الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ الْإِمَامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ «كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَنْتِفَ الرَّجُلُ الشَّعْرَةَ الْبَيْضَاءَ مِنْ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ» .
وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ فَإِنَّهُ نُورٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ شَابَ شَيْبَةً كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً، وَرَفَعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةً» .
وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ مَرْفُوعًا عِنْدَ الدَّيْلَمِيِّ «أَيُّمَا مُسْلِمٍ نَتَفَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ مُتَعَمِّدًا صَارَتْ رُمْحًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُطْعَنُ بِهِ» فَغَيْرُ ثَابِتٍ. وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ يَحْيَى بْنِ مَنْصُورٍ الْكَاتِبِ فِي نَتْفِ الشَّيْبِ:
أَمُدُّ كَفِّي إلَى الْبَيْضَاءِ أَقْلَعُهَا
…
مِنْ لِحْيَتِي فَتَفْدِيهَا بِسَوْدَاءَ
هَذِي يَدِي وَهِيَ مِنِّي لَا تُطَاوِعُنِي
…
عَلَى مُرَادِي فَمَا ظَنِّي بِأَعْدَائِي
مَطْلَبٌ: فِي أَوَّلِ مَنْ شَابَ وَاخْتَتَنَ
.
(فَوَائِدُ) :
(الْأُولَى) : أَوَّلُ مَنْ شَابَ إبْرَاهِيمُ خَلِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، فَقَالَ: يَا رَبِّ مَا هَذَا؟ فَقَالَ تَعَالَى: هَذَا وَقَارُك، فَقَالَ إبْرَاهِيمُ عليه السلام: رَبِّ زِدْنِي وَقَارًا، فَمَا بَرِحَ حَتَّى ابْيَضَّتْ لِحْيَتُهُ الشَّرِيفَةُ.
وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَبْلُغُ الْهَرَمَ وَلَمْ يَشِبْ، وَكَانَ فِي الْقَوْمِ وَالِدٌ وَوَلَدٌ فَلَا يُعْرَفُ الِابْنُ مِنْ الْأَبِ، فَقَالَ إبْرَاهِيمُ عليه السلام: يَا رَبِّ اجْعَلْ لِي شَيْئًا أُعْرَفُ بِهِ، فَأَصْبَحَ رَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ أَبْيَضَيْنِ أَزْهَرَيْنِ أَنْوَرَيْنِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَذْكِرَتِهِ مَا نَصُّهُ: وَفِي الْإِسْرَائِيلِيَّات أَنَّ إبْرَاهِيمَ عليه الصلاة والسلام لَمَّا رَجَعَ مِنْ تَقْرِيبِ وَلَدِهِ إلَى رَبِّهِ عز وجل رَأَتْ سَارَةُ فِي لِحْيَتِهِ شَعْرَةً بَيْضَاءَ، وَكَانَ عليه الصلاة والسلام أَوَّلَ مَنْ شَابَ، فَأَنْكَرَتْهَا وَأَرَتْهُ إيَّاهَا فَجَعَلَ يَتَأَمَّلُهَا فَأَعْجَبَتْهُ، وَكَرِهَتْهَا سَارَةُ وَطَالَبَتْهُ بِإِزَالَتِهَا فَأَبَى
وَأَتَاهُ مَلَكٌ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا إبْرَاهِيمُ، وَكَانَ اسْمُهُ إبْرَامَ فَزَادَهُ فِي اسْمِهِ هَاءً. وَالْهَاءُ فِي السُّرْيَانِيَّةِ لِلتَّفْخِيمِ وَالتَّعْظِيمِ: فَفَرِحَ بِذَلِكَ فَقَالَ أَشْكُرُ إلَهِي وَإِلَهَ كُلِّ شَيْءٍ، فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: إنَّ اللَّهَ قَدْ صَيَّرَك مُعَظَّمًا فِي أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَأَهْلِ الْأَرْضِ، وَقَدْ وَسَمَكَ بِسِمَةِ الْوَقَارِ فِي اسْمِك وَفِي خَلْقِك أَمَّا اسْمُك فَلِأَنَّك تُدْعَى فِي أَهْلِ السَّمَاءِ وَأَهْلِ الْأَرْضِ إبْرَاهِيمُ، وَأَمَّا خَلْقُك فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ نُورًا وَوَقَارًا عَلَى شَعْرِك. فَأَخْبَرَ سَارَةَ بِمَا قَالَ لَهُ الْمَلَكُ وَقَالَ: هَذَا الَّذِي كَرِهْتِيهِ نُورٌ وَوَقَارٌ. قَالَتْ: فَإِنِّي كَارِهَةٌ لَهُ، قَالَ لَكِنِّي أُحِبُّهُ اللَّهُمَّ زِدْنِي وَقَارًا وَنُورًا، فَأَصْبَحَ وَقَدْ ابْيَضَّتْ لِحْيَتُهُ كُلُّهَا.
وَرَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ بِسَنَدِهِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ أُمَامَةَ قَالَ: بَيْنَمَا إبْرَاهِيمُ عليه السلام ذَاتَ يَوْمٍ يُصَلِّي صَلَاةَ الضُّحَى إذْ نَظَرَ إلَى كَفٍّ خَارِجَةٍ مِنْ السَّمَاءِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِهَا شَعْرَةٌ بَيْضَاءُ فَلَمْ تَزَلْ تَدْنُو حَتَّى دَنَتْ مِنْ رَأْسِ إبْرَاهِيمَ عليه الصلاة والسلام. فَأَلْقَتْ الشَّعْرَةَ الْبَيْضَاءَ فِي رَأْسِهِ ثُمَّ قَالَتْ أَشْعِلْ وَقَارًا. وَفِي رِوَايَةٍ أَشْعِلْ خَدَّهُ فَأُشْعِلَ رَأْسُهُ مِنْهَا شَيْبًا فَأَوْحَى اللَّهُ إلَى إبْرَاهِيمَ عليه السلام أَنْ يَتَطَهَّرَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ أَوْحَى إلَيْهِ أَنْ يَتَطَهَّرَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ أَوْحَى إلَيْهِ أَنْ يَتَطَهَّرَ فَاخْتَتَنَ فَكَانَ إبْرَاهِيمُ عليه السلام أَوَّلَ مَنْ شَابَ وَاخْتَتَنَ.
وَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ النِّسَاءِ وَعَادَتُهُنَّ عَلَى كَرَاهِيَةِ الشَّيْبِ وَهَذَا مُشَاهَدٌ فِي الْعِيَانِ. وَقَدْ أَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ مِنْ ذِكْرِ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ قَالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَةَ الْفَحْلُ الْجَاهِلِيُّ مِنْ قَصِيدَةٍ لَهُ طَوِيلَةٍ مِنْ الطَّوِيلِ مَطْلَعُهَا:
طَحَا بِكَ قَلْبٌ فِي الْحِسَانِ طَرُوبٌ
…
بَعِيدُ الشَّبَابِ عَصْرَ حَانَ مَشِيبٌ
إلَى أَنْ يَقُولَ فِيهَا:
فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي
…
خَبِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ
إذَا شَابَ رَأْسُ الْمَرْءِ أَوْ قَلَّ مَالُهُ
…
فَلَيْسَ لَهُ فِي وُدِّهِنَّ نَصِيبُ
يُرِدْنَ ثَرَاءَ الْمَالِ حَيْثُ عَلِمْنَهُ
…
وَشَرْخُ الشَّبَابِ عِنْدَهُنَّ عَجِيبُ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْمَخْزُومِيُّ فِي ذَلِكَ:
قَالَتْ أُحِبُّك قُلْت كَاذِبَةً
…
غُرِّي بِذَا مَنْ لَيْسَ يَنْتَقِدُ
لَوْ قُلْت لِي أَشْنَاكَ قُلْت نَعَمْ
…
الشَّيْبُ لَيْسَ يُحِبُّهُ أَحَدٌ
وَقَدْ تَلَطَّفَ مَنْ قَالَ وَأَفَادَ اسْتِجْلَابَ وُدِّهِنَّ بِالْمَالِ:
وَخُودٌ دَعَتْنِي إلَى وَصْلِهَا
…
وَعَصْرُ الشَّبِيبَةِ مِنِّي ذَهَبَ
فَقُلْت مَشِيبِي لَا يَنْطَلِي
…
فَقَالَتْ بَلَى يَنْطَلِي بِالذَّهَبِ
وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ الْحَكَمِ بْنُ أَبِي الْعَاصِ الْبَصْرِيُّ وَأَنْشَدَهُمَا الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ الثَّقَفِيَّ الْخَبِيثَ:
فَمَا مِنْك الشَّبَابُ وَلَسْت مِنْهُ
…
إذَا سَأَلَتْك لِحْيَتُك الْخِضَابَا
وَمَا يَرْجُو الْكَبِيرُ مِنْ الْغَوَانِي
…
إذَا ذَهَبَتْ شَبِيبَتُهُ وَشَابَا
فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ الْخَبِيثُ فَضَحْتَنَا عِنْدَ النِّسَاءِ وَقَالُوا:
وَخَيَّرَهَا أَبُوهَا بَيْنَ شَيْخٍ
…
كَثِيرِ الْمَالِ أَوْ حَدَثٍ صَغِيرِ
فَقَالَتْ إنْ عَزَمْت فَكُلُّ شَيْءٍ
…
أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ وَجْهِ الْكَبِيرِ
وَقَالَ غَيْرُهُ:
وَلَمَّا رَأَيْت شَيْبَ رَأْسِي بَدَا
…
فَقَالَتْ عَسَى غَيْرَ هَذَا عَسَى
فَقُلْت الْبَيَاضُ لِبَاسُ السُّرُورِ
…
وَأَمَّا السَّوَادُ لِبَاسُ الْأَسَى
فَقَالَتْ صَحِيحٌ وَلَكِنَّهُ
…
قَلِيلُ النَّفَاقِ بِسُوقِ النَّسَا
وَقَالَ آخَرُ:
لَكَلْبٌ عَقُورٌ أَسْوَدُ اللَّوْنِ حَالِكٌ
…
عَلَى صَدْرِ سَوْدَاءِ الذَّوَائِبِ كَاعِبِ
أَحَبُّ إلَيْهَا مِنْ مُعَانَقَةِ الَّذِي
…
لَهُ لِحْيَةٌ بَيْضَاءُ بَيْنَ التَّرَائِبِ
(الثَّانِيَةُ) قَالَ الشَّيْخُ عَلِيٌّ دَدَهْ فِي أَوَائِلِهِ: أَوَّلُ مَنْ خَضَّبَ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ عليه الصلاة والسلام.
وَفِي أَوَائِلِهِ كَالسُّيُوطِيِّ: أَوَّلُ مَنْ خَضَّبَ بِالسَّوَادِ فِرْعَوْنُ. وَأَوَّلُ مَنْ خَضَّبَ بِالسَّوَادِ فِي الْإِسْلَامِ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ رضي الله عنه، خَرَجَ عَلَى النَّاسِ وَكَانَ عَهْدُهُمْ أَنَّهُ أَبْيَضُ الشَّعْرِ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهُ. قَالَ السُّيُوطِيّ: وَأَوَّلُ مَنْ خَضَّبَ بِالْوَسْمَةِ بِمَكَّةَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، قِيلَ لَهُ لَمَّا نَزَلَ الْيَمَنَ هَلْ لَك أَنْ تُغَيِّرَ هَذَا الْبَيَاضَ فَتَعُودُ شَابًّا، فَخَضَّبَ فَدَخَلَ مَكَّةَ كَأَنَّ شَعْرَهُ حَلْكُ غُرَابٍ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ النِّسَاءِ يَا شَيْبَةَ الْحَمْدِ لَوْ دَامَ لَك هَذَا لَكَانَ حَسَنًا، فَأَنْشَدَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ:
فَلَوْ دَامَ لِي هَذَا السَّوَادُ حَمِدْته
…
فَكَانَ بَدِيلًا مِنْ شَبَابٍ قَدْ انْصَرَمْ
تَمَتَّعْت مِنْهُ وَالْحَيَاةُ قَصِيرَةٌ
…
وَلَا بُدَّ مِنْ مَوْتٍ تَبْكِيه أَوْ هَرَمْ
وَمَاذَا الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمَرْءِ حِفْظُهُ
…
وَنِعْمَتُهُ دَوْمًا إذَا عَرْشُهُ انْهَدَمْ
وَمِنْ شِعْرِ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَنْجِدِ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَبَّاسِيِّ، عَلَى مَا نَقَلَهُ صَلَاحُ الدِّينِ الصَّفَدِيُّ فِي الْوَافِي بِالْوَفِيَّاتِ قَوْلُهُ:
عَيَّرَتْنِي بِالشَّيْبِ وَهْوَ وَقَارُ
…
لَيْتَهَا عَيَّرَتْ بِمَا هُوَ عَارُ
إنْ تَكُنْ شَابَتْ الذَّوَائِبُ مِنِّي
…
فَاللَّيَالِي تُنِيرُهَا الْأَقْمَارُ
قُلْت: وَقَدْ نَسَبَ الْأَبْيَاتَ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ لِيَحْيَى بْنِ نَصْرٍ السَّعْدِيِّ الْبَغْدَادِيِّ فِي تَرْجَمَتِهِ وَذَكَرَ لَهُ قَبْلَهُمَا قَوْلَهُ:
لَوْ كُنْت ذَا مَالٍ وَذَا ثَرْوَةٍ
…
وَالشَّيْبُ مَا آنَ وَلَا قِيلَ كَادَ
لَجَامَلَتْ جَمَلٌ بِمِيعَادِهَا
…
وَسَاعَدَتْ بِالْوَصْلِ مِنْهَا سُعَادُ
وَيُعْجِبنِي مِنْ شِعْرِ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَنْجِدِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَوْلُهُ:
إذَا مَرِضْنَا نَوَيْنَا كُلَّ صَالِحَةٍ
…
وَإِنْ شُفِينَا فَمِنَّا الزَّيْغُ وَالزَّلَلُ
نُرْضِي الْإِلَهَ إذَا خِفْنَا وَنَعْصِيهِ
…
إذَا أَمِنَّا فَمَا يَزْكُو لَنَا عَمَلُ
وَمِنْ شِعْرِهِ فِي الشَّمْعَةِ:
وَصَفْرَاءُ مِثْلِي فِي الْقِيَاسِ وَدَمْعُهَا
…
سِجَامٌ عَلَى الْخَدَّيْنِ مِثْلُ دُمُوعِي
تَذُوبُ كَمَا فِي الْحُبِّ ذَابَتْ صَبَابَةً
…
وَتَحْوِي حَشَاهَا مَا حَوَتْهُ ضُلُوعِي
وَهَذَا الْخَلِيفَةُ هُوَ الَّذِي كَانَ الْإِمَامُ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَزِيرَهُ وَوَزِيرَ وَالِدِهِ مِنْ قَبْلِهِ الْمُقْتَفِي رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى.
(الثَّالِثَةُ) ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ مِنْهُمْ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّذِيرَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} [فاطر: 37] قِيلَ هُوَ الشَّيْبُ. وَإِلَى هَذَا أَشَرْت فِي قَصِيدَةٍ لِي:
فَوَا أَسَفَى ذَهَبَ الشَّبَابُ وَحَلَّ بِي
…
نَذِيرٌ أَتَانِي أَنَّنِي سَوْفَ أَذْهَبُ
وَلِي فِي أُخْرَى:
إلَيْك أَشْكُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْ وَجَلِي
…
نَأَى شَبَابِي سُدًى وَاحْتَاطَ بِي أَجَلِي
نَأَى الشَّبَابُ وَجَاءَ الشَّيْبُ يُنْذِرُنِي
…
بِأَنَّنِي رَاحِلٌ لِلْقَبْرِ وَاخْجَلِي
وَأَخْجَلَنِي مِنْ مَقَامٍ لَسْت أُنْكِرُهُ
…
إذَا بَدَا لِي عَلَى رُوسِ الْمَلَا زَلَلِي
يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ خُذْ بِيَدِي
…
إنِّي أَتَيْت بِلَا عِلْمٍ وَلَا عَمَلِ
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ رِزْقُ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ رحمه الله وَرَضِيَ عَنْهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ 488 كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ:
وَمَا شَنَآنُ الشَّيْبِ مِنْ أَجْلِ لَوْنِهِ
…
وَلَكِنَّهُ حَادٍ إلَى الْبَيْنِ مُسْرِعُ
إذَا مَا بَدَتْ مِنْهُ الطَّلِيعَةُ آذَنَتْ
…
بِأَنَّ الْمَنَايَا خَلْفَهَا تَتَطَلَّعُ
فَإِنْ قَصَّهَا الْمِقْرَاضُ صَاحَتْ بِأُخْتِهَا
…
فَتَظْهَرُ تَتْلُوهَا ثَلَاثٌ وَأَرْبَعُ
وَإِنْ خُضِّبَتْ حَالَ الْخِضَابِ لِأَنَّهُ
…
يُغَالِبُ صُنْعَ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَصْنَعُ
فَيُضْحِي كَرِيشِ الدِّيكِ فِيهِ تَلَمُّعٌ
…
وَأَفْظَعُ مَا يُكْسَاهُ ثَوْبٌ مُلَمَّعُ
إذَا مَا بَلَغْت الْأَرْبَعِينَ فَقُلْ لِمَنْ
…
يَوَدُّك فِيمَا تَشْتَهِيه وَيُسْرِعُ
هَلُمُّوا لِنَبْكِيَ قَبْلَ فُرْقَةِ بَيْنِنَا
…
فَمَا بَعْدَهَا عَيْشٌ لَذِيذٌ وَمَجْمَعُ
وَخَلِّ التَّصَابِيَ وَالْخَلَاعَةَ وَالْهَوَى
…
وَأُمَّ طَرِيقَ الْحَقِّ فَالْحَقُّ أَنْفَعُ
وَخُذْ جُنَّةً تُنْجِي وَزَادًا مِنْ التُّقَى
…
وَصُحْبَةَ مَأْمُونٍ فَقَصْدُك مُفْزِعُ
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَرَبَ مَا بَكَتْ عَلَى شَيْءٍ مَا بَكَتْ عَلَى الشَّبَابِ. وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ:
شَيْئَانِ لَوْ بَكَتْ الدُّمُوعَ عَلَيْهِمَا
…
عَيْنَايَ حَتَّى يُؤْذِنَا بِذَهَابِ
لَمْ يَبْلُغَا الْمِعْشَارَ مِنْ حَقَّيْهِمَا
…
فَقْدُ الشَّبَابِ وَفُرْقَةُ الْأَحْبَابِ
وَمِنْ الْبُكَاءِ عَلَى الشَّبَابِ قَوْلُ أَبِي الْغُصْنِ الْأَسَدِيِّ وَهُوَ أَبْكَى بَيْتٍ قِيلَ فِيهِ:
تَأَمَّلْ رَجْعَةَ الدُّنْيَا سِفَاهًا
…
وَقَدْ صَارَ الشَّبَابُ إلَى الذَّهَابِ
فَلَيْتَ الْبَاكِيَاتِ بِكُلِّ أَرْضٍ
…
جُمِعْنَ لَنَا فَنُحْنَ عَلَى الشَّبَابِ
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ الْمُرْتَضَى:
ضَحِكَ الْمَشِيبُ بِرَأْسِهِ
…
فَبَكَى بِأَعْيُنِ كَأْسِهِ
رَجُلٌ تَخَوَّنَهُ الزَّمَا
…
نُ بِبُؤْسِهِ وَبِبَأْسِهِ
فَجَرَى عَلَى غُلَوَائِهِ
…
طَلْقَ الْجُمُوحِ بِفَأْسِهِ
وَمِنْ كَلَامِ دِعْبِلٍ فِي الشَّيْبِ: