الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لا ينصرف حملاً على الأكثر. ويجوز أن يكون مشتقًا من الحس فتكون النون أصلاً وينصرف.
1568 - حديث: "من اشترى من يهودي طعامًا فأعطى درعًا له رهنًا
".
قال أبو البقاء: (رهنًا) مصدر في موضع الحال، أي: أعطاه إياه راهنًا. ويجوز أن يكون نعتًا لدرع، وأن يكون نصبًا على المصدر، أي رهنها رهنًا، وأن يكون مفعولاً، وأن يكون تمييزًا.
1569 - حديث: "فضل الصلاة بالسواك على الصلاة بغير سواك، سبعين صلاةً
".
قال أبو البقاء: كذا وقع في هذه الرواية، والصواب: سبعون، والتقدير: فضل سبعين، لأنه خبر (فضل) الأول.
وقال الطيبي: (سبعين) مفعول مطلق أو ظرف أي يفضل مقدار سبعين.
1570 - حديث: "دخلت العشر
".
قال أبو البقاء: إنما أنثت لأنها أرادت: ليالي العشر، لأن الليالي لم يؤرخ بها.
1571 - حديث بدء الوحي: قوله: "أولُ ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة
".
قيل: (من) للتبعيض، أي من أقسام الوحي، وقيل لبيان الجنس ورجحه القزاز.
(والصالحة)، قال الكرماني: إما صفة موضحة للرؤيا لأن غير الصالحة تسمى بالحلم، كما ورد:(الرؤيا من الله والحلم من الشيطان) وإما صفة مخصصة، أي: الرؤيا الصالحة لا السيئة ولا الكاذبة المسماة بأضغاث أحلام.
قوله: (لا يرى رؤيا) قال الكرماني: بغير تنوين كحبلى.
قوله: (ثم حبب إليه الخلاء) بفتح أوله والمد أي الخلوة.
وقوله: (فكان يخلو بغار حراء)، فيه الكسر والفتح والمد والقصر، والتذكير والتأنيث، والصرف والمنع.
وقال الخطابي: يلحنون فيه ثلاث لحنات، يفتحون حاءه وهي مكسورة، ويقصرون ألفه وهي ممدودة، ويميلونها، لا تسوغ الإمالة لأن الراء سبقت الألف مفتوحة.
زاد التيمي: ويتركون صرفه وهو مصروف في الاختيار لأنه اسم جبل.
قال الكرماني: وهذا من الغرائب لأنه أربعة أحرف، ولحن فيه أربع لحنات بعدد كل حرف لحنة.
وقوله: (فيتحنث)، قيل: الثاء أصل، أي يلقي الحنث في نفسه بالتعبد.
وقوله: (مثله تحوّب وتأثّم)، أي ألقى الحوب والإثم عن نفسه.
قال الخطابي: وليس في الكلام (تفعّل) إذا ألقى الشيء عن نفسه غير هذه الثلاثة، والباقي بمعنى تكسب.
وزاد غيره: تحرّج وتنجس إذا فعل فعلاً يتحرج به عن الحرج والنجاسة.
وقيل: (الثاء) بدل من (الفاء)، وقد روي بها في سيرة ابن هشام:(يتحنف) أي يتبع دين الحنيفية، أي: دين إبراهيم عليه السلام، وعلى هذا فهو القياس، وإبدال الفاء ثاء كثير في كلامهم.
وقوله: (الليالي).
قال الكرماني: نصب على الظرف، والعامل فيه يتحنّث لا التعبد، وإلاّ فسد المعنى، فإنّ التحنّث لا يختص بالليالي، بل هو مطلق التعبّد، وكذا قال النووي.
و (ذوات العدد) منصوب على الصفة لليالي، وعلامة نصبه كسر التاء.
وقوله: (حتى جاءه الحق).
قال الزركشي: أي الأمر الحق، فيكون صفة لموصوف محذوف.
قوله: (فجاءه الملك).
قال الحافظ ابن حجر: هذه الفاء تسمى التفسيرية وليست التعقيبية، لأن مجيء الملك ليس بعد مجيء الوحي حتى يعقب به، بل هو نفسه. ولا يلزم من هذا التقرير أن يكون من باب تفسير الشيء بنفسه، بل التفسير عين المفسر به من جهة الإجمال، وغيره من جهة التفصيل.
وقال الكرماني: هذه الفاء تسمى بالفاء التفسيرية نحو قوله تعالى: (فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم)[البقرة: 54] إذ القتل نفس التوبة، وتسمى بالفاء التفصيلية أيضًا، لأن مجيء الملك إلخ: تفصيل للمجمل الذي هو مجيء الحق ولا شك أن المجمل تفسيره المفصل.
وقوله: (ما أنا قارئ)
قال الزركشي: قيل:" ما " استفهامية، والصحيح أنها نافية واسمها (أنا)، و (بقارئ) الخبر، إذ لو كانت استفهامية لما حسن دخول الباء في خبرها.
قلت: قد حكي عن الأخفش جوازه، وأنشد عليه:
ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم
…
وقال أبو شامة: هو في الأول محمول على الامتناع، وفي الثاني على الإخبار بالنفي المحض، وفي الثالث على الاستفهام.
قال الحافظ ابن حجر: ويؤيده أنه روي في الثالث بلفظ: "كيف أقرأ".
وقوله: (ما أنا بقارئ).
قال النووي: معناه: لأ أحسن القراءة، فما نافية هذا هو الصواب.
وحكى القاضي عياض: فيها خلاف بين العلماء، منهم من جعلها نافية، ومنهم من جعلها استفهامية، وضعفوه بإدخال الباء في الخبر.
وقال القاضي عياض: ويصحح قول من قال: استفهامية، رواية من روى:(ما أقرأ) ويصح أن تكون (ما) في هذه الرواية أيضًا نافية.
وقال الزركشي: وقوله" (فغطني حتى بلغ مني الجهد)
قال النووي: يجوز نصب الدال ورفعها، فعلى النصب: بلغ جبريل مني الجهد. وعلى الرفع: بلغ الجهد مني مبلغه وغايته.
قال: وممن ذكر الوجهين في نصب الدال ورفعها، صاحب التحرير وغيره.
وقال الزركشي: هو بفتح الجيم: المشقة، وجوز الضم، فإما أن يكونا بمعنيين، أو بالضم بمعنى الطاقة، ويكون المعنى: بلغ الملك وسعه وطاقته من غطّه. وعلى هذا التأويل يكون بالنصب مفعولاً، أي بلغ الملك الجهد وعلى الأول يكون مرفوعًا فاعلاً، وحذف المفعول. أي بلغ مني الجهد مبلغًا.
وقال ابن حجر: روي بالفتح والنصب، أي: بلغ مني غاية وسعي، وبالضم والرفع، أي: بلغ مني الجهد مبلغه.
وقال الطيبي: أي صار بسبب ذلك – أي تلك الغطّة – يضطرب فؤاده.
وقال الكرماني: على الرفع معناه: بلغ الجهد مبلغه، فحذف مبلغه؛ وعلى النصب: معناه: بلغ مني الجهد.
وقال التوربشتي: لا أرى الذي روى بنصب الدال إلا قد وهم فيه أو جوّزه بطريق الاحتمال، فإنه إذا نصب الدال، عاد المعنى إلى أنه غطه حتى استفرغ قوته في ضغطه وجهد جهده بحيث لم يبق فيه مزيد، وهذا قول غير سديد، فإن البنية البشرية لا تستدعي استيفاء القوة الملكية لا سيما في مبدأ الأمر.
وقال الطيبي: لا شك أن جبريل في حال الضغط لم يكن على صورته الحقيقية التي تجلى بها عند سدرة المنتهى، فيكون استفراغ جهده بحسب صورته التي تجلّى به غطّه. وإذا صحّت الرواية اضمحل الاستبعاد.
وقوله: (فرجع بها).
قال ابن حجر: الضمير للآيات أو القصة.
قوله: (فقالت له خديجة: كلا).
قال الكرماني: معناها النفي والإبعاد.
وقوله: (إنك لتصل الرحم):
قال الزركشي: بكسر إن على الابتداء.
قوله: (وتكسب المعدوم).
قال القاضي عياض: أكثر الرواية وأفصحها بفتح التاء المثناة، ومعناها: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك، فحذف أحد المفعولين. يقال: كسبت الرجل مالاً وأكسبته بمعنى، وقيل: معناه تكسب المال المعدوم وتصيب منه ما لا يصيب غيرك؛ وكانت العرب تتمادح بكسب المال لا سيما قريش.
وقال في النهاية: كسبت مالاً، وكسبت زيدًا مالاً أي أعنته على كسبه، أو جعلته يكسبه. فإن كان من الأول فتريد أنك تصل إليه كل معدوم، وبناء الكلام يتعذر لبعده عليك، وإن جعلته متعديًا إلى اثنين فتريد أنك تعطي الناس الشيء المعدوم عندهم، وتوصله إليهم، وهذا أولى القولين، لأنه أشبه ما قبله في باب التفضل والإنعام، إذ لا إنعام في أن يكسب هو لنفسه مالاً كان معدوما عنده، وإنما الإنعام أن يوليه غيره، أي لا يكسبه لنفسه. وباب الحظ والسعادة في الإكساب غير باب التفضل والإنعام.
وقال في النهاية في حرف العين: يقال: فلان يكسب المعدوم، إذا كان مجدودًا محظوظًا: أي يكسب ما يحرمه غيره.
وقيل: أرادت يكسب الناس الشيء المعدوم الذي لا يجدونه مما يحتاجون إليه.
وقيل: أرادت بالمعدوم، الفقير الذي صار من شدة حاجته كالمعدوم نفسه، فيكون (تكسب) على التأويل الأول
وقيل: أرادت بالمعدوم الفقير الذي صار من شدة حاجته كالمعدوم نفسه، فيكون (تكسب) على التأويل الأول متعديًا إلى مفعول واحد هو المعدوم، كقولك: كسبت مالاً، وعلى التأويل الثاني والثالث يكون متعديًا إلى مفعولين، تقول: كسبت زيدًا مالاً أي أعطيته. فمعنى الثاني: يعطي الناس الشيء المعدوم عندهم، فحذف المفعول الأول. ومعنى الثالث:
يعطي الفقير المال، فيكون المحذوف المفعول الثاني.
وفي رواية الكشميهني: (وتُكسب) بضم أوله وعليه قال الخطابي: الصواب (المعدم) بلا واو أي الفقير، لأن المعدوم لا يكسب.
قوله: (فانطلقت به): الباء للمصاحبة.
قال الكرماني: أي انطلقا لأن الفعل اللازم إذا عدي بالباء يلزم منه المصاحبة فيلزم ذهابهما بخلاف ما عدي بالهمزة نحو: أذهبته، فإنه لا يلزم ذلك.
قوله: حتى أتت ورقة بن نوفل بن عبد العزى ابن عم خديجة.
قال النووي: هو بنصب (ابن عم)، ويكتب بالألف لأنه بدل من ورقة، ولا يجوز جره، فإنه يصير صفة لعبد العزى وليس كذلك. ولا كتابته بغير ألف لأنه لم يقع بين علمين.
وقال الكرماني: الحكم بكونه بدلاً غير لازم لجواز أن يكون صفة أو بيانًا له.
قوله: (يا ابن عم):
قال الزركشي: يجوز فيه الأوجه المشهورة في المنادى المضاف.
قوله: يا ليتني فيها جذَعًا:
قال أبو البقاء: كذا وقع في الرواية، والوجه: جذع لأنه خبر ليتني، ويضعف أن يكون (فيها) الخبر لقلة الفائدة، وهكذا هو في الشعر:
يا ليتني فيها جذع
…
أخبُّ فيها وأضع
وللنصب وجه: وذلك أن يجعل (فيها) الخبر، و (جذعًا) حال، وتكون الفائدة من الحال. انتهى.
وقال الزركشي: المشهور فيه النصب، إما على الحال، والخبر مضمر، أي يا ليتني فيها حي أو موجود كالجذع، وإما على أن (ليت) تنصب الجزأين.
وقال الخطابي: على خبر كان المضمرة، أي يا ليتني أكون، لأن ليت شغل بالمكني.
قال القاضي عياض: وهذا على طريقة الكوفيين.
وقال السهيلي: النصب على الحال، إذا جعلت (فيها) خبر ليت، والعامل في الحال ما يتعلق به الجار من الاستقرار. ومن رفع فالجار متعلق بما فيه من معنى الفعل، كأنه قال يا ليتني شاب.
وقال القاضي عياض: وقع للأصيلي بالرفع، وهو خلاف المشهور.
وقال ابن بري: المشهور عند أهل اللغة والحديث في هذا – كأبي عبيدة وغيره – (جذع) بسكون العين، ومنهم من يرفعه على أنه خبر.
وروي بالنصب بفعل محذوف، أي جعلت فيها جذعًا.
قال الزركشي: وضمير (فيها) راجع للنبوة أو الدعوة أو الدولة.
وقال النووي: يعود على أيام النبوة ومدتها.
وقال القرطبي: صحت الرواية فيه بالنصب، ورواه ابن ماهان (جذعٌ) مرفوعًا على خبر (ليت)، ونصبه من أحد ثلاثة أوجه: أوّلها: أنّه خبر (كان) مقدَّرة؛ أي: يا ليتني أكون فيها جذعًا، وهذا على رأي الكوفيّين كما قالوا في قوله تعالى:(انتَهُوا خيرًا لكم)[النساء: 171]،أي يكن خيرًا لكم؛ ومذهب البصريّين أنّ (خيرًا) إنّما انتصب بإضمار فعل دلّ عليه (انتهوا)، والتقدير: انتهوا وافعلوا خيرًا. وثانيها: أنّه حال، وخبر (ليت) في المجرور، فيكون التقدير: ليتني كائن فيها، أي: مدّةَ النبوّة في هذه الحال.
وثالثها: أن تكون (ليت) أُعمِلتْ عمل (تمنيت)، فنصبت اسمين، كما قاله الكوفيون، وأنشدو عليه:
يا ليتَ أيّام الصبا رواجعا
وهذا فيه نظر.
وقال ابن مالك في توضيحه: في قوله: (يا ليتني) يظن أكثر الناس أن "يا" التي تليها "ليت" حرف نداء، والمنادى محذوف. فتقدير قول ورقة على هذا: يا محمد، ليتني كنت حيا. وتقدير قوله تعالى:(يا ليتني كنت معهم)[النساء: 73]. وهذا الرأي عندي ضعيف، لأن قائل هذا، أي:"يا ليتني" قد يكون وحده، فلا يكون معه منادى ثابت ولا محذوف، كقول مريم علىها السلام:(يا ليتني مت قبل هذا)[مريم: 23]، ولأن الشيء إنما يجوز حذفه مع صحة المعنى بدونه إذا كان الموضع الذي ادعي فيه حذفه
مستعملاً فيه ثبوته، كحذف المنادى قبل أمر أو دعاء، فانه يجوز حذفه لكثرة ثبوته، فإن الآمر أو الداعي يحتاجان إلى توكيد اسم المأمور والمدعو بتقديمه على الأمر والدعاء. واستعمل كثيرًا حتى صار موضعه منبهًا عليه إذا حذف، فحسن حذفه لذلك. فمن ثبوته قبل الأمر:(يا آدم اسكن)[البقرة: 35]، (يا إبراهيم أعرض) [هود: 76]، (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) [مريم: 12]، (يا بني إسرائيل)، (يا مالك ليقض علينا ربك) [الزخرف: 77]، وقول الراجز:
يارب هب لي من لدنك مغفره
ومن حذف المنادى المأمور قوله تعالى في قراءة الكسائي: (ألا يا اسجدوا)[النمل: 25]، أراد: ألا يا هؤلاء اسجدوا. ومثال ذلك في الدعاء قول الشاعر:
ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى
فحسن حذف المنادى قبل الأمر والدعاء اعتياد ثبوته في محل ادعاء الحذف، بخلاف "ليت" فإن المنادى لم تستعمله العرب قبلها ثابتًا، فادعاء حذفه باطل، لخلوه من دليل. فتعين كون "يا" التي تقع قبلها لمجرد التنبيه مثل "ألا" في نحو:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
…
بواد وحولي إذخر وجليل
ومثل هذا في قوله تعالى: (ها أنتم أولاء تحبونهم)[آل عمران: 119].
وفي قول السائل عن أوقات الصلاة: (ها أنا ذا يا رسول الله).
وقد يجمع بين "ألا" و"يا" توكيدًا، كلما جمع بين "كي" واللام ومعناهما واحد في قول الشاعر:
أردت لكيْمَا أن تطير بقِربتي
…
وسهل ذلك اختلاف اللفظين.
ومثل "يا" الواقعة قبل "ليت" مجرد كونها للتنبيه "يا" الواقعة قبل "حبذا" في قوله:
يا حبذا جبل الريان من جبل
وقبل "رُبَّ" في قوله:
يا رب سارٍ بات ما توسدا
وقوله "إذ يخرجك قومك" استعمل فيه "إذ" موافقة لـ "إذا" في إفادة الاستقبال. وهو استعمال صحيح، غفل عن التنبيه عليه أكثر النحويين، ومنه قوله تعالى:(وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر)[مريم: 39]، وقوله تعالى:(وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين)[غافر: 18]، وقوله تعالى:(فسوف يعلمون * إذ الأغلال في أعناقهم)[غافر: 70 - 71].
وكما استعملت "إذا" بمعنى "إذْ"، كقوله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا)[آل عمران: 156].
وكقوله تعالى: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه)[التوبة: 92]، وقوله تعالى:(وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها)[الجمعة: 11].
لأن "لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا"، و"لا أجد ما أحملكم عليه" مقولان فيما مضى. وكذا الانفضاض المشار إليه واقع فيما مضى. فالمواضع الثلاثة صالحة لـ"إذْ"، وقد قامت "إذا" مقامها. انتهى.
وقال شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني: لم يغفل النحاة ذلك بل منعوا وروده وأولوا ما ظاهره ذلك. وقالوا في مثل ذلك: استعمل الصيغة الدالة على الماضي لتحقق وقوعه فأنزلوه منزلته.
ويقوي ذلك أن في رواية البخاري: (حين يخرجك قومك)، قال: وعند التحقيق، ما ادعاه ابن مالك فيه ارتكاب مجاز، وما ذكره غيره فيه ارتكاب مجاز، ومجازهم أولى لما يبنى عليه من أن إيقاع المستقبل في صورة الماضي تحقيقًا لوقوعه واستحضارًا للصورة الآتية في هذه دون تلك.
ثم قال: وأما قول ابن مالك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أو مخرجي هم)، فالأصل فيه وفي أمثاله: تقديم حرف العطف على الهمزة كما تقدم على غيرها من أدوات الاستفهام نحو: (كيف تكفرون)[البقرة: 28] و (فما لكم في المنافقين)[النساء: 88]، (فأي الفريقين
أحق بالأمن) [الأنعام: 81]، (فأنى تؤفكون)، (فأين تذهبون) [التكوير: 26]، (أم هل تستوي الظلمات والنور) [الرعد: 16] فالأصل أن يجاء بالهمزة بعد العاطف كما جيء بعده بأخواتها، فكان ينبغي أن يقال في (أفتطمعون) [البقرة: 75] وفي: (أو كلما)[البقرة: 100] وفي (أثم إذا وقع)[يونس: 51]: (فأتطمعون)(وأكلما) و (ثم أإذا وقع)، لأن أدوات الاستفهام جزء من جملة الاستفهام، وهي معطوفة على ما قبلها من الجمل، والعاطف لا يتقدم على جزء مما عطف، ولكن خصت الهمزة بتقديمها على العاطف تنبيهًا على أنها أصل أدوات الاستفهام، فأرادوا التنبيه عليه فكانت الهمزة بذلك أولى لأصالتها في الاستفهام.
وقد غفل الزمخشري عن هذا المعنى فادعى أن بين الهمزة وحرف العطف جملة محذوفة معطوفًا عليها بالعاطف ما بعده، وفي هذا من التكلف ومخالفة الأصول ما لا يخفى، وقد تقدم في كلامي على (ياليتني): أن المدعي حذف شيء يصح المعنى بدونه لا تصح دعواه حتى يكون موضع ادعاء الحذف صالحًا للثبوت، ويكون الثبوت مع ذلك أكثر من الحذف، وما نحن بصدده بخلاف ذلك، فلا سبيل إلى تسليم الدعوى. وقد رجع الزمخشري عن الحذف إلى ترجيح الهمزة على أخواتها بتكميل التصدير. والأصل في "أو مخرجى هم" أو مخرجوي". فاجتمعت واو ساكنة وياء ساكنة، فأبدلت الواو ياء وأدغمت في الياء، وأبدلت الضمة التي كانت قبل الواو كسرة تكميلاً للتخفيف، كما فعل باسم مفعول "رميت" حين قيل فيه: مرميّ، وأصله: مرموي. ومثل "مخرجي" من الجمع المرفوع المضاف إلى ياء المتكلم قول الشاعر:
أودى بنيَّ وأودعوني حسرة
و"مخرجي" خبر مقدم، و "هم" مبتدأ مؤخر. ولا يجوز العكس، لأن "مخرجي" نكرة، فإن إضافته إضافة غير محضة، إذ هو اسم فاعل بمعنى الاستقبال، فلا يتعرف بالإضافة. وإذا ثبت كونه نكرة لم يصح جعله مبتدأ لئلا يخبر بالمعرفة عن النكرة دون مصحح. ولو روي "مخرجي" مخفف الياء على أنه مفرد لجاز، وجعل مبتدأ، وما بعده فاعل سد مسد الخبر، كما تقول: أمخرجي بنو فلان، لأن "مخرجي" صفة معتمدة على الاستفهام، مسندة إلى ما بعده لأنه وإن كان ضميرًا فهو منفصل. والمنفصل من الضمائر يجري مجرى الظاهر. ومنه قول الشاعر:
أمنجز أنتم وعدًا وثقت به
…
أم اقتفيتم جميعًا نهج عرقوب
ومن هذا القبيل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أحي والداك)، والاعتماد على النفي كالاعتماد على الاستفهام. ومنه قول الشاعر:
خليلي ما واف بعهدي أنتما
…
إذا لم تكونا لي على من أقاطع
انتهى ما ذكره ابن مالك.
وقال الكرماني: لا يجوز هنا أن يقدر تقديم حرف العطف على الهمزة لأن (أو مخرجي هم؟) جواب ورد على قوله: (إذ يخرجك قومك) على سبيل الاستبعاد والتعجب، فيكف يستقيم العطف؟ ولأن هذه إنشائية وتلك خبرية، والحق أن الأصل:(أمخرجي هم؟) فأريد مزيد استبعاد وتعجب فجيء بحرف العطف على مقدر تقديره: أمعاديّ هم ومخرجيّ هم. وأما إنكار الحذف في مثل هذه المواضع فمستبعد لأن مثل هذه الحذوف من حلية البلاغة لاسيما الأمارة قائمة عليها، والدليل عليها ههنا وجود العاطف، ولا يجوز العطف على المذكور فيجب أن يقدر بعد الهمزة ما يوافق المعطوف تقريرًا للاستبعاد. انتهى.
وقال أبو حيان في شرح التسهيل: الوصف في أقائم الزيدان، أن لا يثنى ولا يجمع، نص عليه كثيرون من النحاة، ولأنه تمكن في الفعلية بسبب الاستفهام والنفي، ولا تستعمله العرب إلا هكذا.
وقال القاضي أبو محمد بن حوط الله: هكذا غلط بدليل ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: (أو مخرجي هم).
قال ابن هشام الخضراوي: قلت لأبي محمد: (يكون كـ (يتعاقبون فيكم ملائكة)، فسكت.
قال ابن هشام: إن لم يكثر فهكذا وجهه، وإن كثر فعلى التقديم والتأخير يعني: على أن يكون الوصف خبرًا مقدمًا، وما بعده مبتدأ، انتهى.
قوله: (وإن يدركني قومك).
قال الزركشي وغيره: (إن) شرطية والذي بعده مجزوم.
قوله: (أنصرك نصرًا مؤزرًا) بهمزة من (الأزر) وهو القوة، وأنكر القزاز أن يكون في اللغة مؤزرًا من الأزر.