَلَى تَدْبيرك، وَلِذَلِكَ قَالَ عَلَى أَثرها:{رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً *} (7)؛ أَيْ: فَكَمَا أَنَّهُ (8) وَكِيلٌ لَكَ بِالنِّسْبَةِ إِلى مَا لَيْسَ مِنْ كَسْبِك، فَكَذَلِكَ هُوَ وَكِيلٌ عَلَى مَا هُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ كَسْبك؛ مِمَّا هُوَ (9) تَكْلِيفٌ فِي حَقِّك. وَمِنْ جُمْلَةِ مَا تَوَكّل لَكَ فِيهِ: أَنْ لَا تُدخِل نَفْسَكَ في عملٍ تُحرَج بسببه حالاً أو مآلاً.

وَقَدْ فُسِّرَ التبتُّلُ بأَنه الإِخلاص، وَهُوَ قَوْلُ مجاهد (10) والضحاك (11).

(1) في (خ): "إلا أنه لم"، وفي (م):"إلا أنه ما لم".

(2)

في (غ): "المقصود".

(3)

في (خ) و (م): "يجيء".

(4)

في (م): "يتعارض".

(5)

في (خ): "ما فهموا منها".

(6)

في (خ): "أي: اتبع الهوى"، فأصلحها رشيد رضا هكذا:"أي اتبع الهدى"، ثم علق عليه بقوله: في الأصل: "اتبع الهوى" بالواو، ولعل في الكلام تحريفاً ونقصاً. اهـ ..

(7)

سورة المزمل: الآية (9).

(8)

في (خ): "أي: بك وإنه".

(9)

قوله: "هو" سقط من (ر).

(10)

أخرجه آدم بن أبي إياس في "تفسيره" المطبوع باسم "تفسير مجاهد"(ص700) عن شيبان بن عبد الرحمن النحوي، عن منصور بن المعتمر، عن مجاهد:{وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} ؛ يقول: أخلص إليه إخلاصاً.

وسنده صحيح.

وأخرجه ابن جرير في "تفسيره"(23/ 688) من طريق سفيان الثوري وجرير بن عبد المجيد، كلاهما عن منصور به.

(11)

أخرجه ابن جرير الطبري من الموضع السابق، فقال: حُدِّثت عن الحسين؛ قال: سمعت أبا معاذٍ يقول: ثنا عبيد؛ قال: سمعت الضحاك يقول ـ في قوله: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} ـ؛ قال: أخلص إليه إخلاصاً.

وسنده ضعيف لإبهام شيخ ابن جرير.

ص: 232

وَقَالَ قَتَادَةُ: أَخْلِصْ لَهُ الْعِبَادَةَ وَالدَّعْوَةَ (1).

فَعَلَى هذا التفسير لا مُتَعَلَّق (2) فيها لمَوْرِدِ السؤال.

وإِذا تَقَرَّرَ هَذَا فَالْفِرَارُ مِنَ الْعَوَارِضِ بِالسِّيَاحَةِ (3)، وَاتِّخَاذُ الصَّوَامِعِ، وسُكْنَى الْجِبَالِ وَالْكُهُوفِ؛ إِن كَانَ عَلَى شَرْطِ أَن لَا يُحرِّموا مَا أَحل اللَّهُ مِنَ الأُمور الَّتِي حَرَّمها الرُّهبان، بَلْ عَلَى حدِّ مَا كَانُوا عَلَيْهِ (4) فِي الحَوَاضِر (5) ومَجَامع النَّاسِ، لَا يشدِّدون عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِمِقْدَارِ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، فَلَا إِشكال فِي صِحَّةِ هَذِهِ الرَّهْبَانِيَّةِ، غَيْرَ أَنها لَا تُسَمَّى رَهْبَانِيَّةً إِلا بنوعٍ مِنَ المَجَاز، أَو النَّقْلِ الْعُرْفِيِّ الَّذِي لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ مُعْتَادُ اللُّغَةِ، فَلَا تَدْخُلُ في مقتضى قوله تعالى:{وَرَهْبَانِيَّةً (6) ابْتَدَعُوهَا} (7)، لَا فِي الِاسْمِ، وَلَا فِي الْمَعْنَى.

وإِن كان على التزام ما التزمه الرهبان المتقدمون (8)، فَلَا نسلِّم أَنه فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ مَنْدُوبٌ إِليه ولا مباح، بل هو مما لا يجوز؛ لأَنه كالتشريع (9) بِغَيْرِ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فَلَا يَنْتَظِمُهُ مَعْنَى قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خيرُ مالِ الْمُسْلِمِ غنماً يَتْبَعُ بها شَعَفَ الْجِبَالِ، وَمَوَاقِعَ القَطْر، يَفِرّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ"(10)، وإِنما ينتظمه معنى قوله عليه السلام (11):"مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي"(12).

وأَما مَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ تَفْضِيلِهِ الْعُزْلَةَ على المخالطة، وترجيح العُزْبَةِ على اتّخاذ الأَهل (13) عِنْدَ اعْتِوَارِ (14) الْعَوَارِضِ، فَذَلِكَ (15) يُسْتَمَدّ مَنْ أَصلٍ آخر، لا من هنا.

(1) أخرجه الطبري في "تفسيره"(23/ 688) بسند حسن.

(2)

في (خ): "لا تعلق".

(3)

في (خ): "وإذا تقرر هذا فالسياحة".

(4)

قوله: "عليه" من (خ) فقط.

(5)

في (م): "الخواص".

(6)

في (غ) و (ر): "رهبانية".

(7)

سورة الحديد: الآية (27).

(8)

قوله: "المتقدمون" ليس في (خ) و (م).

(9)

في (خ) و (م): "كالشرع".

(10)

تقدم تخريجه صفحة (230).

(11)

من قوله: "يوشك أن يكون" إلى هنا سقط من (خ) و (م).

(12)

تقدم تخريجه صفحة (147).

(13)

في (خ) و (م): "أهل".

(14)

في (ر) و (غ): "عند اعتراض".

(15)

في (ر) و (غ): "فكذلك".

ص: 233

وَبَيَانُهُ: أَن الْمَطْلُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةَ لَا تَخْلُو (1) أَنْ يَكُونَ الْمُكَلَّفُ قَادِرًا عَلَى الِامْتِثَالِ فِيهَا، مَعَ سلامته عند العمل بها من (2) وقوعه في وجه (3) مَنْهِيٍّ عَنْهُ أَوْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ قَادِرًا فِي مَجَارِي الْعَادَاتِ بِحَيْثُ لَا يُعَارِضُهُ مَكْرُوهٌ أَوْ مُحَرَّم، فَلَا إِشكال فِي كَوْنِ الطَّلَبِ مُتَوَجِّهًا عَلَيْهِ بِقَدْرِ اسْتِطَاعَتِهِ، عَلَى حَدّ مَا كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ عَلَيْهِ قَبْلَ وُقُوعِ الْفِتَنِ، وإِن لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ إِلا بِوُقُوعِهِ فِي مَكْرُوهٍ أَو مُحَرَّمٍ، فَفِي بقاءِ الطَّلَبِ هُنَا تَفْصِيلٌ ـ بِحَسْبَ مَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ أَبي حَامِدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ـ؛ إِذ يَكُونُ الْمَطْلُوبُ مَنْدُوبًا، لَكِنَّهُ لَا يَعْمَلُ بِهِ إِلا بِوُقُوعِهِ فِي مَمْنُوعٍ، فَالْمَنْدُوبُ سَاقِطٌ عَنْهُ بِلَا إِشكال، كالمندوب للصدقة على المحتاج لا يجد (4) بِيَدِهِ إِلا مَالُ الْغَيْرِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ بِالنَّدْبِ؛ لأَنه يَقَعُ بِسَبَبِهِ فِي التصرُّف في مال الغير بغير إِذنه، وذلك لَا يَجُوزُ (5)، فَهُوَ كَالْفَاقِدِ لِمَا يَتَصَدَّق بِهِ. وكالقائم عَلَى مَرِيضِهِ الْمُشْرف (6)، أَوْ دَفْنِ مَيِّتٍ يَخَافُ عليه (7) تَغَيُّرَهُ (8) بِتركه، ثُمَّ يَقُومُ يُصَلّي نَافِلَةً، وَالْمُتَزَوِّجُ لَا يَجِدُ إِلا مَالًا حَرَامًا، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ.

وَقَدْ يَكُونُ الْمَطْلُوبُ وَاجِبًا، إِلا أَنَّ وُقُوعَهُ فِيهِ يُدْخِلُه فِي مَكْرُوهٍ ـ وَهَذَا غيرُ معتدِّ بِهِ؛ لأَن الْقِيَامَ بِالْوَاجِبِ آكَدُ ـ، أَوْ يُوقِعُهُ فِي مَمْنُوعٍ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَتَعَارَضُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، إِلا أَنَّ الْوَاجِبَاتِ لَيْسَتْ عَلَى وزَانٍ وَاحِدٍ، كَمَا أَنَّ المحرَّمات كَذَلِكَ، فَلَا بُدَّ مِنَ الْمُوَازَنَةِ، فإِن ترجَّح جَانِبُ الْوَاجِبِ صَارَ المُحَرَّمُ في حكم العَفْو، أو في حُكْمِ التَّلافِي إِن كَانَ مِمَّا تُتَلَافَى مفسدَتُه، وإِن تَرَجَّحَ جَانِبُ المُحَرّم سَقَطَ حُكْمُ الْوَاجِبِ، أو طُلب بالتَّلافِي، وإِن تَعادلا (9)

(1) في (م): "لا يخلو".

(2)

في (ر) و (غ): "ومن".

(3)

قوله: "وجه" ليس في (خ) و (م).

(4)

قوله: "يجد" سقط من (خ) و (م).

(5)

في (خ) و (م): "بغير إذنه ولا يجوز"، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: لعله حذف من هنا كلمة؛ هي: "هو" أو "ذلك".اهـ.

(6)

أي: مُشْرف على الوفاة.

(7)

قوله: "عليه" ليس في (خ) و (م).

(8)

في (خ): "تغييره".

(9)

في (خ): "وإن كان تعادلا"، وفي (م):"وإن تعادل"، وعلق رشيد رضا عليها بقوله:"كان" زائدة لا حاجة إليها. اهـ.

ص: 234

فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ، فَهُوَ مَجَالُ نظرِ المُجْتَهِدين، والأَولى ـ عِنْدَ جَمَاعَةٍ ـ رعايةُ جَانِبِ المُحَرَّم؛ لأَن درءَ الْمَفَاسِدِ آكَدُ مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ.

فإِذا كَانَتِ الْعُزْلَةُ مُؤَدِّيَةً إِلى السَّلَامَةِ، فَهِيَ الأَولى فِي أَزمنة الْفِتَنِ، وَالْفِتَنُ لَا تَخْتَصّ بِفِتَنِ الحروب فقط؛ بل (1) هي (2) جَارِيَةٌ فِي الْجَاهِ وَالْمَالُ وَغَيْرِهِمَا مِنْ مُكْتَسَبات الدُّنْيَا، وَضَابِطُهَا: مَا صَدّ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ، ومثل هذا النَّظَر (3) يَجْرِي بَيْنَ الْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ، وَبَيْنَ الْمَكْرُوهِينَ.

وإِن كَانَتِ العزلةُ مُؤَدِّيَةً إِلى تَرْك الجُمُعات، وَالْجَمَاعَاتِ، والتعاون على الطاعات، وأشباه ذلك؛ فإِنها أَيْضًا سَلَامَةٌ (4) مِنْ جِهَةٍ أُخرى (5)، وَيَقَعُ التَّوَازُنُ بَيْنَ المأْمورات وَالْمَنْهِيَّاتِ. وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ، إِذا أَدَّى إِلى الْعَمَلِ بِالْمَعَاصِي، وَلَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِهِ مَعْصِيَةٌ كَانَ تَرْكُهُ أَولى.

وَمِنْ أَمثلة ذَلِكَ ـ غَيْرَ أَنه مُشْكِلٌ ـ: مَا ذَكَرَهُ (6) الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ بِسَنَدِهِ إِلى حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ أَنه قال لمَعْن بن ثَوْر السُّلَمي (7): هَلْ تَدْرِي لِمَ اتَّخَذَتِ النَّصَارَى الدِّيَارَاتِ؟ قَالَ مَعْن: ولِمَ؟ قال: إِنه لما أحدثت (8) الملوك في دينها (9) البدع، وضيَّعوا أَمر النبيين، وأكلوا الخنزير (10)، اعْتَزَلُوهُمْ فِي الدِّيارات، وَتَرَكُوهُمْ وَمَا ابْتَدَعُوا، فتَخَلَّوا للعبادة. قال حبيب لمَعْن: فهل لك؟ قال: ليس بيوم ذلك (11).

(1) قوله: "بل" ليس في (خ) و (م).

(2)

في (م) و (خ): "فهي".

(3)

قوله: "النظر" ليس في (خ) و (م).

(4)

في (م): "سالمة".

(5)

في عبارة المؤلف اختصار شديد والذي يظهر من معناها: أن العزلة في بعض الأزمان قد تكون سلامة من الفتن؛ وإن كان سيترتب عليها فوات مصلحة الجمعات والجماعات والتعاون على الطاعات، فتقع الموازنة بين المصلحة الفائتة والمفسدة المدفوعة وترجح أولاهما بالتحصيل أو الدفع.

(6)

في (غ) و (ر): "ما ذكر".

(7)

قوله: "السلمي" ليس في (خ) و (م).

(8)

في (خ) و (م): "أحدث".

(9)

قوله: "في دينها" ليس في (خ) و (م).

(10)

في (خ) و (م): "الخنازير".

(11)

أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(59/ 432) من طريق أحمد بن المعلى، عن العباس بن عثمان، عن الوليد بن مسلم، نا ابن جابر وعبد الله بن العلاء بن زَبْر؛ قالا: سمعنا عطية بن قيس يقول: قال حبيب

، فذكره.=

ص: 235

فاقْتَضَى أَنَّ مِثْلَ مَا فَعَلَتْهُ (1) النَّصَارَى مَشْرُوعٌ في ديننا، وليس (2) كَذَلِكَ، وَمُرَادُهُ: أَنَّ اعْتِزَالَ النَّاسِ عِنْدَ اشْتِهَارِهِمْ بِالْبِدَعِ وَغَلَبَةِ الأَهواءِ عَلَى حدِّ مَا شُرع فِي دِينِنَا مَشْرُوعٌ (3)، لَا أَنَّ نَفْسَ مَا فعلت النصارى في رهبانيتها يشرع (4) لَنَا؛ لِمَا ثَبَتَ مِنْ نَسَخِهِ.

فَعَلَى هَذِهِ الأَحْرُف جَرَى كَلَامُ الإِمام أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ نَقَلَ هُوَ عَنْهُمْ، وَاحْتَجَّ بِهِمْ. وَيَدُلُّ عى ذَلِكَ: أَنَّ جَمَاعَةً مِمَّنْ نُقِلَ عَنْهُمُ التَّرْغِيبُ في العُزْبة (5) كانوا متزوّجين، ولم يكن ذلك مانعاً لهم (6) مِنَ البقاءِ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ، بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى التَّحَرِّي فِي الْمُوَازَنَةِ بَيْنَ مَا يَلْحَقُهُمْ بِسَبَبِ التزوُّج؛ فَلَا إِشكال إِذاً عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ فِي كَلَامِ الْغَزَالِيِّ وَلَا غَيْرِهِ (7) مِمَّنْ سَلَكَ مسْلَكَه؛ لأَنهم بَنَوْا عَلَى أَصلٍ قَطْعي فِي الشَّرْعِ، مُحْكَمٍ لَا يَنْسَخُهُ شَيْءٌ؛ وَلَيْسَ مِنْ مسأَلتنا بِسَبِيلٍ، وَلَكِنْ ثَمَّ تَحْقِيقٌ زَائِدٌ لَا يَسَعُ إِيراده هَاهُنَا، وَأَصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ كِتَابِ "الْمُوَافَقَاتِ"، مَنْ تَمَرَّنَ فِيهِ حَقَّقَ هَذَا الْمَعْنَى عَلَى التَّمَامِ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

وَالْحَاصِلُ: أَن مَضْمون هَذَا الْفَصْلِ يَقْتَضِي أَن العمل على الرهبانيَّة المنفيَّة في الآية قصداً (8) بِدْعَةٌ مِنَ الْبِدَعِ الْحَقِيقِيَّةِ لَا الإِضافية، لِرَدّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَهَا أصلاً وفرعاً.

=وإسناده لا بأس به.

وقد ترجم ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"(8/ 276) لمعن بن ثور، فقال: معن بن ثور: قال: اجتمع هو وحبيب بن مسلمة، فسألا راهباً في صومعته عن سبب احتباسه.

روى عنه عطية بن قيس، سمعت أبي يقول ذلك.

وذكر ابن عساكر عبارة ابن أبي حاتم، ثم قال: كذا قال! والمحفوظ ما تقدم. اهـ؛ أي: باللفظ الذي ساقه الشاطبي، والله أعلم.

(1)

في (غ) و (ر): "ما فعلت".

(2)

قوله: "وليس" من (غ) و (ر) فقط.

(3)

قوله: "مشروع" سقط من (خ).

(4)

في (خ): "متيسر" وفي (م): "مشروع".

(5)

في (م) و (خ): "العزلة".

(6)

قوله: "لهم" ليس في (خ) و (م).

(7)

في (ر) و (غ): "وغيره".

(8)

قوله: "قصداً" سقط من (خ) و (م).

ص: 236