المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌فَصْلٌ (1) وَيُمْكِنُ أَن يَدْخُلَ فِي الْبِدَعِ الإِضافية كُلُّ عَمَلٍ اشْتَبَهَ - الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني - جـ ٢

[الشاطبي الأصولي النحوي]

الفصل: ‌ ‌فَصْلٌ (1) وَيُمْكِنُ أَن يَدْخُلَ فِي الْبِدَعِ الإِضافية كُلُّ عَمَلٍ اشْتَبَهَ

‌فَصْلٌ

(1)

وَيُمْكِنُ أَن يَدْخُلَ فِي الْبِدَعِ الإِضافية كُلُّ عَمَلٍ اشْتَبَهَ أَمره فَلَمْ يتبيَّن: أَهو بِدْعَةٌ فيُنْهَى عَنْهُ؟ أَم غَيْرُ بِدْعَةٍ فيُعمل به؟ فإِنا إِذا اعتبرناه بالأَحكام الشرعية وجدناه من المشتبهات التي نُدِبنا (2) إِلى تَرْكِهَا حَذَرًا مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْظُورِ (3)، وَالْمَحْظُورُ هُنَا هُوَ الْعَمَلُ بِالْبِدْعَةِ. فإِذاً العاملُ بِهِ لَا يَقْطَعُ أَنه عَمِلَ بِبِدْعَةٍ، كَمَا أَنه (4) لَا يَقْطَعُ أَنه عَمِلَ بسُنَّة، فَصَارَ مِنْ جِهَةِ هَذَا التَّرَدُّدِ غَيْرَ عَامِلٍ بِبِدْعَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، وَلَا يُقَالُ أَيضاً: إِنه خَارِجٌ عَنِ الْعَمَلِ بِهَا جُمْلَةً.

وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَن النَّهْيَ الْوَارِدَ فِي الْمُشْتَبِهَاتِ (5) إِنما هُوَ حِمَايَةٌ أن يوقع (6) فِي ذَلِكَ الْمَمْنُوعِ الْوَاقِعِ فِيهِ الِاشْتِبَاهُ، فإِذا اخْتَلَطَتِ الْمَيْتَةُ بالذَّكِيَّة نَهَيْنَاهُ عَنِ الْإِقْدَامِ، فإِن أَقدم أَمكن عِنْدَنَا أَن يَكُونَ آكِلًا لِلْمَيْتَةِ (7) فِي الِاشْتِبَاهِ (8)؛ فَالنَّهْيُ الأَخف إِذاً مُنْصَرِفٌ نَحْوَ الْمَيْتَةِ فِي الِاشْتِبَاهِ، كَمَا انْصَرَفَ إِليها النَّهْيُ الأَشدّ في التحقُّق.

(1) هذا الفصل هو بداية الجزء الثاني من نسخة (خ)، وجاء في بداية الجزء قبل ذكر الفصل ما نصه:"بسم الله الرحمن الرحيم. صلى الله على سيدنا محمد وسلم".

ومن بداية هذا الجزء ابتدأت نسخة (ت)، وأولها قبل ذكر الفصل ما نصه:"بسم الله الرحمن الرحيم. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال العلامة النحرير، ناصر السنة، ولسان الدين، النظار، المحقق، الشيخ أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى، آمين".

(2)

في (خ): "ندبني ندبنا".

(3)

يشير إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "الحلال بَيِّن، والحرام بَيِّن، وبينهما مُشَبَّهات لا يعلمها كثير من الناس

" الحديث. أخرجه البخاري في صحيحه برقم (52)، ومسلم برقم (1599).

(4)

قوله: "أنه" ليس في (ت).

(5)

في (ر) و (غ): "المتشابهات".

(6)

في (خ) و (ت): "يقع". بدل "يوقع".

(7)

في (ر) و (غ): "الميتة".

(8)

قوله: "في الاشتباه" ليس في (غ) و (ر).

ص: 298

وَكَذَلِكَ اخْتِلَاطُ الرَّضِيعة بالأَجنبية: النَّهْيُ فِي الِاشْتِبَاهِ مُنْصَرِفٌ إِلى الرَّضِيعَةِ كَمَا انْصَرَفَ إِليها فِي التحقُّق، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمُشْتَبِهَاتِ، إِنما يَنْصَرِفُ نَهْيُ الإِقدام عَلَى الْمُشْتَبَهِ إِلى خُصُوصِ الْمَمْنُوعِ الْمُشْتَبَهِ، فإِذاً الْفِعْلُ الدَّائِرُ بَيْنَ كَوْنِهِ سُنَّةً أَو بدعة إِذا نهي عنه؛ من (1) باب الاشْتِباه، فالنهي منصرف إِلى العمل بالبدعة؛ كما انصرف إِليه عند تعيُّنها، فهو إِذاً في الِاشْتِبَاهِ (2) نَهْيٌ عَنِ الْبِدْعَةِ فِي الْجُمْلَةِ، فَمَنْ أَقدم على الْعَمَلِ فَقَدْ أَقدم عَلَى (3) منهيٍّ عَنْهُ فِي بَابِ الْبِدْعَةِ؛ لأَنه مُحْتَمَلٌ أَن يَكُونَ بِدْعَةً فِي نَفْسِ الأَمر، فَصَارَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ كَالْعَامِلِ بِالْبِدْعَةِ المنهيِّ عَنْهَا. وَقَدْ مرَّ أَن الْبِدْعَةَ الإِضافية هِيَ الْوَاقِعَةُ ذَاتُ وَجْهَيْنِ، فَلِذَلِكَ قِيلَ: إِن هَذَا الْقِسْمَ مِنْ قَبِيلِ الْبِدَعِ الإِضافية، ولهذا النوع أَمثلة:

أَحدها: إِذا تَعَارَضَتِ الأَدلة عَلَى الْمُجْتَهِدِ فِي أَن الْعَمَلَ الفلانيَّ مَشْرُوعٌ يُتَعَبَّد بِهِ، أَو غَيْرُ مَشْرُوعٍ فَلَا يُتعبَّد بِهِ (4)، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ جمع بين الدليلين (5)، ولا إِسقاط (6) أَحَدهما (7) بِنَسْخٍ أَوْ تَرْجِيحٍ أَو غَيْرِهِمَا؛ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الأُصول أَن فَرْضَهُ التوقُّف. فَلَوْ عَمِل بمَقتضى دَلِيلِ التَّشْرِيعِ مِنْ غَيْرِ مرجِّح لَكَانَ عَامِلًا بِمُتَشَابِهٍ؛ لِإِمْكَانِ صحَّة الدَّلِيلِ بعدم المشروعية. وقد نهى الشرع عن الإقدام على المتشابهات، كما أنه لو أَعمل دليل عدم المشروعية من غير مرجِّح، لكان عاملاً بمتشابه (8)، فَالصَّوَابُ الْوُقُوفُ عَنِ الْحُكْمِ رأْساً، وَهُوَ الْفَرْضُ في حقِّه.

(1) في (خ) و (م) و (ت): "في" بدل "من".

(2)

من قوله: "فالنهي منصرف" إلى هنا سقط من (خ) و (م) و (ت).

(3)

قوله: "العمل فقد أقدم على" سقط من (خ).

(4)

قوله: "به" سقط من (غ) و (ر).

(5)

في (ت): "الدليل"، ثم صوبت في الهامش.

(6)

في (خ): "أو إسقاط". وفي (م): "والإسقاط"، وفي (ت):"وإسقاط"، وصوبت في الهامش هكذا:"أو إسقاط".

(7)

في (م): "لأحدهما".

(8)

من قوله: "وقد نهى الشرع" إلى هنا سقط من (خ) و (م) و (ت).

ص: 299

وَالثَّانِي: إِذا تَعَارَضَتِ الأَقوال عَلَى المقلِّد فِي المسأَلة بِعَيْنِهَا، فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يَكُونُ الْعَمَلُ بِدْعَةً، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِبِدْعَةٍ، وَلَمْ يتبَّين لَهُ الأَرجح مِنَ العالِمَيْن بأَعْلَمِيَّةٍ أَو غَيْرِهَا؛ فَحَقُّهُ الْوُقُوفُ وَالسُّؤَالُ عَنْهُمَا حَتَّى يتبيَّن لَهُ الأَرجح، فَيَمِيلُ إِلى تَقْلِيدِهِ دُونَ الْآخَرِ، فإِن أَقدم عَلَى تَقْلِيدِ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ (1) مرَجِّح؛ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُجْتَهِدِ إِذَا أَقْدَمَ عَلَى الْعَمَلِ بأَحد الدَّلِيلَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، فَالْمِثَالَانِ فِي الْمَعْنَى وَاحِدٌ.

وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ ثَبَتَ فِي الصِّحاح (2) عن الصحابة رضي الله عنهم: أَنهم كَانُوا (3) يَتَبَرَّكُونَ (4) بأَشياء مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

فَفِي الْبُخَارِيِّ (5) عَنْ أَبي جُحَيفة رضي الله عنه قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بالهَاجِرَة، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فتوضّأَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يأْخذون مِنْ فَضْلِ وَضُوئِه فيتمسَّحون بِهِ

، الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: كَانَ إِذا توضأَ يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضوئه.

وَعَنِ المِسْوَرِ رضي الله عنه (6) ـ فِي حَدِيثِ الْحُدَيْبِيَةِ ـ: "وَمَا تَنَخَّم (7) النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم نُخَامة إِلا وَقَعَتْ فِي كَفّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ".

وَخَرَّجَ غَيْرُهُ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرًا؛ في التبرُّك بشعره، (8) وثوبه، (9)

(1) في (ت): "بدون" بدل: "من غير".

(2)

في (م): "الصحايح".

(3)

قوله: "كانوا" ليس في (خ) و (م) و (ت).

(4)

علق رشيد رضا هنا بقوله: لعل الأصل: "كانوا يتبركون".اهـ.

برقم (187)، ولكن قوله:"كان إذا توضأ يقتتلون على وضوئه" ليس في رواية أبي جحيفة هذه، وإنما في رواية المسور بن مخرمة الآتية.

(5)

أخرجه البخاري (2731 و2732).

في (خ) و (م) و (ت): "انتخم".

(6)

أخرج مسلم في "صحيحه"(1305) من حديث أنس: أنه صلى الله عليه وسلم في حجّته قال للحلَاّق: "خذ"، وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس.

وأخرجه البخاري (171) من حديثه أيضاً: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا حلق رأسه كان أبو طلحة أول من أخذ.

(7)

أخرج مسلم في "صحيحه"(2069) من طريق عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: أن أسماء أخرجت له جبّة رسول الله (ص)، فقالت: هذه كانت عند عائشة حتى قُبِضَتْ، فلما قبضت قبضتها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى يُستشفى بها.

ص: 300

وغيرهما (1)، حتى إنه صلى الله عليه وسلم (2) مَسَّ ناصِيَةَ (3) أَحدِهم بِيَدِهِ، فَلَمْ يَحْلِقْ ذَلِكَ الشَّعْرَ (4) الَّذِي مَسَّهُ عليه السلام حَتَّى مَاتَ (5).

وَبَالَغَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ حَتَّى شَرِبَ دَمَ حِجَامته (6)، إِلى أَشياء

(1) كاحتفاظ أنس رضي الله عنه بإنائه صلى الله عليه وسلم؛ كما في "صحيح البخاري"(3109 و5638).

(2)

قوله: " (ص) " زيادة من (ت) فقط.

(3)

في (خ) و (م) و (ت): "بإصبعه" بدل "ناصيته".

(4)

قوله: "الشعر" ليس في (غ) و (ر).

(5)

أخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(1779) عن شيخه ابن جريج؛ قال: حدثني عثمان بن السائب مولاهم، عن أبيه السائب مولى أبي محذورة، وعن أم عبد الملك بن أبي محذورة؛ أنهما سمعاه من أبي محذورة، قال أبو محذورة: خرجت في عشرة فتيان مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى حنين

، الحديث، وفيه: فكان أبو محذورة لا يجزّ ناصيته ولا يفرقها؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح عليها.

وفي إسناد المطبوع من "المصنف" تصحيف في الإسناد أقمته من "مسند أحمد"(3/ 408) حيث رواه من طريق عبد الرزاق.

وهذا سند ضعيف، فعثمان بن السائب الجُمَحي، المكي، مولى أبي محذورة مقبول كما في "التقريب"(4502).

وأبوه مقبول كذلك كما في "التقريب"(2216).

وأم عبد الملك بن أبي محذورة مقبولة كذلك كما في "التقريب"(8845).

(6)

ورد فيه عدة أحاديث تجدها في "العلل المتناهية" لابن الجوزي (285 و286)، و"التلخيص الحبير"(17 ـ 19) لابن حجر، ولا يثبت منها شيء، وأحسنها: ما رواه موسى بن إسماعيل، عن هنيد بن القاسم، عن عامر بن عبد الله بن الزبير؛ أن أباه حدثه: أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحتجم، فلما فرغ قال:"يا عبد الله! اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد". فلما برز عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عمد إلى الدم فشربه، فلما رجع قال صلى الله عليه وسلم:"يا عبد الله! ما صنعت؟ " قال: جعلته في أخفى مكان علمت أنه يخفى عن الناس. قال صلى الله عليه وسلم: "لعلك شربته؟ " قال: نعم. قال صلى الله عليه وسلم: "ولم شربت الدم؟ ويل للناس منك، وويل لك من الناس". أخرجه البزار (2210)، وأبو يعلى في "مسنده" كما في "المطالب"(3829/ 1)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني"(578)، والحاكم في "المستدرك"(3/ 554)، والبيهقي في "السنن"(7/ 67)، ورواه الطبراني كما في الموضع السابق من "التلخيص الحبير"، ومن طريقه رواه أبو نعيم في "الحلية"(1/ 329 ـ 330).

ورواه الضياء في "المختارة"(266 و267) من طريق أبي يعلى والطبراني. والحديث سكت عنه الحاكم والذهبي، وقال الحافظ ابن حجر:"وفي إسناده الهنيد بن القاسم ولا بأس به، لكنه ليس بالمشهور بالعلم".=

ص: 301

لهذا (1) كَثِيرَةٍ. فَالظَّاهِرُ فِي مِثْلِ هَذَا النَّوْعِ أَنْ يكون مشروعاً في حق كل (2) مَنْ ثَبَتَتْ وَلَايَتُه وَاتِّبَاعُهُ لسُنَّة رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وأَن يُتَبَرَّكَ بِفَضْلِ وَضُوئِهِ، ويتدلَّك بِنُخَامَتِهِ، ويُسْتشفى بِآثَارِهِ كلِّها، ويُرجى فيها (3) نحوٌ مما كان يُرجى (4) فِي آثَارِ المَتْبوعِ الأَعظم (5) صلى الله عليه وسلم (6).

إِلا أَنه عَارَضَنَا (7) فِي ذَلِكَ أَصل مقطوعٌ بِهِ فِي مَتْنه، مشكلٌ فِي تَنْزِيلِهِ، وَهُوَ أَن الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم بَعْدَ موته صلى الله عليه وسلم لَمْ يَقَعْ مِنْ أَحد مِنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلى مَنْ خَلَّفَهُ، إِذ لَمْ يَتْرُكِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَهُ فِي الأُمة أَفضلَ مِنْ أَبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ (8) رضي الله عنه، فَهُوَ كَانَ خليفتَه، وَلَمْ يُفعل بِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ (9)، وَلَا عُمَرَ بن الخطاب (10)، وهو كان أَفضلَ الأُمة بعده، ثم كذلك عثمان بن عفان (11)، ثم عليّ بن أبي طالب (12)، ثُمَّ (13) سَائِرُ (14) الصَّحَابَةِ الَّذِينَ لَا أَحد أَفضل مِنْهُمْ فِي الأُمة، ثُمَّ (15) لَمْ يَثْبُتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ مَنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ مَعْرُوفٍ أَن متبرِّكاً تَبَرَّكَ بِهِ عَلَى أَحد تِلْكَ الْوُجُوهِ أَو نَحْوِهَا، بَلِ اقْتَصَرُوا فِيهِمْ عَلَى الاقتداءِ بالأَفعال والأَقوال والسِّيَر التي اتّبعوا

=قلت: هنيد بن القاسم مجهول الحال، لم يرو عنه سوى موسى بن إسماعيل، ولم يذكر فيه البخاري (8/ 249) ولا ابن أبي حاتم (9/ 121) جرحاً ولا تعديلاً، وذكره ابن حبان في "الثقات"(5/ 515)، فالحديث ضعيف لأجله.

(1)

كذا في جميع النسخ، وعلق عليه رشيد رضا رحمه الله بقوله:"لعله: كهذا".

(2)

قوله: "كل" من (غ) و (ر) فقط.

(3)

قوله: "فيها" سقط من (خ).

(4)

قوله: "يرجى" سقط من (خ) و (م) و (ت).

(5)

في (خ): "الأصل" بدل "الأعظم"، وفي (ت):"الأصلي"، وعلق عليها رشيد رضا بقوله:"يظهر أن الجملة محرفة".

(6)

علق رشيد رضا هنا بقوله: قد استفاض أنه صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن الغلو في تعظيمه. اهـ.

(7)

في (غ) و (ر): "عارضها".

(8)

قوله: "الصديق" ليس في (ت).

(9)

قوله: "ذلك" سقط من (خ).

(10)

قوله: "ابن الخطاب" من (غ) و (ر) فقط، وفي (خ) و (ت) زيادة:"رضي الله عنهما".

(11)

قوله: "ابن عفان" من (غ) و (ر) فقط.

(12)

قوله: "ابن أبي طالب" من (غ) و (ر) فقط.

(13)

قوله: "ثم" سقط من (خ).

(14)

في (ت): "وسائر" بدل "ثم سائر".

(15)

قوله: "ثم" ليس في (غ) و (ر).

ص: 302

فِيهَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَهُوَ إِذاً إِجماع مِنْهُمْ عَلَى تَرْكِ تِلْكَ الأَشياء كُلِّهَا.

وَبَقِيَ النَّظَرُ فِي وَجْهِ تَرْكِ مَا تركوا منه، وهو يحتمل (1) وَجْهَيْنِ:

أَحدهما: أَنْ يَعْتَقِدُوا فِيهِ (2) الِاخْتِصَاصَ، وَأَنَّ مَرْتَبَةَ (3) النُّبُوَّةِ يَسَعُ فِيهَا ذَلِكَ كُلُّهُ؛ لِلْقَطْعِ بِوُجُودِ مَا الْتَمَسُوا (4) مِنَ الْبَرْكَةِ وَالْخَيْرِ؛ لأَنه صلى الله عليه وسلم كَانَ نُورًا كلُّه فِي ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ (5)، فَمَنِ الْتَمَسَ مِنْهُ نُورًا وَجَدَهُ عَلَى أَي جِهَةٍ الْتَمَسَهُ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنَ الأُمة، فإِنه (6) وإِن حَصَلَ لَهُ مِنْ نُورِ الاقتداءِ بِهِ والاهتداءِ بِهَدْيِهِ مَا شاءَ اللَّهُ؛ لَا يَبْلُغُ مَبْلَغَهُ على حال، ولا يوازيه (7) فِي مَرْتَبَتِهِ، وَلَا يُقَارِبُهُ (8)، فَصَارَ هَذَا النَّوْعُ مُخْتَصًّا بِهِ كَاخْتِصَاصِهِ بِنِكَاحِ مَا زَادَ عَلَى الأَربع (9)، وإِحْلالِ بُضْع الواهِبَةِ نفسَها لَهُ (10)، وَعَدَمِ

(1) في (خ): "ما تركوا منه ويحتمل".

(2)

في (ر) و (غ): "فيها".

(3)

في (خ) و (م): "مرتبته".

(4)

في (ر) و (غ): "ما التمسوه".

(5)

لقوله تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} [المائدة: 15].

قال ابن جرير في "تفسيره"(10/ 143): "يعني بالنور محمداً صلى الله عليه وسلم، الذي أنار الله به الحق، وأظهر به الإسلام، ومحق به الشرك، فهو نور لمن استنار به

" إلخ.

(6)

قوله: "فإنه" سقط من (خ) و (ت).

(7)

في (خ) و (ت): "حال توازيه"، وفي (م):"حال وتوازيه".

(8)

في (خ) و (ت): "ولا تقاربه".

(9)

أخرجه أحمد (2/ 44)، والترمذي (1128)، وابن ماجه (1953)، وابن حبان (4156 و4157 و4158)، وغيرهم من طريق معمر، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه: أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"اختر منهن أربعاً".

وهذا سند ظاهره الصحة، لكنه معلول من قبل كثير من الأئمة، وصوابه: أنه عن الزهري مرسلاً كما تجد تفصيل ذلك في "إرواء الغليل"(1883)، وحاشية "المسند" بتحقيق الأرناؤوط (8/ 221 ـ 224).

ولكن الحديث جرى عليه عمل أهل العلم كما حكاه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما، ولذا صححه الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله بهذا الاعتبار، وبماله من شواهد، والله أعلم.

(10)

حديث الواهبة نفسها أخرجه البخاري (2310)، ومسلم (1425)، كلاهما من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إني قد وهبت لك من نفسي

، الحديث.

ص: 303

وُجُوبِ القَسْم عَلَى الزَّوْجَاتِ (1) وَشِبْهِ ذَلِكَ. فَعَلَى هَذَا المأْخذ: لَا يَصِحُّ لِمَنْ بَعْدَهُ الاقتداءُ بِهِ فِي التبرُّك عَلَى أَحد تِلْكَ الْوُجُوهِ وَنَحْوِهَا، وَمَنِ اقْتَدَى بِهِ كَانَ اقْتِدَاؤُهُ بِدْعَةً، كَمَا كَانَ الاقتداءُ بِهِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى أَربع نسوة بدعة.

والثاني (2): أَن لَا يَعْتَقِدُوا الِاخْتِصَاصَ، وَلَكِنَّهُمْ تَرَكُوا ذَلِكَ مِنْ بَابِ الذَّرَائِعِ خَوْفًا مِنْ أَن يُجعل ذَلِكَ سُنَّة ـ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي اتِّبَاعِ الْآثَارِ وَالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ ـ، أَو لأَن (3) الْعَامَّةَ لَا تَقْتَصِرُ فِي ذَلِكَ عَلَى حَدّ، بَلْ تَتَجَاوَزُ فِيهِ الْحُدُودَ، وَتُبَالِغُ (4) بِجَهْلِهَا فِي الْتِمَاسِ الْبَرَكَةِ؛ حَتَّى يُدَاخِلَهَا للمتبرَّك بِهِ تعظيمٌ يَخْرُجُ (5) به عن الحَدّ، فربما اعتقدت (6) فِي المتبرَّك بِهِ مَا لَيْسَ فِيهِ، وَهَذَا التبرُّك هُوَ أَصل الْعِبَادَةِ، ولأَجله قَطَعَ عُمَرُ بن الخطاب (7) رضي الله عنه الشَّجَرَةَ الَّتِي بُويِعَ تَحْتَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (8)، بَلْ هُوَ كَانَ أصلَ عِبَادَةِ الأَوثان فِي الأُمم الْخَالِيَةِ ـ حَسْبَمَا ذَكَرَهُ أَهل السِّيَرِ (9) ـ، فَخَافَ عُمَرُ

(1) علق رشيد رضا رحمه الله على هذا الموضع بقوله: "لعل أصله: وعدم وجوب القسم عليه للزوجات".

والدليل على هذا الحكم قوله تعالى في سورة الأحزاب (51): {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ} .

قال القرطبي في "تفسيره"(14/ 214): "واختلف العلماء في تأويل هذه الآية، وأصح ما قيل فيها: التوسعة على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي تَرْكِ القسم، فكان لا يجب عليه القسم بين زوجاته، وهذا القول هو الذي يناسب ما مضى، وهو الذي ثبت معناه في "الصحيح"

، ثم استدل بحديث عائشة رضي الله عنها الذي أخرجه البخاري (4788)، ومسلم (1464)، قالت: كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله تعالى: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ} ؛ قلت ما أرى ربك إلا يسارع في هواك.

(2)

في (خ) و (م) و (ت): "الثاني".

(3)

في (غ) يشبه أن تكون: "أو كأن".

(4)

في (غ) و (ر): "وتبلغ".

(5)

في (م): "تخرج".

(6)

في (خ) و (م) و (ت): "اعتقد".

(7)

قوله: "ابن الخطاب" من (غ) و (ر) فقط.

(8)

تقدم تخريجه (ص248) من هذا المجلد.

(9)

أخرج البخاري (4920) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بَعْدُ. أما ودّ فكانت لكَلْب بدُومة الجَنْدل، وأما سُوَاع فكانت لهُذيل، وأما يَغُوث فكانت لمُراد، ثم لبني غُطَيف بالجُرْف عند سبأ، وأما=

ص: 304

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَن يَتَمَادَى الْحَالُ فِي الصَّلَاةِ إِلى تِلْكَ الشَّجَرَةِ حَتَّى تُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَكَذَلِكَ يتَّفِق عِنْدَ التوغُّل فِي التَّعْظِيمِ.

وَلَقَدْ حَكَى الْفَرْغَانِيُّ مذيِّل "تَارِيخِ الطَّبَرِيِّ" عَنِ الحَلَاّج أَن أَصحابه بَالَغُوا فِي التَّبَرُّكِ بِهِ حَتَّى كَانُوا يَتَمَسَّحُونَ بِبَوْلِهِ، وَيَتَبَخَّرُونَ بِعَذْرَتِهِ، حَتَّى ادَّعَوْا فِيهِ الإِلهية، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (1).

ولأَن الْوِلَايَةَ وإِن ظَهَرَ لَهَا فِي الظَّاهِرِ آثَارٌ، فَقَدْ يَخْفَى أَمرها؛ لأَنها فِي الْحَقِيقَةِ رَاجِعَةٌ إِلى أَمر بَاطِنٍ لَا يَعْلَمُهُ إِلا اللَّهُ، فَرُبَّمَا ادُّعيت الْوِلَايَةُ لِمَنْ لَيْسَ بِوَلِيٍّ، أَو ادَّعَاهَا (2) هُوَ لِنَفْسِهِ، أَو أَظهر (3) خَارِقَةً مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ هِيَ مِنْ بَابِ الشَّعْوَذَة، لَا مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ، أَو من باب السِّيميَاء (4)، أَو الْخَوَاصِّ، أَو غَيْرِ ذَلِكَ. وَالْجُمْهُورُ (5) لَا يعرفون الْفَرْقَ بَيْنَ (6) الْكَرَامَةِ وَالسِّحْرِ، فيعظِّمون مَنْ لَيْسَ بِعَظِيمٍ، وَيَقْتَدُونَ بِمَنْ لَا قُدْوَةَ فِيهِ ـ وَهُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ ـ، إِلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَفَاسِدِ. فترك الصحابة رضي الله عنهم (7) الْعَمَلَ بِمَا تَقَدَّمَ ـ وإِن كَانَ لَهُ أَصل ـ؛ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنَ الْفَسَادِ فِي الدِّينِ.

=يعوق فكانت لهَمْدان، وأما نسر فكانت لحِمْيَر لآل ذي الكِلَاع؛ أسماء رجالٍ صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً، وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسَّخ العلم عُبدت.

(1)

وتجد ذلك محكياً في "سير أعلام النبلاء"(14/ 337 و339 و347).

(2)

في (ر) و (غ): "وادعاها".

(3)

في (ر) و (غ): "وأظهر".

(4)

قوله: "السّيميا" مكانها بياض في (خ) و (م)، وفي (ت):"السِّحر".

وعلق رشيد رضا عليه بقوله: بياض في الأصل، ولعل الساقط لفظ:"السحر"، فإنه سيذكره قريباً. اهـ.

وتجد تعريف السيمياء في "كشف الظنون"(2/ 1020)، وخلاصته: أنها ضرب من السحر، وانظر التعليق الآتي برقم (1)(ص323).

(5)

يعني: عامة الناس، لا جمهور أهل العلم.

(6)

في (ت): "والجمهور لا يفرقون بين".

(7)

قوله: "فترك الصحابة رضي الله عنهم" من (ت) فقط، وبدلاً منها في باقي النسخ:"فتركوا".

ص: 305

وَقَدْ يَظْهَرُ بأَول وَهْلَةٍ (1) أَن هَذَا الْوَجْهَ الثَّانِيَ أَرجح؛ لِمَا ثَبَتَ فِي الأُصول الْعِلْمِيَّةِ: أَنَّ كُلَّ مَزِيَّةٍ (2) أَعطيَها النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فإِن لأُمته أنموذجاً منها، مالم يدلَّ دليل على الاختصاص؛ كما ثبت أَن كل ما عمل به عليه السلام فإِن اقتداء الأمة به مشروع، مالم يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ (3).

إِلا أَن الْوَجْهَ الأَول أَيضاً رَاجِحٌ (4) مِنْ جِهَةٍ أُخرى، وَهُوَ إِطباقهم عَلَى التَّرْك (5)؛ إِذ لَوْ كَانَ اعْتِقَادُهُمُ التَّشْرِيعَ لَعَمِلَ به بَعْضُهُمْ بَعْدَهُ، أَو عَمِلُوا بِهِ وَلَوْ فِي بَعْضِ الأَحوال، إِما وُقُوفًا مَعَ أَصل الْمَشْرُوعِيَّةِ، وإِما بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِ انتفاءِ العِلَّة الْمُوجِبَةِ لِلِامْتِنَاعِ.

وَقَدْ خَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ فِي "جَامِعِهِ"(6) من حديث يونس بن يزيد، عن

(1) في (ر) و (غ): "النظر" بدل: "وهلة".

(2)

في (خ): يشبه أن تكون: "قربة"، وفي (غ) و (ر):"أن كل ما مزية".

(3)

من قوله: "كما ثبت" إلى هنا سقط من (خ) و (م) و (ت).

(4)

في (ت): "راجح أيضاً".

(5)

في (خ) و (م): "التبرك".

(6)

لم أجده في المطبوع من "جامع ابن وهب".

وقد أخرجه عبد الرزاق في "جامع معمر" الملحق بـ"المصنف"(19748)، عن معمر، عن الزهري؛ قال: حدثني من لا أتهم من الأنصار

، فذكره بنحوه. وأخرجه ابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق"(273) من طريق الأوزاعي، عن الزهري مرسلاً دون ذكر القصة. وذكر الشيخ ناصر الدين الألباني هذا الحديث في "الصحيحة"(2998)، وقال عقب ذكره لهذا الطريق:"وهذا الإسناد رجاله ثقات، غير الرجل الأنصاري. فإن كان تابعيّاً فهو مرسل، ولا بأس به في الشواهد، وإن كان صحابياً فهو سند صحيح؛ لأن جهالة اسم الصحابي لا تضر كما هو مقرر في علم الحديث. ويغلب على الظن أنه أنس بن مالك رضي الله عنه الذي في الطريق الأولى؛ فإنه أنصاري، ويروي عنه الإمام الزهري كثيراً" اهـ.

ويعني الشيخ بالطريق الأولى: ما نقله عن الخلعي في "الفوائد"(18/ 73/1) من أنه روى هذا الحديث من طريق عمرو بن بكر السكسكي، عن ابن جابر، عن أنس

، فذكره.

ثم قال الشيخ: "وهذا سند ضعيف جداً، عمرو بن بكر السكسكي متروك كما في "التقريب"، لكن الحديث قد روي جلّه من وجوه أخرى يدل مجموعها على أن له أصلاً ثابتاً"، ثم ذكر هذا الطريق والطريق الآتي.=

ص: 306

ابْنِ شِهَابٍ؛ قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنَ الأَنصار: أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذا توضأَ أَو تَنَخَّمَ ابْتَدَرَ مَنْ حَوْلَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وضوءَه وَنُخَامَتَهُ فَشَرِبُوهُ وَمَسَحُوا بِهِ جُلُودَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُمْ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ سأَلهم:"لِمَ تَفْعَلُونَ هَذَا؟ " قَالُوا: نَلْتَمِسُ الطُّهُورَ وَالْبَرَكَةَ بذلك، فقال لِهَمِّ (1) رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم "من كان منكم يحب أَن يحبه اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلْيَصْدُقِ الْحَدِيثَ، وَلْيُؤَدِّ الأَمانة، وَلَا يُؤْذِ جَارَهُ".

فإِن صَحَّ هَذَا النَّقْلُ فَهُوَ مُشْعِرٌ بأَن الأَولى تركُه (2)، وأَن يتحرَّى مَا

=فقد أخرجه ابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق"(266)، وأبو نعيم في "المعرفة"(2/ 50/ب)، والبيهقي في "الشعب"(1533)، ثلاثتهم من طريق مسلم بن إبراهيم، عن الحسن بن أبي جعفر، عن أبي جعفر الأنصاري، عن الحارث بن الفضل ـ أو ابن الفضيل ـ، عن عبد الرحمن بن أبي قراد، أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ يوماً

، فذكره بنحوه.

والحسن بن أبي جعفر الجُفْري ضعيف الحديث مع عبادته وفضله كما في "التقريب"(1232).

وخالفه يحيى بن أبي عطاء، فرواه عن أبي جعفر ـ واسمه عمير بن يزيد الخطمي ـ، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن أبي قراد

، فذكره.

أخرجه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني"(1397)، والطبراني في "الأوسط"(6517)، وأبو نعيم في الموضع السابق، جميعهم من طريق عبيد بن واقد القيسي، عن يحيى بن أبي عطاء.

فالمخالفة هنا وقعت في أمرين:

1 ـ في تسمية الصحابي أبا قراد بدل عبد الرحمن بن أبي قراد.

2 ـ وفي تسمية الراوي عنه عبد الرحمن بن الحارث بدل الحارث بن فضيل.

وهذه الطريق أضعف من سابقتها؛ فيحيى بن أبي عطاء مجهول كما في "الميزان"(9588).

والراوي عنه عبيد بن واقد القيسي ضعيف كما في "التقريب"(4431).

وقد حسن الشيخ الألباني الحديث بمجموع هذه الطرق في الموضع السابق من "الصحيحة"، وعندي فيه توقف، والله أعلم.

(1)

قوله: "لهم" ليس في (خ) و (م) و (ت).

(2)

علق رشيد رضا رحمه الله على هذا الموضع بقوله: "قد يقال: إن هذا يدل على الإنكار وكراهة النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الفعل، ويؤيده: ما ثبت من مجموع سيرته؛ من كراهة الغلوّ فيه، وإطرائه، وحبه التواضع، ومساواة الناس بنفسه في المعاملات كلها، إلا ما=

ص: 307

هو الآكَدُ والأَحْرَى (1) من وظائف التكليف، وما يَلْزَمُ (2) الإِنسان فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إِلا مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الرُّقْية وَمَا يَتْبَعُهَا، أَو دُعَاءِ الرَّجُلِ لِغَيْرِهِ عَلَى وجهٍ سيأْتي بِحَوْلِ اللَّهِ.

فَقَدْ صَارَتِ المسأَلة مَنْ أَصلها دَائِرَةً بَيْنَ أَمرين: أَن تَكُونَ مَشْرُوعَةً، وأَن تَكُونَ بِدْعَةً (3)، فَدَخَلَتْ تحت حكم المتشابه، والله أَعلم.

=خصّه الله به، حتى إنه طلب أن يقتصّ منه مَنْ لعلّه آذاه ـ وهو القائد والمربّي الذي جعله الله أولى بالمؤمنين من أنفسهم ـ، ولم يعرف من الأحوال التي تبرّكوا فيها بفضل وضوئه وببصاقه إلا يوم الحديبية. وظهر له يومئذٍ حكمة؛ فإن مندوب المشركين في صلح الحديبية لما حدثهم بما رأى من ذلك؛ هابوا النبي صلى الله عليه وسلم، وخافوا قتال المسلمين، فلعلّ المسلمين قصدوا هذا لهذا". اهـ.

(1)

في (غ) و (ر): "الآكد الأحرى".

(2)

في (خ) و (م): "ولا يلزم" ـ وكذا كانت في (ت)، ثم صوبت في الهامش هكذا:"مما يلزم".

(3)

قوله: "وأن تكون بدعة" سقط من (خ) و (ت)، ولأجله علق رشيد رضا في نهاية الفصل بقوله: ينظر أين الأمر الثاني؟ ولعل الساقط: "أو تكون غير مشروعة".اهـ.

ص: 308