الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال الطيبي: (لا يدري) مفعوله محذوف، أي لا يدري ما يفعل، وما بعده مستأنف بيان والفاء في (فيسب) للسببية كاللام في:(فالتقطه آل فرعون ليكونَ لهم عدوًا وحزنًا)[القصص:8].
1547 - حديث: "لولا قومك حديثٌ عهدُهم بكفر لزدت البيت على قواعد إبراهيم
".
قال ابن عصفور في شرح المقرب: مذهب جمهور النحويين أنه لا يجوز إظهار خبر المبتدأ الواقع بعد (لولا) لسدّ طول الكلام بالجواب مسده.
وذهب بعضهم إلى التفصيل، فزعم أن الخبر يلزم حذفه، إذا كان معنى الكلام دالاً عليه نحو: لولا زيد لأكرمتك، ألا ترى أن المعنى: لولا زيد مانع من إكرامك لأكرمتك، ولولا زيد حاضر معنا لأكرمتك، فإن لم يدل عليه معنى الكلام التزم إظهاره، وجعل من ذلك هذا الحديث.
فالجملة التي هي: (حديث عهدهم بكفر) في موضع خبر الاسم الواقع بعد (لولا)، ولم يحذف، لما لم يكن المعنى دالاًّ عليه.
والصحيح أن الخبر ملتزم حذفه وأنه لا يكون إلا من قبيل ما يشهد له معنى الكلام بعد الحذف، لأن أبا الحسن الأخفش حكى أن العرب قد التزمت إضماره، ولم يجئ ما ظاهره أن الخبر غير محذوف إلا هذا الحديث وقول الفُرَيْعة بنت همّام:
فوالله لولا اللهُ تخشى عواقبُه
…
لحرّك عن هذا السرير جوانبُه
وقول الآخر:
فلولا سلاحي عند ذاك وغلمتي
…
لأبتُ وفي نفسي مآثرُ تستبرْ
فأما الحديث: فيتخرج على أن يكون قوله صلى الله عليه وسلم: (حديث عهدهم بكفر) جملة اعتراض، فصل بها بين (لولا) وجوابها، لما فيه من التنديد والتبيين، ويكون الخبر محذوفًا، وكأنه قال: لولا قومك لزدت البيت على قواعد إبراهيم، ولا ينبغي أن تجعل التي هي:(حديث عهدهم بكفر) في موضع نصب على الحال، لأن أبا الحسن الأخفش حكى عن العرب أنهم لا يأتون بعد الاسم الواقع بعد (لولا) بالحال كما لا يأتون بالخبر، وجعل السبب في ذلك أن خبر في المعنى هذا إن ثبت أن لفظ هذا الحديث هو لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما إن كان لفظ من نقل حديثه بالمعنى، وليس بفصيح، فالأوجه التمسك به في الاستدلال على جواز إظهار خبر المبتدأ الواقع بعد (لولا).
وأما قول الفريعة: فالجملة أيضًا اعتراض بين (لولا) وجوابها والخبر محذوف، وكأنها قالت: لولا الله لحرك من هذا السرير جوانبه، أي: لولا الله مانع لتحريك جوانب السرير، لحركت منه جوانبه، وبين بجملة الاعتراض السبب الذي كان لأجله الامتناع من تحريك جوانب السرير، وهو: خشية عواقب الله سبحانه.
والآخر: أن يكون (تخشى عواقبه) على إضمار (أن) ويكون بدل اشتمال من اسم الله.
وأما البيت الآخر فخرجه أبو الفتح على أن يكون متعلقًا بسلاحي، بما فيه من معنى الفعل، لأن السلاح يقوى به، فكأنه قال: لولا قوتي عند ذاك، والظرف يعمل فيه اللفظ، بما فيه من معنى الفعل.
ومن الناس من حمل الحديث والبيتين على أن يكون خبر الاسم المبتدأ
الواقع بعد (لولا) فيها مثبتًا مذهبه على الأصل، وجعل شذوذًا في الحديث وضرورة في البيتين.
وما ذكرناه من التأويلين أولى، حتى لا يخرج (لولا) عما التزم فيها من حذف خبر الاسم المبتدأ الواقع بعد (لولا)، انتهى كلام ابن عصفور.
وقد زعم قوم أنه خبر، أي: إن ورد خبر بعد (لولا) كان شذوذًا، أو ضرورة، وهي منبهة على الأصل.
وقال شيخنا أبو الحسن بن أبي الربيع: أجازوا: لولا زيد قائم لأكرمتك، ولولا زيد جالس لأكرمتك، وهذا الذي اختاروه لم يثبت بالسماع، والمنقول: لولا جلوس زيد، ولولا قيام زيد. انتهى.
وقال أبو الحسن بن أبي الربيع في شرح الإيضاح: ذهب البصريون إلى أن الخبر بعد (لولا) لا يظهر. على هذا جرى كلام المتقدمين، ومن الناس من ذهب إلى أنه إذا كان موجودًا أو ما جرى مجراه لا يظهر، وإذا كان غير ذلك لزم الظهور، لأنه لا دليل عليه، وما لا دليل عليه كيف يحذف، فأجازوا: لولا زيد جالس لأكرمتك، واستدلوا على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم:(لولا قومكِ حديثو عهد بكفر لأقمت البيت على قواعد إبراهيم) ويقول علقمة بن عبدة:
فوالله لولا فارس الجون منهم
…
لآبوا خزايا والإيابُ حبيبُ
فجعل (منهم) الخبر وظهر، لأنه لو حذف لم يكن عليه دليل. قالوا: فيلزم عن هذا أن يقال: لولا زيد جالس لأتيت. والمتقدمون من النحويين يمنعون ذلك ويقولون: لا تقول العرب: لولا زيد جالس، إنما تقول: لولا جلوس زيد لأتيت، ولا يكون الخبر إلا موجودًا أو ما جرى مجراه.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (لولا قومك حديثو عهد بكفر)، فليست الرواية الصحيحة:(لولا حدثان)، وإذا صحت هذه الرواية فيمكن فيها التأويل وكأنه قال: لولا قومك لأقمت البيت على قواعد إبراهيم. ثم جاء: (حديثو عهد بكفر) جملة منقطعة، كأنه جواب لمن يقول: ما شأن قومهما؟ كما تقول: لولا زيد لأتيت المسجد، هو يشتم الناس، كأنه جواب لمن قال: وما شأن زيد حتى منعك الإتيان؟ فتقول: هو يشتم الناس، والشيء احتمل إذا لم يقم منه دليل.
وأما بيت علقمة: فيحتمل عندي أن يكون "منهم" متعلقًا بـ (فارس)، والتقدير: لولا هذا العظيم منهم، فوضع مكانه (فارس الجون)، والجون اسم فرس، فقد صح أن خبر المبتدأ بعد (لولا) لا يظهر. انتهى.
وقال ابن مالك في التوضيح: تضمن هذا الحديث ثبوت خبر المبتدأ بعد "لولا" أعني قوله "لولا قومك حديثو عهد بكفر". وهو مما خفي على النحويين إلا الرماني والشجري. وقد يسرت لي في هذه المسألة زيادة على ما ذكراه، فأقول وبالله أستعين: - إن المبتدأ المذكور بعد "لولا" على ثلاثة أضرب: مخبر عنه بكون غير مقيد، ومخبر عنه بكون مقيد لا يدرك معناه عند حذفه، ومخبر عنه بكون مقيد يدرك معناه عند حذفه.
فالأول، نحو: لولا زيد لزارنا عمرو؛ فمثل هذا يلزم حذف خبره، لأن المعنى: لولا زيد، على كل حال من أحواله لزارنا عمرو، فلم تكن حال من أحواله أولى بالذكر من غيرها، فلزم الحذف لذلك لما فيه، أي في الجملة من الاستطالة المحوجة إلى الاختصار.
والثاني: وهو المخبر عنه بكون مقيد، ولا يدرك معناه إلا بذكره، نحو: لولا زيد غائب لم أزرك، فخبر هذا النوع واجب الثبوت، لأن معناه يجهل عند حذفه. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:
(لولا قومك حديثو عهد بكفر) أو (حديث عهدهم بكفر)، فلو اقتصر في مثل هذا على المبتدأ لظن أن المراد: لولا قومك على كل حال من أحوالهم لنقضت الكعبة، وهو خلاف المقصود، لأن من أحوالهم بعد عهدهم بالكفر فيما يستقبل. وتلك الحال لا تمنع من نقض الكعبة وبنائها على الوجه المذكور. ومن هذا النوع قول زهير:
لولا زهير جفاني كنت منتصرًا
…
ولم أكن جانحًا للسلم إذ جنحوا
ومثله:
لولا ابن أوس نأى ما ضيم صاحبُه
…
يومًا ولا نابه وهْنٌ ولا حذر
والثالث: وهو المخبر عنه بكون مقيد يدرك معناه عند حذفه، كقولك: لولا أخو زيد ينصره لغلب، ولولا صاحب عمرو يعينه لعجز، ولولا حسن الهاجرة يشفع لها لهجرت. فهذه الأمثلة وأمثالها يجوز فيها إثبات الخبر وحذفه، لأن فيها شبهًا بـ "لولا زيد لزارنا عمرو"، وشبهًا بـ " لولا زيد غائب لم أزرك" فجاز فيها ما وجب فيهما من الحذف والثبوت.
ومن هذا النوع قول أبي العلاء المعري في وصف سيف:
فلولا الغمد يمسكه لسالا
وقد خطأه بعض النحويين انتهى.
قلت: الحديث أخرجه البخاري بألفاظ متعددة منها: (لولا حدثان قومك بالكفر) لفعلت.
ومنها: (لولا حداثة قومك بالكفر لنقضت البيت) وهذا على القاعدة المشهورة.
ومنها: (لولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية) وهذا كاللفظين المذكورين، لأن (أن) المفتوحة ومعموليها في تقدير مفرد مقدر مبتدأ فتقديره: لولا حداثة قومك، أو لولا حدثان قومك، لأن المصدر الذي يقدر به (أنّ) يؤخذ من لفظ خبرها على ما صرحوا. و (حديث عهدهم) هو خبر (أنّ) مقدر المصدر منه، وعرف من هذا أن اللفظ الأول من تصرف الرواة بالمعنى.
كما أشار إليه ابن عصفور وابن أبي الربيع، وأن لفظ النبوة إنما هو على الجادة، والله أعلم.
وفي بعض الروايات: (لولا أن قومك حديث عهدهم) بالإضافة مع حذف الواو من حديث، قال المطرزي: وهو لحن. والصواب: (حديثو عهد) بواو الجماعة من الإضافة.