الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلُ يُفْضِي إلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ أَحَدُهُمَا سِرَّ صَاحِبِهِ» . وَفِي رِوَايَةٍ «إنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْأَمَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» . وَرَوَى الْبَزَّارُ عَنْهُ مَرْفُوعًا «أَلَا عَسَى أَحَدُكُمْ أَنْ يَخْلُوَ بِأَهْلِهِ يُغْلِقَ بَابًا ثُمَّ يُرْخِيَ سِتْرًا ثُمَّ يَقْضِيَ حَاجَتَهُ، ثُمَّ إذَا خَرَجَ حَدَّثَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ. أَلَا عَسَى إحْدَاكُنَّ أَنْ تُغْلِقَ بَابَهَا وَتُرْخِيَ سِتْرَهَا، فَإِذَا قَضَتْ حَاجَتَهَا حَدَّثَتْ صَوَاحِبَهَا. فَقَالَتْ امْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُنَّ لِيَفْعَلْنَ وَإِنَّهُمْ لَيَفْعَلُونَ. قَالَ فَلَا تَفْعَلُوا فَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ كَمَثَلِ شَيْطَانٍ لَقِيَ شَيْطَانَةً عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ فَقَضَى حَاجَتَهُ مِنْهَا ثُمَّ انْصَرَفَ وَتَرَكَهَا» .
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَيْضًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «السِّبَاعُ حَرَامٌ» قَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ: يَعْنِي بِهِ الَّذِي يَفْتَخِرُ بِالْجِمَاعِ، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَالْبَيْهَقِيُّ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقٍ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، وَقَدْ صَحَّحَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ، قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: السِّبَاعُ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَطْلَبٌ: فِي حُرْمَةِ اللَّعْنِ لِمُعَيَّنٍ وَمَا وَرَدَ فِيهِ
(ثُمَّ) هِيَ حَرْفُ عَطْفٍ تُفِيدُ التَّرْتِيبَ وَالتَّرَاخِيَ، وَكَأَنَّهُ عَطَفَ بِهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا لِشِدَّةِ حُرْمَةِ اللَّعْنِ، فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ بَوْنٌ فِي الْحُرْمَةِ، فَيَحْرُمُ إفْشَاءُ (لَعْنٍ) وَأَصْلُهُ الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ الْخَلْقِ السَّبُّ وَالدُّعَاءُ كَمَا فِي النِّهَايَةِ.
وَفِي الْقَامُوسِ: لَعَنَهُ كَمَنَعَهُ طَرَدَهُ وَأَبْعَدَهُ فَهُوَ لَعِينٌ وَمَلْعُونٌ وَالْجَمْعُ مَلَاعِينُ وَالِاسْمُ اللِّعَانُ وَاللِّعَانِيَةُ، وَاللُّعْنَةُ بِالضَّمِّ مَنْ يَلْعَنُهُ النَّاسُ، وَكَهُمَزَةٍ الْكَثِيرُ اللَّعْنِ لَهُمْ.
وَقَالَ الْحَجَّاوِيُّ فِي لُغَةِ إقْنَاعِهِ: لَعَنَهُ لَعْنًا مِنْ بَابِ نَفَعَ طَرَدَهُ وَأَبْعَدَهُ أَوْ سَبَّهُ فَهُوَ لَعِينٌ وَمَلْعُونٌ، وَالْمَرْأَةُ لَعِينٌ وَالْفَاعِلُ لَعَّانٌ، وَالشَّجَرَةُ الْمَلْعُونَةُ هِيَ كُلُّ مَنْ ذَاقَهَا كَرِهَهَا وَلَعَنَهَا، يَعْنِي شَجَرَةَ الزَّقُّومِ الَّتِي تَنْبُتُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ، جَعَلَهَا جَلَّ شَأْنُهُ فِتْنَةً لِلْكَافِرِينَ، فَقَالُوا النَّارُ تُحْرِقُ الشَّجَرَ فَكَيْفَ تُنْبِتُهُ؟ (مُقَيَّدٌ) أَيْ لِمُعَيَّنٍ فَيَحْرُمُ لَعْنُ الْإِنْسَانِ بِعَيْنِهِ
أَوْ دَابَّةٍ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ عُمُومًا فَلَا يَحْرُمُ كَمَا سَنَذْكُرُهُ.
قَالَ صلى الله عليه وسلم «إنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ، الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ. قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه.
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا» وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ بِلَفْظِ «لَا يَجْتَمِعُ أَنْ يَكُونُوا لَعَّانِينَ صِدِّيقِينَ» .
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ «مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِأَبِي بَكْرٍ وَهُوَ يَلْعَنُ بَعْضَ رَقِيقِهِ، فَالْتَفَتَ إلَيْهِ وَقَالَ لَعَّانِينَ وَصِدِّيقِينَ كَلًّا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. فَعَتَقَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه يَوْمَئِذٍ بَعْضَ رَقِيقِهِ، قَالَ ثُمَّ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَا أَعُودُ» . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «لَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَمْ يَقُلْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ «لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ لَعَّانًا» .
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ «لَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ» وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا إذَا رَأَيْنَا الرَّجُلَ يَلْعَنُ أَخَاهُ رَأَيْنَا أَنْ قَدْ أَتَى بَابًا مِنْ الْكَبَائِرِ.
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «إنَّ الْعَبْدَ إذَا لَعَنَ شَيْئًا صَعِدَتْ اللَّعْنَةُ إلَى السَّمَاءِ فَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ دُونَهَا ثُمَّ تَهْبِطُ إلَى الْأَرْضِ فَتُغْلَقُ أَبْوَابُهَا دُونَهَا ثُمَّ تَأْخُذُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ مَسَاغًا رَجَعَتْ إلَى الَّذِي لُعِنَ، فَإِنْ كَانَ أَهْلًا وَإِلَّا رَجَعَتْ إلَى قَائِلِهَا» .
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ابْنِ، مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ «اللَّعْنَةُ إذَا وُجِّهَتْ إلَى مَنْ وُجِّهَتْ إلَيْهِ، فَإِنْ أَصَابَتْ عَلَيْهِ سَبِيلًا أَوْ وَجَدَتْ فِيهِ مَسْلَكًا وَإِلَّا قَالَتْ يَا رَبِّ وُجِّهَتْ إلَى
فُلَانٍ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ مَسْلَكًا وَلَمْ أَجِدْ عَلَيْهِ سَبِيلًا، فَيُقَالُ لَهَا ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْت» .
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه قَالَ «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَامْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى نَاقَةٍ فَضَجِرَتْ فَلَعَنَتْهَا، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ قَالَ عِمْرَانُ: فَكَأَنِّي أَرَاهَا الْآنَ تَمْشِي فِي النَّاسِ مَا يَعْرِضُ. لَهَا أَحَدٌ» .
وَرَوَى أَبُو يَعْلَى وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ «سَارَ رَجُلٌ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَعَنَ بَعِيرَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَسِرْ مَعَنَا عَلَى بَعِيرٍ مَلْعُونٍ» . وَقَدْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ لَعْنِ الدِّيكِ فَقَالَ لَا تَلْعَنْهُ وَلَا تَسُبَّهُ فَإِنَّهُ يَدْعُو إلَى الصَّلَاةِ» . وَقَالَ أَنَسٌ: «كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَدَغَتْ رَجُلًا بُرْغُوثٌ فَلَعَنَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَا تَلْعَنْهَا فَإِنَّهَا نَبَّهَتْ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ لِلصَّلَاةِ» رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّارُ. .
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما «أَنَّ رَجُلًا لَعَنَ الرِّيحَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ فَقَالَ لَا تَلْعَنْ الرِّيحَ فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ رَجَعَتْ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ» .
(فَائِدَةٌ) : قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْكَرِيمِ أَبُو الْقَاسِمِ الْيَافِعِيُّ فِي شَرْحِ مُسْنَدِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه: يُرْوَى «أَنَّ رَجُلًا شَكَا إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْفَقْرَ فَقَالَ لَعَلَّك تَسُبُّ الرِّيحَ» انْتَهَى. فَأَفْهَمَ أَنَّ سَبَّ الرِّيحِ يُورِثُ الْفَقْرَ مَعَ مَا أَفَادَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ بِرُجُوعِ اللَّعْنَةِ عَلَى قَائِلِهَا، وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ انْتِفَاءُ الْحُرْمَةِ بِلَعْنِ غَيْرِ الْمُقَيَّدِ مِنْ فِرَقِ أَهْلِ الضَّلَالِ وَالْفُسُوقِ وَالْوَبَالِ لِصَرِيحِ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْأَخْبَارِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ.
قَالَ جَلَّ شَأْنُهُ {أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18] وَقَالَ عليه الصلاة والسلام «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى» فَيَجُوزُ لَعْنُ الْكُفَّارِ عَامًّا. وَهَلْ يَجُوزُ لَعْنُ كَافِرٍ مُعَيَّنٍ؟ قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: عَلَى
رِوَايَتَيْنِ، وَظَاهِرُ النَّظْمِ الْمَنْعُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رضي الله عنه: وَلَعْنُ تَارِكِ الصَّلَاةِ عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ جَائِزٌ، وَأَمَّا لَعْنُهُ الْمُعَيَّنُ فَالْأَوْلَى تَرْكُهَا لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَتُوبَ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: قِيلَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رضي الله عنه: أَيُؤْخَذُ الْحَدِيثُ عَنْ يَزِيدَ؟ فَقَالَ لَا وَلَا كَرَامَةَ، أَوَ لَيْسَ هُوَ فَعَلَ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ مَا فَعَلَ. وَقِيلَ لَهُ: إنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ إنَّا نُحِبُّ يَزِيدَ، فَقَالَ وَهَلْ يُحِبُّ يَزِيدَ مَنْ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. فَقِيلَ لَهُ أَوَلَا تَلْعَنُهُ؟ فَقَالَ مَا رَأَيْت أَبَاك يَلْعَنُ أَحَدًا وَفِي رِوَايَةٍ مَتَى رَأَيْت أَبَاك لَعَّانًا؟
وَقَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي لَعْنَةِ يَزِيدَ: أَجَازَهَا الْعُلَمَاءُ الْوَرِعُونَ، مِنْهُمْ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رضي الله عنه، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ عَبْدُ الْمُغِيثِ الْحَرْبِيُّ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا، ذَكَرَهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى قَالَ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ بَنَى الْأَمْرَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِسْقُهُ، وَكَلَامُ عَبْدِ الْمُغِيثِ يَقْتَضِي ذَلِكَ وَفِيهِ نَوْعُ انْتِصَارٍ ضَعِيفٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ بَنَى الْأَمْرَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُلْعَنُ الْفَاسِقُ الْمُعَيَّنُ.
وَشَنَّعَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ اسْتِجَازَةَ ذَمِّ الْمَذْمُومِ وَلَعْنِ الْمَلْعُونِ كَيَزِيدَ.
قَالَ وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي حَقِّ يَزِيدَ مَا يَزِيدُ عَلَى اللَّعْنَةِ، وَذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُعْتَمَدِ مِنْ رِوَايَةِ صَالِحٍ: وَمَالِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ عز وجل فِي كِتَابِهِ، إنْ صَحَّتْ الرِّوَايَةُ قَالَ وَصَنَّفَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ كِتَابًا فِي بَيَانِ مَنْ يَسْتَحِقُّ اللَّعْنَ وَذَكَرَ فِيهِمْ يَزِيدَ، قَالَ وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ لَعْنُ مَنْ فَعَلَ مَا لَا يُقَارِبُ مِعْشَارَ عُشْرِ مَا فَعَلَ يَزِيدُ، وَذَكَرَ الْفِعْلَ الْعَامَّ كَالْوَامِصَةِ وَأَمْثَالِهِ، وَذَكَرَ رِوَايَةَ أَبِي طَالِبٍ سَأَلْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَمَّنْ قَالَ لَعَنَ اللَّهُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَا أَتَكَلَّمُ فِي هَذَا، الْإِمْسَاكُ أَحَبُّ إلَيَّ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَدُلُّ عَلَى اشْتِغَالِ الْإِنْسَانِ بِنَفْسِهِ عَنْ لَعْنِ غَيْرِهِ، وَالْأَوْلَى عَلَى جَوَازِ اللَّعْنَةِ كَمَا قُلْنَا فِي تَقْدِيمِ جَوَازِ التَّسْبِيحِ عَلَى لَعْنَةِ إبْلِيسَ، وَسَلَّمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ تَرْكَ اللَّعْنِ أَوْلَى.
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ «قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اُدْعُ اللَّهَ عز وجل عَلَى الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْت رَحْمَةً» قَالَ فِي رِوَايَةِ الْحَافِظِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ: وَقَدْ لَعَنَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رضي الله عنه مَنْ يَسْتَحِقُّ اللَّعْنَ.
وَقَالَ مُسَدَّدٌ: قَالَتْ الْوَاقِفِيَّةُ الْمَلْعُونَةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ الْمَلْعُونَةُ.
وَقَالَ: عَلَى الْجَهْمِيَّةِ لَعْنَةُ اللَّهِ. وَكَانَ الْحَسَنُ يَلْعَنُ الْحَجَّاجَ. وَأَحْمَدُ يَقُولُ الْحَجَّاجُ رَجُلُ سُوءٍ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رضي الله عنه: لَيْسَ فِي هَذَا عَنْ أَحْمَدَ لَعْنَةُ مُعَيَّنٍ لَكِنَّ قَوْلَ الْحَسَنِ نَعَمْ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَيْضًا: لَمْ أَرَ أَحْمَدَ رضي الله عنه لَعَنَ مُعَيَّنًا إلَّا لَعْنَةُ نَوْعٍ أَوْ دُعَاءٍ عَلَى مُعَيَّنٍ بِالْعَذَابِ أَوْ سَبٍّ لَهُ.
وَفِي الْآدَابِ الْكُبْرَى لِابْنِ مُفْلِحٍ ذَكَرَ الْقَاضِي مَا نَقَلَهُ مِنْ خَطِّ أَبِي حَفْصٍ الْعُكْبَرِيِّ أَسْنَدَهُ إلَى صَالِحِ بْنِ أَحْمَدَ، قُلْت لِأَبِي إنَّ قَوْمًا يَنْسُبُونَا إلَى تَوَالِي يَزِيدَ، فَقَالَ يَا بُنَيَّ وَهَلْ يَتَوَلَّى يَزِيدَ أَحَدٌ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ؟ (فَقُلْت) وَلِمَ لَا تَلْعَنُهُ؟ فَقَالَ وَمَتَى رَأَيْتنِي أَلْعَنُ شَيْئًا لِمَ لَا تَلْعَنُ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ عز وجل فِي كِتَابِهِ، فَقُلْت وَأَيْنَ لَعَنَ اللَّهُ يَزِيدَ فِي كِتَابِهِ؟ فَقَرَأَ {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} [محمد: 22] {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد: 23] فَهَلْ يَكُونُ فِي قَطْعِ الرَّحِمِ أَعْظَمُ مِنْ الْقَتْلِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ إنْ صَحَّتْ فَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي مَعْنَى عِلَّةِ لَعْنِ يَزِيدَ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رضي الله عنه: الدَّلَالَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اسْتِلْزَامِ الْمُطْلَقِ لِلْمُعَيَّنِ. انْتَهَى.
(قُلْت) أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْحُفَّاظِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ يُجِيزُونَ لَعْنَةَ يَزِيدَ اللَّعِينِ، كَيْفَ لَا وَهُوَ الَّذِي فَعَلَ الْمُعْضِلَاتِ، وَهَتَكَ سِتْرَ الْمُخَدَّرَاتِ، وَانْتَهَكَ حُرْمَةَ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَآذَى سِبْطَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ حَيٌّ وَمَيِّتٌ، مَعَ مُجَاهَرَتِهِ بِشُرْبِ الْخُمُورِ وَالْفِسْقِ وَالْفُجُورِ. ذَكَرُوا فِي تَرْجَمَتِهِ أَنَّهُ كَانَ مُجَاهِرًا بِالشَّرَابِ مُتَهَتِّكًا فِيهِ،.
وَلَهُ فِي وَصْفِهِ بَدَائِعُ وَغَرَائِبُ وَنَهَاهُ وَالِدُهُ فَلَمْ يَنْتَهِ، فَغَضِبَ عَلَيْهِ، فَأَنْشَدَ يَزِيدُ يُخَاطِبُهُ، وَنَسَبَهَا الْأَصْمَعِيُّ إلَى غَيْرِهِ:
أَمِنْ شَرْبَةٍ مِنْ مَاءِ كَرْمٍ شَرِبْتهَا
…
غَضِبَتْ عَلَيَّ الْآنَ طَابَ لِي السُّكْرُ
سَأَشْرَبُ فَاغْضَبْ لَا رَضِيت كِلَاهُمَا
…
حَبِيبٌ إلَى قَلْبِي عُقُوقُك وَالْخَمْرُ
وَهُوَ الْقَائِلُ مِنْ قَصِيدَةٍ:
وَشِمْسَةُ كَرْمٍ بُرْجُهَا قَعْرُ دَنِّهَا
…
فَمَطْلَعُهَا السَّاقِي وَمَغْرِبُهَا فَمِي
مُدَامٌ كَتِبْرٍ فِي إنَاءٍ كَفِضَّةٍ
…
وَسَاقٍ كَبَدْرٍ مَعْ نَدَامَى كَأَنْجُمِ
إذَا نَزَلَتْ مِنْ دَنِّهَا فِي زُجَاجَةٍ
…
حَكَتْ نَفَرًا بَيْنَ الْحَطِيمِ وَزَمْزَمِ
نُشِيرُ إلَيْهَا بِالْبَنَانِ كَأَنَّمَا
…
نُشِيرُ إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ الْمُحَرَّمِ
إلَى أَنْ يَقُولَ:
فَإِنْ حُرِّمَتْ يَوْمًا عَلَى دِينِ أَحْمَدَ
…
فَخُذْهَا عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ بْنِ مَرْيَمَ
وَلَهُ مِنْ أَمْثَالِ هَذِهِ الضَّلَالَاتِ كَثِيرٌ جِدًّا.
وَفِي الْمُجَلَّدِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ الْوَافِي بِالْوَفَيَاتِ أَنَّ إِلْكِيَا الْهَرَّاسَ سُئِلَ عَنْ لَعْنِ يَزِيدَ فَقَالَ: فِيهِ لِأَحْمَدَ قَوْلَانِ تَلْوِيحٌ وَتَصْرِيحٌ، وَلِمَالِكٍ قَوْلَانِ تَلْوِيحٌ وَتَصْرِيحٌ، وَلَنَا قَوْلٌ وَاحِدٌ التَّصْرِيحُ دُونَ التَّلْوِيحِ، وَكَيْفَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَهُوَ اللَّاعِبُ بِالرَّنْدِ، وَالْمُتَصَيِّدُ بِالْفَهْدِ وَمُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَذَكَرَ مِنْ شَعْرِهِ أَشْيَاءَ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ سَبَى أَهْلَ الْبَيْتِ لِمَا وَرَدَ مِنْ الْعِرَاقِ عَلَى يَزِيدَ خَرَجَ فَلَقِيَ الْأَطْفَالَ وَالنِّسَاءَ مِنْ ذُرِّيَّةِ عَلِيٍّ وَالْحُسَيْنِ وَالرُّءُوسُ عَلَى أَسِنَّةِ الرِّمَاحِ، وَقَدْ أَشْرَفُوا عَلَى ثَنِيَّةِ الْعِقَابِ، فَلَمَّا رَآهُمْ الْخَبِيثُ أَنْشَأَ يَقُولُ:
لَمَّا بَدَتْ تِلْكَ الْحُمُولُ وَأَشْرَفَتْ
…
تِلْكَ الرُّءُوسُ عَلَى شَفَا جَيْرُونِ
نَعَبَ الْغُرَابُ فَقُلْت قُلْ أَوْ لَا تَقُلْ
…
فَقَدْ اقْتَضَيْت مِنْ الرَّسُولِ دُيُونِي
يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ قَتَلَ بِمَنْ قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ بَدْرٍ عُتْبَةَ جَدَّهُ أَبُو أُمِّهِ وَخَالَهُ وَغَيْرَهُمَا.
قُلْت: أَنَا لَا أَشُكُّ أَنَّ قَائِلَ هَذَا الْكَلَامِ خَارِجٌ مِنْ رِبْقَةِ الْإِسْلَامِ، وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِنْهُ، ثُمَّ إنَّ الْخَبِيثَ لَمَّا أُتِيَ بِرَأْسِ سَيِّدِنَا الْحُسَيْنِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ تَنَاوَلَهُ بِقَضِيبٍ فَكَشَفَ عَنْ ثَنَايَاهُ وَهِيَ أَبْيَضُ مِنْ الْبَرَدِ، فَقَالَ عَلَيْهِ غَضَبُ الْمُتَعَالِ:
نَفْلِقُ هَامًا مِنْ رِجَالٍ أَعِزَّةً
…
عَلَيْنَا وَهُمْ كَانُوا أَعَقَّ وَأَظْلَمَا
وَقَالَ أَيْضًا لَمَّا فَعَلَ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ مَا فَعَلَ وَجَاءَهُ رَسُولُهُ بِالْأَخْبَارِ الَّتِي لَا تَفْعَلُهَا إلَّا الْكُفَّارَ.
فَتَمَثَّلَ بِقَوْلِ ابْنِ الزِّبَعْرَى:
لَيْتَ أَشْيَاخِي بِبَدْرٍ عَلِمُوا
…
جَزَعَ الْخَزْرَجِ مِنْ وَقْعِ الْأَسَلِّ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعُلَمَاءَ مِنْهُمْ مَنْ صَرَّحَ بِلَعْنِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَوَّحَ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّظْمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَتِمَّةٌ) أَلْحَقَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ الثَّقَفِيُّ بِيَزِيدَ، فَخُبْثُهُ كَخُبْثِهِ أَوْ يَزِيدُ.
وَفِي فُنُونِ ابْنِ عَقِيلٍ: حَلَفَ رَجُلٌ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَنَّ الْحَجَّاجَ فِي النَّارِ، فَسَأَلَ فَقِيهًا، فَقَالَ الْفَقِيهُ أَمْسِكْ زَوْجَتَك فَإِنَّ الْحَجَّاجَ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ أَفْعَالِهِ فِي النَّارِ فَلَا يَضُرُّك الزِّنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.