المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌فَصْلٌ ثُمَّ اسْتَدَلَّ الْمُسْتَنصر (1) بِالْقِيَاسِ، فَقَالَ: وإِن صَحَّ أَن السَّلَف - الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني - جـ ٢

[الشاطبي الأصولي النحوي]

الفصل: ‌ ‌فَصْلٌ ثُمَّ اسْتَدَلَّ الْمُسْتَنصر (1) بِالْقِيَاسِ، فَقَالَ: وإِن صَحَّ أَن السَّلَف

‌فَصْلٌ

ثُمَّ اسْتَدَلَّ الْمُسْتَنصر (1) بِالْقِيَاسِ، فَقَالَ: وإِن صَحَّ أَن السَّلَف لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ؛ فَقَدَ عَمِلَ السَّلَفُ بِمَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ مَنْ قَبْلَهُمْ مِمَّا (2) هُوَ خَيْرٌ. ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: قَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رضي الله عنه: "تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقضية بِقَدْرِ مَا أَحدثوا مِنَ الْفُجُورِ"(3)، فَكَذَلِكَ تَحْدُثُ لَهُمْ مُرَغِّبات فِي (4) الْخَيْرِ بِقَدْرِ مَا أَحدثوا مِنَ الفُتُور.

وَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ غيرُ جارٍ عَلَى الأُصول: أَمّا أَوّلاً: فإِنه فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ، وَهُوَ مَا أَشار إِليه مَالِكٌ فِي مسأَلة "العتبيَّة"(5)، فَذَلِكَ من باب فساد الاعتبار.

(1) في (ر) و (غ): "المنتصر".

(2)

في (خ): "بما".

(3)

لم أجده مسنداً، وإنما ذكره ابن أبي زيد القيرواني في "الرسالة" (ص245) في "باب في الأقضية والشهادات" تعليقاً. وقال ابن فرحون المالكي في "تبصرة الحكام" في المسألة (217):"مسألة: قال ابن وضاح: قلت لسحنون: إن ابن عجلان قال لي: إنه يُحَلِّف اليهوديَّ يوم السبت، والنصرانيَّ يوم الأحد، وقال: إني رأيتهم يرهبون ذلك. فقال لي سحنون: ومن أين أخذه ابن عجلان؟ قال: قلت: من قول مالك: يُحَلّفون حيث يعظِّمون، فسكت. قال ابن وضاح: فكأنه أعجبه. وقلت له أيضاً: إن ابن عاصم عندنا يحلِّف الناس بالطلاق، يغلِّظ عليهم. فقال لي: ومن أين أخذ ذلك؟ قلت له: من الأثر المروي من قول عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. فقال لي: مثل ابن عاصم يتأوّل هذا! قاله ابن الهندي في وثائقه. وابن عاصم هذا: حسين بن عاصم، روى عن ابن القاسم وأشهب، ودخل الأندلس، وكان محتسباً بها في السوق".اهـ.

ويرد هذا القول كثيراً في كتب المالكية، وقد ذكره الحافظ ابن حجر في "الفتح"(13/ 144) نقلاً عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، ونسبه لمالك، وكذا الزرقاني في "شرح الموطأ"(4/ 44).

(4)

في (غ) و (ر): "من" بدل "في".

(5)

المتقدمة (ص282 ـ 283).

ص: 292

وأَما ثَانِيًا: فإِنه قِيَاسٌ عَلَى نَصٍّ لَمْ يثبت بعدُ من طريقٍ صحيح؛ إِذ من الناس من طعن فيه، ومن شرط الأَصل الْمَقِيسِ عليه أن يثبت النقل فيه مِنْ طريقٍ (1) مَرْضِيٍّ، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ.

وأَما ثَالِثًا: فإِن كَلَامَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فرعٌ اجتهاديٌّ جَاءَ عَنْ رجلٍ مجتهدٍ يُمْكِنُ أَن يخطىء فِيهِ؛ كَمَا يُمْكِنُ أَن يُصِيبَ، وإِنما حَقِيقَةُ الأَصل أَن يأْتي عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَو عَنْ أَهل الإِجماع، وَهَذَا لَيْسَ عَنْ (2) وَاحِدٍ (3) مِنْهُمَا.

وأَما رَابِعًا: فإِنه قِيَاسُ بِغَيْرِ مَعْنًى جَامِعٍ، أَو بِمَعْنَى جَامِعٍ طَرْدِيٍّ (4)، وَلَكِنَّ الْكَلَامَ فِيهِ سيأْتي ـ إِن شاءَ اللَّهُ ـ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ وَالْبِدَعِ.

وَقَوْلُهُ: "إِن السَّلَفَ عَمِلُوا بِمَا لَمْ يَعْمَلْ به من قبلهم": حاشا لِلَّهِ أَن يَكُونُوا مِمَّنْ يَدْخُلُ تَحْتَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ.

وَقَوْلُهُ: "مِمَّا هُوَ خَيْرٌ": أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلى السلف فما عملوا به (5) خير، وأَما فرعه المقيس فَكَوْنُهُ خَيْرًا دَعْوَى؛ لأَن كَوْنَ الشَّيْءِ خَيْرًا أَوْ شَرّاً لَا يَثْبُتُ إِلا بِالشَّرْعِ، وأَما العقل فبمعزل عن ذلك، فليُثْبِتْ (6) أَوّلاً أَن (7) الدعاءَ عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ خَيْرٌ شَرْعًا.

وأَما قِيَاسُهُ عَلَى قَوْلِهِ: "تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ": فَمِمَّا تقدم (8). وفيه

(1) من قوله: "صحيح إذ من الناس" إلى هنا سقط من (خ) و (م).

(2)

قوله: "عن" ليس في (غ) و (ر).

(3)

في (ر): "واحداً".

(4)

علق رشيد رضا رحمه الله على هذا الموضع بقوله: "لعل الأصل: غير طردي".

(5)

قوله: "به" ليس في (خ) و (م).

(6)

من قوله: "وأما العقل فبمعزل" إلى هنا سقط من (خ).

(7)

في (خ): "أو لأن".

(8)

علق رشيد رضا رحمه الله على هذا الموضع بقوله:

كذا والظاهر أنه سقط منه شيء، ولعل أصله:"فمما تقدم يعلم بطلانه".اهـ. والذي يظهر لي أنه لم يسقط منه شيء، وإنما عنى المؤلف: أن هذا القول مردود بالأمور الأربعة التي ذكرها قبل عدة أسطر.

ص: 293

أَمْرٌ آخَرُ، وَهُوَ التَّصْرِيحُ بأَن إِحداث الْعِبَادَاتِ جَائِزٌ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِ عُمَرَ، وإِنما كَلَامُ عُمَرَ ـ بَعْدَ تَسْلِيمِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ ـ فِي مَعْنًى عَادِيٍّ يَخْتَلِفُ فِيهِ مَنَاطُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ فِيمَا تقدم؛ كتضمين الصُّنّاع واشتراط الخلطة (1)، أَو الظِّنّة فِي تَوْجِيهِ الأَيْمَان، دُونَ مُجَرَّدِ الدَّعَاوَى، فَيَقُولُ: إِن الأَولين تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِمْ بَعْضُ الأَحكام لِصِحَّةِ الأَمانة وَالدِّيَانَةِ وَالْفَضِيلَةِ، فَلَمَّا حَدَثَتْ (2) أَضدادها اخْتَلَفَ الْمَنَاطُ فَوَجَبَ اخْتِلَافُ الْحُكْمِ، وَهُوَ حكمٌ رادعٌ أَهلَ الْبَاطِلِ عَنْ بَاطِلِهِمْ، فأَثَرُ هَذَا الْمَعْنَى ظَاهِرٌ مُنَاسِبٌ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ؛ فإِنه عَلَى الضِّدِّ مِنْ ذَلِكَ، أَلا ترى أَن الناس قد (3) وَقَعَ فِيهِمُ الْفُتُورُ عَنِ الْفَرَائِضِ فَضْلًا عَنِ النوافل ـ وهي ما هي في (4) الْقِلَّةِ وَالسُّهُولَةِ ـ؟ فَمَا ظَنُّكَ بِهِمْ إِذا زِيدَ عليهم أَشياء أُخَرُ يرغبون فيها، ويُحَرِّضون (5) عَلَى اسْتِعْمَالِهَا، فَلَا شَكَّ أَنَّ الْوَظَائِفَ تَتَكَاثَرُ حَتَّى يؤديَ إِلى أَعظم مِنَ الْكَسَلِ الأَول، أَو إِلى (6) ترك الجميع، فإِن حدث للعامل بالبدعة هوىً (7) فِي بِدْعَتِهِ، أَو لِمَنْ شَايَعَهُ فِيهَا، فَلَا بد من كسله عَمَّا (8) هُوَ أَولى (9).

فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَن سَاهِرَ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ (10) لِتِلْكَ الصَّلَاةِ المُحْدَثة لَا يأْتيه الصُّبْحُ إِلا وَهُوَ نَائِمٌ، أَو فِي غاية الكسل، فيُخِلّ

(1) قوله: "واشتراط الخلطة" سقط من (خ) و (م).

(2)

في (غ): "حصلت".

(3)

في (خ): "إذا".

(4)

في (خ): "من".

(5)

في (خ) و (م): "ويرخصون"، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: كذا! والترخيص هنا غير مناسب، ولا يتعدى بعلى، فلعل الأصل:"ويحضون" اهـ.

(6)

في (خ): "وإلى".

(7)

في (خ) و (م): "هو".

(8)

في (خ) و (م): "مما".

(9)

علق رشيد رضا على هذا الموضع بقوله: ظاهرٌ أن في هذه العبارة غلطاً، والمعنى المفهوم من السياق: أن صاحب البدعة إذا كان يعرض له الكسل في بدعته ولمن شايعه عليها، فلا بدّ من عروض الكسل له في غيرها من الأعمال بالأَولى؛ لأن نظرية البدعة أنها ـ بجدَّتها ـ تُحدث نشاطاً بعد الفتور كما تقدم. اهـ.

(10)

انظر ما تقدم (ص20).

ص: 294

بِصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمُحْدَثَاتِ، فَصَارَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ عَائِدَةً عَلَى مَا هُوَ أَولى مِنْهَا بالإِبطال أَو الإِخلال. وقد مرَّ في النقل (1) أَن بدعة لا تُحْدَثُ (2) إِلا وَيَمُوتُ مِنَ السُّنَّة مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا.

وأَيضاً فإِن هَذَا الْقِيَاسَ مُخَالِفٌ لأَصل شَرْعِيٍّ، وَهُوَ طَلَبُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بالسهولة وَالرِّفْقَ وَالتَّيْسِيرَ وَعَدَمَ التَّشْدِيدِ (3)، وَزِيَادَةُ وَظِيفَةٍ لَمْ تُشْرَعْ، فَتَظْهَرُ وَيُعْمَلُ بِهَا دَائِمًا فِي مَوَاطِنِ السُّنَنِ، فَهُوَ تَشْدِيدٌ بِلَا شَكٍّ. وإِن سَلَّمْنَا مَا قَالَ، فَقَدْ وَجَدَ كُلُّ مُبْتَدَعٍ مِنَ الْعَامَّةِ السَّبِيلَ إِلى إِحداث الْبِدَعِ، وأَخذ هَذَا الْكَلَامِ بِيَدِهِ حجَّةً وَبُرْهَانًا عَلَى صِحَّةِ مَا يُحْدِثُهُ كَائِنًا مَا كَانَ، وَهُوَ مَرْمًى بَعِيدٌ.

ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الدعاءِ إِثر الصَّلَاةِ في الجملة، ونقل في ذلك

(1) قوله: "في النقل" سقط من (خ) و (م).

(2)

في (خ) و (م): "أن كل بدعة تحدث".

(3)

في ذلك عدة أحاديث، منها: ما أخرجه البخاري (2935 و6024)، ومسلم (2165)، كلاهما من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السام عليكم. قالت عائشة: ففهمتها، فقلت: وعليكم السام واللعنة. قالت: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مهلاً يا عائشة! إن الله يحب الرفق في الأمر كله"، فقلت: يا رسول الله! أو لم تسمع ما قالوا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "قد قلت: وعليكم". وأخرج مسلم برقم (2593): عنها رضي الله عنها: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: "يا عائشة! إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه".

وأخرج أيضاً برقم (2594) عنها رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه". فهذا ما يتعلق بالسهولة والرفق.

وأما ما يتعلق بالتيسير وعدم التشديد:

فقد أخرج البخاري (3038)، ومسلم (1733)، كلاهما من حديث أبي موسى الأشعري: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً وأبا موسى إلى اليمن، قال:"يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا". وأخرج البخاري أيضاً (69)، ومسلم (1734)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يسروا ولا تعسروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا".

ولفظ مسلم: "وسكِّنوا" بدل "وبشروا".

ص: 295

عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ أَنواعاً مِنَ الْكَلَامِ، وَلَيْسَ محلَّ النِّزَاعِ (1)، بَلْ جَعَلَ الأَدلةَ شَامِلَةً لِتِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَعَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الأَحاديث وَالْآثَارُ وَعَمَلُ النَّاسِ وَكَلَامُ الْعُلَمَاءِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى كَمَا قَدْ ظَهَرَ. قَالَ: وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنه عليه السلام كَانَ الإِمام فِي الصَّلَوَاتِ، وأَنه لَمْ يَكُنْ لِيَخُصَّ نَفْسَهُ بِتِلْكَ الدَّعَوَاتِ، إِذ قَدْ جاءَ مِنْ سُنَّتِهِ:"لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَن يَؤُمَّ قَوْمًا إِلا بإِذنهم، وَلَا يَخُصَّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ؛ فإِن فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ"(2). فتأَملوا يَا أُولي الأَلباب! فَإِنَّ عَامَّةَ النُّصُوصِ فِيمَا سُمِعَ مِنْ أَدعيته فِي أَدبار الصَّلَوَاتِ إِنما كَانَ دُعَاءً لِنَفْسِهِ، وَهَذَا الْكَلَامُ يَقُولُ فِيهِ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَخُصَّ نفسه بالدعاء دون الجماعة، وهذا تناقض، واللهَ (3) نسأَل التوفيق.

(1) علق رشيد رضا على هذا الموضع بقوله: لفظ "محل" منصوب؛ خبر ليس؛ أي: وليس هذا محل النزاع. اهـ.

(2)

أخرجه الإمام أحمد في "المسند"(5/ 280)، وأبو داود (91)، والترمذي (357)، وابن ماجه (923)، والفسوي في "المعرفة"(2/ 355)، والطبراني في "مسند الشاميين"(1042) جميعهم من طريق حبيب بن صالح، عن يزيد بن شريح، عن أبي حي المؤذن، عن ثوبان، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا يحل لامرئ من المسلمين أن ينظر في جوف بيت امرئ حتى يستأذن، فإن نظر فقد دخل، ولا يؤم قوماً فيختص نفسه بدعاء دونهم، فإن فعل فقد خانهم، ولا يصلي وهو حقن حتى يتخفف". واللفظ لأحمد. وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد"(1093) من طريق محمد بن الوليد، عن يزيد بن شريح، به، ثم قال:"أصح ما يروى في هذا الباب هذا الحديث".

وقال الترمذي: "حديث ثوبان حديث حسن. وقد روي هذا الحديث عن معاوية بن صالح، عن السفر بن نسير، عن يزيد بن شريح، عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وروي هذا الحديث عن يزيد بن شريح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وكأن حديث يزيد بن شريح عن أبي حي المؤذن، عن ثوبان في هذا: أجود إسناداً وأشهر". وهذا الاختلاف الذي ذكره الترمذي على يزيد بن شريح ذكره الدارقطني أيضاً في "العلل"(1568)، ومال ـ كالترمذي ـ إلى ترجيح رواية من رواه عن يزيد، عن أبي حي، عن ثوبان.

وكيفما كان الحديث فهو ضعيف؛ فمداره على يزيد بن شريح الحضرمي، الحمصي، وهو مقبول كما في "التقريب"(7779)، ولم يتابع، ولذا ضعفه الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله في "ضعيف الجامع"(6334).

(3)

قوله: "والله" مكرر في (ر)، وفي (خ):"ومن الله".

ص: 296

وإِنما حَمَلَ النَّاسُ الْحَدِيثَ عَلَى دعاءِ الإِمام فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ مِنَ السُّجُودِ وَغَيْرِهِ، لَا فِيمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ هَذَا المتأوِّل، وَلَمَّا لَمْ يصحَّ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ عِنْدَ مَالِكٍ؛ أَجاز للإِمام أَن يَخُصَّ نَفْسَهُ بالدعاءِ دُونَ المأْمومين، ذَكَرَهُ فِي "النَّوَادِرِ"(1).

وَلَمَّا اعْتَرَضَهُ كَلَامُ الْعُلَمَاءِ وَكَلَامُ السَّلَفِ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، أَخذ يتأَوَّل ويوجّه كلامهم على طريقته المرتكبة (2)، ووقع له فيه (3) كَلَامٌ عَلَى غَيْرِ تأَمُّل لَا يَسْلَم ظَاهِرُهُ مِنَ التَّنَاقُضِ وَالتَّدَافُعِ لِوُضُوحِ أَمره، وَكَذَلِكَ فِي تأْويل الأَحاديث الَّتِي نَقَلَهَا، لَكِنْ تَرَكْتُ هُنَا اسْتِيفَاءَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا لِطُولِهِ، وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ (4).

(1) واسمه الكامل: "النوادر والزيادات على ما في المدونة وغيرها من الأمهات" لابن أبي زيد القيرواني. انظر (1/ 193) منه.

(2)

علق رشيد رضا رحمه الله على هذا الموضع بقوله: كذا ولعله: "المرتبكة"، وفي (ر) يشبه أن تكون:"المرتكية".

(3)

في (خ) و (م): "في" بدل "فيه".

(4)

في (غ): "والله أعلم" بدل "والحمد لله على ذلك"، وقوله:"على ذلك" ليس في (ر). وقد علق رشيد رضا على هذا الموضع بقوله: هاهنا ينتهي النصف الأول من الكتاب بحسب التقسيم الأول الذي وجدنا عليه نسختنا. اهـ.

وفي (خ): بعد هذا الموضع ما نصه: كمل النصف الأول من كتاب الاعتصام للعلامة النّحرير الشيخ أبي إسحاق الشاطبي بحمد الله وحسن عونه، على يد العبد الفقير الذليل المرسي حسونة بن محمد الشيلي الأمين السوسي، غفر الله ذنوبه، وستر بمنِّه عيوبه والمسلمين آمين. وكان الفراغ منه في شوال المبارك يوم الأربعاء من عام 1294 عرفنا الله خيره وخير ما بعده ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأسَدِّ الكريم، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. أول النصف الثاني قول المؤلف: فصل، ويمكن أن يدخل في البدع الإضافية كل عمل اشتبه أمره فلم يتبين أهو بدعة فينهى عنه، أو غير بدعة فيعمل به

إلخ.

ص: 297