الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
د. في الصلاة، عن أبي سلمة، عن هشيم، عن العوام -وهو: ابن حوشب-، عن عبد الملك الأعور -صاحب إبراهيم-، عن إبراهيم به. في رواية أبي سعيد ابن الأعرابي".
وهذا الأثر يناسب هذا الباب، وهو مقام الإمام من الصف، ومبتدأ الصف من أين هو؟.
• وهذا الأثر رواه أيضًا: يحيى بن معين، وأبو بكر بن أبي شيبة:
عن هشيم، قال: أنبأنا العوام، عن عبد الملك بن إياس الشيباني، عن إبراهيم، قال: مبنى الصف قصد الإمام.
أخرجه ابن أبي شيبة (2/ 269/ 8862)، وعباس الدوري في تاريخ ابن معين (3/ 415/ 2030)، وعنه: ابن الأعرابي في المعجم (2/ 853/ 1762).
ولفظه عند ابن أبي شيبة: مبتدأ الصف قصد الإمام، فإن لم يكن مع الإمام إلا واحد، أقامه خلفه ما بينه وبين أن يركع، فإن جاء أحد يصلي به، وإن لم يأت أحد حتى يركع لحق الإمام فقام عن يمينه، وإن جاء والصف تام فَلْيَقُم قصدَ الإمام، فإن جاء أحد يصلي به، وإن لم يجئ أحد فليدخل في الصف، ثم كذاك وكذاك.
وهو أثر صحيح الإسناد إلى إبراهيم بن يزيد النخعي، وعبد الملك بن إياس الشيباني: ثقة، من أثبت وأكبر أصحاب إبراهيم.
• وجاء نحوه عن الحسن البصري:
فقد أخرج ابن أبي شيبة (2/ 269/ 8863)، قال: حدثنا هشيم، قال: ثنا يونس، عن الحسن، قال: إذا جاء وقد تمَّ الصف فَلْيَقُم بحذاء الإمام.
وإسناده صحيح إلى الحسن البصري.
***
100 - باب الرجل يصلي وحده خلف الصف
682 -
. . . شعبة، عن عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحدَه، فأمره أن يعيدَ [الصلاةَ].
• حديث صحيح.
أخرجه الترمذي (231)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه على الترمذي "مختصر الأحكام"(2/ 64/ 214)، وابن حبان (5/ 576/ 2199)، وأحمد (4/ 228)، والطيالسي (2/ 525/ 1297)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2/ 289/ 1050)، والبزار (2/ 38 - نصب الراية)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (111)، والطحاوي
(1/ 393)، وابن قانع في المعجم (3/ 184)، والطبراني في الكبير (22/ 140/ 371)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (5/ 2725/ 6505)، وابن حزم في المحلى (4/ 52)، والبيهقي في السنن (3/ 104)، وفي المعرفة (2/ 382/ 1508)، والخطيب في المبهمات (321)، والبغوي في شرح السنة (3/ 378/ 824)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (62/ 331)، وابن الجوزي في التحقيق (1/ 484/ 747).
رواه عن شعبة: يحيى بن سعيد القطان، ومحمد بن جعفر غندر، وأبو الوليد الطيالسي هشام بن عبد الملك، وأبو داود الطيالسي، ووكيع بن الجراح، وسليمان بن حرب، وحفص بن عمر الدوري، ويزيد بن هارون، وعلي بن الجعد، وحجاج بن محمد المصيصي، وأبو النضر هاشم بن القاسم، وأسد بن موسى، وحجاج بن منهال.
وفي رواية الطيالسي، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني عمرو بن مرة، قال: سمعت هلال بن يساف، قال: سمعت عمرو بن راشد، عن وابصة بن معبد.
• تابع شعبة عليه:
1 -
زيد بن أبي أنيسة [ثقة]، فرواه عن عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف الأشجعي، عن عمرو بن راشد، عن وابصة بن معبد بن الحارث الأسدي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يصلي وحده خلف الصفوف، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الصلاة.
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (8/ 187 - 188)، وسقط من إسناده عمرو بن راشد. وابن حبان (5/ 575/ 2198)، والطبراني في الكبير (22/ 140/ 372)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (62/ 331 - 332).
2 -
أبو خالد الدالاني [لا بأس به]، فرواه عن عمرو بن مرة به نحو رواية زيد.
أخرجه الطبراني في الكبير (22/ 141/ 373).
قال البغوي: "هذا حديث حسن".
وقال البزار: "أما حديث عمرو بن راشد: فإن عمرو بن راشد رجل لا يعلم حدث إلا بهذا الحديث، وليس معروفًا بالعدالة؛ فلا يحتج بحديثه".
قلت: عمرو بن راشد: قال أحمد: "هو رجل معروف، أو مشهور"، وذكره ابن حبان في الثقات، وصحح له هذا الحديث، وروى عنه اثنان من ثقات التابعين: هلال بن يساف، ونسير بن ذعلوق [مسائل عبد الله لأبيه (1047)، العلل ومعرفة الرجال (2/ 8/ 1369)، التاريخ الكبير (6/ 330)، الجرح والتعديل (6/ 232)، الثقات (5/ 175)، الفتح لابن رجب (5/ 24)، إكمال مغلطاي (10/ 167)، الكاشف (2/ 76)، وقال: "ثقة". التهذيب (3/ 269)].
وقد وثق ابن حزم عمرو بن راشد، ونقل عن الإمام أحمد توثيقه، وإني لفي شك منه، فقد قال في المحلى (4/ 54):"وعمرو بن راشد: ثقة، وثقه أحمد بن حنبل وغيره"، فلعله رأى قول أحمد فيه:"رجل معروف"، أو:"مشهور"، مع تثبيت حديثه والاحتجاج به، رأى
ذلك توثيقًا من الإمام أحمد، وأما قوله:"وغيره" فلعله عنى به ابن حبان، والله أعلم.
وعلى فرض صحة هذا النقل: فالإسناد رجاله ثقات، إلا أني لا أعلم لعمرو بن راشد سماعًا من وابصة، والله أعلم.
ولم ينفرد به عمرو بن راشد، بل تابعه عليه: زياد بن أبي الجعد، وهلال بن يساف، وسمعاه من وابصة.
[وانظر فيمن وهم فيه على عمرو بن مرة، وخالف شعبة وابن أبي أنيسة والدالاني: تاريخ دمشق (62/ 333)].
• وقد اختلف في هذا الحديث على هلال بن يساف:
1 -
فرواه عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة به هكذا، وتقدم.
2 -
ورواه حصين بن عبد الرحمن، عن هلال بن يساف، قال: كنت أنا وزياد بن أبي الجعد بالرَّقة، فأخذ بيدي زياد بن أبي الجعد، فأقامني على رجل بالرقة [من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، يقال له: وابصة بن معبد]، فقال: زعم هذا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد.
أخرجه الترمذي (230)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه على الترمذي "مختصر الأحكام"(2/ 62/ 213)، وابن ماجه (1004)، والدارمي (1/ 333/ 1285)، وابن حبان (5/ 577/ 2200)، وأحمد (4/ 228)، والشافعي في اختلاف الحديث (10/ 171 - 172/ 189 - الأم)، وفي المسند (176)، والحميدي (2/ 135/ 908)، وابن أبي شيبة في المصنف (2/ 11/ 5887) و (7/ 280/ 36080)، وفي المسند (751)، والحسن بن علي بن عفان في الأمالي والقراءة (35)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2/ 289/ 1051)، والبزار (2/ 38 - نصب الراية)، والطحاوي (1/ 393) [وانظر: إتحاف المهرة (13/ 640/ 17240)]، وابن قانع في المعجم (3/ 184 - 185)، والطبراني في الكبير (22/ 141 - 142/ 376 - 381)، وابن حزم في المحلى (4/ 53)، والبيهقي في السنن (3/ 104)، وفي المعرفة (2/ 382/ 1507)، والخطيب في التاريخ (4/ 123)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (62/ 332 و 333)، وانظر: أطراف الغرائب والأفراد (2/ 159/ 4482)، الثاني من الأفراد (40).
• تنبيهات: اثنان في الإسناد، والثالث في المتن:
أما الأول: فقد روى هذا الحديث عن حصين أثبت أصحابه، ممن روى عنه قبل التغير، وغيرهم، مثل: سفيان الثوري، وشعبة، وسفيان بن عيينة، وعبد اللَّه بن إدريس، وأبي زبيد عبثر بن القاسم، وأبي الأحوص سلام بن سليم، وهشيم بن بشير، وزائدة بن قدامة، وخالد بن عبد الله الواسطي، وأبي عوانة، وزهير بن معاوية، وجرير بن عبد الحميد، والحسن بن الصباح، والحسن بن صالح، وأبي حفص الأبار عمر بن عبد الرحمن بن قيس.
وهم خمسة عشر رجلًا من الثقات، رووه عن حصين به هكذا.
وخالفهم: شريك بن عبد الله النخعي، فرواه عن حصين، عن هلال، عن وابصة به.
فلم يذكر زياد بن أبي الجعد في الإسناد، وهو وهم ظاهر، من سوء حفظ شريك.
أخرجه الطبراني في الكبير (22/ 143/ 382).
وأما التنبيه الثاني:
فإن زياد بن أبي الجعد أخذ هلال بن يساف إلى وابصة بن معبد، فقال زياد لهلال: إن هذا الشيخ حدثني بهذا الحديث، ووابصة يسمع، فأقره على ذلك، فاتصل الإسناد بين هلال ووابصة، بعدما سمعه بواسطة عمرو بن راشد وزياد بن أبي الجعد، والله أعلم.
قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على جامع الترمذي (1/ 449): "فهو كالقراءة على الشيخ، والعرض عليه".
قال الترمذي في الجامع (230): "وفي حديث حصين ما يدل على أن هلالًا قد أدرك وابصة"، بل سماه ابن رجب سماعًا، فقال في الفتح (5/ 23):"ورجح الترمذي صحة ذلك، وأن هلالًا سمعه من وابصة مع زياد بن أبي الجعد".
وأما التنبيه الثالث:
فقد قال عبثر بن القاسم: عن هلال بن يساف، قال: أخذ بيدي زياد بن أبي الجعد، فأقامني على شيخ من بني أسد، يقال له: وابصة بن معبد، فقال: حدثني هذا -والرجل يسمع- أنه: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صلى خلفه رجل، ولم يتصل بالصفوف، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيد الصلاة.
وقال أبو حفص الأبار: أن رجلًا صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم، في صف وحده، ولم يصل بالصفوف، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فأعاد الصلاة.
وقال هشيم: أن رجلًا صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم وحده، لم يتَّصِلْ بأحد،. . ..
وقال زائدة: رأى رجلًا صلى في صفٍ خلف القوم، لم يُصَلِّ بالصفوف،. . . .
فهؤلاء أربعة من ثقات أصحاب حصين، وهم ثقات حفاظ، يُعتمد على حفظهم، قد تتابعوا على هذه الزيادة، مما يدل على كونها محفوظة، لا سيما وفيهم هشيم، وهو أثبت الناس في حصين، قال الإمام أحمد:"هشيم لا يكاد يسقط عليه شيء من حديث حصين، ولا يكاد يدلس عن حصين"، وقال أيضًا:"هشيم أعلم بحديث حصين"، وقال أيضًا:"ليس أحد أصح حديثًا عن حصين من هشيم"، والإمام أحمد من أعلم الناس بحديث هشيم، وقال يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي:"هشيم في حصين: أثبت من سفيان وشعبة"، وقال ابن مهدي:"أعلم الناس بحديث حصين، قديمها وحديثها: هشيم"[العلل ومعرفة الرجال (712)، سؤالات أبي داود لأحمد (443)، الجرح والتعديل (9/ 115)، شرح علل الترمذي (2/ 739)، التهذيب (4/ 280)].
وهذه الزيادة تدل على أن الصف كان فيه متسع، وأن الرجل كان يجد فيه مكانًا؛ إلا
أنه ترك الاتصال بالصفوف، وصلى خلف القوم في صف وحده، وكان الواجب عليه أن يكمل الصف الناقص، ويصاف الناس، بدلًا من أن يقف منفردًا في صف وحده، والله أعلم.
• وقد اختلف الأئمة في حديث عمرو بن مرة، وحديث حصين؛ أيهما أصح؟
أ- فذهب أحمد وأبو حاتم إلى ترجيح رواية عمرو بن مرة:
قال أبو محمد الدارمي: "كان أحمد بن حنبل يثبت حديث عمرو بن مرة".
فإن قيل: قال عبد الله بن أحمد في المسند (4/ 228) بعد حديث حصين: "وكان أبي يقول بهذا الحديث".
فيقال: قاله في آخر مسند وابصة، فيظهر منه أنه أراد عموم حديث وابصة، لا خصوص حديث حصين مرجحًا له على حديث عمرو بن مرة، فيأتلف بذلك النقلان عن الإمام، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم في العلل (1/ 100/ 271): "سألت أبي عن حديث رواه حصين، عن هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة: أن رجلًا صلى خلف الصف وحده، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد. ورواه عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت لأبي: أيهما أشبه؟ قال: عمرو بن مرة أحفظ".
ب- وذهب الدارمي والترمذي إلى ترجيح رواية حصين:
قال الدارمي: "كان أحمد بن حنبل يثبت حديث عمرو بن مرة، وأنا أذهب إلى حديث يزيد بن زياد بن أبي الجعد"، يعني: المتابع لحديث حصين.
وقال الترمذي في الجامع (230): "وحديث وابصة حديث حسن،. . .، وروى حديثَ حصين عن هلال بن يساف غيرُ واحد، مثل رواية أبي الأحوص، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة، وفي حديث حصين ما يدل على أن هلالًا قد أدرك وابصة، فاختلف أهل الحديث في هذا:
فقال بعضهم: حديث عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة بن معبد: أصح.
وقال بعضهم: حديث حصين، عن هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة بن معبد: أصح.
[قال أبو عيسى]: وهذا عندي أصح من حديث عمرو بن مرة؛ لأنه قد روي من غير حديث هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة بن معبد".
وقال نحوه في العلل الكبير (95)، وانظر: مختصر الأحكام للطوسي (2/ 63)، تاريخ دمشق (62/ 334).
ج- وذهب ابن حبان وابن حزم إلى أن كلا الطريقين محفوظ:
قال ابن حبان: "سمع هذا الخبر هلال بن يساف عن عمرو بن راشد عن وابصة بن معبد، وسمعه من زياد بن أبي الجعد عن وابصة، والطريقان جميعًا: محفوظان"[صحيح ابن حبان (5/ 578)].
وقال ابن حزم: "ورواية هلال بن يساف حديث وابصة: مرةً عن زياد بن أبي الجعد، ومرةً عن عمرو بن راشد: قوةٌ للخبر، وعمرو بن راشد: ثقة، وثقة أحمد بن حنبل وغيره"[المحلى (4/ 53 - 54)].
وهذا ما أميل إليه، وهو أن الحديث كان عند هلال بن يساف: عن عمرو بن راشد عن وابصة، وعن زياد بن أبي الجعد عن وابصة، فحدَّث بالأول: عمرو بن مرة، وحدث بالثاني: حصين بن عبد الرحمن السلمي، وكلاهما: حافظ، وهذا أولى من توهيم أحدهما، لا سيما وهلال بن يساف: ثقة، كثير الحديث، يحتمل منه التعدد في الأسانيد، والله أعلم.
ولا شك أن الصواب لا يخرج عن أحد هذه الأقوال الثلاثة، والأخير عندي أقربها إلى الصواب، ومع هذا فقد ذهب إلى تضعيف حديث حصين، مع بقية طرق حديث وابصة: البزار، حيث قال:"وأما حديث حصين؟ فإن حصينًا لم يكن بالحافظ، فلا يحتج بحديثه في حكم".
قلت: وفي هذا القول مجازفة؛ فإن حصين بن عبد الرحمن السلمي، أبا الهذيل: ثقة ثبت حافظ، احتج به الشيخان، قال ابن رجب الحنبلي عنه في شرح العلل (2/ 739):"أحد الثقات الأعيان المحتج بهم في الصحيحين"، وأكثر ما نقم عليه: أنه ساء حفظه في آخر عمره؛ قاله أبو حاتم وغيره، وقد وثقوه، وقد أنكر بعضهم أنه تغير، مثل ابن المديني، وأيًّا كان فإن الذين رووا عنه هذا الحديث هم من ثقات أصحابه الذين رووا عنه قبل التغير، مثل: هشيم، وشعبة، والثوري، وخالد الطحان، وعبثر بن القاسم، وغيرهم.
والخلاصة: فهذا كلام ساقط، لا حجة عليه، ولا دليل.
• ثم إن حصين بن عبد الرحمن لم ينفرد بهذا عن هلال بن يساف؛ بل تابعه أحد كبار الثقات الحفاظ:
3 -
فقد رواه منصور بن المعتمر [ثقة ثبت حافظ، لم يكن يدلس]، عن هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة بن معبد، قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا يصلي خلف الصف وحده، فأمره، فأعاد الصلاة.
أخرجه عبد الرزاق (2/ 59/ 2482)، ومن طريقه: ابن الجارود (319)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 184/ 1995)، والطبراني في الكبير (22/ 141/ 375).
رواه هكذا عن منصور أثبت أصحابه: سفيان الثوري، وتابعه: معمر بن راشد.
خالفهما: إسرائيل [ثقة، ثبت في جده أبي إسحاق، قد يهم في حديث غيره]، فرواه عن منصور، عن عبيد بن أبي الجعد، قال: كنت مع هلال بن يساف بالرقة، فأراني رجلًا
يقال له: وابصة بن معبد، أو: معبد بن وابصة، فقال: حدثني هذا. . . فذكره.
أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (62/ 334).
وهذه الرواية وهم، وهم فيها راويها حيث جعل: عبيد، بدل: زياد، وقلب القصة، فجعل هلالًا هو الذي سمع الحديث، ثم اضطرب في اسم الصحابي.
وثمة وهم آخر على منصور، يأتي ذكره عند سرد ما لم يصح من طرق حديث وابصة.
4 -
وخالفهم:
شمر بن عطية [ثقة]، وأبو إسحاق الشيباني [ثقة]، وحجاج بن أرطأة [ليس بالقوي، يدلس عن الضعفاء والمتروكين، ولم يصرح بالسماع]:
رواه ثلاثتهم: عن هلال بن يساف، عن وابصة بن معبد، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل صلى خلف الصفوف وحده؟ فقال: "يعيد الصلاة".
وفي رواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد الصلاة.
فلم يذكروا أحدًا بين هلال ووابصة.
أخرجه أحمد (4/ 228)، وابن أبي شيبة في المسند (752)، وابن الأعرابي في المعجم (1/ 33/ 15)، وابن قانع في المعجم (3/ 184)، والطبراني في الكبير (22/ 143 و 144/ 383 و 387)، وتمام في الفوائد (957)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (62/ 333 و 333 - 334).
وهذه الرواية شاذة؛ لمخالفتها رواية ثلاثة من كبار الثقات الحفاظ الأثبات: عمرو بن مرة، وحصين بن عبد الرحمن، ومنصور بن المعتمر، عن هلال بن يساف، وروايتهم هي المحفوظة.
ومع كونها شاذة؛ فإنها لا تثبت:
أما رواية شمر بن عطية: فالراوي عنه: هو الأعمش، ولم يسمع منه، قال أحمد في سؤالات حرب الكرماني:"الأعمش لم يسمع من شمر بن عطية"[المراسيل (296)، جامع التحصيل (258)، إكمال مغلطاي (6/ 295)، تحفة التحصيل (134)].
وأما رواية أبي إسحاق الشيباني: فلا تصح عنه؛ إذ الراوي عنه هو عدي بن الفضل التيمي، أبو حاتم البصري؛ وهو: متروك.
وأما رواية حجاج بن أرطأة: فهو مشهور بالتدليس عن الضعفاء والمتروكين، ولم يصرح بالسماع، وليس هو بالقوي.
وهذا لا ينفي سماع هلال بن يساف من وابصة لهذا الحديث؛ ففي رواية حصين ما يدل على أنه أخذه عنه، بل هي في حكم القراءة والعرض على الشيخ، وهو من أصح أنواع التحمل، قال الترمذي في الجامع (230):"وفي حديث حصين ما يدل على أن هلالًا قد أدرك وابصة"، بل سماه ابن رجب سماعًا، فقال في الفتح (5/ 23): "ورجح
الترمذي صحة ذلك، وأن هلالًا سمعه من وابصة مع زياد بن أبي الجعد".
وسيأتي عند أبي داود في الحديث رقم (948) ما يدل على سماع هلال من وابصة، وتقدم الكلام عليه تحت الحديث السابق برقم (670)، وهو حجة على قول البزار:"وهلال لم يسمع من وابصة".
• وهلال بن يساف لم ينفرد بهذا الحديث عن زياد بن أبي الجعد:
فقد رواه جماعة: عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن عمه عبيد بن أبي الجعد، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة بن معبد: أن رجلًا صلى خلف الصفوف وحده، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد.
أخرجه الدارمي (1/ 333/ 1286)، وابن حبان (5/ 579/ 2201)، وأحمد (4/ 228)، والبزار (2/ 38 - نصب الراية)، وابن المنذر (4/ 184/ 1996)، والطبراني في الكبير (22/ 141 و 143/ 374 و 384)، والدارقطني (1/ 362 و 363)، والبيهقي (3/ 105).
قال البزار: "وأما حديث يزيد بن زياد: فلا نعلم أحدًا من أهل العلم إلا وهو يضعِّف أخباره، فلا يحتج بحديثه".
وهذا أيضًا فيه من المجازفة ما فيه؛ فإني لم أر أحدًا ضعفه، ولم يتفق أهل العلم على رد حديثه هذا، بل أكثرهم على قبوله، وقد اتفقوا على تعديله؛ فوثقه: أحمد وابن معين والعجلي، وقواه أبو حاتم والنسائي وأبو زرعة، وذكره ابن حبان في الثقات، وصحح له ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، واحتج به النسائي [انظر: التهذيب (4/ 412)]، والذهبي لم يذكره في الميزان (4/ 423) إلا تمييزًا له عمن تُكُلِّم فيه، وحتى يبين بأنه لا تُعلم فيه جرحة، فهو صدوق؛ إن لم يكن ثقة.
وعمه: عبيد بن أبي الجعد: يروي عن جماعة من الصحابة، وروى عنه جماعة من الثقات، وكان قليل الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، وصحح له في صحيحه، وقال البخاري:"سمع زياد بن أبي الجعد"، وقال ابن حجر:"صدوق"[التاريخ الكبير (5/ 445)، الثقات (5/ 138)، الطبقات الكبرى (6/ 291)، طبقات مسلم (1541)، التقريب (411)].
وزياد بن أبي الجعد: تابعي روى عنه تابعيان، وذكره ابن حبان في الثقات، وصحح له هذا الحديث، وقد سمع وابصة بن معبد، ولم ينفرد عنه بهذا الحديث، فقد تابعه عليه: هلال بن يساف، وعمرو بن راشد.
• وقد وجدت له طريقًا أخرى من غير طريق يزيد بن زياد:
فقد روى الطبراني في الكبير (22/ 143/ 385 و 386) بإسنادين يشد أحدهما الآخر، إلى عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن عبيد بن أبي الجعد، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد الصلاة.
وإسناده إلى عبيد صحيح، وعبد الواحد بن زياد: ثقة، من أصحاب الأعمش.
• ولحديث وابصة طرق أخرى، لا نبسط القول فيها؛ إذ لا يصح منها شيء، والعمدة على ما تقدم، فمنها:
1 -
ما رواه أشعث بن سوار، عن بكير بن الأخنس، عن حنش بن المعتمر، عن وابصة بن معبد: أن رجلًا صلى خلف الصف وحده، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الصلاة. [رواه عن أشعث بهذا الوجه: يزيد بن هارون، وعمر بن علي المقدمي].
ورواه أشعث مرة ثانية: عن بكير بن الأخنس، عن وابصة [رواه عنه بهذا الوجه: أبو خالد الأحمر سليمان بن حيان].
ورواه ثالثة: عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن وابصة [رواه عنه بهذا الوجه: أبو خالد الأحمر سليمان بن حيان، والمحاربي عبد الرحمن بن محمد بن زياد].
ورواه رابعة: عن بكير بن سوار، عن بكير بن الأخنس، عن حنش بن المعتمر، عن وابصة [رواه عنه بهذا الوجه: حفص بن غياث].
أخرجه من هذه الوجوه: الطبراني في الكبير (22/ 145 و 146/ 391 و 395 - 398)، والخطيب في المبهمات (322).
قلت: أشعث بن سوار: ضعيف الحديث، وقد اضطرب في إسناد هذا الحديث اضطرابًا شديدًا.
قال أبو حاتم في العلل (1/ 104/ 281): "أما عمر: فمحله الصدق، وأشعث هو أشعث"، قال ابن أبي حاتم:"يعني: أنه ضعيف الحديث، وهو أشعث بن سوار".
وقال أبو حاتم في موضع آخر من العلل (1/ 166/ 474): "أما عمر: فمحله الصدق، ولولا تدليسه لحكمنا، إذ جاء بالزيادة، غير أنا نخاف أن يكون أخذه عن غير ثقة، وأشعث هو أشعث".
2 -
محمد بن سالم، عن سالم بن أبي الجعد، عن وابصة بن معبد قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم صفًّا وحدي، فلما انصرف قال:"أعد الصلاة".
أخرجه الطبراني في الكبير (22/ 144 و 145/ 390 و 391).
وهذا حديث منكر؛ محمد بن سالم الهمداني أبو سهل الكوفي: متروك، منكر الحديث [التهذيب (3/ 568)].
3 -
عباد بن منصور، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن ليث بن أبي سليم، عن سالم بن أبي الجعد، عن وابصة بن معبد، قال: صليت خلف الصفوف وحدي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انصرف قال:"هكذا صليت؟ " قلت: نعم، قال:"فأعد صلاتك".
أخرجه ابن عدي في الكامل (1/ 223).
قلت: وهذا باطل؛ إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي: متروك، كذبه جماعة، وليث بن أبي سليم: ضعيف؛ لاختلاطه وعدم تميز حديثه، وعباد: متكلم فيه.
4 -
سهل بن عامر البجلي: ثنا عبد الله بن نمير، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن وابصة به.
أخرجه الطبراني في الكبير (22/ 145/ 392)، والدارقطني في الأفراد (2/ 159/ 4484 - أطرافه)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (62/ 330).
قال الدارقطني: "غريب من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عنه، تفرد به: سهل بن عامر البجلي عن عبد الله بن نمير عن إسماعيل".
وقال ابن عساكر: "هذا حديث غريب".
وهو كما قالا؛ فإن المتفرد به عن ابن نمير عن إسماعيل: سهل بن عامر البجلي: منكر الحديث، كذبه أبو حاتم [اللسان (4/ 201)].
5 -
روى إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي في "أمالي أبي إسحاق"(48)، قال: حدثنا محمد بن الحجاج الضبي: أخبرني أبي، الحجاج بن جعفر: حدثني مندل، عن أبي إسحاق الشيباني، عن بكير بن الأخنس، عن وابصة بن معبد، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا صلى خلف القوم وحده: أن يعيد الصلاة.
ومن طريق الهاشمي: أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (62/ 330).
قال ابن عساكر: "وهذا غريب أيضًا".
وهو كما قال؛ مندل بن علي: ضعيف، والحجاج بن جعفر بن إياس بن نُذَير الضبي: لم أعثر له على ترجمة، وابنه محمد: قال فيه ابن عقدة: "في أمره نظر"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال:"يغرب"[الثقات (9/ 126)، المؤتلف للدارقطني (4/ 2259)، تاريخ بغداد (2/ 284)، الأنساب (4/ 11)، اللسان (7/ 56)].
• وقد اشتملت بعض طرق حديث وابصة على زيادة منكرة؛ احتج بها بعضهم على أن من حضر فلم يجد مكانًا في الصف جذب واحدًا من الصف ليصلي إلى جواره؛ وحجته في ذلك ساقطة:
6 -
فقد روى عقيل بن يحيى، قال: ثنا الطائي؛ شيخ قدم علينا أيام أبي داود: ثنا قيس، عن السدي، عن زيد بن وهب: حدثني وابصة بن معبد: أن رجلًا صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم وحده، فلما قضى صلاته قال:"ألا دخلت في الصف، أو جذبت اليك رجلًا؟ أعد الصلاة".
أخرجه أبو الشيخ ابن حيان في طبقات المحدثين (2/ 292)، وعنه: أبو نعيم في تاريخ أصبهان (1/ 415) و (2/ 344).
قال أبو نعيم: "ذكر بعض المتأخرين فيما رواه أن الطائي هذا هو يحيى بن عبدويه البغدادي، وذلك أنه زعم أنه تفرد بهذا الحديث عن قيس".
ويبدو أن الذي أبهمه هنا هو شيخه أبو محمد ابن حيان؛ فقد قال في الموضع الثاني: "قال أبو محمد: هذا الشيخ أراه يحيى بن عبدويه البغدادي؛ لأن هذا الحديث معروف به".
ثم وجدت ابن الأعرابي أخرجه في معجمه (2/ 508 و 638/ 986 و 1268)، قال: نا جعفر بن محمد بن كزال: نا يحيى بن عبدويه: حدثنا قيس، عن السدي، عن زيد بن وهب، عن وابصة بن معبد: أن رجلًا صلى خلف الصف وحده، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرى من خلفه كما يرى من بين يديه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"ألا دخلت في الصف، أو جذبت رجلًا صلى معك؛ أعد الصلاة".
وهذا مما يزيل الشك في كون الطائي هو يحيى بن عبدويه نفسه، كما جزم بذلك أبو الشيخ، إلا أن شيخ ابن الأعرابي: جعفر بن محمد بن كزال: مختلف فيه، فقد وثقه مسلمة بن قاسم، وقال الدارقطني: ليس بالقوي" [سؤالات الحاكم (71)، تاريخ بغداد (7/ 189)، اللسان (2/ 158)].
ويحيى بن عبدويه: أثنى عليه أحمد، وأمر ابنه عبد الله بالسماع منه، ولعله خفي عليه أمره، فقد كذبه يحيى بن معين، قال:"كذاب، رجل سوء"، وقال مرة:"ليس بشيء"، وقال أبو حاتم:"هو مجهول"، وقال ابن عدي:"ليس بالمعروف"، وفي موضع آخر:"حدث عن شعبة وحماد بن سلمة بأحاديث ليست بمحفوظة"، ثم قال:"وأرجو أنه لا بأس به"[انظر: الجرح والتعديل (9/ 173)، الكامل (5/ 213) و (7/ 210)، تاريخ بغداد (14/ 165)، السير (10/ 424)، اللسان (8/ 462)].
قلت: فمثله لا يحتمل تفرده عن قيس بن الربيع، وقيس: صدوق، تغير حفظه لما كبر، والعهدة فيه على ابن عبدويه.
فهو حديث منكر، والله أعلم.
7 -
وروى السري بن إسماعيل، عن الشعبي، عن وابصة بن معبد، قال: انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجل يصلي خلف القوم وحده، فقال:"أيها المصلي وحده! ألا تكون وصلت صفًّا فدخلت معهم، أو اجتررت رجلًا إليك أن ضاق بك المكان! أعد صلاتك؛ فإنه لا صلاة لك".
وفي رواية: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا يصلي خلف الصف وحده، فقال له:"أعد" وقال: "ما على أحدكم إذا جاء أن يجر معه رجلًا فيقيمه معه".
وفي رواية: "أيها المصلي وحده! هلا كنت وصلت الصف، أم أخذت بيد رجل من القوم فصف معك! فإنه لا صلاة لك وحدك، فأعد صلاتك".
أخرجه أبو يعلى في المسند (3/ 162/ 1588)، وفي المفاريد (99)، وابن الأعرابي في المعجم (1/ 408/ 790) و (2/ 508/ 985)، والطبراني في الكبير (22/ 145/ 393 و 394)، وفي الأوسط (8/ 207 - 208/ 8416)، والبيهقي (3/ 105).
قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث بهذا التمام عن الشعبي إلا السري بن إسماعيل، تفرد به: عباد".
قلت: عباد بن صهيب: متروك [اللسان (4/ 390)]، لكنه توبع عليه، تابعه عليه
جماعة من الثقات ومن المتروكين أيضًا، وإنما الآفة فيه من السري بن إسماعيل؛ فإنه متروك، أحاديثه عن الشعبي: منكرة [التهذيب (1/ 687)].
وقال البيهقي: "تفرد به السري بن إسماعيل، وهو ضعيف".
قلت: هو حديث منكر.
8 -
إبراهيم بن عبد الله بن أيوب المخرمي: نا صالح بن مالك: نا عيسى بن يونس: نا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن وابصة بن معبد، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده، فقال له:"ألا أخذت بيد رجل فأقمته إلى جنبك، أو دخلت في الصف، قم فأعد صلاتك".
أخرجه أبو الفضل الزهري في حديثه (129)، ومن طريقه: ابن عساكر في تاريخ دمشق (62/ 331).
قال ابن عساكر: "وهذا غريب، والمحفوظ حديث هلال بن يساف في سنده".
قلت: إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن أيوب المخرمي أبو إسحاق: قال أبو علي الحافظ: "لا ينكر عليه"، وقال الإسماعيلي:"ما هو عندي إلا صدوق"، وخفي عليهما ما وقف عليه الدارقطني من أمره حتى قال فيه:"ليس بثقة، حدث عن قوم ثقات بأحاديث باطلة"[سؤالات السهمي (183)، تاريخ بغداد (6/ 124)، الأنساب (5/ 224)، اللسان (1/ 304)].
وهذا هو علة الحديث عندي، حيث قلب إسناده، وقال: سالم بن أبي الجعد، بدل: زياد بن أبي الجعد، وأما صالح بن مالك الخوارزمي: فقد سكن بغداد، وحدث عن عيسى بن يونس وغيره، روى عنه أبو زرعة، وقال ابن حبان في الثقات:"مستقيم الحديث"، وقال الخطيب:"كان صدوقًا"[الجرح والتعديل (4/ 416)، الثقات (8/ 318)، تاريخ بغداد (9/ 316)].
وهذا الحديث قد رواه عبد الواحد بن زياد عن الأعمش؛ فلم يذكر فيه هذه الزيادة في المتن، إلا أنه قد اختلف على عبد الواحد في إسناده:
أ- فروى الطبراني في الكبير (22/ 143/ 385 و 386) بإسنادين يشد أحدهما الآخر، إلى عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن عبيد بن أبي الجعد، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد الصلاة.
ب- ثم رواه الطبراني (22/ 144/ 388)، بأحد الإسنادين السابقين مع مخالفة في السند، قال الطبراني: حدثنا حفص بن عمر الرقي: ثنا معلَّى بن أسد العمي: ثنا عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن عبيد بن أبي الجعد، عن سالم بن أبي الجعد، عن وابصة به.
وهذا ما أظنه إلا وهمًا من شيخ الطبراني، حيث حدثه بالحديث مرتين فأصاب مرة، وقلب إسناده مرة أخرى، والله أعلم، حيث جعل سالم بن أبي الجعد مكان زياد بن أبي
الجعد، وحفص بن عمر بن الصباح الرقي، المعروف بسنجة ألف، قال عنه أبو أحمد الحاكم:"حدث بغير حديث لم يتابع عليه"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال:"ربما أخطأ"، وقال الخليلي:"وكان يحفظ، وينفرد برفع حديث"، وقال الذهبي:"وهو صدوق في نفسه، وليس بمتقن"[الثقات (8/ 201)، الإرشاد (2/ 473)، تاريخ الإسلام (20/ 339)، السير (13/ 405)، اللسان (3/ 236)].
وعلى هذا فالمحفوظ عن الأعمش هو الإسناد الأول: عن عبيد بن أبي الجعد، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة، فإن هذا الحديث لا يُعرف من حديث سالم بن أبي الجعد من وجه يصح، والله أعلم.
ومما يؤكد كون هذا هو المحفوظ عن عبد الواحد بن زياد، أن أبا نعيم لما ذكر أسانيد حديث وابصة في معرفة الصحابة (5/ 2725/ 6505)، لم يذكر لعبد الواحد سوى هذا الإسناد، فقال:"ورواه عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن عبيد بن أبي الجعد، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة".
والخلاصة: أن هذه الزيادة في حديث وابصة لا تثبت بحال؛ بل هي زيادة منكرة.
• وخلاصة القول في حديث وابصة بن معبد:
أنه حديث صحيح، بطريقيه عن هلال بن يساف.
وقد ذهب بعض العلماء إلى تضعيف حديث وابصة هذا، مثل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وتبعه على ذلك جماعة:
قال الإمام الشافعي: "وقد سمعت من أهل العلم بالحديث من يذكر أن بعض المحدثين من يدخل بين هلال بن يساف ووابصة فيه رجلًا، ومنهم من يرويه عن هلال عن وابصة سمعه منه، وسمعت بعض أهل العلم منهم كأنه يوهنه بما وصفت"[اختلاف الحديث (172)].
ونقله عنه البيهقي في المعرفة (2/ 382)، ثم قال:"ولم يخرجه البخاري ولا مسلم في الصحيح؛ لما حكاه الشافعي من الاختلاف في إسناد حديث وابصة، ولما في إسناد حديث علي بن شيبان من أن رجاله غير مشهورين"[وانظر: نصب الراية (2/ 38)].
وقال ابن عبد البر في التمهيد (1/ 269): "وحديث وابصة: مضطرب الإسناد، لا يثبته جماعة من أهل الحديث".
وقال في الاستذكار (2/ 271): "مضطرب الإسناد، لا يقوم به حجة، وقد اتفق فقهاء الحجاز والعراق على ترك القول به، منهم: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهم، ومن سلك سبيلهم، كلهم يرى أن صلاة الرجل خلف الصف جائزة".
وتقدم نقل كلام البزار في تضعيفه لحديث وابصة، وتقدم الرد عليه في موضعه [وانظر: عمدة القاري (5/ 262) و (6/ 55 و 216)].
قلت: وأما كلام الشافعي ومن تبعه في إعلال الحديث بالاضطراب: فليس بصحيح،
وتقدم بيان ذلك، وأن الصحيح: أن هلال بن يساف سمعه من عمرو بن راشد، وسمعه أيضًا من زياد بن أبي الجعد، ثم أخذه زياد إلى شيخه فأوقفه عليه، وعرض عليه الحديث فأقره، وهلال يسمع، فاتصل الإسناد بين هلال ووابصة.
ورواه أيضًا: الأعمش، ويزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن عبيد بن أبي الجعد، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة.
• وقد تقدم أن حديث وابصة: صححه ابن حبان، وابن حزم، وحسنه أحمد، والترمذي، والبغوي.
واحتج به: أحمد، وإسحاق، وابن معين، والدارمي، وأبو داود، وابن المنذر، وابن خزيمة.
قال أحمد: "حديث وابصة حسن"[المغني (2/ 22)].
وقد احتج به أحمد بن حنبل، وثبَّته:
ففي مسائل صالح بن أحمد بن حنبل (434): "وسألته عن الرجل يصلي خلف الصف وحده؟ قال: يعيد الصلاة"[وكذا قال في مسائل ابن هانئ (433)].
وفي مسائل ابنه عبد الله (403)، قال:"أذهب فيه إلى حديث وابصة بن معبد".
وقال في موضع آخر (413): "سألت أبي عن رجل صلى خلف الصف وحده؟ قال: يعيد الصلاة؟ أذهب فيه إلى حديث وابصة بن معبد: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يعيد الصلاة".
وقال أحمد في مسائل أبي داود (250): "وإن صلى خلف الصف وحده أعاد الصلاة"[وانظر أيضًا: (251)].
وقال أيضًا: "لا أعرف لحديث وابصة مخالفًا"[الفتح لابن رجب (5/ 25)].
وقال عبد الله في المسند (4/ 228): "وكان أبي يقول بهذا الحديث".
وقال الدارمي: "كان أحمد بن حنبل يثبت حديث عمرو بن مرة".
وفي مسائل إسحاق بن منصور الكوسج (259): "إذا صلى خلف الصف وحده يعيد؟ قال: يعيد. قال إسحاق: كما قال".
وقال في موضع آخر (349): "قلت لسفيان: رجل صلى خلف الصف وحده؟ قال: ما أرى عليه إعادة. قال الإمام أحمد: خلافًا أبدًا. قال إسحاق: إذا صلى خلف الصف وحده فعليه الإعادة".
وقال ابن نصر المروزي في اختلاف العلماء (42): "قال أحمد وإسحاق: عليه أن يعيد الصلاة، واحتجا بحديث وابصة بن معبد".
وقال ابن المنذر: "وقد ثبَّت هذا الحديث: أحمد، وإسحاق، وهما من معرفة الحديث بالموضع الذي لا يدفعان عنه، وقال أحمد: حديث أبي بكرة يقويه؛ قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تعد".
وقال ابن معين في الرجل يصلي خلف الصف وحده، قال:"يعيد" [تاريخ الدوري
(3/ 476/ 2324)]، قال ابن رجب في الفتح (5/ 24):"وهو دليل على ثبوته عنده".
وقال الدارمي: "وأنا أذهب إلى حديث يزيد بن زياد بن أبي الجعد"، وقال بعده:"أقول بهذا".
وقال الترمذي في الجامع (235): "حديث وابصة حديث حسن".
وقال ابن المنذر: "صلاة الفرد خلف الصف باطل؛ لثبوت خبر وابصة، وخبر علي بن الجعد بن شيبان".
وقال البغوي: "حديث حسن".
وقال ابن القيم في حاشية السنن (2/ 266): "فالحديث محفوظ".
• ومن شواهده:
1 -
حديث علي بن شيبان:
يرويه ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر، قال: حدثني عبد الرحمن بن علي بن شيبان، عن أبيه علي بن شيبان، وكان من الوفد، قال: خرجنا حتى قدمنا على نبي الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه، وصلينا خلفه، فرأى رجلًا يصلي خلف الصفوف، قال: فوقف عليه نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى انصرف، فقال:"استقبل صلاتك؛ فلا صلاة للذي خلف الصف".
وفي لفظ له: قال ملازم بن عمرو: حدثنا عبد الله بن بدر: أن عبد الرحمن بن علي حدثه: أن أباه علي بن شيبان حدثه: أنه خرج وافدًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فصلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فلمح بمؤخَّر عينه إلى رجل لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يا معشر المسلمين! إنه لا صلاة لمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود"، قال: ورأى رجلًا يصلي خلف الصف، فوقف حتى انصرف الرجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"استقبل صلاتك؛ لا صلاة لرجل فرد خلف الصف".
أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (6/ 259)، وابن ماجه (1003)، وابن خزيمة (3/ 30/ 1569)، وابن حبان (5/ 579 و 580/ 2202 و 2203)، وأحمد (4/ 23) و (5/ 456 - ساقط من الميمنية)، وابن سعد في الطبقات (5/ 551)، وابن أبي شيبة (2/ 11/ 5888) و (7/ 280/ 36081)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (1/ 116)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (1/ 362/ 1277 - السفر الثاني)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (3/ 297 - 298/ 1678)، والبزار (2/ 39 - نصب الراية)، والطحاوي (1/ 394)، وابن قانع في المعجم (1/ 340)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (4/ 1971/ 4951)، ابن حزم في المحلى (4/ 53)، والبيهقي (3/ 105)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (52/ 247)، وابن الجوزي في التحقيق (1/ 485/ 748).
تنبيه: وقع في معجم ابن قانع: عن عبد الرحمن بن علي، عن أبيه، عن شيبان، وجعله من مسند شيبان.
قال ابن حجر في الإصابة (3/ 369): "وهذا الحديث أخرجه أحمد وابن حبان من
هذا الوجه، لكن ليس فيه: عن شيبان، وإنما فيه عن عبد الرحمن بن علي بن شيبان، فصحفت بن، فصارت عن، والله أعلم".
قال البزار: "وعبد الله بن بدر: ليس بالمعروف، إنما حدث عنه ملازم بن عمرو ومحمد بن جابر، فأما ملازم فقد احتمل حديثه، وإن لم يحتج به، وأما محمد بن جابر فقد سكت الناس عن حديثه، وعلي بن شيبان لم يحدث عنه إلا ابنه، وابنه هذه صفته، وإنما يرتفع جهالة المجهول إذا روى عنه ثقتان مشهوران، فأما إذا روى عنه من لا يحتج بحديثه لم يكن ذلك الحديث حجة، ولا ارتفعت جهالته".
وأعل البيهقي في المعرفة حديث علي بن شيبان بأن "رجاله غير مشهورين"[(2/ 382)].
وقال ابن حجر في الفتح (2/ 213): "في صحته نظر".
قلت: هذا إسناد يمامي صحيح؛ رجاله كلهم ثقات:
عبد الرحمن بن علي بن شيبان: ذكره ابن حبان في الثقات، وصحح له هذا الحديث، وقال العجلي:"تابعي، ثقة"، ووثقه أيضًا: أبو العرب التميمي، وابن حزم، وصحح له ابن خزيمة هذا الحديث وغيره [صحيح ابن خزيمة (593 و 1569)، [التهذيب (2/ 535)]، فهو: ثقة.
وعبد الله بن بدر: يمامي، ثقة، وهو جد ملازم بن عمرو، قال ابن معين، وأبو زرعة، والعجلي وابن حزم:"ثقة"، وقال أحمد:"ليس به بأس"، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وصحح له هذا الحديث وغيره، وصحح له أيضًا: ابن خزيمة والحاكم، واحتج به النسائي، وروى عنه: جماعة من الثقات المشاهير [التهذيب (2/ 306)، سؤالات أبي داود (552)].
وملازم بن عمرو: يمامي، ثقة، قال أحمد وابن معين وأبو زرعة والنسائي والعجلي والدارقطني وابن حزم:"ثقة"، وقال أبو حاتم:"صدوق، لا بأس به"، وقال أبو داود:"ليس به بأس"، وذكره ابن حبان في الثقات، وصحح له ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، واحتج به النسائي، فكيف يقال بعد ذلك: لا يحتج بحديثه؟!
وحديث علي بن شيبان هذا: صححه ابن خزيمة، وابن حبان.
وسال الأثرمُ الإمامَ أحمد عن هذا الحديث، فقال الأثرم:"قلت لأبي عبد الله: حديث ملازم بن عمرو -يعني: هذا الحديث- في هذا أيضًا حسن؟ قال: نعم"[المغني (2/ 22)، الفتح لابن رجب (5/ 25)، التلخيص (2/ 79)].
وقال ابن المنذر: "صلاة الفرد خلف الصف: باطل؛ لثبوت خبر وابصة، وخبر علي بن الجعد بن شيبان".
وقال الدارقطني عن هذا الإسناد بأنه قد حمله الناس، ويخرَّج [سؤالات البرقاني (570)].
وقال ابن حزم: "ملازم: ثقة، وثَّقه ابن أبي شيبة وابن نمير وغيرهما، وعبد الله بن بدر: ثقة مشهور، وما نعلم أحدًا عاب عبد الرحمن بأكثر من أنه لم يرو عنه إلا عبد الله بن بدر، وهذا ليس جُرْحةً"[المحلى (4/ 53)].
قلت: قد روى عنه ثلاثة، وهو: ثقة، قال ابن رجب في الفتح (5/ 25):"مشهور، وروى عنه جماعة من أهل اليمامة، وذكره ابن حبان في الثقات".
وحسن النووي إسناده في الخلاصة (2/ 718/ 2517)، وفي المجموع (4/ 256).
وصحح إسناده ابن القيم في إعلام الموقعين (2/ 358).
وقال الذهبي في التنقيح (1/ 263): "سنده قوي".
2 -
حديث ابن عباس:
• يرويه النضر بن عبد الرحمن أبو عمر الخزاز، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلًا صلى خلف الصفوف وحده، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الصلاة.
أخرجه البزار (1/ 250/ 516 - كشف الأستار)، والعقيلي (4/ 291)، والسهمي في تاريخ جرجان (263)، والطبراني في الكببر (11/ 255/ 11658)، وفي الأوسط (5/ 115/ 4838)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (43/ 141 - 142).
قال البزار: "لا نعلمه يُروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد".
وقال الطبراني: "لا يُروى هذا الحديث عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد، تفرد به: أبو يحيى الحماني".
وسأل ابنُ هانئ الإمامَ أحمد عن هذا الحديث، فقال:"هذا منكر"، أو قال:"باطل"، ثم قال:"النضر أبو عمر: منكر الحديث، وقد حدث عنه الحماني أحاديث مناكير سوى هذا الحديث"[مسائل ابن هانئ (2/ 233/ 2286)].
وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (8/ 475): "سألت أبي عن النضر أبى عمر الخزاز؟ فقال: منكر الحديث، ضعيف الحديث، روى عن عكرمة عن ابن عباس: أن رجلًا صلى خلف الصف وحده، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد، حدث بمثل هذا".
وقال العقيلي: "وهذا يروى عن وابصة بن معبد عن النبي صلى الله عليه وسلم بأسانيد أجود من هذا الإسناد".
فهو حديث منكر؛ تفرد به النضر بن عبد الرحمن أبو عمر الخزاز، وهو: متروك، منكر الحديث [التهذيب (4/ 225)].
• وله إسناد آخر، يرويه حماد بن داود الكوفي، قال: حفظته عن علي بن صالح، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس:. . . فذكره.
أخرجه ابن عدي في الكامل (2/ 251).
قال ابن عدي: "وهذا بهذا الإسناد معضل، لا يرويه غير حماد بن داود هذا، وليس بالمعروف".
• وله حديث آخر:
يرويه بشر بن إبراهيم [المعروف بالمفلوج، وهو ممن يضع الحديث. اللسان (2/ 287)]: حدثني الحجاج بن حسان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا انتهى أحدكم إلى الصف وقد تم؛ فليجذب إليه رجلًا يقيمه إلى جنبه".
أخرجه الطبراني في الأوسط (7/ 374/ 7764).
قال الطبراني: "لا يروى هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بهذا الإسناد، تفرد به: بشر بن إبراهيم".
وهذا حديث باطل، موضوع بهذا الإسناد؛ إنما يرويه يزيد بن هارون [ثقة متقن]، عن الحجاج بن حسان [لا بأس به]، عن مقاتل بن حيان [ثقة، يروي عن التابعين] رفعه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن جاء رجل فلم يجد أحدًا، فليختلج إلبه رجلًا من الصف، فليقم معه، فما أعظم أجر المختلج".
أخرجه أبو داود في المراسيل (83)، ومن طريقه: البيهقي (3/ 105).
وهذا معضل، سقط من إسناده على أقل الأحوال: صحابي وتابعي.
3 -
حديث أبي هريرة:
يرويه عبد الله بن محمد بن القاسم العبادي البصري، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أنا محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا يصلي خلف الصفوف وحده، فقال:"أعد الصلاة".
أخرجه ابن حبان في المجروحين (2/ 44 - 45)، والطبراني في الأوسط (5/ 283/ 5323).
قال ابن حبان: "عبد الله بن محمد بن القاسم، مولى جعفر بن سليمان الهاشمي: يروي عن يزيد بن هارون المقلويات، وعن غيره من الثقات الملزقات، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد"، ثم ساق له هذا الحديث.
وقال الطبراني: "لا يروى هذا الحديث عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، تفرد به: عبد الله بن محمد العبادي".
قلت: هو حديث باطل؛ لتفرد العبادي هذا به.
• ومن فقه حديث الباب:
هذه المسألة قد اختلف فيها أهل العلم:
1 -
فقال بصحة الصلاة فذًا خلف الصف:
الحسن البصري، ومالك، والأوزاعي، والثوري، وابن المبارك، والليث بن سعد، والشافعي، وأبو حنيفة [المدونة (1/ 106)، الأصل (1/ 197)، مصنف ابن أبي شيبة (2/ 12)، تاريخ ابن معين للدوري (3/ 360/ 1747)، العلل ومعرفة الرجال (3/ 501/ 6153)، جامع الترمذي (230)، الأوسط (4/ 183)، سنن البيهقي (3/ 105)، الاستذكار (2/ 315)، فتح الباري لابن رجب (5/ 17)، وغيرها كثير].
2 -
وقال بأنه لا تصح صلاة الفذ خلف الصف:
إبراهيم النخعي، والحكم، والحسن بن صالح، وحماد بن أبي سليمان، وابن أبي ليلى، وأبو بكر بن أبي شيبة، والدارمي، ووكيع، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وابن المنذر، وأكثر أهل الظاهر، وغيرهم [مصنف عبد الرزاق (2/ 59/ 2483)، مصنف ابن أبي شيبة (2/ 12) و (7/ 280)، سنن الدارمي (1/ 333)، تاريخ الدوري (3/ 360/ 1746) و (3/ 475/ 2324)، مسائل صالح (434)، مسائل عبد الله (403 و 413)، مسائل إسحاق بن منصور الكوسج (259 و 349)، جامع الترمذي (230 و 231)، مسند ابن الجعد (112 و 113)، الأوسط (4/ 183)، فتح الباري لابن رجب (5/ 17)، وغيرها كثير].
وقد احتج الشافعي في اختلاف الحديث، في باب: صلاة المنفرد، بحديثين، وبالقياس:
أما الحديثان: فالأول: حديث أبي بكرة: أنه ركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"زادك الله حرصًا، ولا تعد"[أخرجه البخاري (783)].
قال الشافعي: "فكأنه أحب له الدخول في الصف، ولم ير عليه العجلة بالركوع حتى يلحق بالصف، ولم يأمره بالإعادة، بل فيه دلالة على أنه رأى ركوعه منفردًا مجزئًا عنه".
وأما الحديث الثاني: حديث أنس بن مالك: أن جدته مُلَيكة، دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعَتْه،. . . فذكر الحديث، والشاهد منه قوله: وصفَفْتُ أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا ركعتين، ثم انصرف [متفق عليه، وقد تقدم برقم (612)].
قال الشافعي: "فأنس يحكي أن امرأة صلت منفردة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا فرق في هذا بين امرأة ورجل، فإذا أجزأت المرأةَ صلاتُها مع الإمام منفردة؛ أجزأ الرجلَ صلاتُه مع الإمام منفردًا، كما تجزئها هي صلاتها".
وأما القياس: فإنه قاس صلاة المنفرد خلف الصف وحده، على صلاة الرجل منفردًا، وعلى صلاة الإمام منفردًا أمام الصف في صلاة الجماعة، فإذا كانت صلاتهما لا تفسد بالانفراد؛ فكذلك هنا.
وقال محمد بن الحسن الشيباني في الأصل (1/ 197) ناقلًا مذهب أبي حنيفة: "قلت: أرأيت رجلًا انتهى إلى الإمام وقد سبقه بركعة، فقام الرجل خلف الصف فصلى وحده بصلاة الإمام؟ قال: يجزيه، قلت: لم؟ قال: أرأيت لو كان معه رجل على غير وضوء، أو كان معه صبي، أو كان رجلان في صف، فكبر أحدهما قبل الآخر، أما يجزيه؟ قلت: بلى، قال: فهذا وذاك سواء".
وقد رد على ذلك جماعة من الأئمة، وممن فصل القول فيه الإمام ابن خزيمة في صحيحه (3/ 31)، وغيره، وننقل هنا شيئًا يسيرًا يدل على المطلوب.
قال الترمذي بعد حديث أنس [(234)]: "وقد احتج بعض الناس بهذا الحديث في
إجازة الصلاة إذا كان الرجل خلف الصف وحده، وقالوا: إن الصبي لم تكن له صلاة، وكأن أنسًا كان خلف النبي صلى الله عليه وسلم وحده في الصف، وليس الأمر على ما ذهبوا إليه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقامه مع اليتيم خلفه، فلولا أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل لليتيم صلاة لما أقام اليتيم معه، ولأقامه عن يمينه، وقد روي عن موسى بن أنس، عن أنس: أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأقامه عن يمينه".
وقال ابن خزيمة (3/ 30 - 31): "باب الزجر عن صلاة المأموم خلف الصف وحده، والبيان أن صلاته خلف الصف وحده غير جائزة، يجب عليه استقبالها، وأن قوله: "لا صلاة له" من الجنس الذي نقول: إن العرب تنفي الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال".
ثم قال: "واحتج بعض أصحابنا وبعض من قال بمذهب العراقيين في إجازة صلاة المأموم خلف الصف وحده بما هو بعيد الشبه من هذه المسألة، احتجوا بخبر أنس بن مالك: أنه صلى وامرأة خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فجعله عن يمينه، والمرأة خلف ذلك، فقالوا: إذا جاز للمرأة أن تقوم خلف الصف وحدها، جاز صلاة المصلي خلف الصف وحده، وهذا الاحتجاج عندي غلط؛ لأن سنة المرأة أن تقوم خلف الصف وحدها؛ إذا لم تكن معها امرأة أخرى، وغير جائز لها أن تقوم بحذاء الإمام، ولا في الصف مع الرجال". . . ثم أطال في الرد، ثم قال: "والمرأة إذا قامت خلف الصف، ولا امرأة معها، ولا نسوة: فاعلة ما أمرت به، وما هو سنتها في القيام، والرجل إذا قام في الصف وحده: فاعل ما ليس من سنته، إذ سنته أن يدخل الصف فيصطف مع المأمومين، فكيف يكون أن يشبه ما زجر المأموم عنه مما هو خلاف سنته في القيام، بفعل امرأة فعلت ما أمرت به، مما هو سنتها في القيام خلف الصف وحدها، فالمشبِّهُ المنهيَّ عنه بالمأمور به مغفَّل بيِّن الغفلة، مشبه بين فعلين متضادين، إذ هو مشبه منهي عنه بمأمور به، فتدبروا هذه اللفظة يبن لكم بتوفيق خالقنا حجة ما ذكرنا.
وزعم مخالفونا من العراقيين في هذه المسألة: أن المرأة لو قامت في الصف مع الرجال حيث أمر الرجل أن يقوم، أفسدت صلاة من عن يمينها، ومن عن شمالها، والمصلي خلفها، والرجل مأمور عندهم أن يقوم في الصف مع الرجال، فكيف يشبه فعل امرأة لو فعلت أفسدت صلاة ثلاثة من المصلين؛ بفعل من هو مأمور بفِعله -إذا فَعَله- لا يفسد فِعلُه صلاة أحد".
وقال ابن المنذر في الأوسط (4/ 183): "صلاة الفرد خلف الصف باطل؛ لثبوت خبر وابصة، وخبر علي بن الجعد بن شيبان".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في المجموع (23/ 397): "وأما حديث أبى بكرة: فليس فيه أنه صلى منفردًا خلف الصف قبل رفع الإمام رأسه من الركوع، فقد أدرك من الاصطفاف المأمور به، ما يكون به مدركًا للركعة، فهو بمنزلة أن يقف وحده ثم يجيء آخر
فيصافه في القيام، فإن هذا جائز باتفاق الأئمة، وحديث أبي بكرة فيه النهي بقوله:"ولا تعد"، وليس فيه أنه أمره بإعادة الركعة، كما في حديث الفذ، فإنه أمره بإعادة الصلاة، وهذا مبين مفسر، وذلك مجمل، حتى لو قُدِّر أنه صرح في حديث أبى بكرة بأنه دخل في الصف بعد اعتدال الإمام -كما يجوز ذلك في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره- لكان سائغًا في مثل هذا، دون ما أمر فيه بالإعادة، فهذا له وجه، وهذا له وجه".
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين (1/ 477 - 478): "فصل: إعادة الصلاة لمن صلى منفردًا خلف الصف توافق القياس:
ومن ذلك: ظنُّ بعضِهم أن أمره صلى الله عليه وسلم لمن صلى فذًا خلف الصف بالإعادة على خلاف القياس؛ فإن الإمام والمرأة فذان وصلاتهما صحيحة.
وهذا من أفسد القياس وأبطله؛ فإن الإمام يسَنُّ في حقه التقدم، وأن يكون وحده، والمأمومون يسنُّ في حقهم الاصطفاف، فقياس أحدهما على الآخر من أفسد القياس، والفرق بينهما: أن الإمام إنما جعل ليؤتم به، وتشاهَد أفعاله وانتقالاته، فإذا كان قدَّامهم حصل مقصود الإمامة، وإذا كان في الصف لم يشاهده إلا من يليه، ولهذا جاءت السنة بالتقدم ولو كانوا ثلاثة، محافظة على المقصود بالائتمام.
وأما المرأة: فإن السنة وقوفها فذة إذا لم يكن هناك امرأة تقف معها، لأنها منهية عن مصافة الرجال، فموقفها المشروع أن تكون خلف الصف فذة، وموقف الرجل المشروع أن يكون في الصف، فقياس أحدهما على الآخر من أبطل القياس وأفسده، وهو قياس المشروع على غير المشروع".
وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام: "فكيف يقاس المنهي بالمأمور به، وكذلك وقوف الإمام أمام الصف هو السنة، فكيف يقاس المأمور به بالمنهي عنه، والقياس الصحيح: إنما هو قياس المسكوت على المنصوص، أما قياس المنصوص على منصوص يخالفه: فهو باطل باتفاق العلماء، كقياس الربا على البيع، وقد أحلَّ الله البيع وحرَّم الربا"[المجموع (23/ 396)].
قال ابن القيم: "فإن قيل: فلو كان معها نساء ووقفت وحدها صحت صلاتها.
قيل: هذا غير مسلَّم، بل إذا كان صف النساء فحكم المرأة بالنسبة إليه في كونها فذة كحكم الرجل بالنسبة إلى صف الرجال [وهو قول شيخ الإسلام، إذ يقول: "وكان حكمها حكم الرجل المنفرد عن صف الرجال"].
لكن موقف المرأة وحدها خلف صف الرجال يدل على شيئين:
أحدهما: أن الرجل إذا لم يجد خلف الصف من يقوم معه، وتعذر عليه الدخول في الصف، ووقف فذًا: صحت صلاته للحاجة، وهذا هو القياس المحض؛ فإن واجبات الصلاة تسقط بالعجز عنها [وبه قال شيخ الإسلام، قال: "والأظهر: صحة صلاته في هذا الموضع؛ لأن جميع واجبات الصلاة تسقط بالعجز"].
الثاني: وهو طرد هذا القياس، إذا لم يمكنه أن يصلي مع الجماعة إلا قدَّام الإمام؛ فإنه يصلي قدَّامه، وتصح صلاته، وكلاهما وجه في مذهب أحمد، وهو اختيار شيخنا رحمه الله".
قال شيخ الإسلام: "وطرد هذا: صحة صلاة المتقدم على الإمام للحاجة، كقول طائفة، وهو قول في مذهب أحمد، وإذا كان القيام والقراءة وإتمام الركوع والسجود والطهارة بالماء وغير ذلك: يسقط بالعجز، فكذلك الاصطفاف، وترك التقدم، وطرد هذا بقية مسائل الصفوف، كمسألة من صلى ولم ير الإمام ولا من وراءه، مع سماعه للتكبير، وغير ذلك"[المجموع (23/ 396)].
قال ابن القيم: "وبالجملة فليست المصافة أوجب من غيرها؛ فإذا سقط ما هو أوجب منها للعذر؛ فهي أولى بالسقوط، ومن قواعد الشرع الكلية: أنه لا واجب مع عجز، ولا حرام مع ضرورة".
وقول شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم في صحة صلاة الفذ إذا لم يجد مكانًا في الصف: قد سبقهما إليه ابن معين [كما في تاريخ الدوري (3/ 360/ 1746) و (3/ 475/ 2324)]، وقال به الشيخ ابن عثيمين وشيخه عبد الرحمن بن سعدي رحمهم الله جميعًا، قال ابن عثيمين رحمه الله تعالى:"فإذا جاء المصلي ووجد الصف قد تم؛ فإنه لا مكان له في الصف، وحينئذ يكون انفراده لعذر؛ فتصح صلاته"[الشرح الممتع (4/ 382)].
• وأخيرًا: فقد دل على صحة صلاة الفذ إذا لم يجد مكانًا في الصف: حديث وابصة بن معبد؛ ففيه: أن الرجل الذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة الصلاة إنما صلى وحده خلف الصفوف، ولم يتصل بها، وقد كان في الصف متسع، لكنه ترك الاتصال بالصفوف، أي: ترك مصافة الناس مع اتساع المكان له، وصلى وحده خلفهم، فهذا الذي لا تصح صلاته وتبطل بانفراده خلف الصفوف، ويؤمر بالإعادة، والله أعلم.
وحينئذ فلا يبقى مجال للكلام في مسألة: هل يجذب من لم يجد مكانًا في الصف رجلًا ليقوم إلى جنبه؟ فهي فضلًا عن سقوط دليلها، وشدة ضعفه، وعدم انتهاضه للاستدلال به كما قدمنا، فإن حديث وابصة من طريق حصين قد دل على أن المأمور بإعادة الصلاة ذاك الذي ترك مصافة الناس مع اتساع الصف له، والله أعلم.
• مسألة: قال في الإنصاف (2/ 289): "قال الشيخ تقي الدين: لو حضر اثنان وفي الصف فرجة فأيهما أفضل: وقوفهما جميعًا، أو سد أحدهما الفرجة وينفرد الآخر؟ رجح أبو العباس الاصطفاف مع بقاء الفرجة؛ لأن سد الفرجة مستحب، والاصطفاف واجب"[وانظر: الفتاوى الكبرى (4/ 433)].
وانظر أيضًا: اختلاف العلماء لابن نصر المروزي (42)، مختصر اختلاف العلماء (1/ 234)، شرح معاني الآثار (1/ 394)، صحيح ابن حبان (5/ 577)، المحلى (4/ 57)، الاستذكار (2/ 315)، شرح السنة (3/ 378)، المغني (2/ 22)، المجموع شرح