المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌فَصْلٌ وَعِنْدَ ذَلِكَ نَقُولُ: مِنَ اتِّباع الْمُتَشَابِهَاتِ: الأَخذ (1) بالْمُطْلَقَات قَبْلَ النَّظَرِ - الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني - جـ ٢

[الشاطبي الأصولي النحوي]

الفصل: ‌ ‌فَصْلٌ وَعِنْدَ ذَلِكَ نَقُولُ: مِنَ اتِّباع الْمُتَشَابِهَاتِ: الأَخذ (1) بالْمُطْلَقَات قَبْلَ النَّظَرِ

‌فَصْلٌ

وَعِنْدَ ذَلِكَ نَقُولُ:

مِنَ اتِّباع الْمُتَشَابِهَاتِ: الأَخذ (1) بالْمُطْلَقَات قَبْلَ النَّظَرِ فِي مُقَيِّداتِها، أَوْ بالعمومات (2) مِنْ غَيْرِ تأَمُّل: هَلْ لَهَا مُخَصَّصَاتٌ أَم لَا؟ وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ؛ بأَن (3) يَكُونَ النَّصُّ مُقَيَّدًا فَيُطْلَقُ، أَوْ خَاصًّا فيُعَمّ بالرأْي مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ سِوَاهُ، فإِن هَذَا الْمَسْلَكَ رميٌ فِي عَمَايَةٍ، واتباعٌ لِلْهَوَى فِي الدَّلِيلِ، وَذَلِكَ أَن الْمُطْلَقَ الْمَنْصُوصَ عَلَى تَقْيِيدِهِ مُشْتَبِهٌ إِذَا لَمْ يُقَيَّدْ، فَإِذَا قُيِّدَ صَارَ وَاضِحًا، كَمَا أَن إِطلاق الْمُقَيَّدِ رَأْي فِي ذَلِكَ الْمُقَيَّدِ مُعَارِضٌ لِلنَّصِّ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ.

فَمِثَالُ الْأَوَّلِ: أَن الشَّرِيعَةَ قَدْ وَرَدَ طَلَبُهَا عَلَى الْمُكَلَّفِينَ عَلَى الإِطلاق وَالْعُمُومِ، وَلَا يَرْفَعُهَا عُذْرٌ إِلا الْعُذْرُ الرَّافِعُ لِلْخِطَابِ رأْساً، وَهُوَ زَوَالُ الْعَقْلِ، فَلَوْ بَلَغَ الْمُكَلَّفُ فِي مَرَاتِبِ الْفَضَائِلِ الدِّينِيَّةِ إِلى أَيِّ رُتْبَةٍ بَلَغَ؛ بَقِيَ التَّكْلِيفُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ إِلَى الْمَوْتِ، وَلَا رُتْبَةَ لِأَحَدٍ يَبْلُغُهَا فِي الدِّينِ (4) كَرُتْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ رُتْبَةِ أَصحابه الْبَرَرَةِ، وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُمْ مِنَ التَّكْلِيفِ مِثْقَالُ (5) ذَرَّةٍ، إِلا مَا كَانَ مِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآحَادِ، كالزَّمِنِ لَا يُطَالَبُ بِالْجِهَادِ، والمُقْعَدِ لا يطالب (6) في الصلاة (7) بالقيام (8)،

(1) في (غ) و (ر): "أن يؤخذ".

(2)

في (غ) و (ر) و (م): "أو في العمومات".

(3)

في (غ) و (ر) و (م): "أن".

(4)

في (غ) و (ر) و (م): "ولا رتبة يبلغها في الدين لأحد".

(5)

في (م): "مثال".

(6)

في (خ) و (م): "لا يطلب".

(7)

في (م) و (خ): "بالصلاة".

(8)

في (خ): "قائماً".

ص: 63

والحائض لا تطلب بِالصَّلَاةِ الْمُخَاطَبِ بِهَا فِي حَالِ حَيْضِهَا، وَلَا مَا أَشبه ذَلِكَ.

فَمَنْ رأَى أَن التَّكْلِيفَ قَدْ يَرْفَعُهُ الْبُلُوغُ إِلَى مَرْتَبَةٍ مَّا مِنْ مَرَاتِبِ الدِّينِ ـ كَمَا يَقُولُهُ أَهل الْإِبَاحَةِ ـ، كَانَ قَوْلُهُ بِدَعَةً مُخْرِجَةً عَنِ الدِّينِ (1).

وَمِنْهُ دَعَاوَى أَهل الْبِدَعِ عَلَى الأَحاديث الصَّحِيحَةِ مُنَاقَضَتُهَا لِلْقُرْآنِ، أَوْ مُنَاقِضَةُ بَعْضِهَا بَعْضًا، وَفَسَادُ مَعَانِيهَا، أَو مُخَالَفَتُهَا لِلْعُقُولِ، كَمَا حَكَمُوا بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم للمتحاكِمَيْن إِلَيْهِ:"وَالَّذِي نفسي بيده! لأَقضينَّ بينكما بكتاب الله: مائة الشَّاةِ وَالْخَادِمُ ردٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَعَلَى امْرَأَةِ هَذَا (2) الرَّجْمُ، واغْدُ يَا أُنَيْسُ (3)! عَلَى امرأَة هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا"، فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ، فَرَجَمَهَا (4).

قَالُوا: هَذَا مُخَالِفٌ لِكِتَابِ اللَّهِ؛ لأَنه قَضَى بِالرَّجْمِ وبالتغريب، وَلَيْسَ لِلرَّجْمِ وَلَا لِلتَّغْرِيبِ فِي كِتَابِ اللَّهِ ذَكَرَ، فَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ بَاطِلًا فَهُوَ مَا أَردنا، وإِن كَانَ حَقًا فَقَدْ نَاقَضَ كِتَابَ اللَّهِ بِزِيَادَةِ الرَّجْمِ وَالتَّغْرِيبِ.

فَهَذَا اتِّبَاعٌ لِلْمُتَشَابِهِ (5)؛ لأَن الْكِتَابَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَفِي الشَّرْعِ أيضاً (6) يتصَرَّف عَلَى وُجُوهٍ: مِنْهَا الْحُكْمُ وَالْفَرْضُ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} (7)، وقال تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} (8)، {وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ} (9)، فَكَانَ الْمَعْنَى: لأَقضين بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ؛ أَي: بِحُكْمِ اللَّهِ الَّذِي شُرِّعَ لَنَا، كَمَا أَن الكتاب يطلق على القرآن، فتخصيصهم

(1) يعني قول بعض المتصوفة القائلين بسقوط التكاليف الشرعية عمن وصل مرتبة الولاية، انظر في هذا القول والرد عليه:"فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية"(2/ 95)، و (7/ 503).

(2)

في (خ): "المرأة هذه".

(3)

في (خ) و (م): "يا أنس".

(4)

أخرجه البخاري (2314 و2315 و2695 و2696)، ومسلم (1697 و1698).

(5)

في (غ) و (ر): "المتشابه".

(6)

قوله: "أيضاً" ليس في (خ).

(7)

سورة النساء: آية (24).

(8)

سورة البقرة: آية (183). وفي (غ) و (ر): "القصاص" بدل "الصيام".

(9)

سورة النساء: آية (77). وقوله: "القتال" ليس في (م).

ص: 64

الكتاب بأَحد المحملين (1) مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ اتِّبَاعٌ لِمَا تَشَابَهَ مِنَ الأَدلة.

وفي الحديث: "مثل أُمتي كمثل المطر (2)، لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَم آخِرُهُ"(3). قَالُوا: فَهَذَا يَقْتَضِي أَنه لَمْ يَثْبُتْ لأَول هَذِهِ الأُمة فَضْلٌ عَلَى الْخُصُوصِ دُونَ آخِرِهَا، وَلَا الْعَكْسُ، ثُمَّ نُقِلَ:"إِن الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ"(4). فَهَذَا يقتضي تفضيل الأَولي

(1) في (خ): "المحامل".

(2)

في (خ) و (م): "كمطر".

(3)

أخرجه الطيالسي (2023)، وأحمد (3/ 130 و143)، والترمذي (2869)، وابن عدي في "الكامل"(2/ 246)، جميعهم من طريق حماد بن يحيى الأبحّ، عن ثابت البناني، عن أنس، به.

قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه".

وفي سنده حماد بن يحيى الأبحّ وهو صدوق يخطئ كما في "التقريب"(1517).

وأخرجه الرامهرمزي في "الأمثال" برقم (68 و69) من طريق إبراهيم بن حمزة بن أنس، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، ومن طريق هدبة بن خالد، عن عبيد بن مسلم السابري، عن ثابت.

وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"(7/ 6): "وهو حديث حسن له طرق يرتقي بها إلى الصحة".

وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"(7226/ الإحسان)، والبزار (1412)، والرامهرمزي (70)، ثلاثتهم من طريق فضيل بن سليمان، عن موسى بن عقبة، عن عبيد بن سليمان الأغرّ، عن أبيه، عن عمار بن ياسر، به.

وعبيد بن سليمان الأغر ذكره ابن حبان في "الثقات"(7/ 156)، وذكره البخاري في "التاريخ الكبير" (5/ 442 رقم 1439) وقال:"حديثه لا يصح"، وذكره في "الضعفاء" أيضاً كما في "تهذيب الكمال"(19/ 212)، فاستدرك ذلك عليه أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (5/ 407 رقم 1888) فقال:"لا أرى في حديثه إنكاراً، يحوّل من كتاب "الضعفاء" الذي ألّفه البخاري"، وذكره العقيلي في "الضعفاء"(3/ 115) تبعاً لشيخه البخاري، وقال:"ولا يصح حديثه"، وقال ابن حجر في "التقريب" (4407):"صدوق".

وفضيل بن سليمان النّميري البصري صدوق له خطأ كثير كما في "التقريب"(5462).

وللحديث طرق أخرى ذكرها الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله في "السلسلة الصحيحة"(2286) وحكم على الحديث بمجموعها بالصحة.

(4)

أخرجه مسلم في "صحيحه"(145) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 65

ن وَالْآخَرِينَ عَلَى الْوَسَطِ، ثُمَّ نُقِلَ:"خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ"(1)، فَاقْتَضَى أَن الأَولين أَفضل عَلَى الإِطلاق.

قَالُوا: فَهَذَا تَنَاقُضٌ، وَكَذَبُوا! لَيْسَ ثَمَّ تَنَاقُضٌ وَلَا اخْتِلَافٌ.

وَذَلِكَ أَن التَّعَارُضَ إِذا ظَهَرَ لِبَادِيَ الرأْي في المنقولات الشَّرْعِيَّةِ، فإِما أَن (2) لَا يُمْكِنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَصلاً، وإِما أَن يُمْكِنَ، فإِن لَمْ يُمْكِنْ فهذا الفرض يفرض (3) بَيْنَ قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ، أَو بَيْنَ ظَنِّيَّيْنِ، فأَما بَيْنَ قَطْعِيَّيْنِ فَلَا يَقَعُ فِي الشَّرِيعَةِ (4)، وَلَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ؛ لأَن تَعَارُضَ الْقَطْعِيَّيْنِ مُحَالٌ. فَإِنْ وَقْعَ بَيْنَ قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ بَطُلَ الظَّنِّيُّ، وَإِنَّ وقع بين ظنيين فههنا لِلْعُلَمَاءِ فِيهِ التَّرْجِيحُ، وَالْعَمَلُ بالأَرجح مُتَعَيَّنٌ، وإِن أَمكن الْجَمْعُ، فَقَدِ اتَّفَقَ النُّظَّار عَلَى إِعْمَالِ وجه الجمع، وإن كان له وجه ضعيف (5)، فَإِنَّ الْجَمْعَ أَولى عِنْدَهُمْ، وَإِعْمَالَ الأَدلة أَولى مِنْ إِهْمَالِ بَعْضِهَا، فَهَؤُلَاءِ الْمُبْتَدَعَةُ لَمْ يَرْفَعُوا بهذا الأَصل رأْساً، إما جهلاً به، وإما (6) عِنَادًا.

فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَوْلُهُ: "خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي" هُوَ الأَصل فِي الْبَابِ، فَلَا يَبْلُغُ أحد شَأْوَ الصَّحَابَةِ (7) رضي الله عنهم. وَمَا سِوَاهُ يَحْتَمِلُ التأْويل عَلَى حَالٍ أَو زَمَانٍ أَو فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ.

وأَما قَوْلُهُ: "فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ": لَا نَصَّ فِيهِ عَلَى التَّفْضِيلِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، بَلْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى جزاءٍ حَسَنٍ، وَيَبْقَى النَّظَرُ في كونه مثل جزاءِ الصحابة،

(1) أخرجه البخاري (2652)، ومسلم (2533) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بلفظ: "خير الناس قرني

" الحديث.

وأما لفظ: "خير القرون" فهو الذي اشتهر عند بعض أهل العلم ـ ومنهم الشاطبي ـ، ولم يخرجه الشيخان، بل يندر وجوده في كتب الحديث.

(2)

قوله: "أن" ليس في (م).

(3)

قوله: "يفرض" ليس في (خ) و (م).

(4)

في (م): "الشرعية".

(5)

في (خ): "وإن كان وجه الجمع ضعيفاً".

(6)

في (خ): "أو" بدل "وإما".

(7)

في (خ): "أحد منا مبلغ الصحابة"، وفي (م):"أحدنا الصحابة".

ص: 66

أَو دونه، أو فوقه محتملاً (1)، فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، فَلَا بُدَّ من حمله على محكم الأَصل الأَول ولا إشكال.

ومن ذلك: قولهم بالتناقض بين (2) قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنَ مَتَّى"(3)، وَ"لَا تخيِّروا ين الأَنبياء"(4)، وبين قوله (5):"أَنا سيد ولد (6) آدم"(7)، ونحوه.

ووجه الجمع بينهما ظاهر (8).

(1) في (خ): "محتمل".

(2)

في (خ): "من" بدل "بين".

(3)

كذا ذكر المصنف هذا الحديث! وهو ناقل له عن "تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة (ص132) وإن لم يصرح به.

والصواب في لفظ الحديث: "لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن مَتَّى".

أخرجه البخاري (3395)، ومسلم (2377)، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(4)

أخرجه البخاري (2412 و6916)، ومسلم (2374، 163) من حديث أبي سعيد.

وأخرجه البخاري أيضاً (3414)، ومسلم (2373) من حديث أبي هريرة بلفظ:"لا تفضلوا بين أنبياء الله".

(5)

في (خ) و (م): "وبيني وقوله".

(6)

في (خ): "ولد سيد".

(7)

أخرجه مسلم (2278) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة".

وأخرجه أيضاً (194) هو والبخاري (3340) من حديث أبي هريرة بلفظ: "أنا سيد الناس يوم القيامة". وجاء في نسختي (خ) و (م) زيادة: "ولا فخر" في آخر لفظ الحديث، وهذه الزيادة ليست في لفظ الصحيحين، وإنما أخرجها الترمذي (3148 و3615)، وابن ماجه (4308)، وأحمد في "المسند"(3/ 2 رقم 10987)، جميعهم من طريق علي بن زيد بن جُدْعان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، به، وقال الترمذي:"حديث حسن صحيح".

وفي سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف كما في "التقريب"(4768).

(8)

وقد جمع بينها ابن قتيبة في الموضع السابق بعدة وجوه، لكن من أحسن ما قيل في الجمع بينها: أنه صلى الله عليه وسلم قال هذا قبل أن يعلم أنه أفضل من يونس، فلما علم ذلك قال: "أنا سيد ولد آدم

".

وقيل: إنه صلى الله عليه وسلم قال هذا زجراً عن أن يتخيّل أحد من الجاهلين شيئاً من حطّ مرتبة يونس صلى الله عليه وسلم من أجل ما في القرآن العزيز من قصته. قال العلماء: وما جرى ليونس صلى الله عليه وسلم لم يحطّه من النبوة مثقال ذرّة، وخصّ يونس بالذكر لما ذكرناه من ذكره في القرآن بما ذُكر. اهـ. من "شرح النووي"(15/ 132).=

ص: 67

وَمِنْهُ: أَنهم قَالُوا فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسُ يَدَهُ فِي الإِناء حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فإِن أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَين بَاتَتْ يَدُهُ"(1): إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُفْسِدُ (2) آخِرُهُ أَوله، فَإِنَّ أَوله صَحِيحٌ لَوْلَا قَوْلُهُ:"فَإِنَّ أَحدكم لا يدري" كذ، فما منا أَحد إِلا وقد (3) درى أن يده باتت حيث بات بدنه (4). وأَشد الأُمور أَن يَكُونَ مسَّ بِهَا فَرْجَهُ، وَلَوْ أَن رَجُلًا فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْيَقَظَةِ لَمَا طُلِبَ بِغَسْلِ يَدِهِ، فَكَيْفَ يُطْلَبُ بِالْغَسْلِ (5) وَلَا يَدْرِي هَلْ مسَّ فَرْجَهُ أَم لَا؟

وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ مِنَ النَّمَطِ الَّذِي (6) قَبْلَهُ، إِذ النَّائِمُ قَدْ يَمَسُّ (7) فَرْجَهُ فَيُصِيبُهُ شيءٌ مِنْ نجاسة بقيت (8) فِي الْمَحَلِّ؛ لِعَدَمِ اسْتِنْجَاءٍ تَقَدَّمَ النَّوْمَ، أَو لكونه استجمر فعرق (9) مَوْضِعِ الِاسْتِجْمَارِ، وَهُوَ لَوْ كَانَ يَقْظَانَ فَمَسَّ لعلم بالنجاسة إِذا علقت بيده، فيغسلها قبل غمسها فِي الإِناء لِئَلَّا يُفْسِدَ الماءَ، وإِذا أَمكن هَذَا لَمْ يَتَوَجَّهْ الِاعْتِرَاضُ.

فَجَمِيعُ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ رَاجِعٌ إِلى إِسقاط الأَحاديث بالرأْي الْمَذْمُومِ الَّذِي تَقَدَّمَ الِاسْتِشْهَادُ (10) عَلَيْهِ أَنَّهُ من البدع المحدثات.

=وقال ابن حجر في "فتح الباري"(6/ 452): "وقيل: خصّ يونس بالذكر لما يخشى على من سمع قصته أن يقع في نفسه تنقيص له، فبالغ في ذكر فضله لسدّ هذه الذريعة".

(1)

أخرجه البخاري (162)، ومسلم (278) من حديث أبي هريرة.

(2)

كذا في (خ)، وهو الصواب الموافق لما عند ابن قتيبة المنقول عنه هذا النص (ص88)، وفي باقي النسخ:"يُفَسِّر" بالراء.

(3)

قوله: "وقد" ليس في (خ).

(4)

في (خ) و (م): "درى أين باتت يده".

(5)

في (غ) و (ر): "بغسل".

(6)

قوله: "الذي" ليس في (غ) و (م) و (ر).

(7)

في (م): "مس".

(8)

قوله: "بقيت" ليس في (خ).

(9)

في (خ): "يكون استجمر فرق".

(10)

في (خ): "استشهاد"، وفي (م):"استشهادنا".

ص: 68