المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌فصل وَمِثَالُ مَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ: مَا ذُكر مِنْ نِحَلِ الْهِنْدِ - الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني - جـ ٢

[الشاطبي الأصولي النحوي]

الفصل: ‌ ‌فصل وَمِثَالُ مَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ: مَا ذُكر مِنْ نِحَلِ الْهِنْدِ

‌فصل

وَمِثَالُ مَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ: مَا ذُكر مِنْ نِحَلِ الْهِنْدِ فِي تَعْذِيبِهَا (1) أَنفسها بأَنواع العذاب الشنيع، والتمثيل الفظيع، وَالْقَتْلِ بالأَصناف الَّتِي تَفْزَعُ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَتَقْشَعِرُّ مِنْهَا الْجُلُودُ، كلُّ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ اسْتِعْجَالِ الْمَوْتِ لِنَيْلِ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى (2) ـ فِي زَعْمِهِمْ ـ، وَالْفَوْزِ بِالنَّعِيمِ الأَكمل، بَعْدَ الْخُرُوجِ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ الْعَاجِلَةِ، ومبنيٌّ عَلَى (3) أُصول لَهُمْ فَاسِدَةٍ اعْتَقَدُوهَا، وبنوا عليها أَعمالهم، حتى (4) حَكَى الْمَسْعُودِيُّ (5) وَغَيْرُهُ مِنْ ذَلِكَ أَشياءَ فَطَالَعَهَا مِنْ هُنَالِكَ.

وَقَدْ وَقَعَ الْقَتْلُ فِي الْعَرَبِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَكِنْ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَهُوَ قتل الأَولاد لسببين (6): أَحَدُهُمَا: خَوْفُ الإِملاق، وَالْآخِرُ: دَفْعُ الْعَارِ الَّذِي كَانَ لَاحِقًا لَهُمْ بِوِلَادَةِ الإِناث، حَتَّى أَنزل اللَّهُ فِي ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعَالَى:{وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} (7)، وقوله تعالى:{وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ *بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ *} (8)، وَقَوْلَهُ {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ *يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ *} (9).

(1) في (ر) و (غ): "الهندي تعذيبها".

(2)

في (غ): "العليا".

(3)

في (ر) و (غ): "ومبني عن"، وفي (ت):"وهو مبني على".

(4)

قوله: "حتى" سقط من (خ) و (م) و (ت).

(5)

في "مروج الذهب"(1/ 74 ـ 83).

(6)

في (خ) و (م): "لشيئين".

(7)

سورة الإسراء: الآية (31).

(8)

سورة التكوير: الآيتان (8، 9).

(9)

إلى هنا انتهى ذكر الآية في (ت) و (خ) و (م)، وبعدها قال:"الآية".

(10)

الآيتان (58، 59) من سورة النحل.

ص: 360

وَهَذَا الْقَتْلُ مُحْتَمَلٌ (1) أَن يَكُونَ دِينًا وَشِرْعَةً ابْتَدَعُوهَا، وَيُحْتَمَلُ أَن يَكُونَ عَادَةً تعوَّدوها (2)، بِحَيْثُ لَمْ يَتَّخِذُوهَا شِرْعَةً، إِلا أَن اللَّهَ تَعَالَى (3) ذمَّهم عَلَيْهَا، فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهَا بِالْبِدْعَةِ بَلْ بِمُجَرَّدِ الْمَعْصِيَةِ، فَنَظَرْنَا هَلْ نَجِدُ لأَحد المُحْتَمَلَيْن عَاضِدًا يَكُونُ هُوَ الأَولى (4) فِي حَمْلِ الْآيَاتِ عَلَيْهِ؟ فَوَجَدْنَا قَوْلَهُ سبحانه وتعالى:{وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} (5)، فإِن الْآيَةَ صرَّحت أَن لِهَذَا التَّزْيِينِ سَبَبَيْنِ: أَحدهما: الإِرداءُ وَهُوَ الإِهلاك، وَالْآخَرُ: لَبْس الدِّينِ، وهو قوله:{وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلا بِتَغْيِيرِهِ وَتَبْدِيلِهِ، أَو الزِّيَادَةِ فِيهِ، أَو النُّقْصَانِ مِنْهُ، وَهُوَ الِابْتِدَاعُ بِلَا إِشكال، وإِنما كَانَ دِينُهُمْ أَولاً دينَ أَبيهم إِبراهيم (6)؛ فَصَارَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا بَدَّلُوا فِيهِ، كالبَحيرة، والسَّائبة، ونَصْب الأَصنام، وَغَيْرِهَا، حَتَّى عُدَّ مِنْ جُمْلَةِ دِينِهِمُ الَّذِي يَدِينُونَ بِهِ.

وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى بَعْدُ: {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} ، فَنَسَبَهُمْ إِلى الافتراءِ ـ كَمَا تَرَى ـ، وَالْعِصْيَانُ مِنْ حيث هو عصيان لا يكون افتراءاً، وإِنما يقع الافتراءُ في نفس التشريع، وفي أَن هَذَا الْقَتْلَ مِنْ جُمْلَةِ مَا جاءَ مِنَ الدِّينِ. وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى عَلَى إِثر ذَلِكَ:{قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا} (7)، فَجَعَلَ قَتْلَ الْأَوْلَادِ مَعَ تَحْرِيمِ مَا أَحل اللَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الِافْتِرَاءِ، ثُمَّ خَتَمَ بِقَوْلِهِ:{قَدْ ضَلُّوا} ، وَهَذِهِ خاصِّيَّة الْبِدْعَةِ ـ كَمَا تَقَدَّمَ ـ، فإِذاً ما فعلت الهند نحوٌ مما فعلت الجاهلية. وسيأْتي ذكر (8) مَذْهَبُ الْمَهْدِيِّ الْمَغْرِبِيِّ فِي شَرْعِيَّةِ الْقَتْلِ.

عَلَى (9) أَن بَعْضَ الْمُفَسِّرِينَ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ

(1) في (ت): "يحتمل".

(2)

في (خ) و (م)"تعودها".

(3)

في (غ): "أن تعالى".

(4)

في (ر) و (غ): "أولى".

(5)

سورة الأنعام: الآية (137).

(6)

قوله: "إبراهيم" سقط من (خ) و (ت) و (م).

(7)

قوله: "قد ضلوا" ليس في (غ) و (ر).

(8)

قوله: "ذكر" سقط من (خ) و (م) و (ت).

(9)

في (غ): "مع".

ص: 361

لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ}: أَنَّهُ (1) قَتْلُ الأَولاد (2) عَلَى جِهَةِ النَّذْرِ وَالتَّقَرُّبِ بِهِ إِلى اللَّهِ، كَمَا فَعَلَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فِي ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ أَبِي النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (3).

(1) في (ت): "أن" بدل "أنه".

(2)

قوله: "شركاؤهم أنه قتل الأولاد" سقط من (غ)، وقوله:"شركاؤهم" ليس في (ر).

(3)

أخرجه ابن جرير في "تاريخه"(2/ 327) قال: حدثني يونس بن عبد الأعلى؛ قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب، أنه أخبره: أن امرأة نذرت أن تنحر ابنها عند الكعبة في أمر إن فعلته، ففعلت ذلك الأمر، فقدمت المدينة لتستفتي عن نذرها، فجاءت عبد الله بن عمر، فقال لها عبد الله بن عمر: لا أعلم الله أمر في النذر إلا الوفاء به، فقالت المرأة: أفأنحر ابني؟ قال ابن عمر: قد نهاكم الله أن تقتلوا أنفسكم، فلم يزدها عبد الله بن عمر على ذلك. فجاءت عبد الله بن عباس فاستفتته، فقال: أمر الله بوفاء النذر، والنذر دين، ونهاكم أن تقتلوا أنفسكم، وقد كان عبد المطلب بن هاشم نذر إن توافى له عشرة رهط، أن ينحر أحدهم، فلما توافى له عشرة، أقرع بينهم أيهم ينحر؟ فطارت القرعة على عبد الله بن عبد المطلب، وكان أحب الناس إلى عبد المطلب، فقال عبد المطلب: اللهم هو أو مئة من الإبل! ثم أقرع بينه وبين الإبل، فطارت القرعة على المئة من الإبل، فقال ابن عباس للمرأة: فأرى أن تنحري مئة من الإبل مكان ابنك

".

وأخرجه ابن سعد في "الطبقات"(1/ 88) عن الواقدي، عن محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، عن ابن عباس بنحوه.

لكن هذه متابعة لا يُفرح بها، فمحمد بن عمر الواقدي متروك كما في "التقريب"(6215).

وظاهر إسناد ابن جرير الصحة، لكن يشكل عليه أن الحديث أخرجه عبد الرزاق (5/ 313) رقم (9718) عن معمر عن الزهري قال: إن أول ما ذكر من عبد المطلب

، فذكره في قصة.

فهذا يدلّ على أن الحديث مرسل، وأن الطريق الموصولة معلولة.

وأخرجه ابن جرير في "تفسيره"(21/ 85)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"(56/ 200)، والخلعي في "فوائده" كما في "إتحاف المهرة"(13/ 364) من طريق عبيد الله بن محمد العتبي، عن أبيه، حدثني عبد الله بن سعيد، عن الصُّنابحي قال: حضرنا مجلس معاوية بن أبي سفيان، فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق ابني إبراهيم، فقال بعضهم: الذبيح إسماعيل، وقال بعضهم: بل إسحاق الذبيح، فقال معاوية: سقطتم على الخبير؛ كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه الأعرابي فقال: يا رسول الله! خلَّفتُ البلاد يابسةً، والماء يابساً، هلك المال، وضاع العيال، فعد عليَّ بما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين! فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه. فقلنا: يا أمير المؤمنين،=

ص: 362

وهذا القول (1) قَدْ يُشْكِلُ؛ إِذ يُقَالُ: لَعَلَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا اقْتَدَوْا فِيهِ بأَبيهم إِبراهيم عليه السلام؛ لأَن اللَّهَ أَمره بِذَبْحِ ابْنِهِ، فَلَا يكون ذلك اختراعاً وافتراءاً؛ لرجوعه (2) إِلى أَصل صحيح، وهو عمل أَبيهم إبراهيم (3) عليه السلام. وإِن صح هذا القول تُؤُوِّل (4) فعلُ إِبراهيم عليه السلام عَلَى أَنه لَمْ يكن شريعة لمن بعده من ذريته، فوجه اختراعه ديناً ظاهرٌ، لاسيما عِنْدَ عُرُوضِ شُبْهَةِ الذَّبْحِ، وَهُوَ شأْن أَهل الْبِدَعِ، إِذ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ شُبْهَةٍ يَتَعَلَّقُونَ بِهَا؛ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.

وَكَوْنُ ما يفعل (5) أَهل الْهِنْدِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ ظَاهِرٌ جِدًّا.

وَيَجْرِي مَجْرَى إِتلاف النَّفْسِ: إِتلاف بَعْضِهَا؛ كَقَطْعِ عُضْوٍ مِنَ الأَعضاء، أَو تَعْطِيلِ مَنْفَعَةٍ مِنْ مَنَافِعِهِ بِقَصْدِ التَّقَرُّبِ إِلى اللَّهِ بِذَلِكَ، فَهُوَ من

=وما الذبيحان؟ قال: إن عبد المطلب لما أُمر بحفر زمزم؛ نذر لله إن سهَّل الله أمرها أن ينحر بعض ولده، فأخرجهم فأسهم بينهم، فخرج السهم لعبد الله، فأراد ذبحه، فمنعه أخواله من بني مخزوم، وقالوا: أَرْضِ ربَّك وَافْدِ ابنك. قال: ففداه بمائة ناقة. قال: فهو الذبيح، وإسماعيل الثاني.

وأخرجه الحاكم (2/ 554) من طريق عبيد الله بن محمد العتبي، عن عبد الله بن سعيد، عن الصُّنابحي به.

كذا جاء الراوي عن الصُّنابحي: "عبد الله بن سعيد" عند ابن جرير، والحاكم، وفي الأصلين الخطيين لـ"إتحاف المهرة"، وكذا فيما عزاه السخاوي والسيوطي وغيرهما.

ووقع في "تاريخ ابن عساكر": "عبد الله بن سعد"، وهو الذي أثبته محقق "إتحاف المهرة"، فاقتضى التنبيه.

والحديث سكت عليه الحاكم. وقال الذهبي: إسناده واهٍ.

وقال ابن الجوزي في "المنتظم"(1/ 278): لا يثبت.

وقال ابن كثير في "تفسيره"(7/ 30): وهذا الحديث غريب جداً.

وقال السيوطي في "الدر المنثور"(7/ 105) بعد أن عزاه للآمدي في "مغازيه" وابن مردويه: سنده ضعيف.

وقال في "الفتاوى"(2/ 35): هذا حديث غريب، وفي إسناده من لا يعرف حاله. وانظر "السلسلة الضعيفة"(1677) للألباني رحمه الله، والله أعلم.

(1)

في (م) و (ت) و (خ): "القتل" بدل "القول".

(2)

في (م) و (خ): "لرجوعها".

(3)

قوله: "إبراهيم" زيادة من (ت) فقط.

(4)

في (ت) و (خ) و (م): "وتؤول".

(5)

في (خ) و (م): "ما تفعل".

ص: 363

جُمْلَةِ الْبِدَعِ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الْحَدِيثُ حَيْثُ قَالَ: ردَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم التبتُّلَ [على](1) عثمان بن مظعون، ولو أَذن لَهُ لَاخْتَصَيْنَا (2).

فالخصاءُ بِقَصْدِ (3) التَّبَتُّلِ وَتَرْكِ الْاشْتِغَالِ بِمْلَابَسَةِ النِّسَاءِ وَاكْتِسَابِ الأَهل وَالْوَلَدِ مَرْدُودٌ مَذْمُومٌ، وَصَاحِبُهُ مُعْتَدٍ غَيْرُ مَحْبُوبٍ عِنْدَ اللَّهِ، حَسْبَمَا بيَّنه (4) قَوْلُهُ تَعَالَى:{وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (5)، وكذلك فقؤ العينين (6) لئلا ينظر إِلى مالا يحل له، أو ما أَشبه ذلك (7).

(1) في (ت) و (خ) و (م): "عن"، والتصويب مما تقدم (ص212).

(2)

تقدم تخريجه (ص212).

(3)

من قوله: "التبتل على عثمان" إلى هنا سقط من (ر) و (غ).

(4)

في (خ) و (ت) و (م): "نبه".

(5)

سورة المائدة: الآية (87).

(6)

في (غ) و (ر) و (ت): "العين".

(7)

قوله: "أو ما أشبه ذلك" سقط من (خ) و (م) و (ت).

ص: 364