الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
وإذا سلَّمنا (1): إِنَّ مِنَ الْبِدَعِ مَا يَكُونُ صَغِيرَةً؛ فَذَلِكَ بِشُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: أَن لَا يُدَاوِمَ عَلَيْهَا، فإِن الصَّغِيرَةَ مِنَ الْمَعَاصِي لِمَنْ دَاوَمَ عَلَيْهَا تَكْبُرُ بِالنِّسْبَةِ إِليه؛ لأَن ذَلِكَ نَاشِئٌ عَنِ (2) الإِصرار عَلَيْهَا، والإِصرار عَلَى الصَّغِيرَةِ يُصَيِّرها كَبِيرَةً، وَلِذَلِكَ قَالُوا:"لَا صَغِيرَةَ مَعَ إِصرار، وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ"(3)، فَكَذَلِكَ الْبِدْعَةُ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ، إِلا أَن الْمَعَاصِيَ مِنْ شأْنها فِي الْوَاقِعِ (4) أَنها قَدْ يُصِرُّ عَلَيْهَا، وَقَدْ لَا يُصِرُّ عَلَيْهَا، وَعَلَى ذَلِكَ يَنْبَني طرحُ الشَّهَادَةِ، وسُخْطَةُ الشَّاهِدِ بِهَا أَو عَدَمُهُ، بِخِلَافِ الْبِدْعَةِ فإِن شأْنها في الواقع المداومة عليها (5)، وَالْحِرْصِ عَلَى أَن لَا تُزَالَ (6) مِنْ مَوْضِعِهَا، وأَن تَقُومَ عَلَى تَارِكِهَا الْقِيَامَةُ، وَتَنْطَلِقَ عَلَيْهِ أَلسنة الْمَلَامَةِ، وَيُرْمَى بالتَّسْفِيهِ والتَّجْهِيل، ويُنْبَزُ بالتَّبْديع والتَّبْديل (7)، ضِدَّ مَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ هَذِهِ الأُمة، والمُقْتَدَى بِهِمْ مِنَ الأَئمة.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: الاعتبار والنقل.
(1) في (خ) و (م) و (ت): "وإذا قلنا" بدل: "وإذا سلمنا".
(2)
في (م): "على".
(3)
أخرجه ابن جرير في "تفسيره"(8/ 245)، وابن أبي حاتم في "تفسيره"(3/ 934)، واللالكائي في "السنة"(1919)، ثلاثتهم من طريق شبل بن عباد، عن قيس بن سعد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رجلاً سأله عن الكبائر: أسبع هي؟ قال: هي إلى السبعمئة أقرب، إلا أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع إصرار. وإسناده صحيح.
(4)
في (ت): "إلا أن المعاصي في الواقع من شأنها".
(5)
قوله: "عليها" من (ر) و (غ) فقط.
(6)
في (م): "ألا نزال".
(7)
في (خ) و (م) و (ت): "والتضليل" بدل "والتبديل".
أما الاعتبار (1): فإِن أَهل الْبِدَعِ كَانَ مِنْ شأْنهم الْقِيَامُ بِالنَّكِيرِ عَلَى أَهل السُّنَّةِ إِن كَانَ لَهُمْ عُصْبَة، أَو لَصَقُوا بِسُلْطَانٍ تَجْرِي أَحكامه فِي النَّاسِ، وَتَنْفُذُ أَوامره فِي الأَقطار، وَمَنْ طَالَعَ سَيْرَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يَخْفَى.
وأَما النَّقْلُ: فَمَا ذَكَرَهُ السَّلَفُ مِنْ أَن الْبِدْعَةَ إِذا أُحدثت، لَا تَزِيدُ إِلا مُضِيًّا، وَلَيْسَتْ (2) كَذَلِكَ الْمَعَاصِي، فَقَدْ يَتُوبُ صَاحِبُهَا ويُنيب إِلى اللَّهِ، بَلْ قَدْ جاءَ مَا يَشُدّ (3) ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الفِرَق، حَيْثُ جاءَ فِي بَعْضُ الرِّوَايَاتِ:"تَتَجَارَى (4) بِهِمْ تِلْكَ الأَهواءُ كَمَا يَتَجَارَى (5) الكَلَبُ بِصَاحِبِهِ"(6). وَمِنْ هُنَا جَزَمَ السَّلَفُ بأَن الْمُبْتَدِعَ لَا تَوْبَةَ لَهُ مِنْهَا حسبما تقدم.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَن لَا يَدْعُوَ (7) إِلَيْهَا، فإِن الْبِدْعَةَ قَدْ تَكُونُ صَغِيرَةً بالإِضافة، ثُمَّ يَدْعُو مبتدعها إِلى القول بها، والعمل بمقتضاها (8)، فَيَكُونُ إِثم ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَيْهِ؛ فإِنه الَّذِي (9) أَثارها، وبسببه كَثُرَ (10) وقوعُها والعملُ بِهَا؛ فإِن الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ (11) قَدْ أَثبت (12) أَن كُلَّ مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً؛ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا، لَا يُنْقِص ذَلِكَ مِنْ أَوزارهم شَيْئًا، وَالصَّغِيرَةُ مع الكبيرة إِنما تفاوتهما (13) بِحَسَبِ كَثْرَةِ الإِثم وقِلَّته، فَرُبَّمَا تُسَاوِي الصغيرةُ ـ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ـ الكبيرةَ، أَو تُرْبي عَلَيْهَا.
فَمِنْ حَقِّ الْمُبْتَدِعِ إِذا ابْتُلِيَ بِالْبِدْعَةِ أَن يقتصر بها (14) عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَحْمِلَ مَعَ وِزْرِهِ وَزَرَ غيره.
(1) قوله: "أما الاعتبار" ليس في جميع النسخ، سوى (ت)، فإنه ملحق بهامشها، وهو المتفق مع السياق.
(2)
في (ر) و (غ): "ليس".
(3)
في (ت): "ما يؤيد" بدل "ما يشد".
(4)
في (ر) و (غ): "تتجازى".
(5)
في (غ): "يتجازى".
(6)
انظر: صفحة (390) من هذا الجزء.
(7)
في (ر) و (غ): "يدعى".
(8)
في (خ) و (م) و (ت): "على مقتضاها".
(9)
قوله: "الذي" ليس في (غ) و (ر).
(10)
في (خ) و (م): "ونسبة كثرة"، وفي (ت):"وسبب كثرة".
(11)
أخرجه مسلم في "صحيحه"(1017).
(12)
في (ر) و (غ): "أنبأ" بدل "أثبت".
(13)
في (م) و (خ): "تفاوتها".
(14)
قوله: "بها" ليس في (خ) و (م) و (ت).
وفي هذا الوجه قد يتعذّر الخروج عنه (1)؛ فإِن الْمَعْصِيَةَ فِيمَا بَيْنُ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ يَرْجُو فِيهَا مِنَ التَّوْبَةِ وَالْغُفْرَانِ مَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ مع الدعاءِ إِليها، وقد مَرّ من ذلك (2) فِي بَابِ ذَمِّ الْبِدَعِ، وَبَاقِي الْكَلَامِ فِي المسأَلة سيأْتى إِن شاء الله.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَن لَا تَفْعَلُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي هِيَ مُجْتَمَعَاتُ النَّاسِ، أَو الْمَوَاضِعُ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا السُّنَنُ، وَتُظْهَرُ فِيهَا أَعلام الشَّرِيعَةِ؛ فأَما إِظهارها فِي الْمُجْتَمَعَاتِ مِمَّنْ يُقْتَدى بِهِ، أَو ممن يُحَسَّن (3) بِهِ الظَّنَّ؛ فَذَلِكَ مِنْ أَضرّ الأَشياءِ على سنة الإِسلام، فإِنها لا تعدو أحد (4) أَمرين: إِما أَن يُقْتَدى بِصَاحِبِهَا فِيهَا، فإِن الْعَوَامَّ أَتباع كلِّ ناعِقٍ؛ لَا سِيَّمَا الْبِدَعَ الَّتِي وُكِّل الشَّيْطَانُ بِتَحْسِينِهَا (5) لِلنَّاسِ، وَالَّتِي لِلنُّفُوسِ فيها هَوًى (6)، وإِذا اقتُدي بِصَاحِبِ الْبِدْعَةِ الصَّغِيرَةِ كَبُرت بِالنِّسْبَةِ إِليه، لأَن كُلَّ مَنْ دَعَا إِلى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا، فَعَلَى حَسَبِ (7) كَثْرَةِ الأَتباع يَعْظُمُ عَلَيْهِ الوِزْرُ.
وَهَذَا بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِي صَغَائِرَ الْمَعَاصِي، فإِن الْعَالِمَ مَثَلًا إِذا أَظهر الْمَعْصِيَةَ ـ وإِن صَغُرَتْ ـ؛ سَهُلَ عَلَى النَّاسِ ارْتِكَابُهَا، فإِن الْجَاهِلَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ هَذَا الْفِعْلُ كَمَا قَالَ (8) مِنْ أَنه ذَنْبٌ، لَمْ يَرْتَكِبْهُ، وإِنما ارْتَكَبَهُ لأَمر عَلِمَه دُونَنَا، فَكَذَلِكَ الْبِدْعَةُ إِذا أَظهرها العالم، اقتُدِيَ (9) به (10) فيها لا محالة (11)؛ فإِنها مَظِنَّة (12) التقرُّب فِي ظَنِّ الْجَاهِلِ؛ لأَن الْعَالِمَ يَفْعَلُهَا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ، بَلِ الْبِدْعَةُ أَشدّ فِي هَذَا الْمَعْنَى؛ إِذ الذَّنْبُ قَدْ لَا يُتّبعُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْبِدْعَةِ، فَلَا يَتَحَاشَى أَحد عَنِ اتِّبَاعِهِ، إِلا مَنْ كَانَ عَالِمًا بأَنها بدعة
(1) قوله: "عنه" ليس في (خ) و (م) و (ت).
(2)
قوله: "من ذلك" من (ر) و (غ) فقط.
(3)
قوله: "يحسن" سقط من (خ) و (م) و (ت)، وعلق رشيد رضا على موضعه بقوله: لعل الأصل: "بمن يحسن به الظن".اهـ.
(4)
قوله: "أحد" من (ر) و (غ) فقط.
(5)
في (ر) و (غ): "لتحسينها".
(6)
في طبعة رشيد رضا: "للنفوس في تحسينها هوى"، مع أن نسخة (خ) موافقة لما هنا!
(7)
قوله: "حسب" سقط من (ت).
(8)
في (ر) و (غ): "قيل".
(9)
في (خ) و (م) و (ت): "المقتدى".
(10)
قوله: "به" سقط من (خ) و (م).
(11)
في (ر) و (غ): "لا مخالفة".
(12)
في (ت) و (خ) و (م): "فإنها في مظنة".
مذمومة، فحينئذ تصير (1) فِي دَرَجَةِ الذَّنْبِ، فإِذا كَانَتْ (2) كَذَلِكَ صَارَتْ كَبِيرَةً بِلَا شَكٍّ، فإِن كَانَ دَاعِيًا إِليها فَهُوَ (3) أَشد، وإِن كَانَ الْإِظْهَارُ بَاعِثًا عَلَى الِاتِّبَاعِ؛ فبالدعاءِ يَصِيرُ (4) أَدعى إِليه.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ: أَن رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسرائيل ابْتَدَعَ بِدْعَةً فَدَعَا النَّاسَ إِليها فَاتُّبعَ، وأَنه لَمَّا عَرَفَ (5) ذَنْبَهُ عَمَدَ إِلى تَرْقُوَتِهِ فَنَقَبَهَا، فأَدخل (6) فِيهَا حَلْقَةً، ثُمَّ جَعَلَ فِيهَا سِلْسِلَةً، ثم أوثقها في شجرة؛ فجعل يَبْكِي ويَعِجّ إِلى رَبِّهِ، فأَوحى اللَّهُ إِلى نَبِيِّ تِلْكَ الأُمة: أَن لَا تَوْبَةَ لَهُ (7)، قَدْ غُفِرَ لَهُ الَّذِي أَصاب؛ فَكَيْفَ بِمَنْ أَضَلَّ (8) من الناس (9)، فَصَارَ مِنْ أَهل (10) النَّارِ (11)(12)؟!.
وأَما اتِّخَاذُهَا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا السُّنَنُ: فَهُوَ كالدعاءِ إِليها بالتصريح؛ لأَن محل (13) إِظهار الشعائر (14) الإِسلامية يوهم (15) أَن كل ما
(1) في (م) و (ت) و (خ): "يصير".
(2)
في (ر) و (غ): "كان".
(3)
في (ت): "فهي".
(4)
كذا في (خ) و (ت)، وفي (ر) و (غ):"فالدعاء نصاً" وفي (م): "فالدعاء نصٌ".
(5)
في (ت): "علم" بدل "عرف".
(6)
في (ت): "فثقبها وأدخل".
(7)
قوله: "له" سقط من (ر) و (غ).
(8)
في (خ) و (م) و (ت): "ضل".
(9)
قوله: "من الناس" من (ر) و (غ) فقط.
(10)
قوله: "أهل" في موضعه بياض في (م).
(11)
قوله: "فصار من أهل النار" سقط من (ر) و (غ) وفي "البدع" لابن وضاح (72): "فكيف من أضل فصار إلى النار".
(12)
أخرجه ابن وضاح في "البدع والنهي عنها"(72) من طريق أسد بن موسى، قال: نا بعض أصحابنا، عن إسماعيل بن عياش، عن أبان بن أبي عياش، عن الحسن به.
وإسناده ضعيف جداً؛ لإبهام شيخ أسد، ولأن أبان بن أبي عيّاش البصري متروك؛ كما في "التقريب"(143)، ولأن إسماعيل بن عيّاش الحمصي ضعيف إذا روى عن غير الشاميين، ففي "التقريب" (477):"صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلِّط في غيرهم"، وهذا من روايته عن أبان، وهو بصري، ثم لو صَحّ هذا عن الحسن البصري لما كان حجّة؛ لأنه من الإسرائيليات، وليس هناك ما يحوج الشاطبي رحمه الله لإيراد مثل هذه الحكايات التي لا تصح، وتنافي ما هو معلوم من الدين بالضرورة من فتح باب التوبة!!.
(13)
في (خ): "عمل" بدل "محل"، وفي (م):"محمل"، وفي (ت):"محال".
(14)
في (ت) و (خ): "الشرائع".
(15)
في (ت) و (خ): "توهم".
أُظهر فِيهَا فَهُوَ مِنَ الشَّعَائِرِ، فكأَنّ المُظْهِرَ لَهَا يَقُولُ: هَذِهِ سُنَّةٌ فَاتَّبِعُوهَا.
قَالَ أَبو مُصْعَبٍ (1): قَدِمَ عَلَيْنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، فصلَّى، وَوَضَعَ رداءَه بَيْنَ يَدَيِ الصَّفِّ، فَلَمَّا سلَّم الإِمام رَمَقَهُ (2) النَّاسُ بأَبصارهم، ورَمَقوا مَالِكًا ـ وَكَانَ قَدْ صَلَّى خَلْفَ الإِمام ـ، فَلَمَّا سلَّم قَالَ: مَنْ هَاهُنَا مِنَ الحَرَس؟ فجاءَه نَفْسَانِ، فَقَالَ: خُذَا صَاحِبَ هَذَا الثَّوْبِ فَاحْبِسَاهُ، فحُبِسَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنه ابْنُ مَهْدِيٍّ، فوجَّه إِليه وَقَالَ لَهُ (3): أَمَا خِفْتَ (4) اللَّهَ واتَّقَيْتَه أَن وَضَعْتَ ثَوْبَكَ بَيْنَ يَدَيْكَ فِي الصَّفِّ، وَشَغَلْتَ الْمُصَلِّينَ بِالنَّظَرِ إِليه، وَأَحْدَثْتَ فِي مَسْجِدِنَا شَيْئًا مَا كُنَّا نَعْرِفُهُ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ أَحْدَثَ فِي مَسْجِدِنَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجمعين"(5)؟ فَبَكَى ابْنُ مَهْدِيٍّ، وَآلَى عَلَى نَفْسِهِ أَن لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ أَبداً فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَلَا فِي غَيْرِهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ عن ابن مهدي (6) قال: فقلت للحرسِيَّيْن: تذهبان بي إلى أبي (7) عبد الله؟ قالا: إِن شئت، فذهبا (8) بي (9) إِليه، فَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ! تُصَلِّي مُسْتَلباً (10)؟! فَقُلْتُ: يَا أَبا عَبْدِ اللَّهِ! إِنه كَانَ يَوْمًا حارًّا ـ كما
(1) ذكرها القاضي عياض في "ترتيب المدارك"(2/ 40)، وتقدمت في الجزء الأول (ص204 ـ 205).
(2)
في (غ): "رمقوا"، ويشبه أن تكون هكذا في (ر).
(3)
قوله: "له" ليس في (ر) و (غ).
(4)
في (خ) و (م) و (ت): "ما خفت".
(5)
الحديث أخرجه البخاري في "صحيحه"(1867 و7306)، ومسلم (1366 و1367)، كلاهما من طريق عاصم بن سليمان الأحول؛ قال: قلت لأنس بن مالك: أَحْرَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم المدينة؟ قال: نعم! ما بين كذا إلى كذا، فمن أحدث فيها حدثاً، قال: ثم قال لي: هذه شديدة: "مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يوم القيامة صَرْفاً ولا عَدْلاً". قال: فقال ابن أنس: أو آوى مُحْدثاً. اهـ. واللفظ لمسلم.
ولا شك أن أول ما ينصرف إليه هذا الحديث من المدينة: مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك جعل مالك رحمه الله السياق هكذا: "من أحدث في مسجدنا
…
" إلخ، وأما لفظ الحديث، فهو الذي تقدم.
(6)
ذكرها القاضي عياض في الموضع السابق.
(7)
قوله: "أبي" سقط من (م) ".
(8)
في (خ): و (ت): "فذهبنا".
(9)
قوله: "بي" من (ر) و (غ) فقط، والمثبت موافق لما في "ترتيب المدارك".
(10)
في (ر) و (غ): "متسلباً"، وفي (م):"مستلب".
رأَيت ـ، فَثَقُلَ رِدَائِي عَلَيَّ، فَقَالَ: آللَّهُ! مَا أَردت بِذَلِكَ (1) الطَّعْنَ عَلَى مَنْ مَضَى وَالْخِلَافَ عَلَيْهِ (2)؟ قُلْتُ: آللَّهُ (3)! قَالَ: خَلِّيَاهُ.
وَحَكَى ابْنُ وَضَّاحٍ (4) قَالَ: ثوَّبَ الْمُؤَذِّنُ بِالْمَدِينَةِ فِي زَمَانِ مَالِكٍ، فأَرسل إِليه مَالِكٌ فجاءَه، فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: مَا هَذَا الَّذِي (5) تَفْعَلُ؟ فَقَالَ: أَردت أَن يعرف الناس طلوع الفجر فيقوموا، فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: لَا تَفْعَلْ! لَا تُحْدِثْ (6) فِي بَلَدِنَا شَيْئًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ! قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا الْبَلَدِ عَشْرَ سِنِينَ، وأَبو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، فَلَمْ يَفْعَلُوا هَذَا، فَلَا تُحْدِثْ فِي بَلَدِنَا مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ! فكَفَّ الْمُؤَذِّنُ عَنْ ذَلِكَ، وأَقام زَمَانًا، ثُمَّ إِنه تَنَحْنَحَ فِي المَنارة عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فأَرسل إِليه مالك، فقال له: ما هذا (7) الَّذِي تَفْعَلُ؟ قَالَ: أَردت أَن يَعْرِفَ النَّاسُ طُلُوعَ الْفَجْرِ، فَقَالَ لَهُ: أَلَمْ أَنْهَك أَن لَا تُحْدِثَ عِنْدِنَا مَا لَمْ يَكُنْ؟ فَقَالَ: إِنما نهيتني عن التَّثْويب (8)! فقال له مالك (9): لا تفعل! فَكَفَّ أيضاً (10) زَمَانًا، ثُمَّ جَعَلَ يَضْرِبُ الْأَبْوَابَ، فأَرسل إِليه مالك (11)، فقال له (12): مَا هَذَا الَّذِي تَفْعَلُ؟ فَقَالَ (13): أَردت أَن يَعْرِفَ النَّاسُ طُلُوعَ الْفَجْرِ، فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: لَا تَفْعَلْ! لَا تُحْدِثْ (14) فِي بَلَدِنَا مَا لم يكن فيه!.
(1) في (م): "أبذلك".
(2)
في (ر) و (غ): "عليهم".
(3)
علق رشيد رضا على هذا الموضع بقوله: هذا قسم حذفت أداته؛ لقّنه القَسَم، فحلف على ما لقّنه، فكأنه قال له: قل: والله! ما أردت بهذا الطعن
…
، إلخ، فقال: والله؛ أي: ما أردت ذلك. اهـ.
(4)
في "البدع والنهي عنها"(103) تعليقاً.
(5)
قوله: "الذي" سقط من (خ) و (م) و (ت)، وقوله:"مالك ما هذا الذي" مكرر في (غ).
(6)
في (ت): "ولا تحدث".
(7)
قوله: "هذا" سقط من (خ).
(8)
في (م): "الثويب".
(9)
قوله: "مالك" من (ر) و (غ) فقط، وهو مثبت في "البدع والنهي عنها".
(10)
قوله: "أيضاً" من (ر) و (غ) فقط، وهو مثبت في "البدع والنهي عنها".
(11)
في (ر) و (غ): "فأرسل مالك فيه".
(12)
قوله: "له" من (ر) و (غ) فقط، وهو مثبت في "البدع والنهي عنها".
(13)
في (ت): "قال".
(14)
في (م): "لا تجدث".
قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ: وَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ التَّثْوِيبَ. قال (1): وإِنما أُحدث هذا بالعراق.
قيل لابن وَضَّاحٍ: فَهَلْ كَانَ يُعمل بِهِ بِمَكَّةَ (2)، أَو الْمَدِينَةِ، أَو مِصْرَ، أَو غَيْرِهَا مِنَ الأَمصار؟ فَقَالَ: مَا سَمِعْتُهُ إِلا عِنْدَ بَعْضِ الْكُوفِيِّينَ والإِباضيين (3).
فتأَمّل كَيْفَ مَنَعَ مَالِكٌ مِنْ إِحداث أَمرٍ يَخِفُّ شأْنه عند الناظر فيه ببادي الرأْي، وَجَعْلِهِ أَمراً مُحْدَثًا، وَقَدْ قَالَ فِي التَّثْوِيبِ: إِنه ضَلَالٌ (4). وَهُوَ بَيِّنٌ؛ لأَن كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَلَمْ يُسَامِحْ المؤذن (5) فِي التَّنَحْنُحِ، وَلَا فِي ضَرْبِ الأَبواب؛ لأَن ذَلِكَ جَدِيرٌ بأَن يُتَّخَذَ سُنَّةً، كَمَا مَنَعَ مِنْ وَضْعِ الرِّدَاءِ (6) عبدَ الرحمن بنَ مهدي خوفاً (7) أَن يَكُونَ حَدَثًا أَحدثه.
وَقَدْ أَحدث بِالْمَغْرِبِ المُتَسَمِّي (8) بِالْمَهْدِيِّ (9) تَثْوِيبًا عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ:"أَصبح وَلِلَّهِ الْحَمْدُ"؛ إِشعاراً بأَن الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ، لإِلزام الطَّاعَةِ، وَلِحُضُورِ الْجَمَاعَةِ، وللْغُدوِّ (10) لكل (11) ما يؤمرون به، فَمَحَضَهُ (12) هؤلاءِ المتأَخرون تَثْوِيبًا بِالصَّلَاةِ كالأَذان.
وَنَقَلَ أَيضاً إِلى أَهل الْمَغْرِبِ الْحِزْبَ الْمُحْدَثَ بالإِسكندرية، وَهُوَ الْمُعْتَادُ فِي جَوَامِعِ الأَندلس وَغَيْرِهَا، فَصَارَ ذَلِكَ كُلُّهُ سَنَةً فِي الْمَسَاجِدِ إِلى الْآنَ، فإِنا لله وإِنا إِليه راجعون!.
(1) أي: ابن وضاح.
(2)
في (ت): "في مكة".
(3)
إلى هنا انتهى كلام ابن وضاح من كتابه السابق عقب ذكره لحكاية مالك.
(4)
تقدم تخريجه صفحة (383 و394).
(5)
في (خ) و (م) و (ت): "للمؤذن".
(6)
في (خ) و (ت): "رداء".
(7)
في (ت) و (خ): "خوف".
(8)
في (ت): "المسمى".
(9)
هو: محمد بن عبد الله بن تومرت. انظر ترجمته مطوَّلة في "سير أعلام النبلاء"(19/ 539)، وانظر طرفاً من أخباره وإحداثاته فيما ساقه المؤلف (ص84 فما بعد).
(10)
قوله: "وللغدو" في موضعه بياض في (ت).
(11)
في (ت): "ولكل"، ويبدو أنها واو "وللغدو".
(12)
كذا في (ر) و (غ)، وفي (خ):"فيخصه"، وفي (م):"فبحصه"، وفي (ت) يشبه أن=
وَقَدْ فُسِّرَ التَّثْوِيبَ الَّذِي أَشار إِليه مَالِكٌ: بأَن الْمُؤَذِّنَ كَانَ إِذا أَذَّن فأَبطأَ النَّاسُ؛ قَالَ بَيْنَ الأَذان والإِقامة: "قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَّاحِ"(1)، وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِمْ عِنْدَنَا: الصَّلَاةُ، رَحِمَكُمُ اللَّهُ!.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (2) بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنه دخل مسجداً يريد (3) أَن يُصَلِّيَ فِيهِ، فثوَّب الْمُؤَذِّنُ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَقَالَ: اخْرُجْ بِنَا (4) مِنْ عِنْدِ هَذَا الْمُبْتَدَعِ! وَلَمْ يَصُلِّ فيه (5).
قال ابن رشد (6): وهو (7) نَحْوٌ مِمَّا كَانَ يُفعل عِنْدَنَا بِجَامِعِ قُرْطُبَةَ؛ مِنْ أَنْ يُفْرِدُ (8) الْمُؤَذِّنُ بَعْدَ أَذَانِهِ قَبْلَ الْفَجْرِ النداءَ عِنْدَ الْفَجْرِ بِقَوْلِهِ: حَيَّ عَلَى الصلاة، ثم تُرِكَ. قَالَ: وَقِيلَ: إِنما عَنَى بِذَلِكَ قَوْلَ الْمُؤَذِّنِ فِي أَذانه: حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ؛ لأَنها كَلِمَةٌ زَادَهَا فِي الأَذان مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ من الشيعة.
=تكون: "فتخصه". ومعنى "فمحضه": أي: جعلوه خالصاً للصلاة؛ بمعنى خصّوها به، وهذا يقرب مما في (خ) و (ت)، والله أعلم.
(1)
انظر ما تقدم (ص383 ـ 384 و394) من هذا الجزء.
(2)
قوله: "عبد الله" من (ر) و (غ) فقط.
(3)
قوله: "يريد" ليس في (م)، وفي (خ) و (ت):"أراد".
(4)
علق رشيد رضا على هذا الموضع بقوله: "يظهر أنه كان معه صاحب قال له ذلك. وهل كان في كلام المصنف تصريح بذلك سقط من الناسخين أم لا؟ الله أعلم".اهـ. وليس هناك سقط، ولكن المصنف لم يذكر اسم مجاهد في الرواية، وهو كان مع ابن عمر.
(5)
هذا الأثر أخذه المصنف ـ فيما يظهر ـ من "البيان والتحصيل" لابن رشد (1/ 435)؛ فإنه ذكره هناك، ثم ذكر الكلام الآتي نقله عنه. وقد أخرجه أبو داود (538) ـ ومن طريقه البيهقي (1/ 424) ـ من طريق سفيان الثوري، عن أبي يحيى القتّات، عن مجاهد؛ قال كنت مع ابن عمر
…
، فذكره.
قال: النووي في "المجموع"(3/ 106): "ليس إسناده بالقوي".اهـ. وعِلّته أبو يحيى القتات فإنه لين الحديث كما في "التقريب"(8512).
وأخرجه عبد الرزاق (1/ 475) عن ابن عيينة، عن ليث، عن مجاهد، به، وليث هو: ابن أبي سُليم، وهو ضعيف. انظر "التقريب"(5721).
(6)
في "البيان والتحصيل"(1/ 435 ـ 436).
(7)
كذا في (ر) و (غ) و"البيان والتحصيل"، وفي باقي النسخ:"وهذا".
(8)
كذا في جميع النسخ، وفي "البيان والتحصيل""يعود" بدل "يفرد".
وَوَقَعَ فِي الْمَجْمُوعَةِ (1): أَن مَنْ سَمِعَ التَّثْوِيبَ وَهُوَ (2) فِي الْمَسْجِدِ خَرَجَ عَنْهُ، كَفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما.
وَفِي المسأَلة كَلَامٌ، والمقصود (3) مِنْهُ التَّثْوِيبُ الْمَكْرُوهُ الَّذِي قَالَ فِيهِ مَالِكٌ: إِنه ضَلَالٌ، وَالْكَلَامُ يَدُلُّ عَلَى التَّشْدِيدِ فِي الأُمور الْمُحْدَثَةِ أَن تَكُونَ فِي مَوَاضِعِ الْجَمَاعَةِ (4)، أَو فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا السُّنَنُ، ويُحَافَظُ فيها (5) عَلَى الْمَشْرُوعَاتِ أَشد الْمُحَافَظَةِ، لأَنها إِذا أُقيمت هُنَالِكَ أَخذها النَّاسُ وَعَمِلُوا بِهَا، فَكَانَ وِزْرُ ذَلِكَ عَائِدًا عَلَى الْفَاعِلِ أَوَّلاً، فيَكْثُر (6) وِزْرُهُ، ويَعْظُم خطر بدعته.
وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَن لَا يَسْتَصْغِرَهَا وَلَا يَسْتَحْقِرُهَا ـ وإِن فَرَضْنَاهَا صَغِيرَةً ـ، فإِن ذَلِكَ اسْتِهَانَةٌ بِهَا، وَالِاسْتِهَانَةُ بِالذَّنْبِ أَعظم مِنَ الذَّنْبِ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِعِظَمِ مَا هُوَ صَغِيرٌ. وَذَلِكَ أَن الذَّنْبَ لَهُ نَظَرَانِ: نَظَرٌ (7) مِنْ جِهَةِ رُتْبَتِهِ في الشرع (8)، وَنَظَرٌ مِنْ جِهَةِ مُخَالَفَةِ الرَّبِّ الْعَظِيمُ بِهِ.
فأَما النَّظَرُ الأَول: فَمِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ يُعَدّ صَغِيرًا إِذا (9) فَهِمْنَا مِنَ الشَّرْعِ أَنه صَغِيرٌ، لأَنا نضعه حيث وضعه الشرع.
وأَما النظر (10) الْآخَرُ: فَهُوَ رَاجِعٌ إِلى اعْتِقَادِنَا فِي الْعَمَلِ به؛ حيث نَسْتَحْقِرُ مواجهة (11) الرَّبِّ سُبْحَانَهُ بِالْمُخَالَفَةِ، وَالَّذِي كَانَ يَجِبُ فِي حَقِّنَا أَن نَسْتَعْظِمَ ذَلِكَ جِدًّا، إِذ لَا فَرْقَ فِي التَّحْقِيقِ بَيْنَ الْمُوَاجَهَتَيْنِ: الْمُوَاجَهَةُ بِالْكَبِيرَةِ، والمواجهة بالصغيرة.
(1) انظر: "البيان والتحصيل"(1/ 435 و436).
(2)
قوله: "وهو" ليس في (ر) و (غ).
(3)
في (خ): "المقصود".
(4)
في (ت): أن لا تكون في مواضع الجماعات".
(5)
في (خ) و (ت) و (م): "والمحافظة" بدل "ويحافظ فيها".
(6)
في (ر) و (غ): "فيكبر".
(7)
قوله: "نظر" ليس في (خ).
(8)
في (خ) و (م): "الشرط". بدل "الشرع"، وفي هامش (م) كتب:"لعله الشرع".
(9)
في (ت) و (م): "إذ".
(10)
قوله: "النظر" ليس في (خ) و (ت) و (م).
(11)
في (م): "نستحر مواجهة" وفي (خ) و (ت): "نستحرم جهة".
وَالْمَعْصِيَةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ مَعْصِيَةٌ لَا يُفَارِقُهَا (1) النَّظَران فِي الْوَاقِعِ أَصلاً؛ لأَن تصوُّرَها (2) مَوْقُوفٌ عَلَيْهِمَا (3)، فَالِاسْتِعْظَامُ لِوُقُوعِهَا مَعَ كَوْنِهَا يُعْتَقَدُ فِيهَا أَنها صَغِيرَةٌ لَا يَتَنَافَيَانِ، لأَنهما اعْتِبَارَانِ مِنْ جهتين: فالعاصي وإِن تعمد (4) الْمَعْصِيَةَ لَمْ يَقْصِدْ بِتَعَمُّدِهِ الِاسْتِهَانَةَ بِالْجَانِبِ العَلِيِّ الرَّبَّانِيِّ، وإِنما قَصَدَ اتِّبَاعِ شَهْوَتِهِ مَثَلًا فِيمَا جَعَلَهُ الشَّارِعُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا، فَيَقَعُ الإِثم عَلَى حَسَبِهِ، كَمَا أَن الْبِدْعَةَ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا صَاحِبُهَا مُنَازَعَةَ الشَّارِعِ وَلَا التَّهَاوُنَ بِالشَّرْعِ، وإِنما قَصَدَ الْجَرْيَ عَلَى مُقْتَضَاهُ، لَكِنْ بتأْويلٍ زَادَهُ وَرَجَّحَهُ عَلَى غَيْرِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذا تَهَاوَنَ بِصِغَرِهَا فِي الشَّرْعِ فإِنه إِنما تَهَاوَنَ بِمُخَالَفَةِ الْمَلِكِ الْحَقِّ، لأَن النَّهْيَ حَاصِلٌ، وَمُخَالَفَتُهُ حَاصِلَةٌ، وَالتَّهَاوُنُ بِهَا عَظِيمٌ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ:"لَا تَنْظُرْ إِلى صِغَرِ الْخَطِيئَةِ، وَانْظُرْ إِلى عَظَمَةِ من واجهته (5) بها"(6).
(1) في (غ): "لا يوافقها".
(2)
في (غ): "تصورهما".
(3)
في (خ) و (م): "عليها".
(4)
في (خ) و (ت) و (م): "يعمل" بدل "تعمد"، وعلق رشيد رضا قبلها بقوله: لعله سقط من هنا كلمة: "كان".اهـ.
(5)
في (خ): "أوجهته".
(6)
هذا نصُّ حديثٍ رُوي عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ وَلَا يصحُّ؛ وإنما المشهور أنه من قول بلال بن سعد.
فأما المرفوع: فقد جاء من حديث ابن عمر، وعمرو بن العاص، وأبي هريرة رضي الله عنهم.
أخرجها ابن الجوزي في "العلل المتناهية"(1289 و1290 و1291) من طريقهم، ثم قال: فهذا مشهور من كلام بلال بن سعد، وإنما رفعه إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الكذابون. فأما حديث ابن عمر: ففيه غالب بن عبيد الله، قال يحيى: ليس بثقة، وقال ابن حبان يروي المعضلات عن الثقات، لا يجوز الاحتجاج به. وأما حديث عمرو: ففيه محمد بن إسحاق العكاشي، وهو الذي تفرد به، وقد سبق ذكره في كتابنا هذا، وأنه كذاب، وقال الدارقطني: يضع الحديث. وأما حديث أبي هريرة: ففيه سليمان بن عمرو، وهو أبو داود النخعي، وقد سبق في كتابنا أن أحمد بن حنبل قال: هو كذاب، وقال مرّة: كان يضع الحديث، وكذلك قال يحيى: هو ممن يعرف بالكذب ووضع الحديث".
وأخرج العقيلي في "الضعفاء"(3/ 431) حديث ابن عمر من طريق غالب بن عبيد الله، ثم قال: "ليس له أصل مسند، ولا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به، وإنما=
وَفِي الصَّحِيحِ أَن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "أَي يَوْمٍ هَذَا؟ "، قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الأَكبر، قَالَ:"فإِن دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وأَعراضكم بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يومكم هذا، في بلدكم هذا، ألا (1) لَا يَجْنِي جانٍ إِلا عَلَى نَفْسِهِ، أَلا لَا يَجْنِي جانٍ عَلَى وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودٌ على والده، أَلا وإِن الشيطان قد أيِسَ (2) أَن يُعبد (3) في بلدكم هذا (4) أَبداً، ولكن ستكون (5) لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرون (6) مِنْ أَعمالكم، فَسَيَرْضَى به"(7).
=يروى هذا عن بلال بن سعد"، ثم رواه بإسناده عن بلال بن سعد، ثم قال: "وهذا أولى من رواية غالب".
ونحوه كلام أبي نعيم في "الحلية"(6/ 78).
وانظر: لقول بلال بن سعد: "الزهد" لابن المبارك (1/ 24)، و"الزهد" للإمام أحمد (1/ 384)، و"تاريخ بغداد"(3/ 280)، و"شعب الإيمان"(1/ 269) و (5/ 430)، و"تهذيب الكمال"(4/ 295)، و"السير"(5/ 91)، و"طبقات الحنابلة"(1/ 321).
(1)
قوله: "ألا" من (ر) و (غ) فقط.
(2)
في (خ) و (م) و (ت)"يئس".
(3)
في (ت) و (خ) و (م): "أن لا يعبد".
(4)
في (ر) و (غ): "بلادكم هذه" وفي (م): "بلدكم هذه".
(5)
في (خ) و (ت) و (م): "ولا تكون" بدل "ولكن ستكون".
(6)
في (خ) و (م): "يحتقرون".
(7)
الحديث لم يخرج في "الصحيحين" بهذا اللفظ، ولذا علق رشيد رضا عليه بقوله: كذا في نسخة الكتاب! ولا أذكر لأحد روايته بهذا اللفظ، وفي حديث عمرو بن الأحوص عند أصحاب السنن ـ ما عدا أبا داود ـ:"ألا إن الشيطان قد أَيِسَ أن يعبد في بلدكم هذا أبداً، ولكن سيكون له طاعة في بعض ما تحقرون من أعمالكم، فيرضى بها".اهـ.
ولعل المصنف أراد: "وفي الحديث الصحيح"، فالحديث أخرجه بهذا اللفظ الترمذي (2159)، وابن ماجه (3055)، والنسائي في "الكبرى"(4100) من طريق أبي الأحوص، عن شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أبيه، به.
قال الترمذي: "حسن صحيح، ولا نعرفه إلا من حديث شبيب بن غرقدة".
وفي إسناده ضعف؛ سليمان بن عمرو قال فيه ابن القطان: مجهول كما في "تهذيب التهذيب"(4/ 186 رقم 363)، وذكره ابن حبان في "الثقات"(4/ 314)،. وقال الحافظ في "التقريب" (2613): مقبول.
وأخرجه أحمد (2/ 368) وغيره من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ:"إن الشيطان قد أيس أن يعبد بأرضكم هذه، ولكنه قد رضي منكم بما تحقرون".=
فَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام: "فَسَيَرْضَى بِهِ": دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ الخَطْبِ فِيمَا يُسْتَحْقَرُ.
وَهَذَا الشَّرْطُ مِمَّا اعْتَبَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فإِنه ذَكَرَ فِي "الإِحياءِ" (1): أَن مِمَّا تَعْظُمُ بِهِ الصَّغِيرَةُ: أَن يَسْتَصْغِرَهَا. قَالَ: فإِن الذَّنْبَ كُلَّمَا اسْتَعْظَمَهُ الْعَبْدُ مِنْ نَفْسِهِ صَغُرَ عِنْدَ اللَّهِ، وَكُلَّمَا اسْتَصْغَرَهُ كَبُرَ عِنْدَ اللَّهِ: ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ وَبَسَطَهُ.
فإِذا تَحَصَّلَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ؛ فإِذْ ذَاكَ يُرْجَى أَن تَكُونَ صغيرُتها صَغِيرَةً (2)، فإِن تَخَلَّفَ شَرْطٌ مِنْهَا أَو أَكثر؛ صَارَتْ كَبِيرَةً، أَو خِيفَ أَن تَصِيرَ كَبِيرَةً (3)، كَمَا (4) أَن المعاصي كذلك، والله أعلم.
=وإسناده صحيح.
وأخرجه الحميدي (1/ 54 رقم 98) من طريق إبراهيم الهجري؛ أنه سمع أبا الأحوص يقول: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إن الشيطان قد أيس أن تُعبد الأصنام بأرضكم هذه، أو بلدكم هذا؛ ولكنه قد رضي منكم بالمحقِّرات من أعمالكم، فاتقوا المحقرِّات، فإنهن من الموبقات
…
"، الحديث.
وفي سنده إبراهيم بن مسلم الهَجَري وهو مُتَكلَّم فيه، لكن الراوي عنه هنا سفيان بن عيينة، وروايته عنه جيدة كما بينته في تعليقي على "سنن سعيد بن منصور"(1/ 44 رقم 7).
والحديث أصله في "الصحيحين" دون موضع الشاهد.
فقد أخرجه البخاري (67)، ومسلم (1679)، كلاهما من حديث أبي بكرة رضي الله عنه؛ في ذكر خطبته صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، لكن المخرج منه مما يتفق مع هذا الحديث إلى قوله:"في بلدكم هذا".
وأخرج مسلم (2812) حديث جابر رضي الله عنه؛ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم"، والله أعلم.
(1)
(4/ 32).
(2)
قوله: "صغيرة" سقط من (ر) و (غ).
(3)
قوله: "أو خيف أن تصير كبيرة" ليس في (ر) و (غ).
(4)
في (غ): "مع" بدل "كما"، ثم صوبت في الهامش.
الْبَابُ السَّابِعُ
فِي الِابْتِدَاعِ (1) هَلْ يَدْخُلُ فِي الأُمور (2) العادية؟ أَم يختص بالأُمور الْعِبَادِيَّةِ؟
قَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِّ الْبِدْعَةِ مَا يَقْتَضِي الْخِلَافَ فِيهِ: هَلْ يَدْخُلُ فِي الأُمور الْعَادِيَّةِ؟ أَم لَا؟
أَما الْعِبَادِيَّةُ: فَلَا إِشكال فِي دُخُولِهِ (3) فِيهَا، وَهِيَ عَامَّةُ (4) الْبَابِ، إِذ الأُمور الْعِبَادِيَّةُ إِما أَعمال قَلْبِيَّةٌ وأُمور اعْتِقَادِيَّةٌ، وإِما أَعمال جَوَارِحَ مِنْ قَوْلٍ، أَو فِعْلٍ، وَكِلَا الْقِسْمَيْنِ قَدْ دَخَلَ فِيهِ الِابْتِدَاعُ؛ كَمَذْهَبِ الْقَدَرِيَّةِ، وَالْمُرْجِئَةِ، وَالْخَوَارِجِ، وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَكَذَلِكَ مَذْهَبُ (5) الإِباحة (6)، وَاخْتِرَاعِ الْعِبَادَاتِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ، وَلَا أَصل مرجوع إِليه.
وأَما الْعَادِيَّةُ (7): فَاقْتَضَى النَّظَرُ وُقُوعَ الْخِلَافِ فِيهَا، وأَمثلتها ظَاهِرَةٌ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي تَقْسِيمِ الْبِدَعِ، كالمُكُوس، والمحدثات (8) مِنَ المَظَالِم (9)، وَتَقْدِيمِ الْجُهَّالِ عَلَى العلماءِ فِي الولايات العلمية، وتولية المناصب الشريفة (10) من
(1) في (ت): "في أن الابتداع".
(2)
قوله: "الأمور" سقط من (ت).
(3)
قوله: "في دخوله" ليس في (ر) و (غ).
(4)
قوله: "وهي عامة" مكرر في (غ).
(5)
في (ر) و (غ): "مذاهب".
(6)
في (ت) و (م): "الإباحية".
(7)
في (غ): "العبادية".
(8)
في (خ) و (م) و (ت): "والمحدثة".
(9)
في (خ): "الظالم".
(10)
كذا في جميع النسخ، والمصنف استفاد هذه العبارة من "الفروق" للقرافي (4/ 346)، كما يدل عليه ذكره له فيما يأتي، ووقع عند القرافي:"الشرعية" بدل "الشريفة".
ليس لها بأَهل؛ بل (1) بِطْرِيقِ الْوِرَاثَةِ، وإِقامة صُوَرِ الأَئمة وَوُلَاةِ الأُمور وَالْقُضَاةِ، وَاتِّخَاذِ الْمَنَاخِلِ، وَغَسْلِ الْيَدِ بالأَشنان، وَلُبْسِ الطَّيَالِسِ (2)، وَتَوْسِيعِ الأَكمام (3)، وأَشباه ذَلِكَ مِنَ الأُمور الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِي الزَّمَنِ (4) الْفَاضِلِ، وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ، فإِنها أُمور جَرَتْ فِي النَّاسِ، وكثُر الْعَمَلُ بِهَا، وَشَاعَتْ وَذَاعَتْ، فَلَحِقَتْ بِالْبِدَعِ، وَصَارَتْ كَالْعِبَادَاتِ المُخْتَرعة الْجَارِيَةِ فِي الأُمة، وَهَذَا مِنَ الأَدلة الدَّالَّةِ عَلَى مَا قُلْنَا، وإِليه مَالَ الْقَرَافِيُّ (5) وَشَيْخُهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ (6)، وَذَهَبَ إِليه بَعْضُ السَّلَفِ.
فَرَوَى أَبو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ (7) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَسلم أَنه وُلد لَهُ وَلَدٌ ـ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الطُّوسِيُّ ـ فَقَالَ لِي (8): اشْتَرِ كَبْشَيْنِ (9) عَظِيمَيْنِ. وَدَفَعَ إِليَّ دَرَاهِمَ، فَاشْتَرَيْتُ له، وأَعطاني عشرة دراهم، فقال (10) لي:
(1) قوله: "بل" من (ر) و (غ) فقط.
(2)
في (ر) و (غ): "الطيالسة".
(3)
قال ابن القيم رحمه الله في "زاد المعاد"(1/ 140).
"
…
وأما هذه الأكمام الواسعة الطوال التي هي كالأخراج: فلم يلبسها هو ولا أحد من أصحابه البَتَّة، وهي مخالفة لسنته، وفي جوازها نظر، فإنها من جنس الخيلاء
…
".
وقال الشوكاني رحمه الله في "نيل الأوطار"(2/ 108) بعد أن نقل كلام ابن القيم:
"وقد صار أشهر الناس بمخالفة هذه السنة في زماننا هذا العلماء، فيُرى أحدهم وقد جعل لقميصه كُمّين يصلح كل واحد منهما أن يكون جُبّة أو قميصاً لصغير من أولاده، أو يتيم، وليس في ذلك شيء من الفوائد الدنيوية إلا العبث، وتثقيل المؤنة على النفس، ومنع الانتفاع باليد في كثير من المنافع، وتعريضه لسرعة التمزق وتشويه الهيئة، ولا الدينية إلا مخالفة السنة والإسبال والخيلاء".
(4)
في (ر) و (غ): "الزمان".
(5)
في الفرق الثاني والخمسون والمئتان من "الفروق"(4/ 348 ـ 349).
(6)
في كتابه "قواعد الأحكام في مصالح الأنام"(2/ 195 ـ 196)، وتقدم نقل المصنف لكلام القرافي وابن عبد السلام بطوله، والردّ عليه في (1/ 321 ـ 325 فما بعد)، ونقله النووي أيضاً في "تهذيب الأسماء واللغات"(3/ 20) عن العز ابن عبد السلام.
(7)
في "حلية الأولياء"(9/ 243 ـ 244).
(8)
قوله: "لي" ليس في (خ) و (ت) في هذا الموضع، بل جاء متأخراً بعد الكلمة الآتية.
(9)
في (خ) و (ت): "اشتر لي كبشين"، وانظر التعليق السابق.
(10)
في (خ) و (م) و (ت): "عشرة أخرى وقال".
اشتر (1) بها (2) دقيقاً وَاخْبِزْهُ (3). قَالَ: فَنَخَلْتُ الدَّقِيقَ، وَخَبَزْتُهُ، ثُمَّ جِئْتُ بِهِ، فَقَالَ: نَخَلْتَ هَذَا؟ وأَعطاني عَشَرَةً أُخرى وَقَالَ (4): اشْتَرِ بِهِ دَقِيقًا وَلَا تَنْخُلْهُ وَاخْبِزْهُ، فَخَبَزْتُهُ وَحَمَلْتُهُ إِليه، فَقَالَ لِي: يَا أَبا عَبْدِ اللَّهِ! الْعَقِيقَةُ سُنَّةٌ، وَنَخْلُ الدَّقِيقِ بِدْعَةٌ، وَلَا يَنْبَغِي أَن يَكُونَ فِي السُّنَّةِ بِدْعَةٌ، وَلَمْ أُحِبَّ أَن يَكُونَ ذَلِكَ الْخُبْزُ فِي بيتي بعد أَن يكون (5) بِدْعَةً.
وَمُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ هَذَا: هُوَ الَّذِي فَسَّر به الحديثَ إِسحاقُ بن رَاهَوَيْهِ (6) ـ حَيْثُ سُئِلَ عَنِ السَّوَادِ الأَعظم فِي قوله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالسواد الأَعظم"(7)؟ ـ،
(1) في (م): "اشتر لي" بدل "لي اشتر".
(2)
في (م): "به" بدل "بها".
(3)
في (خ) و (م) و (ت): "دقيقاً ولا تنخله واخبزه".
(4)
في (خ): "وقال لي".
(5)
قوله: "يكون" سقط من (م)، وفي (خ) و (ت):"كان".
(6)
كما في "الحلية"(9/ 238 ـ 239) لأبي نعيم، وسيورد المصنف السياق كاملاً في الجزء الثالث (ص218) نقلاً عن أبي نعيم.
(7)
الحديث أخرجه عبد بن حميد (1220)، وابن ماجه (3950)، وابن أبي عاصم في "السنة"(84)، وابن عدي في "الكامل"(2/ 79)، و (6/ 328)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة"(153) جميعهم من طريق معان بن رفاعة، عن أبي خلف الأعمى، عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم".
وإسناده ضعيف جداً.
أبو خلف الأعمى: متروك ورماه ابن معين بالكذب كما في "التقريب"(8143)، ومعان لين الحديث كما في "التقريب"(6795).
قال البوصيري في "مصباح الزجاجة"(3/ 228): وهذا إسناد ضعيف لضعف أبي خلف الأعمى
…
، وقد روي هذا الحديث من حديث أبي ذر، وأبي مالك الأشعري، وابن عمر، وأبي نضرة، وقدامة بن عبد الله الكلابي وفي كلها نظر، قاله شيخنا العراقي رحمه الله اهـ.
وقال الشيخ الألباني رحمه الله في "ظلال الجنة"(1/ 41): إسناده ضعيف جداً.
وأخرجه الترمذي (2167)، وابن أبي عاصم في "السنة"(80)، والحاكم (1/ 116)، وأبو عمرو الداني في "السنن الواردة" في "الفتن"(368) من طريق المعتمر بن سليمان، عن أبي سفيان سليمان بن سفيان المدني، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر به.
ووقع عند الداني: "عمرو بن دينار" وكذا في المطبوع من "المستدرك"، وهو اختلاف=
فَقَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ (1) وأَصحابه، حَسْبَمَا يأْتي ـ إِن شاءَ الله تعالى ـ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ (2).
وأَيضاً فإِن تُصُوِّر في العبادات (3) وقوع الابتداع (4)؛ تُصُوِّر (5) فِي الْعَادَاتِ؛ لأَنه لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، فالأُمور الْمَشْرُوعَةُ تَارَةً تَكُونُ عِبَادِيَّةً وَتَارَةً عَادِيَّةً، فَكِلَاهُمَا مَشْرُوعٌ مِنْ قِبَلِ الشَّارِعِ (6)، فَكَمَا تَقَعُ الْمُخَالَفَةُ بِالِابْتِدَاعِ فِي أَحدهما؛ تَقَعُ فِي الْآخَرِ.
وَوَجْهٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَن الشَّرْعَ جاءَ بِالْوَعْدِ بأَشياء تَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ هِيَ خَارِجَةً عَنْ سُنَّتِهِ، فَتَدْخُلُ فِيمَا تَقَدَّمَ تَمْثِيلُهُ؛ لأَنها مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ.
فَفِي الصَّحِيحِ (7) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (8) رضي الله عنه قال: قال لَنَا (9) رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنكم سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وأُموراً (10) تُنْكِرُونَهَا"، قَالُوا: فَمَا تأْمرنا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أَدّوا إِليهم حَقَّهُمْ، وَسَلُوا اللَّهَ (11) حقَّكم".
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنه قَالَ:"مَنْ كَرِهَ مِنْ أَميره شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ". وَفِي رِوَايَةٍ: "مَنْ رأَى من أَميره شيئاً يكرهه فليصبر
=في إسناد هذا الحديث على سبعة أوجه كما ذكر الحاكم؛ ومرجعها جميعها إلى أبي سفيان سليمان بن سفيان المدني، وهو ضعيف كما في "التقريب"(2578)، ولذا ضعفه الترمذي بقوله:"هذا حديث غريب من هذا الوجه".
وقال الحافظ في "إتحاف المهرة"(8/ 531): ويظهر من هذا ضعف الحديث لا قوته؛ لأن سليمان ضعفه ابن معين وابن المديني وأبو حاتم وغيرهم. اهـ.
وقد جاء الحديث من أوجه أخرى، وفيها كلها نظر كما نقل البوصيري عن شيخه العراقي.
(1)
قوله: "بن أسلم" ليس في (خ) و (ت).
(2)
انظر (ص218) من الجزء الثالث.
(3)
في (م): "العباديات".
(4)
في (ت): "وقوع البدع".
(5)
في (خ) و (ت) و (م): "وقع" بدل "تصور".
(6)
في (ت): "الشرع".
(7)
أخرجه البخاري (3604) و (7052)، ومسلم (1843).
(8)
يعني: ابن مسعود.
(9)
قوله: "لنا" من (ر) فقط.
(10)
في (م): "وأمور" وفي (ت) صوب قوله: "أثرة وأموراً" في الهامش إلى "إمرة وأمراء".
(11)
قوله: "الله" من (ر) و (غ) فقط.
عَلَيْهِ، فإِنه مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ، مَاتَ مِيتةً جَاهِلِيَّةً" (1).
وَفِي الصَّحِيحِ (2) أَيضاً: "إِذا أُسْنِدَ الأَمر إِلى غَيْرِ أَهله فَانْتَظِرُوا السَّاعَةَ".
وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ (3) رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"يَتَقَارَبُ الزمان، وينقص (4) الْعِلْمُ، ويُلْقَى الشُّحُّ (5)، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، ويَكْثُر الهَرْجُ". قالوا (6): يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّما (7) هُوَ؟ قَالَ: "القَتْل القَتْل".
وَعَنْ أَبي مُوسَى (8) رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِن بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ (9) لأَياماً (10) يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ وَيُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الهَرَجْ". والهَرْجُ: الْقَتْلُ.
وَعَنْ حُذَيْفَةَ (11) رضي الله عنه؛ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثَيْنِ، رأَيت أَحدَهما، وأَنا أَنتظر الْآخَرَ، حدثنا أَن الأَمانة نزلت في جذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ علموا من السنة، وحدثنا عن رفعها؛ قال: "ينام الرجل النَّوْمة، فتُقبض الأَمانة مِنْ قَلْبِهِ، فيَظَلّ أَثَرُهَا مثل الوَكْتِ (12)، ثم
(1) أخرجه البخاري (7053)، ومسلم (1849).
(2)
أخرجه البخاري (59 و6496).
(3)
أخرجه البخاري (85) و (7061)، ومسلم (157).
(4)
أثبتها رشيد رضا في طبعته: "ويقبض" بدل "وينقص".
(5)
علق رشيد رضا هنا بقوله: في رواية أحمد والشيخين هنا زيادة: "ويظهر الجهل".اهـ.
(6)
في (خ) و (ت) و (م): "قال".
(7)
في (ر) و (غ): "أيُّم".
(8)
أخرجه البخاري (7062)، ومسلم (2672).
(9)
قوله: "الساعة" سقط من (خ) و (ت).
(10)
تقدم في التعليق السابق أن قوله: "الساعة" سقط من (خ) و (ت)، فعلق رشيد رضا هنا بقوله: روي بلفظ: "إن من ورائكم أياماً" إلخ. رواه الترمذي وابن ماجه عنه. اهـ.
(11)
أخرجه البخاري (6497) و (7086) و (7276)، ومسلم (143).
(12)
في هامش (ت): "الكَوْيت"، كأنه تصويب، وهو غريب! والوَكْتُ: الأثر اليسير في الشيء، والنقط فيه من غير لونه. انظر:"النهاية" لابن الأثير (5/ 217)، و"لسان العرب"(2/ 108).
يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ، فَيَبْقَى أَثرها مِثْلَ أَثر (1) المَجْلِ (2)، كجَمْرٍ دَحْرَجْتَه (3) على رجلك فَنَفِطَ (4)، فتراه مُنْتَبِراً (5) وَلَيْسَ فِيهِ شيءٌ، وَيُصْبِحُ النَّاسُ (6) يَتَبَايَعُونَ، وَلَا يَكَادُ أَحد يُؤَدِّي الأَمانة، فَيُقَالُ: إِن فِي بَنِي فَلَانٍ رَجُلًا أَميناً، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعقله! وَمَا أَظْرَفَهُ! وَمَا أَجلده! وَمَا فِي قلبه مثقالُ حبة من (7) خَرْدَلٍ مِنْ إِيمان
…
"، الْحَدِيثَ.
وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ (8) رضي الله عنه: أَن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ، يَكُونُ (9) بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عظيمة، دعواهما وَاحِدَةٌ، وَحَتَّى (10) يُبعثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ (11) أَنه رَسُولٌ، وَحَتَّى يُقْبَضَ العلمُ، ثُمَّ قَالَ: وَحَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ"
…
، إِلى آخِرِ الْحَدِيثِ.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يخرج (12) في آخر الزمان قوم (13) أَحداث الأَسنان، سفهاءُ الأَحلام، يقرؤون الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ تَراقِيَهم، يَقُولُونَ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ البَرِيَّة، يَمْرُقون مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُق
(1) قوله: "أثر" سقط من (ر) و (غ).
(2)
قوله: "المجل" في موضعه بياض في (ت)، وفي (م):"المحل". والمَجْلُ: هو أثر العمل في الكف يعالج بها الإنسان الشيء حتى يغلظ جلدها. انظر: "النهاية"(4/ 300)، و"لسان العرب"(11/ 616).
(3)
في (ت): "كجمرة طرحت" بدل "كجمر دحرجته".
(4)
في (ت): "فنفطت". والنَّفَط، بالتحريك: المَجْل، وقد نفِطت يده ـ بالكسر ـ نَفْطاً ونفيطاً، وتنفّطت: قرحت من العمل. وقيل: هو ما يصيبها بين الجلد واللحم. انظر: "لسان العرب"(7/ 416)، و"شرح مسلم" للنووي (2/ 169).
(5)
في (م): "منتفراً" وفي (خ) تحتمل: "منتثر" و"منتبر"، وفي موضعها بياض في (ت).
والنَّبْر بالكلام: الهمز. وكل شيء رَفَعَ شيئاً فقد نَبَرَهُ. والنَّبْرَةُ: الوَرْم في الجسد. انظر "النهاية"(5/ 7)، و"لسان العرب"(5/ 189)، و"شرح مسلم" للنووي (2/ 169).
(6)
قوله: "الناس" سقط من (م).
(7)
قوله: "من" من (ر) و (غ) فقط.
(8)
أخرجه البخاري (3608 و3609 و6935 و7121)، ومسلم (157).
(9)
في (ر) و (غ): "تكون".
(10)
في (خ): "حتى".
(11)
في (خ): "زعم".
(12)
في (ت) و (خ): "تخرج".
(13)
قوله: "قوم" سقط من (ت) و (خ).
السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّة" (1).
وَمِنْ حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عنه صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ (2):"بَادِرُوا بالأَعمال فِتَنًا (3) كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يصبح الرجل مُؤْمِنًا، وَيُمْسِي كَاَفِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا، وَيُصْبِحُ كَاَفِرًا (4)؛ يبيع (5) دينَه بِعَرَضٍ من (6) الدُّنْيَا"(7).
وفسَّر ذَلِكَ الْحَسَنُ (8)؛ قَالَ: "يُصْبِحُ محرِّماً لِدَمِ أَخيه وَعِرْضِهِ وَمَالِهِ، وَيُمْسِي مُسْتَحِلًّا لَهُ، ويمسي محرِّماً لدم أخيه وعرضه وماله، ويصبح مُسْتَحِلًّا لَهُ"(9)؛ كأَنه تأَوّله عَلَى الْحَدِيثِ الْآخَرِ: "لا ترجعوا بعدي كفاراً
(1) أخرجه ابن أبي شيبة (10/ 536) و (15/ 304)، وأحمد (1/ 404)، والترمذي (2188)، وابن ماجه (168)، وأبو يعلى (5402) من طريق عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حُبيش، عن ابن مسعود به.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وإسناده حسن من أجل عاصم هذا فهو صدوق حسن الحديث.
وأصل الحديث متفق عليه من حديث علي وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما.
أما حديث علي: فأخرجه البخاري (3611)، ومسلم (1066) بلفظ:"يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرميّة، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة".
وأما حديث أبي سعيد: فأخرجه البخاري (3344)، ومسلم (1064) بلفظ:"يخرج في هذه الأمة قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، فيقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرميّة، فينظر الرامي إلى سهمه، إلى نصله، إلى رصافه، فيتمارى في الفوقة هل علق بها من الدم شيء؟ ".
(2)
المثبت من (ت)، وفي باقي النسخ:"عنه عليه السلام قال".
(3)
علق رشيد رضا هنا بقوله: هذا الحديث رواه مسلم وأحمد والترمذي، لكن بغير هذا اللفظ الذي أورده المؤلف هنا. والمراد: الاجتهاد في الأعمال قبل حصول الشواغل؛ بسبب الفتن الكثيرة. اهـ.
(4)
قوله: "ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً" سقط من (ت) و (خ) و (م).
(5)
في (غ): "يبلغ"، وفي (خ):"فيبيع"
(6)
قوله: "من" سقط من (خ) و (ت).
(7)
أخرجه مسلم في "صحيحه"(118).
(8)
أي: البصري.
(9)
من قوله: "ويمسي محرماً" إلى هنا سقط من (خ) و (م) و (ت). وقول الحسن هذا أخرجه الترمذي (2198) من طريق هشام بن حسان، عن الحسن به.=
يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ" (1)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِن مِنْ أَشراط السَّاعَةِ أَن يُرفع الْعِلْمُ، ويظهر الجهل، ويفشوَ الزنا، وتُشْرَبَ (2) الخمر، ويكثر (3) النساءُ، ويَقِلّ الرجال، حتى يكون لخمسين (4) امرأَة قَيِّمٌ وَاحِدٌ"(5).
وَمِنْ غَرِيبِ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذا فعلتْ أُمتي خَمْسَ عَشْرَةَ (6) خَصْلَةً حلَّ بها البلاءُ. قيل: وما هُنَّ (7) يا رسول الله؟ قال: إِذا كان (8) الْمَغْنَمُ دُوَلاً، والأَمانة مَغْنَماً (9)، وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا، وأَطاع الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وعقَّ أُمه، وبرَّ صَدِيقَهُ، وَجَفَا أَباه، وَارْتَفَعَتِ الأَصوات فِي الْمَسَاجِدِ، وَكَانَ زعيمُ الْقَوْمِ أَرذَلهم، وأُكرم الرجلُ مَخَافَةَ شَرِّه، وشُرِبت (10) الْخُمُورُ، ولُبِس الْحَرِيرُ، واتُّخِذَت القِيَان وَالْمَعَازِفُ، ولَعَنَ آخرُ هَذِهِ الأُمة أَوَّلَها، فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ ريحاً حمراءَ، أو خسفاً، أَو مَسْخاً"(11).
=وفي رواية هشام عن الحسن مقال؛ لأنه كان يرسل عنه؛ كما في "التقريب"(7289).
(1)
أخرجه البخاري (121)، ومسلم (65) من حديث جرير رضي الله عنه.
(2)
في (خ) و (م): "ويشرب"، وفي (ت):"وشرب".
(3)
في (ت): "وتكثر".
(4)
في (خ) و (ت): "للخمسين".
(5)
أخرجه البخاري (80)، ومسلم (2671).
(6)
في (م): "عشر".
(7)
في (خ): "وما هي".
(8)
قوله: "كان" سقط من (م)، وفي موضعه علامة لحق، ولم يظهر شيء في الهامش، وفي (خ) و (ت):"صار" بدل "كان".
(9)
في (م) و (ت) و (خ): "مغرماً".
(10)
في (م): "وشرب".
(11)
أخرجه الترمذي (2210)، وابن حبان في "المجروحين"(2/ 206 ـ 207)، والطبراني في "الأوسط"(469)، وأبو عمرو الداني في "السنن الواردة في الفتن"(3/ 683)، والخطيب (3/ 158)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية"(2/ 850)، جميعهم من طريق فرج بن فضالة، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن علي، عن علي، به ووقع عند الترمذي: محمد بن عمرو بن علي عن علي.
قال الذهبي في "الميزان"(3/ 345): وشذَّ الترمذي فقال: "عن محمد بن عمرو بن=
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قريب من هذا، وفيه:"وتُعُلِّم لغير الدين"(1).
وفيه: "وساد (2) الْقَبِيلَةَ فاسقُهم، وَكَانَ زعيمُ الْقَوْمِ أَرذلهم".
وَفِيهِ: "وظهرت (3) القَيْنات وَالْمَعَازِفُ".
وَفِي آخِرِهِ: "فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحًا حمراءَ، وَزَلْزَلَةً، وَخَسْفًا، وَمَسْخًا، وَقَذْفًا، وآياتٍ تَتَابَعُ، كنِظامٍ بَالٍ (4) قُطِعَ سلكُه فتتابع"(5).
=علي عن علي"، كذا قال!.اهـ. وقال أيضاً: "ولا يعرف من اسمه عمرو في أولاد علي".
وسند هذا الحديث ضعيف لضعف فرج بن فضالة، كما في "التقريب"(5418)، وقال الترمذي:"هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث علي بن أبي طالب إلا من هذا الوجه، ولا نعلم أحداً رواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري غير الفرج بن فضالة، والفرج بن فضالة قد تكلم فيه بعض أهل الحديث، وضعفه من قبل حفظه".
وجاء الحديث عن فرج بن فضالة بإسناد آخر وفيه زيادة.
أخرجه أبو نعيم في "الحلية"(3/ 358) من طريق سويد بن سعيد، عن فرج بن فضالة، عن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، عن حذيفة، به.
قال أبو نعيم: غريب من حديث عبد الله بن عبيد بن عمير، لم يروه عنه فيما أعلم إلا فرج بن فضالة. اهـ.
ومع ضعف فرج بن فضالة فعبد الله بن عبيد عن حذيفة مرسل كما قال أبو نعيم نفسه في (3/ 356).
وسويد بن سعيد ضعيف، وفي "التقريب" (2690):"صدوق في نفسه، إلا أنه عمي، فصار يتلقّن ما ليس من حديثه، فأفحش فيه ابن معين القول".
وانظر: "السلسلة الضعيفة" للألباني رحمه الله (1170) و (1171). والله أعلم.
(1)
قوله: "وتعلم لغير الدين" سقط من (خ) و (م) و (ت).
(2)
في (خ) و (م): "ساد".
(3)
في (خ): "ظهرت".
(4)
قوله: "بال" ليس في (غ) و (ر).
(5)
أخرجه الترمذي (2211) من طريق المستلم بن سعيد، عن رميح الجذامي، عن أبي هريرة، به.
وضعّفه الترمذي بقوله: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه".
وإسناده ضعيف؛ رميح هذا قال فيه الذهبي في "الميزان"(2/ 54): "لا يعرف"، وقال الحافظ في "التقريب" (1957):"مجهول".
فَهَذِهِ الأَحاديث وأَمثالها مِمَّا أَخبر بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنه يَكُونُ فِي هَذِهِ الأُمة بَعْدَهُ: إِنما هُوَ ـ فِي الْحَقِيقَةِ ـ تبديل للأَعمال (1) الَّتِي كَانُوا أَحقَّ بالعَمل بِهَا، فَلَمَّا عُوِّضُوا منها غيرها، وفشا فيها حتى (2) كأَنه مِنَ الْمَعْمُولِ بِهِ تَشْرِيعًا، كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْحَوَادِثِ الطَّارِئَةِ عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّن القرافي (3) ومن ذهب مذهبه، فأكثرها جارٍ في العادات، لا في العبادات؛ فليكن الابتداع ثابتاً في العادات كما اتفق على جريانه (4) فِي الْعِبَادَاتِ.
وَالَّذِينَ ذَهَبُوا إِلى أَنه مُخْتَصٌّ بالعبادات لا يُسَلِّمون جميع ما ذكره (5) الأَوّلون (6).
أَما مَا تَقَدَّمَ عَنِ الْقَرَافِيِّ وَشَيْخِهِ (7): فَقَدْ مَرَّ الْجَوَابُ عَنْهُ (8)، فإِنها (9) معاصٍ فِي الْجُمْلَةِ، وَمُخَالَفَاتٌ لِلْمَشْرُوعِ، كالمُكُوس، وَالْمَظَالِمِ، وَتَقْدِيمِ الْجُهَّالِ عَلَى العلماءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَالْمُبَاحُ مِنْهَا (10) كَالْمَنَاخِلِ، إِنْ فُرِضَ مُبَاحًا ـ كَمَا قَالُوا ـ: فإِنما إِباحته بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، فَلَا ابْتِدَاعَ (11) فِيهِ.
وإِن فُرِضَ مكروهاً ـ كما أَشار إليه كلام (12) محمد بن أَسلم ـ (13):
(1) في (ت) و (خ) و (م): "الأعمال".
(2)
قوله: "حتى" من (ر) و (غ) فقط.
(3)
في "الفروق"(4/ 348 ـ 349)، وتقدم هذا (ص375).
(4)
من قوله: "القرافي
…
" إلى هنا سقط من (خ) و (م) و (ت).
(5)
قوله: "ما ذكره" سقط من (خ) وجاء في (ت) و (م): "ذلك" بدلاً منه.
وبسبب سقط قوله: "ما ذكره" أشكلت العبارة على رشيد رضا، فعلّق على هذا الموضع بقوله: كذا! ولا بدّ أن يكون قد سقط من هذا كلام، ولعل أصله:"لا يسلمون جميع ما قاله الأولون"، أو:"جميع ما ذهب إليه الأولون".اهـ.
(6)
في (ت): "ويقولون" بدل "الأولون".
(7)
أي: العز بن عبد السلام. راجع ص (416 ـ 417).
(8)
انظر (ص327) فما بعد من المجلد الأول.
(9)
في (ت): "بأنها".
(10)
قوله: "منها" ليس في (غ) و (ر).
(11)
في (ت) و (خ) و (م): "اتباع".
(12)
قوله: "كلام" سقط من (خ) و (ت).
(13)
المتقدم ص (417 ـ 418).
فَوَجْهُ الْكَرَاهِيَةِ عِنْدَهُ كَوْنُهَا عُدَّت مِنَ الْمُحْدَثَاتِ؛ إِذ في الأَثر (1): "أَول مَا أُحدث بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَنَاخِلُ"(2)، أَو كَمَا قَالَ، فَأَخَذَ (3) بِظَاهِرِ اللَّفْظِ مَنْ أَخذ بِهِ، كَمُحَمَّدِ بن أَسلم. وظاهرٌ (4) أَن ذَلِكَ مِنْ نَاحِيَةِ السَّرَف والتَّنَعُّم الَّذِي أَشار إِلى كَرَاهِيَتِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى:{أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} (5) الْآيَةَ، لَا مِنْ جِهَةِ أَنه بِدْعَةٌ.
وَقَوْلُهُمْ: كَمَا يُتَصَوَّر ذَلِكَ فِي الْعِبَادَاتِ يُتَصَوَّر فِي الْعَادَاتِ: مُسَلَّم، وَلَيْسَ كَلَامُنَا فِي الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ، وإِنما كلامنا (6) فِي الْوُقُوعِ، وَفِيهِ النِّزَاعُ.
وأَما مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنَ الأَحاديث: فَلَيْسَ فِيهَا عَلَى المسأَلة دَلِيلٌ وَاحِدٌ، إِذ لَمْ يُنَصَّ عَلَى أَنها بِدَعٌ أَو مُحْدَثَاتٌ، أَو مَا يُشِيرُ إِلى ذَلِكَ الْمَعْنَى. وأَيضاً إِن عدُّوا كُلَّ مُحْدَثِ من (7) الْعَادَاتِ بِدَعَةً، فَلْيَعُدّوا جَمِيعَ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مِنَ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَالْكَلَامِ وَالْمَسَائِلِ النَّازِلَةِ الَّتِي لَا عَهْدَ بِهَا (8) فِي الزَّمَانِ الأَول بِدَعاً، وَهَذَا شَنِيعٌ، فإِن مِنَ الْعَوَائِدِ (9) ما يختلف (10) بحسب الأَزمان والأَمكنة والاسم، أفيكون (11) كُلُّ مَنْ خَالَفَ الْعَرَبَ الَّذِينَ أَدركوا الصَّحَابَةَ رضي الله تعالى عنهم واعتادوا مثل عوائدهم
(1) في (خ) و (م): "الأمر"، وفي موضعه بياض في (ت)، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: كذا في الأصل. اهـ. ويعني بالأصل: (خ).
(2)
لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقال الغزالي في "الإحياء" (1/ 126): ويقال: أول ما ظهر من البدع بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أربع: المناخل، والأسنان، والموائد، والشبع.
وفي "صحيح البخاري"(5413) عن سهل بن سعد قال: ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم منخلاً من حين ابتعثه الله حتى قبضه.
وفي "الطبقات" لابن سعد (1/ 408) عن سهل بن سعد: ما رأيت منخلاً في ذاك الزمان
…
".
(3)
في (ر) و (غ): "وأخذ".
(4)
في (خ) و (ت): "وظاهره".
(5)
سورة الأحقاف: الآية (20).
(6)
في (خ) و (م): "وإنما الكلام".
(7)
قوله: "من" من (ر) و (غ) فقط.
(8)
في (ر) و (غ): "لها" بدل "بها".
(9)
في (ر) و (غ): "شنيع ومن العوائد" وفي (م): "شنيعاً من العوائد"، والمثبت من (خ) و (ت).
(10)
في (خ) و (م) و (ت): "ما تختلف".
(11)
في (ت) و (خ): "فيكون".
غيرَ مُتَّبعين لَهُمْ؟! هَذَا مِنَ (1) المُسْتنكَر جِدًّا!!.
نَعَمْ لَا بُدَّ مِنَ الْمُحَافَظَةِ فِي الْعَوَائِدِ الْمُخْتَلِفَةِ عَلَى الْحُدُودِ (2) الشَّرْعِيَّةِ، وَالْقَوَانِينِ الْجَارِيَةِ عَلَى مُقْتَضَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَأَيْضًا: فَقَدْ يَكُونُ الْتِزَام الزِّيِّ (3) الواحد، أو الحالة (4) الْوَاحِدَةِ، أَوِ الْعَادَةِ الْوَاحِدَةِ تَعَبًا (5) ومشقَّة؛ لِاخْتِلَافِ الأَخلاق والأَزمنة والبقاع والأَحوال، والشريعة تأْبى التضييق (6) والحرج في كل ما دَلَّ (7) الشَّرْعُ عَلَى جَوَازِهِ، وَلَمْ يَكُنْ ثمَّ مُعَارِض.
وإِنما جَعَلَ الشَّارِعُ مَا تَقَدَّمَ فِي الأَحاديث الْمَذْكُورَةِ مِنْ فَسَادِ الزَّمَانِ وأَشراط السَّاعَةِ: لِظُهُورِهَا وفُحْشِها بِالنِّسْبَةِ (8) إِلى مُتَقَدَّمِ الزَّمَانِ، فإِن الْخَيْرَ كَانَ أَظهر، والشرَّ كَانَ أَخفى وأَقلّ، بِخِلَافِ آخِرِ الزَّمَانِ فإِن الأَمر فِيهِ عَلَى العكس، فالشر (9) فِيهِ أَظهر، وَالْخَيْرُ أَخفى وَأَقَلُّ (10).
وأَما كَوْنُ تِلْكَ الْأَشْيَاءُ بِدَعًا: فَغَيْرُ مَفْهُومٍ عَلَى الطَّرِيقَتَيْنِ فِي حَدِّ الْبِدْعَةِ، فَرَاجِعِ النَّظَرَ فِيهَا (11) تَجِدْهُ كَذَلِكَ.
وَالصَّوَابُ فِي المسأَلة طَرِيقَةٌ أُخرى وَهِيَ (12) تَجْمَعُ (13) شَتَاتَ النَّظَرَيْنِ، وَتُحَقِّقُ الْمَقْصُودَ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ، وَهُوَ الَّذِي بُني عَلَيْهِ تَرْجَمَةُ هَذَا الْبَابِ، فَلْنُفْرِدْهُ فِي فصلٍ عَلَى حِدَته، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ للصواب.
(1) قوله: "من" سقط من (ر)، وفي موضعه علامة لحق، ولم يظهر شيء في التصوير، ويبدو أنه مما تآكل من أطراف النسخة؛ لأن ناسخ (غ) بيّض لموضع "من"، مما يدل على عدم وقوفه على اللحق؛ لأنها منقولة عنها
(2)
قوله: "على الحدود" سقط من (ت).
(3)
قوله: "الزي" في موضعه بياض في (خ)، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: بياض في الأصل، ولعل مكانه:"الزي".اهـ.
(4)
في (ت) و (خ): "والحالة".
(5)
في (ر) و (غ): "عناء" بدل "تعباً".
(6)
في (غ): "الضييق".
(7)
في (خ) و (م) و (ت): "والحرج فيما دل".
(8)
قوله: "بالنسبة" سقط من (م).
(9)
في (خ) و (ت) و (م): "والشر".
(10)
قوله: "وأقل" سقط من (خ) و (ت).
(11)
في (ت) و (غ): "فيه".
(12)
في (م): "هي".
(13)
في (ر) و (غ): "لجمع".