الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَصْلٌ
الْإِشْكَالُ الْأَوَّلُ
إِن مَا تَقَدَّمَ مِنَ الأدلة على كراهية الالتزامات التي يشق دوامها مُعَارَضٌ بِمَا دلَّ عَلَى خِلَافِهِ. فَقَدَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُومُ حَتَّى تورَّمت قَدَمَاهُ، فَيُقَالُ لَهُ: أَو لَيْسَ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ (1) مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تأَخر؟ فَيَقُولُ: "أَفلا أَكون عَبْدًا شكوراً (2)؟ " ويظل في (3) الْيَوْمَ الطَّوِيلَ فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ صَائِمًا (4)، وَكَانَ صلى الله عليه وسلم يُوَاصِلُ الصِّيَامَ وَيَبِيتُ عِنْدَ رَبِّهِ يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ (5)، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ اجْتِهَادِهِ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ. وَفِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُسوة حسنة، ونحن مأْمورون بالتأَسِّي به.
فإِن أَبيتم هَذَا الدَّلِيلَ بِسَبَبِ أَنه صلى الله عليه وسلم كَانَ مَخْصُوصًا بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ رَبُّهُ يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ، وَكَانَ يُطِيقُ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا تُطِيقُهُ أُمته، فَمَا قَوْلُكُمْ فِيمَا ثَبَتَ مِنْ ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وأَئمة الْمُسْلِمِينَ الْعَارِفِينَ بِتِلْكَ الأَدلة الَّتِي اسْتَدْلَلْتُمْ بِهَا عَلَى الْكَرَاهِيَةِ؟ حَتَّى إِن بَعْضَهُمْ قعد من رجليه (6) من كثرة التَّنَفُّل (7)، وصارت جبهة بعضهم كرُكْبة
(1) في (م): "غفر لك".
(2)
أخرجه البخاري (1130)، ومسلم (2819) من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.
(3)
قوله: "في" ليس في (خ) و (م).
(4)
أخرجه البخاري (1945)، ومسلم (1122) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان في حرّ شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة.
(5)
أخرجه البخاري (7299)، ومسلم (1103/ 58) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه.
(6)
في (م): "رحله".
(7)
في (خ) و (م): "التبتل".
البَعير (1) مِنْ كَثْرَةِ السُّجُودِ.
وجاءَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ (2) رضي الله عنه أَنه كَانَ إِذا صَلَّى العشاءَ أَوتر بِرَكْعَةٍ يقرأُ فِيهَا الْقُرْآنَ كُلَّه (3)، وَكَمْ مِنْ رجلٍ صَلَّى الصُّبْحَ بوضوء العشاء كذا وكذا (4) سَنَةً؟! وسَرَدَ الصِّيَامَ (5) كَذَا وَكَذَا (6) سَنَةً (7)؟! وَكَانُوا هُمُ الْعَارِفِينَ بِالسُّنَّةِ لَا يَمِيلُونَ عَنْهَا لَحْظَةً.
وروي عن ابن عمر وابن الزبير رضي الله عنهم أَنهما كانا يواصلان (8) الصيام (9)،
(1) في (غ) و (ر): "العنز".
(2)
قوله: "بن عفان" ليس في (غ) و (ر).
(3)
أخرجه سعيد بن منصور في التفسير من "سننه"(158)، وهو صحيح بمجموع طرقه التي استوفيتها في تعليقي على الموضع السابق من "السنن"، فانظره إن شئت.
(4)
في (خ) و (م): "كذا كذا".
(5)
في (غ) و (ر): "الصوم".
(6)
في (م): "كذا كذا".
(7)
أخرج البخاري في "صحيحه"(2828) عن أنس رضي الله عنه قال: كان أبو طلحة لا يصوم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من أجل الغزو، فلما قبض النبي صلى الله عليه وسلم لم أره مفطراً إلا يوم فطر أو أضحى.
وذكر البيهقي في "شعب الإيمان"(3/ 63 فما بعد)، و (3/ 430 فما بعد) جملة من ذلك، ومنه: ما أخرجه برقم (3220) بسند صحيح أن المعتمر بن سليمان التيمي قال لمحمد بن عبد الأعلى: لولا أنك من أهلي ما حدثتك هذا عن أبي: مكث أربعين سنة يصوم يوماً ويفطر يوماً، ويصلي صلاة الفجر بوضوء العشاء. وانظر رقم (2950/بتحقيق د. عبد العلي).
(8)
في (غ): "يواصليان".
(9)
قال البيهقي في "الشعب"(3/ 405): "وروينا عن عمر وابن عمر وأبي طلحة وعائشة رضي الله عنهم في سرد الصيام، ورويناه عن سعيد بن المسيب".اهـ.
أما ابن عمر: فأخرج الفريابي في "الصيام"(134) من طريق سعيد بن أبي هلال؛ أن نافعاً حدثه؛ أن عبد الله بن عمر كان إذا حضر لم يفطر، وكان يصل شعبان برمضان، ويقول: الليل أفضل.
وحسن سنده المحقق، وفي النفس من تفرد سعيد بن أبي هلال بهذا عن نافع!.
وانظر "شرح مسلم" للنووي (8/ 40).
وأما ابن الزبير: فأخرج ابن أبي شيبة في "المصنف"(9599) من طريق وكيع، عن الأسود بن شيبان، عن أبي نوفل ابن أبي عقرب؛ قال: دخلت على ابن الزبير صبيحة خمسة عشر من الشهر وهو مواصل.=
وأَجاز مَالِكٌ (1) ـ وَهُوَ إِمام فِي الِاقْتِدَاءِ ـ صِيَامَ الدهر (2)؛ يعني إِذا أَفطر أَيام الأضحى والفطر، وحمل النهي في ذلك على أَن المراد إِذا لم يفطر أَيام (3) الْعِيدِ.
وَمِمَّا (4) يُحْكَى عَنْ أُويس القَرَني رضي الله عنه: أَنه كَانَ يَقُومُ لَيْلَهُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَيَقُولُ: بلغني أَن لله عباداً قياماً أَبداً، ثم يركع أُخرى حتى يصبح، ثم يقول: بلغني أَن لله عباداً ركوعاً أَبداً، ثم يسجد لَيْلَهُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَيَقُولُ: بَلَغَنِي أَن لِلَّهِ عباداً (5) سجوداً أَبداً (6)،
=وصحح إسناده ابن حجر في "الفتح"(4/ 204).
وأخرج ابن جرير في "تفسيره"(3028) عن هشام بن عروة؛ قال: كان عبد الله بن الزبير يواصل سبعة أيام، فلما كبر جعلها خمساً، فلما كبر جدًّا جعلها ثلاثاً.
وسنده صحيح إن كان هشام سمع من عمه عبد الله بن الزبير.
وأخرج أبو نعيم في "الحلية"(1/ 335)، والحاكم في "المستدرك"(3/ 549)، ومن طريقه البيهقي في "الشعب"(3613)، كلاهما من طريق روح بن عبادة، عن حبيب بن الشهيد، عن عبد الله بن أبي مليكة قال: كان ابن الزبير يواصل سبعة أيام، ثم يصبح يوم الثامن وهو أَلْيَثُنا؛ يعني: أقوانا. وسنده صحيح.
(1)
في (غ): "مالك بن أنس".
(2)
ذكر مالك في "الموطأ"(1/ 300) أنه سمع أهل العلم يقولون: لا بأس بصيام الدهر إذا أفطر الأيام التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامها.
ثم قال مالك: "وذلك أحب ما سمعت إليّ في ذلك".
(3)
من قوله: "الأضحى والفطر" إلى هنا سقط من (خ) و (م).
(4)
في (غ) و (ر): "وما".
(5)
من قوله: "قياماً أبداً" إلى هنا سقط من (خ) و (م)، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: للأثر تَتِمَّة، يدلّ باقي الكلام على أنه كان موجوداً في الأصل، وسقط من النسخ، وتلك الزيادة هي:"إن لله عباداً ركوعاً أبداً، وعباداً قياماً أبداً".اهـ.
(6)
أخرجه أبو نعيم في "الحلية"(2/ 87) من طريق أبي زرعة الرازي، عن سعيد بن أسد بن موسى، عن ضمرة بن ربيعة، عن أصبغ بن زيد؛ قال: كان أويس القرني إذا أمسى يقول: هذه ليلة الركوع، فيركع حتى يصبح، وكان يقول إذا أمسى: هذه ليلة السجود، فيسجد حتى يصبح
…
، ثم ذكر كلاماً آخر.
وسنده منقطع، فأصبغ بن زيد لم يدرك أويس القرني.
وأخرجه ابن عساكر في "تاريخه"(9/ 443) من طريق عبد الله بن أبي زياد، عن سيار، عن جعفر بن سليمان، عن إبراهيم بن عيسى اليشكري، فذكره بنحو ما تقدم وزاد القيام.=
ويريد (1) أَنه يَتَنَفَّلُ بِالصَّلَاةِ، فَتَارَةً يُطَوِّلُ فِيهَا الْقِيَامَ، وَتَارَةً الرُّكُوعَ، وَتَارَةً السُّجُودَ.
وَعَنِ الأَسود بْنِ يَزِيدَ أَنه كَانَ يُجْهِدُ نَفْسَهُ فِي الصَّوْمِ وَالْعِبَادَةِ حَتَّى يَخْضَرّ جسدُه ويَصْفَرّ، فَكَانَ عَلْقَمَةُ يَقُولُ لَهُ: وَيْحَكَ! لِمَ تُعَذِّبْ هَذَا الْجَسَدَ؟ فَيَقُولُ: إِن الْأَمْرَ جِدٌّ، إِن الْأَمْرَ (2) جِدٌّ (3).
=وإبراهيم بن عيسى اليشكري له ترجمة في "الجرح والتعديل"(3/ 117 رقم 352)، وذكر أنه يروي عن الحسن البصري، فيبعد أن يكون لحق أويساً القرني الذي قتل بصفين سنة (35) كما في "التقريب"(586).
وفي سنده أيضاً سيار بن حاتم العنزي وهو متكلم فيه، وفي "التقريب" (2729):"صدوق له أوهام".
(1)
في (خ): "يريد".
(2)
في (غ) و (ر): "والأمر" بدل "إن الأمر" الثانية.
(3)
أخرجه ابن المبارك في "الزهد"(1502) عن محمد بن طلحة؛ أخبرني عبد الرحمن بن ثروان: أن الأسود بن يزيد
…
، فذكره.
وعبد الرحمن بن ثروان هذا صدوق، إلا أنه ربما خالف كما في "التقريب"(3847).
والراوي عنه محمد بن طلحة بن مصرِّف اليامي، وهو صدوق، إلا أن له أوهاماً كما في "التقريب"(6020).
وأخرجه الإمام أحمد في "الزهد"(ص417) من طريق حجاج، عن محمد بن طلحة، به.
ومن طريق أحمد أخرجه أبو نعيم في "الحلية"(2/ 103).
وأخرجه الإمام أحمد أيضاً من طريق معمر بن سليمان الرَّقّي، عن عبد الله بن بشر ـ وهو قاضي الرّقّة ـ: أن علقمة بن قيس والأسود بن يزيد حجّا، فكان الأسود صاحب عبادة، فصام يوماً، فراح الناس بالهجير وقد تربّد وجهه، فأتاه علقمة، فضرب على فخذه فقال: ألا تتقي الله يا أبا عمرو في هذا الجسد؟ علام تعذب هذا الجسد؟ فقال الأسود: يا أبا شبل! الجدّ الجدّ!
ومن طريق أحمد أخرجه أبو نعيم (2/ 104).
وسنده ضعيف؛ فعبد الله بن بشر قاضي الرّقّة لا يمكن أن يكون أدرك الأسود وعلقمة، فإنه لم يدرك من بعدهما فضلاً عنهما.
فقد قال أبو حاتم الرازي ـ كما في "المراسيل" لابنه (ص115) ـ: "لا يثبت له سماع من الحسن، ولا من ابن سيرين، ولا من عطاء، ولا من الأعمش، وإنما يقول: كتب إليّ أبو بكر بن عياش عن الأعمش ـ، ولا من الزهري، ولا من قتادة،
…
" وذكر غيرهم.=
وعن أَنس بن سيرين (1): أَن امرأَة مَسْرُوقٍ قَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي حَتَّى تورَّمت قَدَمَاهُ، فَرُبَّمَا جَلَسْتُ خَلْفَهُ أَبكي مِمَّا أَراه يَصْنَعُ بِنَفْسِهِ (2).
وَعَنِ الشَّعْبِيِّ (3)؛ قَالَ: غُشي على مسروق في يومٍ صائفٍ وهو
=ومع ذلك فعبد الله هذا متكلم فيه، وفي "التقريب" (3248):"اختلف فيه قول ابن معين وابن حبان، وقال أبو زرعة والنسائي: لا بأس به، وحكى البزار أنه ضعيف في الزهري خاصة".
وأخرجه أحمد أيضاً، وأبو نعيم (2/ 104)، كلاهما من طريق أبي أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير، عن حنش بن الحارث، عن علي بن مدرك؛ قال: قال علقمة للأسود: لم تعذب هذا الجسد ـ وهو يصوم ـ؟ قال: الراحة أريد له.
وعلي بن مدرك النخعي إنما يروي عن تلاميذ الأسود وعلقمة كما في ترجمته من "تهذيب الكمال"(21/ 127)، ولم يذكر أنه روى عنهما.
وأخرج أبو نعيم (2/ 103) من طريق يزيد بن عطاء، عن علقمة بن مرثد؛ قال: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين، منهم الأسود بن يزيد، كان مجتهداً في العبادة؛ يصوم حتى يخضرّ جسده ويصفرّ، وكان علقمة بن قيس يقول له: لم تعذب هذا الجسد؟ قال: راحة هذا الجسد أريد.
وعلقمة بن مرثد كسابقه علي بن مدرك كما يتضح من ترجمته في "تهذيب الكمال"(20/ 309).
والراوي عنه يزيد بن عطاء اليشكري لين الحديث كما في "التقريب"(7808).
وقد يخالج النفس شعور بأن هذه الطرق ـ على ما في كل منها من ضعف ـ يشدّ بعضها بعضاً، لكن معظمها مراسيل قد يكون مصدرها واحداً.
والمتن يدل على شدة اجتهاد الأسود رحمه الله في العبادة، ويكثر الصيام حتى أضعفه، فاصفرّ لونه، ومن شدة الجهد أحياناً والنصب تعلوه سمرة مع الصفرة، وهو اخضرار اللون في عرف الناس.
ولا شك أن هذا اجتهاد من الأسود رحمه الله، لكن السنة أحبّ إلينا من اجتهاده، وتقدم في كلام الشاطبي رحمه الله ما فيه غنية عن الإعادة.
(1)
في (خ) و (م): "وعن أنس بن مالك"، زاد في (خ):"رضي الله عنه"، والمثبت هو الصواب.
(2)
أخرجه ابن سعد في "الطبقات"(6/ 81) من طريق عارم بن الفضل، والخطيب في "تاريخه"(13/ 234) من طريق أزهر بن مروان، كلاهما عن حماد بن زيد، عن أنس بن سيرين، به.
وسنده صحيح.
(3)
في (خ): "الشعبيني"، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: لعله "الشعبي"، أو "الشعباني"،=
صَائِمٌ، فَقَالَتْ لَهُ ابْنَتُهُ: أَفْطِرْ؛ قَالَ: مَا أَردتِ بِي؟ قَالَتْ: الرِّفْقَ؛ قَالَ: يَا بُنَيَّة! إِنما طلبت الرفق لنفسي (1) فِي يومٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلف سَنَةٍ (2).
وَعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْم أَنه قَالَ: أَتيت أُويساً (3) القَرَني فَوَجَدْتُهُ قَدْ صَلَّى الصُّبْحَ وَقَعَدَ، فَقُلْتُ: لَا أَشْغَلُهُ عَنِ التَّسْبِيحِ، فَلَمَّا كَانَ وَقْتَ الصَّلَاةِ قَامَ فَصَلَّى إِلى الظُّهْرِ، فَلَمَّا صَلَّى الظُّهْرَ صَلَّى إِلى الْعَصْرِ، فَلَمَّا صَلَّى الْعَصْرَ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ إِلى الْمَغْرِبِ، فَلَمَّا صَلَّى الْمَغْرِبَ صَلَّى إِلى الْعِشَاءِ، فَلَمَّا صَلَّى العشاءَ صَلَّى إِلى الصُّبْحِ، فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ جَلَسَ فأَخذته عَيْنُهُ، ثُمَّ انْتَبَهَ (4) فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِني أَعوذ بِكَ مِنْ عَيْنٍ نَوّامة، وبطن لا يشبع (5)(6).
وَالْآثَارُ فِي هَذَا (7) الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ عَنِ الْأَوَّلِينَ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى الْأَخْذِ بِمَا هُوَ شَاقٌّ فِي الدَّوَامِ، وَلَمْ يَعُدَّهُمْ أَحد بِذَلِكَ مُخَالِفِينَ لِلسُّنَّةِ، بَلْ عَدُّوهم مِنَ السَّابِقِينَ، جَعَلَنَا اللَّهُ منهم.
=أو "الشعيثي"، وهذا الأخير هو الأقرب إلى الرسم، وهو نسبة محمد بن عبد الله بن المهاجر، وعبد الرحمن بن حماد. اهـ.
(1)
من قوله: "في يوم صائف" إلى هنا سقط من (خ).
(2)
أخرجه الخطيب في "تاريخه"(13/ 234) من طريق علي بن الحسن الشامي، عن سفيان الثوري، عن فطر بن خليفة، عن الشعبي، به.
ومن طريق الخطيب أخرجه المزي في "تهذيب الكمال"(27/ 456)، وفيه:"السامي" بدل "الشامي"، وهو الصواب.
وعلي بن الحسن السامي هذا متكلم فيه بشدة، حتى اتهمه الدارقطني بالكذب كما في "لسان الميزان"(5/ 211 ـ 212)، وحكم الأئمة على رواياته بأنها موضوعة.
(3)
في (خ): "أويس".
(4)
في (م): "أتيته".
(5)
في (خ) و (م): "لا تشبع".
(6)
أخرجه ابن عساكر في "تاريخه"(9/ 443) من طريق عبد الرحمن بن صالح، عن سعيد بن عبد الله بن الربيع بن خثيم، عن نسير بن ذعلوق، عن بكر بن ماعز، عن الربيع، به.
وسعيد بن عبد الله بن الربيع بن خثيم مجهول الحال؛ سكت عنه البخاري في "تاريخه"(3/ 489 ـ 490)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"(4/ 38)، وذكره ابن حبان في "الثقات"(8/ 263).
(7)
قوله "هذا" ليس في (خ).
وأَيضاً فإِن النَّهْيَ لَيْسَ عَنِ الْعِبَادَةِ الْمَطْلُوبَةِ، بَلْ هُوَ (1) عَنِ الْغُلُوِّ فِيهَا غُلُوًا يُدْخِل الْمَشَقَّةَ عَلَى الْعَامِلِ، فإِذا فَرَضْنَا مَنْ فُقِدَتْ فِي حَقِّهِ تِلْكَ الْعِلَّةُ، فَلَا يَنْتَهِضُ النَّهْيُ فِي حَقِّهِ، كَمَا إِذا قَالَ الشَّارِعُ: لَا يقض الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ (2) ـ وَكَانَتْ عِلَّةُ النَّهْيِ تَشْوِيشَ الْفِكْرِ عَنِ اسْتِيفَاءِ الْحُجَجِ ـ، اطَّرَدَ النَّهْيُ مَعَ كُلِّ مُشَوِّش، وَانْتَفَى عِنْدَ انْتِفَائِهِ، حَتَّى إِنه مُنْتَفٍ مَعَ وُجُودِ الْغَضَبِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا يَمْنَعُ مِنَ اسْتِيفَاءِ الْحُجَجِ. وَهَذَا صَحِيحٌ جارٍ عَلَى الأُصول.
وَحَالُ مَنْ فُقدت فِي حَقِّهِ الْعِلَّةُ حَالُ مَنْ يَعْمَلُ بِحُكْمِ غَلَبة الْخَوْفِ أَو الرَّجَاءِ أَو الْمَحَبَّةِ، فإِن الْخَوْفَ سَوْطٌ سائق (3)، والرجاءُ حادٍ قائد، والمحبة سيل (4) حَامِلٌ. فَالْخَائِفُ إِن وَجَدَ الْمَشَقَّةَ فَالْخَوْفُ مِمَّا هو أَشق يحمله على الصبر على مَا هُوَ أَهون، وإِن كَانَ الْعَمَلُ (5) شَاقًّا. وَالرَّاجِي يَعْمَلُ وإِن (6) وَجَدَ الْمَشَقَّةَ؛ لِأَنَّ رجاءَ الرَّاحَةِ التَّامَّةِ يَحْمِلُهُ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى بَعْضِ التَّعَبِ. وَالْمُحِبُّ يَعْمَلُ بِبَذْلِ الْمَجْهُودِ شَوْقًا إِلى الْمَحْبُوبِ، فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ الصَّعْبُ، وَيَقْرُبُ عَلَيْهِ الْبَعِيدُ، ويَفْنَى الْقُوَى (7)، وَلَا يَرَى أَنه أَوفى بِعَهْدِ الْمَحَبَّةِ، ولا قام بشكر النعمة، ويعمر الْأَنْفَاسَ وَلَا يَرَى أَنه قَضَى نَهْمَتَهُ (8).
وإِذا كَانَ كَذَلِكَ صَحَّ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَجَازَ الدُّخُولُ فِي الْعَمَلِ الْتِزَامًا مَعَ الْإِيغَالِ فِيهِ، إِما مُطْلَقًا، وإِما مَعَ ظَنِّ انْتِفَاءِ الْعِلَّةِ، وإِن دَخَلَتِ الْمَشَقَّةُ فِيمَا بَعْدُ، إِذا صَحَّ من (9) العامل الدوام على العمل، ويكون ذلك
(1) قوله: "هو" ليس في (ر) و (غ).
(2)
أخرجه البخاري (7158)، ومسلم (1717)، من حديث أبي بكرة، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان".
(3)
في (غ) و (ر): "شرط سابق".
(4)
في (م): "سبيل".
(5)
قوله: "العمل" ليس في (غ).
(6)
في (غ) و (ر): "إن".
(7)
في (م): "وهي القوى"، وفي موضعها طمس في (خ)، وأثبتها رشيد رضا هكذا:"وهو القوي"، واعتماده على (خ).
(8)
في (خ): "تهمته".
(9)
في (خ): "مع" بدل "من".
جَارِيًا عَلَى مُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ وَعَمَلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ رضي الله عنهم.
وَالْجَوَابُ: أَن مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَدلة النَّهْيِ صحيح صريح، وما نُقل عن الأوَّلين من الإيغال (1) يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ أَوجه:
أَحدها: أَن يُحْمَلَ عَلَى (2) أَنهم إِنما عَمِلُوا عَلَى التَّوَسُّطِ، الَّذِي هُوَ مظنة الدوام، فلم يلزموا أَنفسهم ما لَعَلَّه (3) يُدْخِل عَلَيْهِمُ الْمَشَقَّةَ حَتَّى يَتْرُكُوا بِسَبَبِهِ مَا هُوَ أَولى، أَو يَتْرُكُوا الْعَمَلَ، أَو يُبَغِّضُوهُ لِثِقَلِهِ عَلَى أَنفسهم، بَلِ الْتَزَمُوا مَا كَانَ عَلَى النُّفُوسِ سَهْلًا فِي حَقِّهِمْ، فإِنما طَلَبُوا الْيُسْرَ لَا الْعُسْرَ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ حَالَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَحَالَ مَنْ تَقَدَّمَ النَّقْلُ عَنْهُ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ بِنَاءً عَلَى أَنهم إِنما عَمِلُوا بمَحْض السنَّة وَالطَّرِيقَةِ الْعَامَّةِ لِجَمِيعِ المُكَلَّفين، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الطَّبَرِيِّ فِي الْجَوَابِ. وَمَا تَقَدَّمَ فِي السُّؤَالِ مِمَّا يَظْهَرُ مِنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ فَقَضَايَا أَحوال يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ، إِذا ثَبَتَ أَن الْعَامِلَ مِمَّنْ يُقتدى بِهِ.
وَالثَّانِي: يُحْتَمَلُ أَن يَكُونُوا (4) عَمِلُوا عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِيمَا اسْتَطَاعُوا، لَكِنْ على غير جِهَةِ (5) الِالْتِزَامِ، لَا بِنَذْرٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَقَدْ يَدْخُلُ الْإِنْسَانُ فِي أَعمال (6) يَشُقُّ الدَّوَامُ عَلَيْهَا (7)، وَلَا يَشُقُّ فِي الْحَالِ، فيَغْتَنِم نَشَاطَهُ فِي حَالِهِ خَاصَّةٍ، غَيْرَ نَاظِرٍ فِيهَا (8) فِيمَا يأَتي، ويكون فيه جارياً (9) عَلَى أَصل رَفْعِ الْحَرَجِ، حَتَّى إِذا لَمْ يَسْتَطِعْهُ تَرَكَهُ وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَنْدُوبَ لَا حَرَجَ فِي تَرْكِهِ فِي الْجُمْلَةِ.
ويُشْعِر بهذا المعنى: ما فِي الْحَدِيثِ (10) عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها
(1) قوله: "من الإيغال" ليس في (خ) و (م).
(2)
قوله: "على" ليس في (خ).
(3)
في (خ): "بما لعله".
(4)
في (غ): "يكون".
(5)
في (خ): "لكن لا على جهة".
(6)
في (غ) و (ر): "عمل".
(7)
في (غ) و (ر): "عليه".
(8)
قوله: "فيها" ليس في (غ) و (ر).
(9)
في (خ): "جارياً فيه".
(10)
في (خ): "ما في هذا الحديث".
قالت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ، وَمَا رأَيته اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلا رَمَضَانَ
…
، الْحَدِيثَ (1).
فتأَمّلوا وَجْهَ اعْتِبَارِ النَّشَاطِ وَالْفَرَاغِ (2) مِنَ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ، أَو القوة في الأَعمال. وكذلك قوله (3) ـ في صيام يوم وإِفطار يومين ـ:"ليتني طُوِّقْتُ ذلك"(4): إِنما يريد ـ والله أَعلم ـ (5) الْمُدَاوَمَةَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ (6) كَانَ يُوَالِي الصِّيَامَ حَتَّى يقولوا: لا يفطر.
ولا يُعْتَرَضُ هذا المأْخذ بقوله صلى الله عليه وسلم: "أَحب الْعَمَلِ إِلى اللَّهِ مَا دَاوَمَ (7) عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وإِن قَلّ"(8)، وأنه (9) كان عمله دِيمَةً (10)؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَمَلِ الَّذِي يَشُقُّ (11) فِيهِ الدوام.
وأَما ما نقل عنهم من إِدامة (12) صَلَاةِ الصُّبْحِ بوضوءِ الْعِشَاءِ، وَقِيَامُ جَمِيعِ اللَّيْلِ، وَصِيَامُ الدَّهْرِ، وَنَحْوُهُ، فَيُحْتَمَلُ أَن يَكُونَ عَلَى الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ أَن لَا يَلْتَزِمَ ذَلِكَ. وإِنما يَدْخُلُ فِي الْعَمَلِ حَالًا يَغْتَنِمُ نَشَاطَهُ، فإِذا أَتى زَمَانٌ آخَرُ وَجَدَ فِيهِ النشاط أَيضاً، ولم (13) يخلّ بما هو أَولى، عمل به (14) كَذَلِكَ، فَيَتَّفِقُ أَن يَدُومَ لَهُ (15) هَذَا النَّشَاطُ زَمَانًا طَوِيلًا، وَفِي كُلِّ حَالَةٍ هُوَ فِي فُسْحَةِ التَّرْكِ، لَكِنَّهُ يَنْتَهِزُ (16) الْفُرْصَةَ مَعَ الأَوقات، فَلَا بُعْدَ فِي أَن يَصْحَبَهُ النَّشَاطُ إِلَى آخر العمر، فيظنه (17) الظان التزاماً
(1) تقدم تخريجه (ص163).
(2)
في (ر) و (غ): "وجه اغتنام النشاط أو الفراغ".
(3)
قوله: "قوله" ليس في (ر) و (غ)، وعلق رشيد رضا على هذا الموضع بقوله:"أي: عبد الله بن عمرو".اهـ.
(4)
تقدم تخريجه في (ص163).
(5)
قوله: "والله أعلم" ليس في (خ) و (م).
(6)
قوله: "قد" ليس في (غ).
(7)
في (خ) و (م): "ما دام".
(8)
تقدم تخريجه (ص174).
(9)
في (خ) و (م): "وأن".
(10)
في (خ) و (م): "دائماً".
(11)
في (م): "لا يشق"، و"لا" ملحقة.
(12)
في (خ): "أدلة" بدل "إدامة".
(13)
في (خ) و (م): "وإذا لم".
(14)
قوله: "به" ليس في (خ) و (م).
(15)
في (غ): "يدوم له على".
(16)
في (غ) و (ر): "الترك لا ينتهز".
(17)
في (غ): "فيظن".
وليس بالتزام. وهذا (1) صحيح، ولاسيما (2) مَعَ سَائِقِ (3) الْخَوْفِ، أَو حَادِي الرَّجَاءِ، أَو حامل المحبة، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم:"وجعلت قرة عيني في الصلاة"(4).
(1) في (غ) و (ر): "وهو".
(2)
في (غ) و (ر): "لا سيما".
(3)
في (غ) و (ر): "سابق".
(4)
روي من حديث أنس والمغيرة، ومن طريق سليمان بن طرخان التيمي وليث بن أبي سليم مرسلاً.
أما حديث أنس، فله عنه ثلاث طرق:
الأول: طريق ثابت البناني، وله عنه أربع طرق:
1 ـ طريق سلام بن سليمان أبي المنذر القارئ.
أخرجه الإمام أحمد في "المسند"(3/ 128 و199 و285)، ومحمد بن نصر المروزي في "تعظيم قدر الصلاة"(322 و323) و"النسائي (3939)، وأبو يعلى (3482 و3530)، والعقيلي في "الضعفاء" (2/ 160)، والبيهقي في "السنن" (7/ 78)، جميعهم من طريق سلام أبي المنذر، عن ثابت، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حبّب إليّ من الدنيا: النساء، والطيب، وجعلت قرّة عيني في الصلاة".
وسلام بن سليمان أبو المنذر القارئ صدوق يهم كما في "التقريب"(2720).
2 ـ طريق جعفر بن سليمان الضُّبعي.
أخرجه النسائي برقم (3940)، والحاكم في "المستدرك"(2/ 160)، كلاهما من طريق سيار بن حاتم العنزي، عن جعفر، عن ثابت، عن أنس، به كسابقه.
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه".
وفي سنده سيار بن حاتم العنزي، وهو صدوق له أوهام كما في "التقريب"(2729).
3 ـ طريق سلام بن أبي خبزة.
أخرجه ابن عدي في "الكامل"(3/ 303) من طريقه، عن ثابت وعلي بن زيد، عن أنس، به كسابقه.
قال ابن عدي: "وقد رواه أيضاً عن أنس: سلام أبو المنذر وجعفر بن سليمان الضبعي من رواية سيار عنه، وأما حديث علي بن زيد عن أنس فلا أعرفه إلا من رواية سلام بن أبي خبزة".
وسلام بن أبي خبزة العطار، البصري متروك كما قال النسائي، وقال ابن المديني:"يضع الحديث"، وقال أبو حاتم الرازي:"ليس بقوي، وليس بكذاب"، وقال أبو زرعة:"منكر الحديث"، وقال الساجي:"متروك الحديث، وكان عابداً"، وقال البخاري:"ضعفه قتيبة جداً". انظر ترجمته في الموضع السابق من "الكامل"، و"لسان الميزان"(4/ 59 ـ 60).=
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=وقد ذهب الدارقطني إلى إعلال رواية ثابت هذه بالإرسال، فنقل عنه الضياء في "المختارة" (5/ 113) قوله:"رواه سلام أبو المنذر وسلامة بن أبي الصهباء وجعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس. وخالفهم حماد بن زيد، عن ثابت، مرسلاً. والمرسل أشبه بالصواب".
4 ـ طريق قتادة.
أخرجه النسائي (3941) من طريق إبراهيم بن طهمان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال:"لم يكن شيء أحبّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد النساء من الخيل".
وهذا متن غير السابق، ولكنه يدل على جزء من الحديث؛ وهو محبة النبي صلى الله عليه وسلم للنساء، وقد يكون المذكور في الحديث السابق ـ "النساء والطيب" ـ من جملة ما يحب النبي صلى الله عليه وسلم، وليس كل ما يحب، ولذلك ذكر في هذا الحديث الخيل.
وربما أراد النسائي بهذا إعلال أحد الحديثين بالآخر، والله أعلم.
الثاني: طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة.
أخرجه المروزي في "تعظيم قدر الصلاة"(321)، والطبراني في "الأوسط"(5772)، و"الصغير"(741)، والخطيب في "تاريخه"(14/ 190)، جميعهم من طريق يحيى بن عثمان، عن الهقل بن زياد، عن الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، به مرفوعاً.
قال الطبراني: "لم يروه عن الأوزاعي إلا الهقل، تفرد به يحيى".
وقال الخطيب: "تفرد برواية هذا الحديث هكذا موصولاً هقل بن زياد، عن الأوزاعي، ولم أره إلا من رواية يحيى بن عثمان عن هقل. وخالفه الوليد بن مسلم، فرواه عن الأوزاعي، عن إسحاق، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً، لم يذكر فيه أنساً"، ثم ساقه بسنده إلى الوليد.
وأخرج الضياء في "المختارة"(1533) هذا الحديث من طريق الطبراني، ونقل قول الطبراني في تفرد هقل عن الأوزاعي، ويحيى بن عثمان عن هقل، ثم تعقبه بقوله:"لم ينفرد به يحيى، فقد رواه عنه عمرو كما قدمنا".
وكان قد قدّم رواية الحديث برقم (1532) من طريق أبي محمد الحسن بن محمد المخلدي بسنده عن عمرو بن هاشم البيروتي، عن هقل، به.
ونقل الضياء أيضاً عن البرديجي أنه أعلّ هذا الحديث بقول: "إنما العلّة من قبل الراوي الذي هو دون الأوزاعي".
وتعقبه الضياء بأنه أعلّ رواية في الصحيحين أو أحدهما غير هذه، وهي من رواية إسحاق عن أنس، وقال إنها منكرة.
وذهب الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله إلى تصحيح هذه الرواية في "الصحيحة"=
فلذلك (1) قام صلى الله عليه وسلم حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ (2)، وَامْتَثَلَ أَمر رَبِّهِ فِي قوله تعالى:
= (1809)، وذكر إعلال الخطيب البغدادي، وردّه بأمرين:
أـ أن هقل بن زياد زاد الوصل، وزيادة الثقة مقبولة.
ب ـ أنه ـ أي هقل بن زياد ـ في الأوزاعي أوثق من الوليد.
ثم ذكر أقوال الموثقين ليحيى بن عثمان، وذكر متابعة عمرو بن هاشم له عند المخلدي في "الفوائد"(ق290/ 1)، وهي التي رواها الضياء من طريقه كما سبق.
ويحيى بن عثمان الحربي هذا متكلم فيه، وإن وثقه بعض الأئمة، ويظهر أن كلامهم فيه متجه إلى روايات يرويها عن هقل بن زياد وهم فيها، ولذلك قال عنه ابن حجر في "التقريب" (7657):"صدوق تكلموا في روايته عن هقل".
وأما متابعة عمرو بن هاشم له عند المخلدي في "فوائده": فإن عمرو بن هاشم البيروتي متكلم فيه، ولذا يقول عنه الحافظ ابن حجر في "التقريب" (5162):"صدوق يخطئ".
ويمكن أن تتقوى رواية يحيى بن عثمان برواية عمرو بن هاشم لو لم يكن هناك مخالفة، أما مع وجود المخالفة في رواية الأوزاعي له مرسلاً، فلا يتجه كلام الشيخ الألباني في اعتراضه على إعلال الخطيب البغدادي للحديث، بل إعلال هذه الرواية بالإرسال هو الأقوى، وقد أشار لهذا الضياء في نهاية كلامه حيث قال:"وقد رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن إسحاق: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وأما حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: فأخرجه الطبراني في "الكبير"(20/ 420 رقم 1012) من طريق أبي حذيفة، عن سفيان، عن زياد بن علاقة، عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جعلت قرة عيني في الصلاة".
وسنده ضعيف؛ فيه أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي، وهو صدوق سيئ الحفظ، وكان يصحِّف كما في "التقريب"(7059).
وأما مرسل التيمي وليث: فأخرجه عبد الرزاق في "المصنف"(7939) من طريق ابن التيمي ـ وهو معتمر بن سليمان ـ، عن أبيه، وعن ليث؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حبب إليّ الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة".
وسنده ضعيف لإرساله.
هذا ما وجدته من طرق لهذا الحديث، وهي كما ترى لا تخلو طريق منها من مقال، وأحسنها الطريق الأولى لحديث أنس ـ من رواية سلام أبي المنذر وجعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس ـ، وقد صحح سندها الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"(11/ 345)، وحسّنها في "التلخيص الحبير"(1530)، وقال عنها الذهبي في "ميزان الاعتدال" (2/ 177):"وإسناده قوي"، وصححه الشيخ الألباني في الموضع السابق من "الصحيحة"، والله أعلم.
(1)
في (غ) و (ر): "فكذلك".
(2)
تقدم تخريجه (ص178).
{قُمِ اللَّيْلَ إِلَاّ قَلِيلاً *} (1) الآية، والله أعلم (2).
وَالثَّالِثُ: أَن دُخُولَ المَشَقَّة وَعَدَمَهُ عَلَى المكلَّف فِي الدَّوَامِ أَو غَيْرِهِ لَيْسَ أَمْرًا مُنْضَبِطًا، بل هو إضافي يختلف (3) بِحَسَبِ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي قوَّة أَجسامهم، أَو فِي (4) قُوَّةِ عَزَائِمِهِمْ، أَو فِي قُوَّةَ يَقِينِهِمْ، أَو نحو ذلك من أَوصاف أَجسامهم وأَنْفُسِهِمْ (5)، فَقَدْ يَخْتَلِفُ الْعَمَلُ الْوَاحِدُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى رَجُلَيْنِ؛ لأَن أَحدهما أَقوى جِسْمًا، أَو أَقوى عَزِيمَةً، أَو يقيناً بالموعود، وَالْمَشَقَّةُ قَدْ تَضْعُفُ بِالنِّسْبَةِ إِلى قُوَّةِ هَذِهِ الأُمور وأَشباهها، وَتَقْوَى (6) مَعَ ضَعْفِهَا.
فَنَحْنُ نَقُولُ: كُلُّ عَمَلٍ يَشُقُّ الدَّوَامُ عَلَى مِثْلِهِ (7) بِالنِّسْبَةِ إِلَى زَيْدٍ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَلَا يَشُقُّ على عمرو فَلَا يُنْهَى عَنْهُ. فَنَحْنُ نَحْمِلُ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ الأَوّلون مِنَ الأَعمال عَلَى أَنه لَمْ يَكُنْ شَاقًّا عَلَيْهِمْ؛ وإِن كَانَ مَا هُوَ أَقل مِنْهُ شَاقًّا عَلَيْنَا، فَلَيْسَ عَمَلُ مِثْلِهِمْ بِمَا عَمِلُوا بِهِ حُجَّةً لَنَا أَن نَدْخُلَ فيما دخلوا فيه، إلا بشرط أَن يتّحد (8) مَنَاطُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَهُوَ أَن يَكُونَ ذَلِكَ الْعَمَلُ لَا يَشُقُّ الدَّوَامُ عَلَى مثله علينا (9).
وَلَيْسَ كَلَامُنَا فِي هَذَا لِمُشَاهَدَةِ (10) الْجَمِيعِ، فإِن التوسُّط والأَخذ بالرفق (11) هو الأَحرى (12) بِالْجَمِيعِ، وَهُوَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الأَدلة، دُونَ الإِيغال الَّذِي لَا يَسْهُلُ مِثْلُهُ عَلَى جَمِيعِ الخلق ولا أَكثرهم، بل (13) على القليل النادر منهم.
(1) سورة المزمل: الآية (2).
(2)
قوله: "والله أعلم" ليس في (خ) و (م).
(3)
في (خ) و (م): "مختلف".
(4)
قوله: "في" ليس في (غ) و (ر).
(5)
في (م): "وأنفاسهم"، وفي (خ):"أو أنفاسهم".
(6)
في (م): "ويقوى".
(7)
في (ر) و (غ): "عليه" بدل: "على مثله".
(8)
في (خ): "يتمد" وفي (غ) و (ر): "يتخذ".
(9)
قوله: "علينا" ليس في (خ) و (م).
(10)
في (ر) و (غ): "لشهادة".
(11)
في (غ): "بالأفق".
(12)
في (خ): "هو الأولى والأحرى".
(13)
في (خ): و (م): "إلا" بدل "بل".
وَالشَّاهِدُ لِصِحَّةِ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: "إِني لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِني أَبيت عند ربي يطعمني ويسقيني"(1)، يريد صلى الله عليه وسلم: أَنه لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ الْوِصَالُ، وَلَا يَمْنَعُهُ عَنْ قضاءِ حَقِّ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْخَلْقِ. فَعَلَى هذا: من رُزِقَ أنموذجاً مما أُعطيه صلى الله عليه وسلم فَصَارَ يُوغِلُ فِي الْعَمَلِ مَعَ قوَّته وَنَشَاطِهِ وَخِفَّةِ الْعَمَلِ عَلَيْهِ، فَلَا حَرَجَ.
وأَما رَدُّهُ صلى الله عليه وسلم عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو (2): فَيُمْكِنُ أَن يَكُونَ شَهِدَ بأَنه لَا يُطِيقُ الدَّوَامَ، وَلِذَلِكَ وَقَعَ لَهُ مَا كَانَ مُتَوقَّعاً، حَتَّى قَالَ: ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وَيَكُونُ عَمَلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَابْنِ عُمَرَ (3) وَغَيْرِهِمَا فِي الْوِصَالِ جَارِيًا عَلَى أَنهم أُعطوا حَظًّا مِمَّا أُعطيه رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَصلٍ مَذْكُورٍ فِي كِتَابِ "الْمُوَافَقَاتِ"(4) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَمَلِ الْمَنْقُولِ عن السلف مخالفة لما سبق.
(1) تقدم تخريجه (ص155).
(2)
في (خ) و (م): "عمر".
وانظر تخريج حديث عبد الله بن عمرو هذا وردّ النبي صلى الله عليه وسلم عليه (ص157).
(3)
تقدم تخريجه (ص179).
(4)
انظر: "الموافقات"(2/ 239 ـ 245).