المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌فصل إِذا (1) ثَبَتَ هَذَا انْتَقَلْنَا مِنْهُ إِلى مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ أَن - الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني - جـ ٢

[الشاطبي الأصولي النحوي]

الفصل: ‌ ‌فصل إِذا (1) ثَبَتَ هَذَا انْتَقَلْنَا مِنْهُ إِلى مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ أَن

‌فصل

إِذا (1) ثَبَتَ هَذَا انْتَقَلْنَا مِنْهُ إِلى مَعْنًى آخَرَ

وَهُوَ أَن المُحَرَّم يَنْقَسِمُ فِي الشَّرْعِ إِلى مَا هُوَ صَغِيرَةٌ، وإِلى مَا هُوَ كَبِيرَةٌ ـ حَسْبَمَا تبيَّن فِي عِلْمِ الأُصول الدِّينِيَّةِ ـ، فَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي الْبِدَعِ الْمُحَرَّمَةِ: إِنها تَنْقَسِمُ إِلى الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ اعْتِبَارًا بِتَفَاوُتِ دَرَجَاتِهَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بأَن الْمَعَاصِيَ تَنْقَسِمُ إِلى الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ. وَلَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا عَلَى أَوجه وَجَمِيعُ مَا قَالُوهُ لَعَلَّهُ لَا يُوفِي بِذَلِكَ الْمَقْصُودِ عَلَى الْكَمَالِ فَلْنَتْرُكِ التَّفْرِيعَ عَلَيْهِ.

وأَقرب وَجْهٍ (2) يُلْتَمَسُ لِهَذَا الْمَطْلَبِ مَا تَقَرَّرَ فِي كِتَابِ "الْمُوَافِقَاتِ"(3) أَن الْكَبَائِرَ مُنْحَصِرَةٌ فِي الإِخلال بِالضَّرُورِيَّاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي كُلِّ مِلَّة، وَهِيَ: الدِّينُ، وَالنَّفْسُ، وَالنَّسْلُ، وَالْعَقْلُ، وَالْمَالُ، وكل ما نُصَّ عليه منها (4) رَاجِعٌ إِليها، وَمَا لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ جَرَتْ في الاعتبار النظري (5) مَجْرَاهَا، وَهُوَ الَّذِي يَجْمَعُ أَشتات مَا ذَكَرَهُ العلماءُ وَمَا لَمْ يَذْكُرُوهُ مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ.

فَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي كَبَائِرَ الْبِدَعَ: مَا أَخَلَّ مِنْهَا بأَصل مِنْ هَذِهِ الضَّرُورِيَّاتِ فَهُوَ كبيرة، وما لا، فهي صَغِيرَةٌ (6)، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ لِذَلِكَ أَمثلة أَول الْبَابِ.

فَكَمَا انْحَصَرَتْ كَبَائِرُ الْمَعَاصِي أَحسن انْحِصَارٍ ـ حَسْبَمَا أُشِيرَ إِليه فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ ـ؛ كَذَلِكَ تَنْحَصِرُ كَبَائِرُ الْبِدَعِ أَيضاً، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْتَرِضُ (7) فِي

(1) في (ر) و (غ): "وإذا".

(2)

في (ت): "شيء" بدل "وجه".

(3)

(2/ 511).

(4)

قوله: "منها" ليس في (خ) و (م) و (ت).

(5)

في (خ) و (ت) و (م): "النظر".

(6)

في (ت): "فهو صغيرة".

(7)

في (غ) و (ر): "يفترض".

ص: 389

المسأَلة إِشكال عَظِيمٌ عَلَى أَهل الْبِدَعِ يَعْسُر التخلّص منه (1) فِي إِثبات الصَّغَائِرِ فِيهَا. وَذَلِكَ أَن جَمِيعَ الْبِدَعِ رَاجِعَةٌ إِلى الإِخلال بِالدِّينِ، إِما أَصلاً، وإِما فَرْعًا؛ لأَنها إِنما أُحدثت لتُلْحَقَ بِالْمَشْرُوعِ؛ زِيَادَةً فِيهِ، أَو نُقْصَانًا (2) مِنْهُ، أَو تَغْيِيرًا لقوانينه (3)، أَو مَا يَرْجِعُ إِلى ذَلِكَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بمختص بالعبادات دون العادات ـ إِن قلنا بدخولها في العادات (4) ـ، بل تشمل (5) الْجَمِيعِ (6).

وإِذا كَانَتْ بِكُلِّيَّتِهَا إِخلالاً بِالدِّينِ؛ فَهِيَ إِذاً إِخلال بَأَوّل الضَّرُورِيَّاتِ، وَهُوَ الدِّينُ، وَقَدْ أَثبت الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ (7) أَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَقَالَ فِي الفِرَقِ:"كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلا وَاحِدَةٌ"(8)، وَهَذَا (9) وَعِيدٌ أَيضاً (10) لِلْجَمِيعِ عَلَى التَّفْصِيلِ.

هذا وإِن تَفَاوَتَتْ مَرَاتِبُهَا فِي الإِخلال بِالدِّينِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بمُخْرِجٍ لَهَا عَنْ أَن تَكُونَ كَبَائِرَ، كَمَا أَن الْقَوَاعِدَ الْخَمْسَ أَركان الدِّينِ، وَهِيَ مُتَفَاوِتَةٌ فِي التَّرْتِيبِ، فَلَيْسَ الإِخلال بِالشَّهَادَتَيْنِ (11) كالإِخلال بِالصَّلَاةِ، وَلَا الْإِخْلَالُ بِالصَّلَاةِ كالإِخلال بِالزَّكَاةِ، وَلَا الإِخلال بِالزَّكَاةِ كالإِخلال بِرَمَضَانَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُهَا، مَعَ أن (12) الإِخلال بكل واحدٍ (13) مِنْهَا كَبِيرَةٌ، فَقَدْ آلَ النَّظَرُ (14) إِلى أَن كل بدعة كبيرة.

(1) المثبت من (ت)، وفي باقي النسخ:"عنه" بدل "منه".

(2)

في (ر) و (غ): "أو نقصاً".

(3)

في (خ) و (ت): "لقوافيه" وفي (م): "أو تغيير القوانية".

(4)

في (ت): "في العبادات".

(5)

في (خ): "تمنع" بدل "تشمل"، وعلق عليها رشيد رضا بقوله: لعل هنا كلمة "في" ساقطة. اهـ.

(6)

في (ت): "بل تقع في الجميع".

(7)

تقدم تخريجه صفحة (108) من المجلد الأول، و (ص318) من هذا المجلد.

(8)

أخرجه أحمد (4/ 102)، وأبو داود (4597)، والدارمي (2/ 241) وغيرهم من حديث معاوية رضي الله عنه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: حديث صحيح مشهور، وجوّد أسانيده العراقي، وحسّنه الحافظ ابن حجر؛ كما في "السلسلة الصحيحة"(204) وانظر (ص108) من المجلد الأوّل.

(9)

في (ر) و (غ): "وهو".

(10)

في (ت): "وهذا أيضاً وعيد".

(11)

في (خ) و (م): "في الشهادتين".

(12)

قوله: "أن" ليس في (خ) و (م) و (ت).

(13)

قوله: "واحد" من (ر) و (غ) فقط.

(14)

في (ر) و (غ): "آل هذا النظر".

ص: 390

ويجاب عنه بأَنه إن كان (1) هذا النظر (2) يدل على ما ذُكر؛ فَفِي (3) النَّظَرِ مَا يَدُلُّ مِنْ جِهَةٍ أُخرى عَلَى إِثبات الصَّغِيرَةِ مِنْ أَوجه:

أَحدها: أَنا نَقُولُ: الإِخلال بِضَرُورَةِ النَّفْسِ كَبِيرَةٌ بِلَا إِشكال، وَلَكِنَّهَا عَلَى مَرَاتِبَ، أَدناها لَا يُسَمَّى كَبِيرَةً، فَالْقَتْلُ كَبِيرَةٌ، وَقَطْعُ الأَعضاءِ مِنْ غَيْرِ إِجهاز (4) كبيرة دونها، وقطع عُضْوٍ واحد فقط (5) كَبِيرَةٌ دُونَهَا، وهَلُمّ جَرَّا إِلى أَن تَنْتَهِيَ (6) إِلى اللَّطْمَةِ، ثُمَّ إِلى أَقل خَدْشٍ يُتَصَوَّرُ، فَلَا يَصِحُّ أَن يُقَالَ فِي مَثَلِهِ كَبِيرَةٌ، كَمَا قَالَ (7) العلماءُ فِي السَّرِقَةِ: إِنها كَبِيرَةٌ؛ لأَنها إِخلال بِضَرُورَةِ الْمَالِ. فإِن كَانَتِ السَّرِقَةُ فِي لُقمة، أَو تطفيفٍ بِحَبَّةٍ (8)، فَقَدْ عَدُّوهُ من الصغائر، وهكذا (9) فِي ضَرُورَةِ الدِّينِ أَيْضًا.

فَقَدْ جاءَ فِي بَعْضِ الأَحاديث عَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قَالَ: "أَول مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمُ الأَمانة، وَآخِرُ مَا تَفْقِدُونَ الصَّلَاةَ، ولتُنْقَضَنّ عُرَى الإِسلام (10) عُرْوَةً عُرْوَةً (11)، ولَيُصَلِّيَنّ نِسَاءٌ وهُنَّ حُيَّضٌ"، ثُمَّ قال:"وَحَتَّى (12) تَبْقَى فِرْقَتَانِ مِنْ فِرَقٍ كَثِيرَةٍ تَقُولُ إِحداهما: مَا بَالُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ؟ لَقَدْ ضَلَّ مَنْ كَانَ قَبْلنا، إِنما قَالَ اللَّهُ: {وَأَقِمِ (13) الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ} (14)، لا تُصَلّون إِلا ثلاثاً. وتقول الأُخرى (15): إِنا لمؤمنون (16) بِاللَّهِ إِيمان الْمَلَائِكَةِ، مَا فِينَا كَافِرٌ، حقٌّ على الله أَن يحشرهما مع الدجال"(17).

(1) قوله: "كان" سقط من (م).

(2)

في (خ) و (ت): "ويجاب عنه بأن هذا النظر".

(3)

في (ت): "وفي".

(4)

أي: من غير قتل.

(5)

قوله: "فقط" من (ر) و (غ) فقط.

(6)

في (ر) و (غ): "ينتهي".

(7)

في (ر) و (غ): "يقول".

(8)

في (ت): "حبة".

(9)

في (خ) و (م) و (ت): "وهذا".

(10)

في (خ): "الإيمان" بدل "الإسلام".

(11)

قوله: "عروة" الثانية سقط من (م).

(12)

في (خ) و (م) و (ت): "حتى".

(13)

في جميع النسخ: "أقم".

(14)

الآية: (114) من سورة هود.

(15)

في (خ) و (م): "أخرى".

(16)

في في (خ) و (م) و (ت): "لنؤمن".

(17)

أخرجه الخلال في "السنة"(ق123/ب)، وابن بطة في "الإبانة"(8)، كلاهما من=

ص: 391

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

=طريق الإمام أحمد، عن أبي عامر العقدي عبد الملك بن عمرو، عن عكرمة بن عمار، عن أبي عبد الله الفلسطيني؛ قال: حدثني عبد العزيز أخو حذيفة، عن حذيفة بن اليمان

، فذكره. وأخرجه الخلال أيضاً (ق/123/ب ـ 124/أ) من طريق الإمام أحمد، عن عبد العزيز بن عبد الوارث، عن عكرمة، به، إلا أنه قال:"أول ما تفقدون من دينكم الخشوع".

وأخرجه ابن وضاح في "البدع والنهي عنها"(155) من طريق أسد بن موسى، والحاكم في "المستدرك"(4/ 469) من طريق الإمام أحمد، كلاهما عن عبد الرحمن بن مهدي، عن عكرمة بن عمار، به.

وأخرجه أحمد في "الزهد"(ص263 رقم 1000)، وابن أبي شيبة (7/ 140)، وأبو نعيم في "الحلية"(1/ 281) ثلاثتهم من طريق وكيع، عن عكرمة، به بلفظ:"أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة".

وسنده ضعيف لجهالة حال حميد أبي عبد الله الفلسطيني وعبد العزيز أخي حذيفة.

وأخرجه أبو عمرو الداني في "الفتن"(271) من طريق ليث بن أبي سُلَيم، عن ابن حصين، عن حميد أبي عبد الله؛ قال: سمعت حذيفة

، فذكره هكذا بإسقاط عبد العزيز أخي حذيفة من الإسناد، ولعل هذا من تخليط ليث بن أبي سليم.

وأخرجه الآجري في "الشريعة"(35) من طريق هشام بن عمار، عن عبد الحميد بن حبيب، عن الأوزاعي، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن الصنابحي، عن حذيفة، به موقوفاً.

ومن طريق الآجري أخرجه الداني في "الفتن"(225 و274).

وأخرجه الداني أيضاً (273) من طريق موسى بن أعين، عن الأوزاعي، عن رجل من أهل الحجاز، عن الصنابحي، عن حذيفة قال:"لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، ويكون أول نقضه الخشوع حتى لا ترى خاشعاً".اهـ.

وأخرجه ابن وضاح (192) من طريق نعيم بن حماد؛ قال: نا عثمان بن كثير، عن محمد بن مهاجر؛ قال: حدثني أيوب بن جندب بن بشر، عن حذيفة، به ببعضه وزيادة لم ترد في باقي الروايات.

وذكر بعضه مختصراً البخاري في "التاريخ الكبير"(8/ 333) من طريق أبي قيس، عن حذيفة.

وأخرجه الحاكم في "المستدرك"(4/ 528 ـ 529) من طريق محمد بن سنان القزاز؛ ثنا [عمر] بن يونس بن القاسم اليمامي؛ ثنا جهضم بن عبد الله القيسي، عن عبد الأعلى بن عامر، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ قال: كنت في الحطيم مع حذيفة، فذكر حديثاً، ثم قال: لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، وليكونن أئمة مضلون

، فذكر حديثاً طويلاً ليس من حديثنا، وصرح فيه=

ص: 392

فهذا الأَثر ـ وإِن لم نلتزم (1) عُهْدَةَ صحَّتِه ـ مِثَالٌ مِنْ أَمثلة (2) المسأَلة.

فَقَدْ نَبَّه عَلَى أَن فِي آخِرِ الزَّمَانِ مَنْ (3) يَرَى أَن الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةَ ثَلَاثٌ (4) لَا خَمْسٌ، وبَيَّن أَن مِنَ النساءِ مَنْ يُصَلِّينَ وَهُنَّ حُيَّضٌ، كأَنه يُعْنَى بِسَبَبِ التَّعَمُّق وَطَلَبِ الِاحْتِيَاطِ بالوَسْوَاسِ الْخَارِجِ عَنِ السُّنَّة، فَهَذِهِ مَرْتَبَةٌ دُونَ الأُولى.

وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ (5) أَن بَعْضَ النَّاسِ زَعَمَ أَن الظُّهْرَ خَمْسُ رَكْعَاتٍ لَا أَربع رَكْعَاتٍ.

ثُمَّ وَقَعَ فِي "الْعُتْبِيَّةِ"(6): قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَسَمِعْتُ (7) مَالِكًا يَقُولُ: أَول مَنْ أَحدث الِاعْتِمَادَ فِي الصَّلَاةِ ـ حَتَّى لَا يُحَرِّكَ رِجْلَيْهِ ـ رَجُلٌ قَدْ عُرِفَ وسُمِّيَ، إِلا أَني لَا أُحِبُّ أَن أَذكره، وقد كان مُسَاءً (8). فقيل له: أفعيب ذلك عَلَيْهِ (9)؟ قَالَ (10): قَدْ عِيبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَهَذَا مكروه من الفعل. قالوا: ومعنى (11) مُسَاءً (12)؛ أي: يساءُ الثناءُ عليه.

=بأنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم. وصححه الحاكم، فتعقبه الذهبي بقوله:"قلت: بل منكر؛ فعبد الأعلى ضعفه أحمد وأبو زرعة، وأما جهضم فثقة، ومحمد بن سنان كذبه أبو داود". وانظر كلامي عن الحديث في تعليقي على "مختصر المستدرك"(1143).

(1)

في (خ) و (م): "تلتزم".

(2)

في (خ) و (م): "الأمثلة المسألة"، ثم صوبت في (م). وعلق رشيد رضا عليها بقوله: لعل "الـ" الداخلة على كلمة: "الأمثلة" زائدة. اهـ.

(3)

في (م): "أن من".

(4)

في (ت): "ثلاثة".

(5)

لم أجد قول ابن حزم هذا.

(6)

كما في شرحها: "البيان والتحصيل"(17/ 549) وتقدم صفحة (337).

(7)

في (ت): "سمعت".

(8)

زاد في (ت) و (خ) و (م) في هذا الموضع قوله: "أي: يساء الثناء عليه"، وهي زيادة لا داعي لها مع وجود تفسير المصنف لمعنى "مساء" في آخر النص.

(9)

من قوله: "فقيل له" إلى هنا سقط من (خ) و (م) و (ت).

(10)

في (خ): "فقال".

(11)

قوله: "ومعنى" ليس في (خ) و (م) و (ت).

(12)

في (خ) و (ت) و (م): "ومساء".

ص: 393

قَالَ ابْنُ رُشْدٍ (1): جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ أَن يُرَوِّحَ (2) الرَّجُلُ قَدَمَيْهِ فِي الصَّلَاةِ، قَالَهُ فِي "الْمُدَوَّنَةِ"(3)، وإِنما كَرِهَ أَن يُقْرِنَهُمَا حَتَّى لَا يَعْتَمِدَ عَلَى إِحداهما دُونَ الأُخرى، لأَن ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ حُدُودِ الصَّلَاةِ، إِذ لَمْ يأْت ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَلَا عَنْ أَحد مِنَ السَّلَفِ، وَالصَّحَابَةِ المَرْضِيِّين الكرام (4)، وَهُوَ مِنْ مُحْدَثَاتِ الأُمور. انْتَهَى.

فَمِثْلُ هَذَا إِن كَانَ يَعُدُّه فاعلُه مِنْ مَحَاسِنِ الصَّلَاةِ ـ وإِن لم يأْت به أَثر ـ أَفَيُقَال (5) في مثله: إِنه من كبائر الْبِدَعِ، كَمَا يُقَالُ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الْخَامِسَةِ في الظهر أو نحوها؟! (6) بَلْ إِنما يُعَدّ مِثْلُهُ مِنْ صَغَائِرِ الْبِدَعِ؛ إِن سَلَّمْنَا أَن لَفْظَ الْكَرَاهِيَةِ فِيهِ مَا لا يُراد (7) بِهِ (8) التَّنْزِيهُ، وإِذا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَمْثِلَةِ فِي قَاعِدَةِ الدِّينِ، فَمِثْلُهُ يُتَصَوَّرُ فِي سَائِرِ الْبِدَعِ الْمُخْتَلِفَةِ الْمَرَاتِبِ، فَالصَّغَائِرُ فِي الْبِدَعِ ثَابِتَةٌ؛ كَمَا أَنها فِي الْمَعَاصِي ثَابِتَةٌ.

وَالثَّانِي: أَن الْبِدَعَ تَنْقَسِمُ إِلَى مَا هِيَ كُلِّيَّةٌ فِي الشَّرِيعَةِ، وإِلى جُزْئِيَّةٍ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَن يَكُونَ الْخَلَلُ الْوَاقِعُ بِسَبَبِ الْبِدْعَةِ كُلِّيًّا فِي الشَّرِيعَةِ، كَبِدْعَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّينَ، وَبِدْعَةِ إِنكار الأَخبار السُّنِّيَّةِ اقْتِصَارًا عَلَى الْقُرْآنِ، وَبِدْعَةِ الْخَوَارِجِ فِي قَوْلِهِمْ: لَا حُكْمَ إِلا لِلَّهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْبِدَعِ الَّتِي لَا تَخُصُّ فَرْعًا مِنْ فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ دُونَ فَرْعٍ، بَلْ تجدها تَنْتَظِمُ مَا لَا يَنْحَصِرُ مِنَ الْفُرُوعِ الْجُزْئِيَّةِ، أَو يَكُونُ الْخَلَلُ الْوَاقِعُ جُزْئِيًّا إِنَّمَا يأْتي فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ دُونَ بَعْضٍ، كَبِدْعَةِ التَّثْوِيبِ بِالصَّلَاةِ الَّذِي قَالَ فِيهِ مَالِكٌ: التَّثْوِيبُ ضَلَالٌ (9)، وبدعة الأَذان والإِقامة في

(1) في الموضع السابق من "البيان والتحصيل".

(2)

في (ر) و (غ): "يتروح".

(3)

(1/ 107).

(4)

قوله: "الكرام" ليس في (خ) و (م) و (ت).

(5)

في (خ) و (ت): "فيقال".

(6)

في (خ): "ونحوها".

(7)

(خ) و (م): "ما يراد"، وفي (ت):"مما يراد".

(8)

في (ر) و (غ): "بها".

(9)

انظر: "البيان والتحصيل"(1/ 435)، و"مواهب الجليل"(1/ 431) وتقدم (ص383)، وسيأتي (ص9 و410).

ص: 394

الْعِيدَيْنِ (1)، وَبِدْعَةِ (2) الِاعْتِمَادِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى إِحدى (3) الرِّجْلَيْنِ (4)، وَمَا أَشبه ذَلِكَ. فَهَذَا الْقِسْمُ لَا تَتَعَدَّى فِيهِ الْبِدْعَةُ مَحَلَّهَا، وَلَا تَنْتَظِمُ (5) تَحْتَهَا غيرَها حَتَّى تَكُونَ أَصلاً لَهَا.

فَالْقِسْمُ الأَول إِذا عُدَّ مِنَ الْكَبَائِرِ اتَّضَحَ مَغْزَاهُ، وأَمكن أَن يَكُونَ مُنْحَصِرًا دَاخِلًا تَحْتَ عُمُومِ الثِّنْتَيْنِ وَالسَّبْعِينَ فِرْقَةٍ، وَيَكُونُ الْوَعِيدُ الْآتِي فِي الْكِتَابِ والسنة مخصوصاً به لاعامّاً فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ، وَيَكُونُ مَا عَدَا ذَلِكَ ـ وهو القسم الثاني (6) ـ مِنْ قَبِيلِ اللَّمَم الْمَرْجُوِّ فِيهِ الْعَفْوُ الَّذِي لَا يَنْحَصِرُ إِلى ذَلِكَ الْعَدَدِ، فَلَا قَطْعَ على أَن جميعها من قَبِيلِ الكبائر (7)، وَقَدْ ظَهَرَ وَجْهُ انْقِسَامِهَا.

وَالثَّالِثُ: أَن الْمَعَاصِيَ قَدْ ثَبَتَ انْقِسَامُهَا إِلى الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ، وَلَا شَكَّ أَن الْبِدَعَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَعَاصِي ـ عَلَى مُقْتَضَى الأَدلة الْمُتَقَدِّمَةِ ـ، وَنَوْعٌ مِنْ أَنواعها، فَاقْتَضَى إِطلاق التَّقْسِيمِ أَنَّ الْبِدَعَ تَنْقَسِمُ أَيضاً، وَلَا تُخَصُّ وحدها (8) بِتَعْمِيمِ الدُّخُولِ فِي الْكَبَائِرِ، لأَن ذَلِكَ تَخْصِيصٌ مِنْ غَيْرِ مُخَصِّص، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُعْتَبَرًا لَاسْتُثْنِيَ مَنْ تَقَدَّم مِنَ العلماءِ الْقَائِلِينَ (9) بِالتَّقْسِيمِ قِسْمُ الْبِدَعِ، فَكَانُوا يَنُصّون عَلَى أَن الْمَعَاصِيَ ـ مَا عَدَّا الْبِدَعَ ـ تَنْقَسِمُ إِلى الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ، إِلا أَنهم لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلى الاستثناءِ، وأَطلقوا الْقَوْلَ بِالِانْقِسَامِ، فَظَهَرَ أَنه شَامِلٌ لِجَمِيعِ أَنواعها.

فإِن (10) قِيلَ: إِن ذَلِكَ التَّفَاوُتَ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى إِثبات الصَّغِيرَةِ مُطْلَقًا، وإِنما يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنها تَتَفَاضَلُ، فَمِنْهَا ثَقِيلٌ وأَثقل، ومنها خفيف

(1) تقدمت الإشارة إليه صفحة (319).

(2)

في (ر) و (غ): "وبدعة ترك".

(3)

في أصل (ت): "كلا"، وأشار في الهامش إلى أن في نسخة:"إحدى" بدل "كلا".

(4)

تقدمت الإشارة إليه في الصفحة السابقة.

(5)

في (ر) و (غ): "ينتظم".

(6)

قوله: "وهو القسم الثاني" من (ر) و (غ) فقط.

(7)

قوله: "الكبائر" سقط من (م)، وفي (خ) و (ت) بدلاً منه:"واحد".

(8)

في (خ) و (م): "ولا يخصص وجوهاً" وفي (ت): "ولا تخصص وجوهاً".

(9)

قوله: "القائلين" سقط من (غ).

(10)

قوله: "فإن" سقط من (م).

ص: 395

وأَخف، وَالْخِفَّةُ هَلْ تَنْتَهِي إِلى حَدٍّ تُعَدُّ الْبِدْعَةُ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ اللَّمَم؟ هَذَا فِيهِ نَظَرٌ، وَقَدْ ظَهَرَ مَعْنَى الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ فِي الْمَعَاصِي غَيْرِ الْبِدَعِ.

وأَما فِي الْبِدَعِ فَثَبَتَ (1) لَهَا أَمران:

أَحدهما: أَنها مُضَادَّةٌ لِلشَّارِعِ (2) وَمُرَاغَمَةٌ لَهُ، حَيْثُ نَصَّبَ الْمُبْتَدِعُ نَفْسَهُ نَصْبَ الْمُسْتَدْرِكِ عَلَى الشَّرِيعَةِ، لَا نَصْبَ الْمُكْتَفِي بِمَا حُدَّ لَهُ.

وَالثَّانِي: أَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ـ وإِن قَلَّت ـ تشريعٌ زَائِدٌ أَو نَاقِصٌ، أَو تَغْيِيرٌ للأَصل الصَّحِيحِ، وكلُّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ عَلَى الِانْفِرَادِ، وَقَدْ يَكُونُ مُلْحَقاً بِمَا هُوَ مَشْرُوعٌ، فَيَكُونُ قَادِحًا فِي الْمَشْرُوعِ. وَلَوْ فَعَلَ أَحد مِثْلَ هذا في نفس (3) الشريعة عامداً لكفر، إِذِ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ فِيهَا أَوِ التَّغْيِيرُ ـ قلَّ أَو كَثُر ـ كُفْرٌ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا قَلَّ مِنْهُ وَمَا كَثُرَ (4)، فَمَنْ فَعَلَ مِثْلِ ذَلِكَ بتأْويل فَاسِدٍ، أَو برأْي (5) غالطٍ رَآهُ، وأَلْحَقَه (6) بالمشروع، إِذا لم نُكَفِّرْه (7)؛ لَمْ يَكُنْ فِي حُكْمِهِ فَرْقٌ بَيْنَ مَا قَلّ مِنْهُ (8) وَمَا كَثُرَ، لأَن الجميعَ جِنَاية لا تحتملها (9) الشَّرِيعَةُ بقليلٍ وَلَا بكثيرٍ.

وَيُعَضِّدُ هَذَا النَّظَرَ: عُمُومُ الأَدلة فِي ذَمِّ الْبِدَعِ مِنْ غَيْرِ استثناء، فلا فرق إذاً (10) بَيْنَ بِدْعَةٍ جُزْئِيَّةٍ، وَبِدَعَةٍ كُلِّيَّةٍ، وَقَدْ حَصَلَ الْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الأَول وَالثَّانِي.

وأَما الثَّالِثُ: فَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لأَن قَوْلَهُ عليه السلام: "كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ"(11)، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ السلف الصالح رضي الله عنهم (12)؛ يدل

(1) في (ت): "فظهر" بدل "فثبت".

(2)

في (م): "للشارعة".

(3)

في (ر) و (غ): "تفسير".

(4)

في (ت): "ما قلّ منه أو كثر".

(5)

في (ت): "أو رأي".

(6)

في (خ) و (م) و (ت): "أو ألحقه".

(7)

في (خ): "تكفره"، وفي (ت):"يكفر".

(8)

قوله: "منه" ليس في (ر) و (غ).

(9)

في (ت) و (م) و (خ): "لا تحملها".

(10)

في (خ) و (م) و (ت): "فالفرق" بدل قوله: "فلا فرق إذاً".

(11)

تقدم تخريجه صفحة، (108) من المجلد الأول، و (ص318) من هذا المجلد.

(12)

قوله: "الصالح رضي الله عنهم" من (ر) و (غ) فقط.

ص: 396

عَلَى عُمُومِ الذَّمِّ فِيهَا. وَظَهَرَ أَنها مَعَ الْمَعَاصِي لَا تَنْقَسِمُ ذَلِكَ الِانْقِسَامَ، بَلْ إِنما يَنْقَسِمُ مَا سِوَاهَا مِنَ الْمَعَاصِي، وَاعْتَبِرْ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْبَابِ الثَّانِي يَتَبَيَّنْ لَكَ عدم الفرق فيها. وأَقرب (1) عِبَارَةً تُنَاسِبُ هَذَا التَّقْرِيرَ أَن يُقَالَ: كُلُّ بدعةٍ كبيرةٌ عظيمةٌ (2)، بالإِضافة (3) إِلى مُجَاوَزَةِ حُدُودِ اللَّهِ بِالتَّشْرِيعِ، إِلا أَنها وإِن عَظُمَتْ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، فإِذا نُسِبَ بَعْضُهَا إِلى بَعْضٍ تَفَاوَتَتْ رُتَبُها (4)، فَيَكُونُ مِنْهَا صِغَارٌ وَكِبَارٌ (5)، إِما بِاعْتِبَارِ أَن بَعْضَهَا أَشد عِقَابًا مِنْ بَعْضٍ، فَالْأَشَدُّ عِقَابًا أَكبر مِمَّا دُونَهُ، وإِما بِاعْتِبَارِ فَوْتِ الْمَطْلُوبِ فِي الْمَفْسَدَةِ، فَكَمَا انْقَسَمَتِ الطَّاعَةُ بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ إِلى الْفَاضِلِ والأَفضل، لِانْقِسَامِ مَصَالِحِهَا إِلى الْكَامِلِ، والأَكمل، انْقَسَمَتِ الْبِدَعُ لِانْقِسَامِ مَفَاسِدِهَا إِلى الرَّذِلِ والأَرْذَلِ، والصِّغَرِ والكِبَرِ، مِنْ بَابِ النِّسَبِ والإِضافات، فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ كَبِيرًا فِي نَفْسِهِ، لَكِنَّهُ صَغِيرٌ (6) بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ أَكبر مِنْهُ، كما يكون كبيراً بالنسبة إلى ما هو (7) أصغر مِنْهُ (8).

وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ قَدْ سَبَقَ إِليها إِمام الْحَرَمَيْنِ (9) لَكِنْ فِي انْقِسَامِ الْمَعَاصِي إِلى الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ فَقَالَ: الْمَرَضِيُّ عِنْدَنَا أَن كُلَّ ذَنَبٍ كبيرة وَعَظِيمٌ بالإِضافة إِلى مُخَالَفَةِ اللَّهِ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ: مَعْصِيَةُ اللَّهِ أَكبر مِنْ مَعْصِيَةِ الْعِبَادِ قَوْلًا مُطْلَقًا، إِلا (10) أَنها وإِن عَظُمَتْ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، فإِذا نُسِبَ بَعْضُهَا إِلى بَعْضٍ تَفَاوَتَتْ رُتَبُهَا، ثُمَّ ذَكَرَ مَعْنًى مَا تَقَدَّمَ. وَلَمْ يُوَافِقْهُ غَيْرُهُ عَلَى مَا قَالَ، وإِن كَانَ لَهُ وَجْهٌ فِي النَّظَرِ وَقَعَتِ الإِشارة إِليه فِي كتاب "الموافقات"(11).

(1) في (خ): "وأقرب منها".

(2)

في (ر) و (غ): "وعظيمة".

(3)

في (ت): "بالنسبة" بدل "بالإضافة".

(4)

في (م) و (ت) و (خ): "رتبتها".

(5)

في (خ) و (م) و (ت): "صغاراً وكباراً".

(6)

في (ت) و (خ) و (م): "صغيراً".

(7)

من قوله: "أكبر منه" إلى هنا سقط من (م).

(8)

من قوله: "كما يكون كبيراً" إلى هنا سقط من (خ) و (ت).

(9)

أي: الجويني في كتاب "الإرشاد"(ص328)، والمصنف نقلها بتصرف، ونقلها الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" عن الجويني (10/ 409)، وأطال في ذكر الخلاف في ضابط الكبيرة، فانظره إن شئت.

(10)

في (م): "إلى".

(11)

راجع الموافقات (3/ 537).

ص: 397

ولكن الظواهر تأْبى (1) ذَلِكَ ـ حَسْبَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ مِنَ العلماءِ ـ، وَالظَّوَاهِرُ فِي الْبِدَعِ لَا تأْبى كَلَامَ الإِمام إِذا نُزِّل عَلَيْهَا ـ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ ـ فَصَارَ اعْتِقَادُ الصَّغَائِرِ فِيهَا يَكَادُ يَكُونُ مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ، كَمَا صَارَ اعتقاد نفي كراهة التَّنْزِيهُ (2) عَنْهَا مِنَ الْوَاضِحَاتِ.

فليُتَأَمَّلْ هَذَا الموضعُ أَشدّ التأَمل، ولْيُعْطَ مِنَ الإِنصاف حقَّه، وَلَا يُنظر إِلى خِفَّةِ الأَمر فِي الْبِدْعَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلى صُورَتِهَا وإِن دَقَّت، بَلْ يُنظر إِلى مُصَادَمَتِهَا لِلشَّرِيعَةِ، وَرَمْيِهَا لَهَا بِالنَّقْصِ وَالِاسْتِدْرَاكِ، وأَنها لَمْ تُكَمَّلْ بَعْدُ حَتَّى يُوضَعَ فِيهَا، بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَعَاصِي فإِنها لَا تَعُودُ عَلَى الشَّرِيعَةِ بتنقيصٍ وَلَا غضٍّ مِنْ جَانِبِهَا، بَلْ صَاحِبُ الْمَعْصِيَةِ مُتَنَصِّل مِنْهَا، مُقِرٌّ لله بمخالفته لِمُحْكَمِها (3).

وَحَاصِلُ الْمَعْصِيَةِ أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ فِي فِعْلِ الْمُكَلَّفِ لِمَا يُعْتَقَدُ صِحَّتَهُ مِنَ الشَّرِيعَةِ، وَالْبِدْعَةُ حَاصِلُهَا مُخَالَفَةٌ فِي اعْتِقَادِ كَمَالِ الشَّرِيعَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنس: مِنْ أَحدث فِي هَذِهِ الأُمة شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَلَفُهَا فَقَدْ زَعَمَ أَن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خان الرسالة، لأَن اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} (4)

، إِلى آخِرِ الْحِكَايَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ (5).

وَمِثْلُهَا جَوَابُهُ لِمَنْ أَراد أَن يُحْرِمَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَقَالَ: أَي فِتْنَةٍ فِي هَذَا (6)؟ إِنما هِيَ أَميال أَزيدها. فَقَالَ: وأَي فِتْنَةٍ أَعظم مِنْ أَن تَظُنَّ أَنك فَعَلْتَ فِعْلًا قَصَّرَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟

، إِلى آخِرِ الْحِكَايَةِ، وقد تقدمت أَيضاً (7).

(1) في (خ) و (ت): "الظاهر يأبى"، وفي (م):"الظاهر تأبى".

(2)

في (خ) و (م): "الكراهية التنزيه"، وفي (ت):"الكراهية التنزيهية".

(3)

في (خ): "لحكمها"، وفي (ت):"في حكمها"، وفي (م):"محكمها".

(4)

سورة المائدة: الآية (3).

(5)

(ص65 ـ 66) من الجزء الأول، و (ص384، وستأتي (ص401) من هذا الجزء ووقع في (خ) و (ت) و (م): "وقدمت".

(6)

في (خ) و (م) و (ت): "أي فتنة فيها".

(7)

انظر: صفحة (250) من القسم الأول.

ص: 398

فإِذاً لا (1) يَصِحُّ أَن يَكُونَ فِي الْبِدَعِ مَا هُوَ صغيرة ولا كبيرة (2).

فَالْجَوَابُ: أَن ذَلِكَ يَصِحُّ بِطَرِيقَةٍ يُظْهِرُ إِن شاءَ الله أَنها تحقيق في تشعيب (3) هَذِهِ المسأَلة.

وَذَلِكَ أَن صَاحِبَ الْبِدْعَةِ يُتَصَوَّر أَن يَكُونَ عَالِمًا بِكَوْنِهَا بِدْعَةً، وأَن يَكُونَ غَيْرَ عَالِمٍ بِذَلِكَ، وَغَيْرُ الْعَالِمِ بِكَوْنِهَا بِدْعَةً عَلَى ضَرْبَيْنِ، وَهُمَا: الْمُجْتَهِدُ (4) فِي اسْتِنْبَاطِهَا وَتَشْرِيعِهَا، وَالْمُقَلِّدُ لَهُ فِيهَا. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فالتأْويل يُصَاحِبُهُ فِيهَا وَلَا يُفَارِقُهُ إِذا حَكَمْنَا لَهُ بحكم أهل الإِسلام، فأما العالم بها فإنه لو لم يتأول لم يصح أن ينسب إلى أَهْلِ الْإِسْلَامِ (5)، لأَنه مُصَادِمٌ لِلشَّارِعِ مُرَاغَمٌ لِلشَّرْعِ بِالزِّيَادَةِ فِيهِ، أَوِ النُّقْصَانِ مِنْهُ، أَو التَّحْرِيفِ لَهُ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ تأْويل كَقَوْلِهِ: هِيَ بِدْعَةٌ، وَلَكِنَّهَا مُسْتَحْسَنَةٌ، أَو يَقُولُ: إِنها بِدْعَةٌ، وَلَكِنِّي رأَيت فُلَانًا الْفَاضِلَ يَعْمَلُ بِهَا، أَو يأمر بِهَا (6)، أَو يقِرُّ بِهَا، وَلَكِنَّهُ يَفْعَلُهَا لِحَظٍّ عاجل؛ كفاعل الذنب (7) لقضاءِ حَظِّه (8) العاجل مِنْ خَوْفٍ (9) عَلَى حَظِّه (10)، أَو فِرَارًا مِنَ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ فِي اتِّبَاعِ السُّنَّةِ، كَمَا هُوَ الشأْن الْيَوْمَ فِي كَثِيرٍ مِمَّنْ يُشَارُ إِليه، وما أَشبه ذلك (11).

وأَما غير العالم بها (12)، وهو (13) الواضع لها: فإِنه لا يمكن أَن

(1) قوله: "لا" ليس في (خ) و (م) و (ت).

(2)

قوله: "ولا كبيرة" ليس في (خ) و (م) و (ت).

(3)

في (خ) و (م): "تشغيب" وفي (ت): "تَشَعُّب"، وذكر في الحاشية أن في نسخة:"تشعيب".

(4)

في (خ) و (ت) و (م): "المجتهد والمقلد"، وفي هامش (ت) ما نصه:"أظن صوابه ـ والله أعلم ـ: بحذف المقلد الأول".

(5)

من قوله: "فأما العالم" إلى هنا سقط من (خ) و (م) و (ت).

(6)

قوله: "أو يأمر بها" سقط من (خ) و (ت).

(7)

في (ت): "كفاعل الذهب"، ثم صوبت في الهامش هكذا:"المذهب".

(8)

في (ر) و (غ): "حقه" بدل "حظه".

(9)

في (ت): "خوفاً" بدلاً من "من خوف".

(10)

في (خ): "لِقَضَاءِ حَظِّهِ الْعَاجِلِ خَوْفًا عَلَى حَظِّهِ، أَوْ فراراً من خوف على حظه".

(11)

قوله: "وما أشبه ذلك" سقط من (ت).

(12)

قوله: "بها" ليس في (خ) و (م) و (ت).

(13)

قوله: "وهو" سقط من (ت).

ص: 399

يَعْتَقِدَهَا (1) بِدَعَةً، بَلْ هِيَ عِنْدَهُ مِمَّا يلحق بالمشروعات، كَقَوْلِ مِنْ جَعْلِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ يُصَامُ لأَنه يَوْمُ مَوْلِدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَجَعْلَ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الأَول مُلْحَقًا بأَيام الأَعياد لأَنه عليه السلام وُلِدَ فِيهِ، وَكَمَنَ عَدَّ السَّمَاعَ وَالْغَنَاءَ مِمَّا يُتقرَّب بِهِ إِلى اللَّهِ بِنَاءً عَلَى أَنه يَجْلِبُ الأَحوال السُّنِّيَّةَ، أَو رَغِبَ فِي الدعاءِ بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ فِي أَدبار الصَّلَوَاتِ دَائِمًا بِنَاءً عَلَى مَا جاءَ في ذلك حالة الوحدة، أَو زَادَ فِي الشَّرِيعَةِ أَحاديث مَكْذُوبَةً لِيَنْصُرَ فِي زَعْمِهِ سُنَّةَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا قِيلَ لَهُ: إِنك تَكْذِبُ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ:"مِنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فليتبوأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ"(2)؛ قَالَ: لَمْ أَكذب عَلَيْهِ، وإِنما كَذَبْتُ لَهُ.

أَو نَقَّصَ مِنْهَا تأْويلاً عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي ذَمِّ الْكُفَّارِ: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} (3)، فأَسقط اعْتِبَارَ الأَحاديث الْمَنْقُولَةِ بِالْآحَادِ لِذَلِكَ، وَلِمَا أَشبهه (4)؛ لأَن خبر الواحد ظني (5)، فهذا كله من قبيل التأْويل.

وأَما الْمُقَلِّدُ: فَكَذَلِكَ أَيضاً؛ لأَنه يَقُولُ: فلانٌ المُقْتَدَى به يعمل بهذا العمل، أو يُفتي به (6)؛ كَاتِّخَاذِ الْغِنَاءِ جُزْءًا مِنْ أَجزاءِ طَرِيقَةِ التَّصَوُّفِ بناءً منهم عَلَى أَنَّ شُيُوخَ التَّصَوُّفِ قَدْ سَمِعُوهُ وَتَوَاجَدُوا عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَاتَ بِسَبَبِهِ، وَكَتَمْزِيقِ الثِّيَابِ عِنْدَ التَّوَاجُدِ بِالرَّقْصِ وَسِوَاهُ لأَنهم قَدْ فَعَلُوهُ، وأَكثر مَا يَقَعُ مِثْلَ هَذَا فِي هؤلاءِ المنتمين إِلى التصوف.

وربما احتجوا على بدعهم (7) بالجُنَيد، والبِسْطامي، والشِّبْلي،

(1) قوله: "يعتقدها" في موضعه بياض في (ر) و (غ).

(2)

قوله صلى الله عليه وسلم: "مِنْ كَذَبَ عَلِيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النار": ورد عن عدد كثير من الصحابة، منهم: أبو هريرة رضي الله عنه، وحديثه أخرجه البخاري (110) و (6197)، ومسلم في "المقدمة"(3).

(3)

سورة النجم: الآية (28).

(4)

في (خ): "أشبه".

(5)

سبق أن بيّنتُ (ص238 ـ 239) أن المصنف رحمه الله متأثر بموقف الأشاعرة من أخبار الآحاد، فانظر تعليقي على عبارته هناك إن شئت.

(6)

في (خ): "ويتني" وفي (م): "أو يثني به"، وفي (ت):"أو يثني عليه".

(7)

في (ت): "بدعتهم".

ص: 400

وغيرهم؛ فيما صَحَّ عنهم (1)، أَو لَمْ يَصِحّ، وَيَتْرُكُونَ أَن يَحْتَجُّوا (2) بِسُنَّةِ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهي التي لا شائبة في هداها (3)، إذَا نَقَلها الْعُدُولُ، وفسَّرها أَهلُها المُكِبّون عَلَى فَهْمِهَا وَتَعَلُّمِهَا (4)، وَلَكِنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يُقرّون بالخلاف للسنّة بَحْتاً (5)، بَلْ يَدْخُلُونَ تَحْتَ أَذيال التَّأْوِيلِ، إِذ لَا يَرْضَى مُنْتَمٍ إِلى الإِسلام بإِبداءِ صَفْحَةِ الْخِلَافِ لِلسُّنَّةِ (6) أَصلاً.

وإِذا كَانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُ مَالِكٍ: من أَحدث في هذه الأَمة شيئا لم يَكُنْ عَلَيْهِ سَلَفُهَا فَقَدْ زَعَمَ أَن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَانَ الرِّسَالَةَ (7)، وَقَوْلُهُ لِمَنْ أَراد أَن يُحْرِمَ مِنَ الْمَدِينَةِ: أَيُّ فِتْنَةٍ أَعظم مِنْ أَن تَظُنَّ (8) أَنك سَبَقْتَ إِلى (9) فَضِيلَةٍ قصَّر عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟

، إِلى آخِرِ الْحِكَايَةِ ـ وَقَدْ تقدم (10) ذكر (11) ذلك (12) ـ: إنما (13) هو (14) إِلزام لِلْخَصْمِ (15) عَلَى عَادَةِ أَهل النَّظَرِ، كأَنه يقول له (16): يلزمك في هذا القول كذا، لا أنه (17) يقول له (18): قَصَدْتَ إِليه قَصْداً؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ إِلَى ذَلِكَ مُسْلِمٌ.

وَلَازِمُ الْمَذْهَبِ: هَلْ هُوَ مَذْهَبٌ أَم لَا؟ هِيَ مسأَلة مُخْتَلَفٌ فِيهَا بَيْنَ أَهل الأُصول، وَالَّذِي كَانَ يَقُولُ (19) بِهِ شُيُوخُنَا البِجَائِيّون (20) والمغربيون

(1) في (خ) و (م) و (ت): "عندهم" بدل "عنهم".

(2)

لو قال: "ويتركون الاحتجاج" لكان أجود.

(3)

في (خ) و (م) و (ت): "فيها" بدل "في هداها".

(4)

في (ر) و (غ): "تفهمها ونقلها".

(5)

في (خ): "بختاً" وفي (م): "تحتاً". والبَحْتُ: الخالص من الشيء.

(6)

قوله: "للسنة" سقط من (ر) و (غ).

(7)

تقدم قريباً (ص384 و398)، فانظره إن شئت.

(8)

في (ر) و (غ): "يظن".

(9)

قوله: "إلى" سقط من (م).

(10)

تقدمت صفحة (250) من القسم الأول.

(11)

قوله: "ذكر" تصحف في (غ) إلى "صدر".

(12)

قوله: "وقد تقدم ذكر ذلك" ليس في (خ) و (م) و (ت).

(13)

في (ر) و (غ): "وإنما".

(14)

قوله: "هو" سقط من (خ) و (م).

(15)

المعنى: أن قول مالك إلزام للخصم.

(16)

قوله: "له" من (ر) و (غ) فقط.

(17)

في (م) و (خ): "لأنه".

(18)

قوله: "له" ليس في (خ) و (م).

(19)

في (ر) و (غ): "يفتي" بدل "يقول".

(20)

في (م) يشبه أن تكون: "البجابيون". والبِجَائيّون: نسبة إلى بِجَايَةَ ـ بالكسر، وتخفيف=

ص: 401

وَيَرَوْنَ أَنه رأْي الْمُحَقِّقِينَ أَيضاً: أَن لَازِمَ المذهب ليس بمذهب، فلذلك (1) إِذا قُرِّر عليه (2) الْخَصْمِ أَنكره غَايَةَ الإِنكار، فإِذاً اعْتِبَارُ ذَلِكَ الْمَعْنَى عَلَى التَّحْقِيقِ لَا يَنْهَضُ، وَعِنْدَ ذَلِكَ تستوي البدعة مع المعصية، فكما أن المعاصي (3) صَغَائِرٌ وَكَبَائِرٌ (4)، فَكَذَلِكَ الْبِدَعُ.

ثُمَّ إِن الْبِدَعَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: كُلِّيَّةٌ وجُزئيَّة:

فَأَمَّا الْكُلِّيَّةُ: فَهِيَ السَّائِرة (5) فِيمَا لَا يَنْحَصِرُ مِنْ فُرُوعِ (6) الشَّرِيعَةِ، وَمِثَالُهَا: بِدَعُ الْفِرَقِ الثَّلَاثِ وَالسَّبْعِينَ، فإِنها مُخْتَصَّة بالكُلِّيّات مِنْهَا دُونَ الْجُزْئِيَّاتِ، حَسْبَمَا يتبيَّن (7) بعدُ إِن شاءَ الله تعالى.

وأَما الْجُزْئِيَّةُ: فَهِيَ الْوَاقِعَةُ (8) فِي الْفُرُوعِ الْجُزْئِيَّةِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ دُخُولُ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ الْبِدَعِ تحت الوعيد بالنار، وإِن دخل (9) تحت وَصْفِ الضَّلال (10)، كَمَا لَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي سَرِقَةِ لِقِمَّةٍ، أَو التَّطْفِيفِ بِحَبَّةٍ، وإِن كَانَ دَاخِلًا تَحْتَ وَصْفِ السَّرِقَةِ، بَلِ الْمُتَحَقِّقُ دُخُولُ عَظَائِمِهَا وَكُلِّيَّاتِهَا كَالنِّصَابِ فِي السَّرِقَةِ، فَلَا تَكُونُ تِلْكَ الأَدلةُ واضحةَ الشمولِ لَهَا، أَلَّا تَرَى أَنَّ خَوَاصَّ الْبِدَعِ (11) غَيْرُ ظَاهِرَةٍ فِي أَهل الْبِدَعِ الْجُزْئِيَّةِ غَالِبًا؟ كالفُرْقة وَالْخُرُوجِ عَنِ الْجَمَاعَةِ، وإِنما تَقَعُ الْجُزْئِيَّاتُ فِي الْغَالِبِ كالزَّلَّة والفَلْتَةِ، وَلِذَلِكَ لَا يَكُونُ اتِّبَاعُ الْهَوَى فِيهَا مَعَ حُصُولِ التأْويل فِي فَرْدٍ مِنْ أَفراد الْفُرُوعِ، وَلَا الْمَفْسَدَةُ الحاصلة بالجزئية كالمفسدة الحاصلة بالكلية.

=الجيم، وألف، وياء، وهاء ـ: وهي مدينة على ساحل البحر بين إفريقية والمغرب. انظر: "معجم البلدان"(1/ 339).

(1)

قوله: "فلذلك" سقط من (ر) و (غ).

(2)

في (خ) و (ت): "على".

(3)

قوله: "فكما أن المعاصي" سقط من (خ).

(4)

في (ت): "كبائر وصغائر".

(5)

في (خ) و (ت): "السارية".

(6)

في (م): "مرفوع" بدل: "من فروع".

(7)

في (خ): "يتعين"، وعلق عليها رشيد رضا بقوله:"لعله: يتبين".

(8)

في (ر) و (غ): "الرابعة".

(9)

في (خ) و (م) و (ت): "دخلت".

(10)

في (خ) و (م) و (ت): "الوصف بالضلال".

(11)

في (ر) و (غ): "البدعة".

ص: 402

فَعَلَى هَذَا: إِذا اجْتَمَعَ فِي الْبِدْعَةِ وَصْفَانِ: كَوْنُهَا جُزْئِيَّةً، وَكَوْنُهَا بالتأْويل (1)؛ صَحَّ أَن تَكُونَ صَغِيرَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَمِثَالُهُ: مسأَلة مَنْ نَذَرَ أَن يصوم قائماً لا يجلس، وضاحياً لا يَسْتَظِلُّ (2)، وَمَنْ حرَّم عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا أَحل اللَّهُ؛ مِنَ النَّوْمِ، أَو لَذِيذِ الطَّعَامِ، أَو النِّسَاءِ، أَو الأَكل (3) بِالنَّهَارِ، وَمَا أَشبه ذلك مما تقدم ذكره (4)، أَو يأْتي.

غَيْرَ أَن الْكُلِّيَّةَ وَالْجُزْئِيَّةَ قَدْ تَكُونُ ظَاهِرَةً، وَقَدْ تَكُونُ خَفِيَّةً، كَمَا أَن التأْويل قَدْ يُقَرِّبُ مأْخذه وَقَدْ يُبَعِّدُ، فَيَقَعُ الإِشكال فِي كَثِيرٍ مِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا الْفَصْلِ، فَيَعُدُّ كَبِيرَةً مَا هُوَ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَبِالْعَكْسِ، فَيُوكَلُ النَّظَرُ فيه إِلى الاجتهاد، وبالله التوفيق (5). انتهى (6).

(1) قوله: "بالتأويل"سقط من (غ)، وفي موضعه علامة لحق، ولم يظهر اللحق في التصوير.

(2)

تقدم تخريجه صفحة (28) من هذا الجزء.

(3)

من قوله: "شيئاً مما أحل الله" إلى هنا بياض في (غ)، وسببه: أنها منقولة عن (ر)، وهذا ملحق بالهامش كما سيأتي، ولم يتضح موضع البياض.

(4)

انظر: صفحة (28 و359 و363 ـ 364 و380 فما بعدها).

(5)

قوله: "وبالله التوفيق" من (ر) و (غ) فقط.

(6)

قوله: "انتهى" ليس في (ر) و (غ).

ومن قوله: "شيئاً مما أحل الله من النوم" إلى آخر الفصل ملحق بهامش (ر)، ولم يتضح بعضه بسبب التصوير، ومن الواضح أن بعضه قد تآكل لمجيئه في طرف الورقة، ولذا بيّض ناسخ (غ) لبعضه ـ كما تقدم ـ، وهو الجزء الذي في طرف الورقة.

ص: 403