الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
- صلى الله عليه وسلم أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا، وَأَحْسَنَهُمْ خُلُقًا» .
وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «حُرِّمَ عَلَى النَّارِ كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ قَرِيبٍ مِنْ النَّاسِ» .
وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ شَيْءٍ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ» .
وَرَوَى الْخَلَّالُ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه مَرْفُوعًا «إنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرِيمَ وَمَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا» .
وَرَوَى أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا» قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: السَّفْسَافُ الْأَمْرُ الْحَقِيرُ وَالرَّدِيءُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ضِدُّ الْمَعَالِي وَالْمَكَارِمِ. وَفِي الْقَامُوسِ: السَّفْسَافُ الرَّدِيءُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَالْأَمْرُ الْحَقِيرُ وَمِنْ الدَّقِيقِ مَا يُرْفَعُ مِنْ غُبَارِهِ عِنْدَ النَّخْلِ. وَمِنْ الشَّعْرِ رَدِيئُهُ، وَمَا دَقَّ مِنْ التُّرَابِ. انْتَهَى.
وَقَالَ الْحَسَنُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: مَعَالِي الْأَخْلَاقِ لِلْمُؤْمِنِ: قُوَّةٌ فِي لِينٍ، وَحَزْمٌ فِي دِينٍ، وَإِيمَانٌ فِي يَقِينٍ، وَحِرْصٌ عَلَى الْعِلْمِ، وَاقْتِصَادٌ فِي النَّفَقَةِ، وَبَذْلٌ فِي السَّعَةِ، وَقَنَاعَةٌ فِي الْفَاقَةِ، وَرَحْمَةٌ لِلْمَجْهُودِ، وَإِعْطَاءٌ فِي كَرَمٍ، وَبِرٌّ فِي اسْتِقَامَةٍ.
وَقَالَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ يَوْمًا لِقَوْمِهِ إنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ، لَيْسَ فِي فَضْلٌ عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَبْسُطُ لَكُمْ وَجْهِي، وَأَبْذُلُ لَكُمْ مَالِي، وَأَقْضِي حُقُوقَكُمْ، وَأَحُوطُ حَرِيمَكُمْ، فَمَنْ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِي فَهُوَ مِثْلِي، وَمَنْ زَادَ عَلَيَّ فَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي وَمَنْ زِدْت عَلَيْهِ فَأَنَا خَيْرٌ مِنْهُ. قِيلَ لَهُ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ مَا يَدْعُوك إلَى هَذَا الْكَلَامِ؟ قَالَ أَحُضُّهُمْ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.
وَفِي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ غَيْرِ أَنَّهُ لَهُ شَوَاهِدُ «مَا جُبِلَ وَلِيٌّ لِلَّهِ إلَّا عَلَى السَّخَاءِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ» وَالْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
[تَنْبِيهَات: فِي كَيْفِيَّة تحسين الخلق]
(تَنْبِيهَاتٌ)
(الْأَوَّلُ) : مُقْتَضَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ أَنَّ الْعَبْدَ يُمْكِنُهُ تَحْسِينُ خُلُقِهِ، وَإِلَّا لَمَا أَمَرَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِهِ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «وَخَالِقْ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» «وَحَسِّنْ خُلُقَك لِلنَّاسِ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ.
وَحُكِيَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي بَابِ كَثْرَةِ حَيَائِهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ الْقَاضِيَ
عِيَاضٍ قَالَ: حَكَى الطَّبَرَانِيُّ خِلَافًا لِلسَّلَفِ هَلْ هُوَ غَرِيزَةٌ أَمْ مُكْتَسَبٌ. انْتَهَى.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى فِي حَقِّ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] الطَّبْعُ الْكَرِيمُ، فَسُمِّيَ خُلُقًا لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْخِلْقَةِ فِي صَاحِبِهِ، فَأَمَّا مَا طُبِعَ عَلَيْهِ فَيُسَمَّى الْخِيمَ فَيَكُونُ الْخِيمُ الطَّبْعُ الْغَرِيزِيُّ، وَالْخُلُقُ الطَّبْعُ الْمُتَكَلَّفُ. قَالَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي آدَابِهِ الْكُبْرَى: فَيَكُونُ هَذَا كَمَا قِيلَ إنَّ الْعَقْلَ غَرِيزَةٌ، وَمِنْهُ مَا يُسْتَفَادُ بِالتَّجَارِبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا مُتَوَجَّهٌ. انْتَهَى. يَعْنِي أَنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ مِنْهُ مَا هُوَ غَرِيزَةٌ مَرْكُوزٌ فِي طَبْعِ الْإِنْسَانِ خَلَقَهُ اللَّهُ فِيهِ كَمَلَكَةِ الْعَقْلِ وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُ مَا مُكْتَسَبًا مِنْ التَّجَارِبِ وَالتَّخَلُّقِ بِهِ. وَلِذَا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَفُلَانٌ يَتَخَلَّقُ بِغَيْرِ خُلُقِهِ أَيْ يَتَكَلَّفُ. وَقَدَّمْنَا قَوْلَ الشَّاعِرِ:
إنَّ التَّخَلُّقَ يَأْتِي دُونَهُ الْخُلُقُ
وَأَمَّا الْخِيمُ بِالْكَسْرِ فَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ هُوَ السَّجِيَّةُ وَالطَّبِيعَةُ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ. وَهَذَا مِنْ الْجَوْهَرِيِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخُلُقَ وَالْخِيمَ مُتَرَادِفَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَقُولُ: الْخِيمُ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَهَا يَاءٌ مُثَنَّاةٌ تَحْتٌ فَمِيمٌ. وَفِي شِعْرِ حَسَّانَ رضي الله عنه فِي مَدْحِ أُمِّنَا عَائِشَةَ الصِّدِّيقَةِ بِنْتِ الصِّدِّيقِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا -:
حَصَانٌ رَزَانٌ لَا تَبُوءُ بِرِيبَةٍ
…
وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ
عَقِيلَةُ حَيٍّ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ
…
كِرَامِ الْمَسَاعِي مَجْدُهُمْ غَيْرُ زَائِلِ
مُهَذَّبَةٌ قَدْ طَيَّبَ اللَّهُ خِيمَهَا
…
وَطَهَّرَهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَبَاطِلٍ
فَإِنْ كُنْت قَدْ قُلْت الَّذِي قَدْ زَعَمْتُمُو
…
فَلَا رَفَعَتْ سَوْطِي إلَيَّ أَنَامِلِي
وَكَيْفَ وَوُدِّي مَا حَيِيت وَنُصْرَتِي
…
لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ بَيْنَ الْقَبَائِلِ
وَالشَّاهِدُ فِي خِيمِهَا أَيْ سَجِيَّتِهَا وَطَبِيعَتِهَا رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «وَخَالِقْ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» هَذَا مِنْ تَمَامِ التَّقْوَى فَلَا تَتِمُّ إلَّا بِهِ، وَإِنَّمَا أَفْرَدَهُ صلى الله عليه وسلم بِالذِّكْرِ لِلْحَاجَةِ إلَى بَيَانِهِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ التَّقْوَى هِيَ الْقِيَامُ بِحَقِّ اللَّهِ دُونَ حُقُوقِ عِبَادِهِ، فَنَصَّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْأَمْرِ بِإِحْسَانِ الْعِشْرَةِ لِلنَّاسِ فَإِنَّهُ «صلى الله عليه وسلم كَانَ قَدْ بَعَثَ مُعَاذًا رضي الله عنه الَّذِي وَصَّاهُ بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ إلَى الْيَمَنِ مُعَلِّمًا لَهُمْ، وَمُفَقِّهًا وَقَاضِيًا» . مَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ
إلَى مُخَالَقَةِ النَّاسِ بِخُلُقٍ حَسَنٍ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ غَيْرُهُ مِمَّنْ لَا حَاجَةَ لِلنَّاسِ بِهِ وَلَا يُخَالِطُهُمْ، وَكَثِيرًا مَا يَغْلِبُ عَلَى مَنْ يَعْتَنِي بِالْقِيَامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَالِاعْتِكَافِ عَلَى مَحَبَّتِهِ وَخَشْيَتِهِ وَطَاعَتِهِ إهْمَالُ حُقُوقِ الْعِبَادِ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ التَّقْصِيرُ فِيهَا. وَالْجَمْعُ بَيْنَ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ عَزِيزٌ جِدًّا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ إلَّا الْكُمَّلُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ. وَقَدْ قَالَ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ: ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ عَزِيزَةٌ أَوْ مَعْدُومَةٌ: حُسْنُ الْوَجْهِ مَعَ الصِّيَانَةِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ مَعَ الدِّيَانَةِ، وَحُسْنُ الْإِخَاءِ مَعَ الْأَمَانَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: جَلَسَ دَاوُد عليه السلام خَالِيًا فَقَالَ اللَّهُ عز وجل مَالِي أَرَاك خَالِيًا؟ قَالَ هَجَرْتُ النَّاسَ فِيك يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. قَالَ يَا دَاوُد أَلَا أَدُلُّك عَلَى مَا تَسْتَثْنِي وُجُوهَ النَّاسِ وَتَبْلُغُ فِيهِ رِضَائِي، خَالِقْ النَّاسَ بِأَخْلَاقِهِمْ، وَاحْتَجِزْ الْإِيمَانَ بَيْنِي وَبَيْنَك.
وَيُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ «حُسْنُ الْخُلُقِ زِمَامٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَنْفِ صَاحِبِهِ، وَالزِّمَامُ بِيَدِ الْمَلَكِ، وَالْمَلَكُ يَجُرُّهُ إلَى الْخَيْرِ، وَالْخَيْرُ يَجُرُّهُ إلَى الْجَنَّةِ. وَسُوءُ الْخُلُقِ زِمَامٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَنْفِ صَاحِبِهِ، وَالزِّمَامُ بِيَدِ الشَّيْطَانِ، وَالشَّيْطَانُ يَجُرُّهُ إلَى الشَّرِّ، وَالشَّرُّ يَجُرُّهُ إلَى النَّارِ» وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) : قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: حُسْنُ الْخُلُقِ كَظْمُ الْغَيْظِ لِلَّهِ، وَإِظْهَارُ الطَّلَاقَةِ وَالْبِشْرِ إلَّا لِلْمُبْتَدِعِ وَالْفَاجِرِ، وَالْعَفْوُ عَنْ الزَّالِّينَ إلَّا تَأْدِيبًا أَوْ إقَامَةَ حَدٍّ، وَكَفُّ الْأَذَى عَنْ كُلِّ مُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ إلَّا تَغْيِيرَ مُنْكَرٍ، وَأَخْذُ الْمَظْلِمَةِ مِنْ مَظْلِمَةٍ مَنْ غَيْرِ تَعَدٍّ. وَهَذَا فِي غَايَةِ التَّحْقِيقِ. وَاَللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ. .
(الثَّالِثُ) : قَدَّمْنَا أَنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ الْقِيَامُ بِحُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ وَهِيَ كَثِيرَةٌ.
مِنْهَا أَنْ يُحِبَّ لَهُمْ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَأَنْ يَتَوَاضَعَ لَهُمْ وَلَا يَفْخَرَ عَلَيْهِمْ وَلَا يَخْتَالَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ. وَلَا يَتَكَبَّرُ وَلَا يَعْجَبُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَظَائِمِ الْأُمُورِ. وَإِنْ تَكَبَّرَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَلْيَحْتَمِلْ مِنْهُ ذَلِكَ وَيُعَامِلْهُ بِاللِّينِ.
وَيَغُضُّ طَرْفَ الطَّرْفِ عَنْ أَهْلِ الرَّقَاعَةِ مِنْ الْمُتَكَبِّرِينَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] وَأَنْ يُوَقِّرَ الشَّيْخَ الْكَبِيرَ، وَيَرْحَمَ
الطِّفْلَ الصَّغِيرَ، وَيَعْرِفَ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، مَعَ طَلَاقَةِ الْوَجْهِ وَحُسْنِ التَّلَقِّي وَدَوَامِ الْبِشْرِ، وَلِينِ الْجَانِبِ، وَحُسْنِ الْمُصَاحَبَةِ، وَسُهُولَةِ الْكَلِمَةِ، مَعَ إصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنِ إخْوَانِهِ، وَتَفَقُّدِ أَقْرَانِهِ وَأَخْدَانِهِ، وَأَنْ لَا يَسْمَعَ كَلَامَ النَّاسِ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، وَأَنْ يَبْذُلَ مَعْرُوفَهُ لَهُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا لِأَجْلِ غَرَضٍ مَعَ سَتْرِ عَوْرَاتِهِمْ، وَإِقَالَةِ عَثَرَاتِهِمْ، وَإِجَابَةِ دَعَوَاتِهِمْ. وَأَنْ لَا يَقِفَ مَوَاقِفَ التُّهَمِ. وَأَنْ يَحْلُمَ عَنْ مَنْ جَهِلَ عَلَيْهِ، وَيَعْفُوَ عَنْ مَنْ ظَلَمَ. وَأَنْ لَا يُجَالِسَ الْمَوْتَى الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الْحُطَامِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ السَّلَامِ «إيَّاكُمْ وَمُجَالَسَةَ الْمَوْتَى، قِيلَ وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ الْأَغْنِيَاءُ. اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ» وَلَا يُجَالِسُ إلَّا مَنْ يُفِيدُهُ فِي الدِّينِ، أَوْ يَسْتَفِيدُ مِنْهُ الْمَعْرِفَةَ وَالتَّمْكِينَ. إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، الْمَعْرُوفَةِ لِلْأَنَامِ، مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَاَللَّهُ وَلِيُّ الْإِنْعَامِ. .
(تَتِمَّةٌ)
رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه مَرْفُوعًا «إذَا سَمِعْتُمْ بِجَبَلٍ زَالَ مِنْ مَكَانِهِ فَصَدِّقُوا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِرَجُلٍ زَالَ عَنْ خُلُقِهِ فَلَا تُصَدِّقُوا بِهِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ إلَى مَا جُبِلَ عَلَيْهِ» حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ وَهُوَ ثَابِتٌ إلَى الزُّهْرِيِّ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَهَذَا يُؤَيِّدُ قَوْلَهُمْ الطَّبْعُ غَلَبَ التَّطَبُّعَ.
وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِهِ عَنْ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ: دَخَلْت الْبَادِيَةَ فَإِذَا أَنَا بِعَجُوزٍ بَيْنَ يَدَيْهَا شَاةٌ مَقْتُولَةٌ وَجَرْوُ ذِئْبٍ مُقْعٍ، فَنَظَرْت إلَيْهَا، فَقَالَتْ أَتَدْرِي مَا هَذَا؟ قُلْت لَا. قَالَتْ جَرْوُ ذِئْبٍ أَخَذْنَاهُ وَأَدْخَلْنَاهُ بَيْتَنَا، فَلَمَّا كَبِرَ قَتَلَ شَاتَنَا، وَقُلْت فِي ذَلِكَ. قُلْت مَا هُوَ؟ فَأَنْشَدَتْ:
بَقَرْت شُوَيْهَةً وَفَجَعْت قَوْمًا
…
وَأَنْتَ لِشَاتِنَا ابْنٌ رَبِيبُ
غُذِيت بِدَرِّهَا وَرُبِّيتَ فِينَا
…
فَمَنْ أَنْبَاكَ أَنَّ أَبَاك ذِيبُ
إذَا كَانَ الطِّبَاعُ طِبَاعَ سُوءٍ
…
فَلَا أَدَبٌ يُفِيدُ وَلَا حَلِيبُ
وَيُشْبِهُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي آخِرِ شُعَبِ الْإِيمَانِ أَيْضًا عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى أَنَّهُ سَأَلَ يُونُسَ بْنَ حَبِيبٍ عَنْ الْمَثَلِ الْمَشْهُورِ كَمُجِيرِ أُمِّ عَامِرٍ، فَقَالَ كَانَ مِنْ حَدِيثِهِ أَنَّ قَوْمًا خَرَجُوا إلَى الصَّيْدِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إذْ عَرَضَتْ لَهُمْ أُمُّ عَامِرٍ وَهِيَ الضَّبُعُ فَطَرَدُوهَا فَأَتْعَبَتْهُمْ فَأَلْجَئُوهَا إلَى خِبَاءِ أَعْرَابِيٍّ، فَاقْتَحَمَتْ، فَخَرَجَ إلَيْهِ الْأَعْرَابِيُّ فَقَالَ مَا شَأْنُكُمْ؟ فَقَالُوا صَيْدُنَا وَطَرِيدَتُنَا. قَالَ كَلًّا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَصِلُونَ إلَيْهَا مَا ثَبَتَ قَائِمُ سَيْفِي