المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌16).***101 -باب الرجل يركع دون الصف - فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود - جـ ٧

[ياسر فتحي]

فهرس الكتاب

- ‌69 - باب الإمام يصلي من قعود

- ‌78).***70 -باب الرجلين يؤمُّ أحدُهما صاحبَه، كيف يقومان

- ‌71 - باب إذا كانوا ثلاثةً كيف يقومون

- ‌7).***72 -باب الإمام ينحرف بعد التسليم

- ‌73 - باب الإمام يتطوع في مكانه

- ‌74 - باب الإمام يحدث بعد ما يرفع رأسه من آخر الركعة

- ‌75 - باب ما يؤمر به المأموم من اتباع الإمام

- ‌76 - باب التشديد فيمن يرفع قبل الإمام، أو يضَع قبله

- ‌77 - باب فيمن ينصرف قبل الإمام

- ‌78 - باب جماع أبواب ما يُصلَّى فيه

- ‌79 - باب الرجل يعقِد الثوبَ في قفاه ثم يصلي

- ‌80 - باب الرجل يصلي في ثوبٍ واحد بعضُه على غيره

- ‌81 - باب في الرجل يصلي في قميص واحد

- ‌82 - باب إذا كان الثوب ضيقًا يتَّزر به

- ‌83 - باب الإسبال في الصلاة

- ‌84 - باب في كم تصلي المرأة

- ‌85 - باب المرأة تصلي بغير خمار

- ‌86 - باب ما جاء في السدل في الصلاة

- ‌87 - باب الصلاة في شُعُر النساء

- ‌88 - باب الرجل يصلي عاقصًا شعره

- ‌89 - باب الصلاة في النعل

- ‌91).***90 -باب المصلي إذا خلع نعليه، أين يضعهما

- ‌91 - باب الصلاة على الخُمرة

- ‌92 - باب الصلاة على الحصير

- ‌93 - باب الرجل يسجد على ثوبه

- ‌تفريع أبواب الصفوف

- ‌94 - باب تسوية الصفوف

- ‌95 - باب الصفوف بين السواري

- ‌96 - باب مَن يُستحبُّ أن يلي الإمامَ في الصف وكراهية التأخر

- ‌97 - باب مقام الصبيان من الصف

- ‌98 - باب صف النساء وكراهية التأخر عن الصف الأول

- ‌99 - باب مقام الإمام من الصف

- ‌100 - باب الرجل يصلي وحده خلف الصف

- ‌16).***101 -باب الرجل يركع دون الصف

- ‌تفريع أبواب السترة

- ‌102 - باب ما يستر المصلي

- ‌ 150)].***103 -باب الخط إذا لم يجد عصًا

- ‌104 - باب الصلاة إلى الراحلة

- ‌105 - باب إذا صلى إلى سارية أو نحوها، أين يجعلها منه

- ‌106 - باب الصلاة إلى المتحدِّثين والنِّيام

- ‌107 - باب الدُّنُوِّ من السترة

- ‌108 - باب ما يُؤمر المصلي أن يدرأ عن الممرِّ بين يديه

الفصل: ‌16).***101 -باب الرجل يركع دون الصف

المهذب (4/ 255)، الذخيرة (2/ 261)، فتح الباري لابن رجب (4/ 267) و (5/ 14)، فتح الباري لابن حجر (2/ 313 - 314)، عمدة القاري (5/ 262) و (6/ 55 - 56 و 2‌

‌16).

***

101 -

باب الرجل يركع دون الصف

683 -

قال أبو داود: حدثنا حميد بن مسعدة: أن يزيد بن زريع حدثهم: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن زيادٍ الأعلمِ: حدثنا الحسن، أن أبا بَكرة حدَّث أنه دخل المسجدَ، ونبيُّ الله صلى الله عليه وسلم راكعٌ، قال: فركعتُ دون الصف، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"زادك الله حِرصًا، ولا تَعُدْ".

• حديث صحيح.

أخرجه من طريق أبي داود: ابن حزم في المحلى (4/ 57)، وقال:"أن أبا بكرة حدث" من رواية ابن داسة. والبيهقي (3/ 106)، وقال:"حدثه"، من رواية ابن داسة.

وأخرجه من طريق حميد بن مسعدة [وهو: ثقة]: النسائي في المجتبى (2/ 118/ 871)، وفي الكبرى (1/ 455/ 946)، وقال:"أن أبا بكرة حدثه".

وأخرجه من طريق يزيد بن زريع: ابن حبان (5/ 569/ 2195)، والطحاوي في شرح المعاني (1/ 395).

رواه عن يزيد: أحمد بن المقدام العجلي [صدوق]، ويحيى بن عبد الحميد الحماني [حافظ؛ إلا أنهم اتهموه بسرقة الحديث].

فقالا في روايتهما: عن أبي بكرة: أنه دخل المسجد، لفظ العجلي.

كذا وقع عند أبي داود [وكذا هو في أكثر النسخ الخطية]: "أن أبا بكرة حدث"، وصورته مرسل، لكن النسائي رواه عن شيخ أبي داود به، فقال:"أن أبا بكرة حدثه"، هكذا متصلًا، وذكر ابن رجب في الفتح (5/ 7)، وابن حجر في الفتح (2/ 268): أن رواية أبي داود: "حدثه"، يعني: موصولة بذكر السماع فيها، ووقع في رواية معالم السنن (1/ 186):"حدث"، وهو من رواية ابن داسة.

والذي يظهر لي -والله أعلم-: أن رواية حميد بن مسعدة بذكر السماع محفوظة؛ لأمور:

الأول: أن النسائي لم يختلف عليه في وصله، والرواية التي جُزم بها ولم يُختلف فيها: أولى من الرواية التي وقع الاختلاف فيها.

الثاني: أن الأكثر على أن رواية أبي داود بالوصل، كالنسائي، وبهذا جزم ابن رجب وابن حجر، وكذا وقعت عند البيهقي في سننه.

الثالث: أن حميد بن مسعدة والذي تفرد بذكر السماع في هذا الحديث: ثقة، تقبل

ص: 479

زيادته، لا سيما وهو أوثق من اللذين لم يذكرا السماع، والله أعلم.

وحميد بن مسعدة: بصري، بلدي ليزيد بن زريع، ويزيد: ثقة ثبت، قال أحمد:"إليه المنتهى في التثبت بالبصرة"، وهو ثبت في سعيد بن أبي عروبة، ممن سمع منه قبل اختلاطه؛ فهو: إسناد بصري صحيح.

***

684 -

. . . حماد: أخبرنا زياد الأعلم، عن الحسن: أن أبا بكرة جاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم راكع، فركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته، قال:"أيُّكم الذي ركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف؟ " فقال أبو بكرة: أنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"زادك الله حرصًا، ولا تَعُدْ".

قال أبو داود: زياد الأعلم: زياد بن فلان بن قرة، وهو ابن خالة يونس بن عبيد.

• حديث صحيح.

أخرجه أحمد (5/ 45)، والطحاوي في شرح المعاني (1/ 395)، وفي المشكل (14/ 203 و 205/ 5575 و 5576)، وابن حزم في المحلى (4/ 58)، والبيهقي (3/ 105)، والبغوي في شرح السنة (3/ 377 - 378/ 823).

رواه عن حماد بن سلمة: موسى بن إسماعيل أبو سلمة التبوذكي، وعفان بن مسلم، والحجاج بن المنهال، وأبو عمر حفص بن عمر الضرير، وسليمان بن حرب [وهم ثقات حفاظ، من أصحاب حماد بن سلمة].

زاد أبو عمر الضرير: وتد حفزني النَّفَس، فركعت دون الصف.

وفي رواية حجاج: عن أبي بكرة: أنه دخل المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، وقد ركع، فركع، ثم دخل الصف وهو راكع، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"أيكم دخل الصف وهو راكع؟ " فقال له أبو بكرة: أنا، قال:"زادك الله حرصًا، ولا تعد".

وعزى ابن القطان في بيان الوهم (5/ 610)، وابن حجر في الإتحاف (13/ 562/ 17138) رواية حجاج هذه أيضًا إلى: علي بن عبد العزيز في "المنتخب"، زاد ابن حجر: ومحمد بن سنجر في "مسنده".

قلت: وقد رواه ابن حزم في المحلى (4/ 58) من طريق علي بن عبد العزيز عن حجاج به.

ومن طريق ابن حزم: رواه أبو محمد عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الكبرى (2/ 178).

قال ابن القطان في بيان الوهم (5/ 610/ 2830): "وهكذا هو في مصنف حماد بن سلمة"، ثم قال: "وبهذه الزيادة يتبين أن الذي أنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو أن دبَّ راكعًا،

ص: 480

وقد كان هذا متنازعًا فيه، فمن الناس من قال: إنما قال له: "لا تَعُد" أي إلى التأخر والإبطاء، وشكر له مع ذلك حرصه، ومنهم من قال: إنه إنما نهاه عن المشي راكعًا، وبهذه الزيادة يتبين أن هذا هو المراد، والله أعلم".

قلت: حجاج بن المنهال الأنماطي البصري: ثقة، متفق عليه، من أصحاب حماد بن سلمة، المكثرين عنه، وزيادته مقبولة، لكنا نجمعها إلى رواية غيره من الثقات، ونؤلف بينها، فنجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سأل عن: الركوع دون الصف، وعن المشي إلى الصف، ورواية حجاج قد جمعت بين المعنيين، ولا تنافي، إلا أنها زادتنا معنى جديدًا؛ ألا وهو أن أبا بكرة قد دخل الصف راكعًا، ومن ثم فقد حصلت له المصافة حال الركوع، وقبل أن يرفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه من الركوع، وبذا يزول الإشكال الذي سيأتي ذكره في الكلام عن فقه مسائل الحديث، كذلك فإنه يظهر بذلك جليًّا أن النهي عن العود المذكور في الحديث إنما يرجع إلى هذين المعنيين المنصوص عليهما، لكن هل صح في روايات الحديث معنى ثالث، أو رابع، يمكن أن يضاف إلى ذلك، أم لا؟ هذا ما سيأتي بيانه قريبًا، والله أعلم.

فإن قيل: ذكر ابن رجب في شرح العلل (2/ 784) أن من سمع من حماد تصانيفه فليس حديثه بذاك، ومن سمع منه النسخ التي كانت عنده عن شيوخه فسماعه جيد، فيقال: لم يقع اختلاف يؤثر كثيرًا في المعنى فإن رواية أصحاب حماد تتفق مع ما في مصنفه في المعنى، غير أن ما في المصنف زاد معنى جديدًا، ولعل حجاجًا سمعه من النسخ، لا من المصنفات، وحجاج ثقة يعتمد على حفظه، لا سيما وأبو سلمة المنقري موسى بن إسماعيل ممن روى عن حماد تصانيفه [ذكر ذلك الذهبي في التذكرة (1/ 394)، والتاريخ (16/ 415)]، وهو شيخ أبي داود في هذا الحديث، ولفظه كما ترى، فذلك مما يجعل النفس تطمئن إلى ثبوت رواية حجاج، كما أن ابن رجب لم يذكر لنا قائل هذه المقالة، والله أعلم.

بل إن الأئمة كانوا يذهبون إلى القول بعدم ثبوت الحديث عن حماد بن سلمة إذا لم يكن في مصنفاته [انظر مثلًا: سنن الدارقطني (1/ 77)، علل الدارقطني (5/ 346/ 940)، سنن البيهقي (1/ 10)، الخلافيات (1/ 168/ 29)، الأباطيل والمناكير (1/ 498/ 308)، الحديث المتقدم في السنن برقم (84)]، وهذا مما يؤكد القول بثبوت هذا الحديث بروايتيه عن حماد بن سلمة، والله أعلم.

فإن قيل: فإن يحيى بن سعيد القطان ليَّن روايات حماد بن سلمة عن زياد الأعلم، قال يحيى بن سعيد:"حماد بن سلمة عن زياد الأعلم وقيس بن سعد: ليس بذاك"[مسند ابن الجعد (3365)، الجرح والتعديل (3/ 141)، الكامل في الضعفاء (2/ 253 و 256)، سنن البيهقي (4/ 94)، السير (7/ 451)، شرح العلل (2/ 783)، وغيرها].

فيقال: أما رواية حماد عن قيس بن سعد، فقد تكلموا فيها، لأن كتابه عن قيس كان قد ضاع، فكان يحدثهم من حفظه فَيَهِم، ويرفع أحاديث [انظر: التهذيب (1/ 481)،

ص: 481

الميزان (1/ 590)]، وأما عن زياد الأعلم، فلم أقف على شيء استنكروه على حماد بن سلمة مما رواه عن زياد الأعلم، ولم ينفرد حماد بهذا الحديث عن زياد، بل تابعه عليه: سعيد بن أبي عروبة، وهمام، وأشعث، لكن حمادًا هو الذي انفرد بهذا السياق، وحماد: ثقة، وقد توبع على أصله، ممن روى الحديث عن الحسن، مثل أبي حرة، ويأتي ذكره في المتابعات.

• خالف أصحاب حماد بن سلمة في إسناده:

هوذة بن خليفة [صدوق، ذهبت كتبه؛ إلا كتاب عوف الأعرابي، وشيء يسير لابن عون، وابن جريج، وأشعث، وسليمان التيمي، وقد تكلم فيه ابن معين، وكان مكثرًا عن عوف الأعرابي، ولم يكن من أصحاب حماد بن سلمة. التهذيب (4/ 287)، طبقات ابن سعد (7/ 339)، تاريخ بغداد (14/ 94)]: حدثنا حماد بن سلمة: عن علي بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبي بكرة، قال: جئت ونبي الله صلى الله عليه وسلم راكع قد حفزني النفس، فركعت دون الصف، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال:"أيكم ركع دون الصف؟ " قلت: أنا، قال:"زادك الله حرصًا، ولا تعد".

أخرجه عبد الله بن أحمد عن أبيه وجادة في المسند (5/ 50)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (62/ 201).

وهذه رواية شاذة بهذا الإسناد، والمحفوظ: ما رواه أصحاب حماد الحفاظ.

• هكذا روى هذا الحديث عن زياد بن حسان بن قرة الباهلي، المعروف بالأعلم: سعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة، وتابعهما:

همام بن يحيى، وأشعث بن عبد الملك الحمراني:

فروياه عن زياد الأعلم، عن الحسن، عن أبي بكرة: أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذُكِر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:"زادك الله حرصًا، ولا تعد".

أخرجه البخاري في الصحيح (783)، وفي القراءة خلف الإمام (144)، وفي التاريخ الكبير (1/ 431)، وابن الجارود (318)، وأحمد (5/ 39 و 45)، والبزار (9/ 107/ 3651)، والبيهقي في السنن (2/ 90) و (3/ 106)، وفي المعرفة (2/ 381/ 1505)، والبغوي في شرح السنة (3/ 377/ 822)، وقال:"صحيح".

قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم أحدًا يرويه عن النبي إلا أبو بكرة، وزياد لا نعلم رواه عنه إلا: أشعث، وحماد بن سلمة، وابن أبي عروبة"، قلت: وهمام.

• وحديث أبي بكرة قد رواه عن الحسن من الثقات أيضًا: قتادة [وعنه: معمر]، وهشام بن حسان، وأبو حرة واصل بن عبد الرحمن، وعبد الله بن عون [ثقة ثبت، لكن لا يصح عنه، فقد تفرد به عنه: عبد الواحد بن سليمان الأزدي: مجهول، يروي عن ابن عون ما لا يتابع عليه، وأنكره عليه ابن عدي، وشيخ ابن عدي: كذاب، يضع الحديث. الكامل

ص: 482

(5/ 299) و (6/ 298)، اللسان (5/ 292) و (6/ 503)]، ومبارك بن فضالة [صدوق، يدلس ويسوي]:

أخرجه أحمد (5/ 46)، ومحمد بن الحسن الشيباني في الآثار (168)، وفي الحجة على أهل المدينة (1/ 215)، وفي زياداته على موطأ مالك (286)، والطيالسي (2/ 204/ 917)، وعبد الرزاق (2/ 282 و 283/ 3376 و 3377)، وأبو القاسم الحامض في الثالث من فوائده (12)، وابن الأعرابي في المعجم (1/ 251/ 463)[وعنده زيادة منكرة، ففيه: أنه ركع وسجد دون الصف، وذكر السجود هنا منكر، فإن شيخ ابن الأعرابي: محمد بن عيسى المدائني: ضعيف. اللسان (7/ 428)]، وابن عدي في الكامل (5/ 299) و (6/ 298).

لفظهم نحو لفظ ابن أبي عروبة وهمام وأشعث عن حماد، وأما أبو حرة واصل بن عبد الرحمن فرواه: عن الحسن، عن أبي بكرة: أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو منبهر، فركع دون الصف، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته قال:"من فعل هذا؟ "، قال أبو بكرة: أنا، قال:"زادك الله حرصًا، ولا تعد".

البُهْر والانبهار: تتابع النَّفَس من شدة السعي [النهاية (1/ 165)، مختار الصحاح (58)].

وأبو حرة واصل بن عبد الرحمن البصري: صدوق، لم يسمع من الحسن إلا ثلاثة أحاديث، والباقي يدلسه، لذا ضعفوا حديثه عن الحسن [العلل ومعرفة الرجال (2/ 595/ 3823)، الكامل (7/ 86)، الميزان (4/ 329)، إكمال مغلطاي (12/ 200)، التهذيب (4/ 302)، تحفة التحصيل (336)].

فهو صالح في المتابعات، وفيه متابعة لأصل رواية حماد بن سلمة عن زياد الأعلم، بذكر الانبهار، وهو حفز النَّفَس، وبذكر سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكرة، لكنه لا يصلح لأن يحتج به على أن السعي داخل فيما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكرة من عدم العود إليه، لقوله:"من فعل هذا؟ "؛ فلا يدخل في ضمنه: مجيؤه، وقد انبهر من شدة السعي، وذلك لعدم صلاحية حديث أبي حرة هذا للاحتجاج به، والله أعلم.

• رواه أيضًا عن الحسن، لكن من الضعفاء: عنبسة بن أبي رائطة الغنوي الأعور، وإسماعيل بن مسلم المكي، والربيع بن صبيح، وأبو أمية عبد الكريم بن أبي المخارق، وعمرو بن عبيد [والراوي عنه: المثنى بن الصباح: ضعيف]:

أخرجه ابن حبان (5/ 568/ 2194)، والبزار (9/ 115/ 3661)، والطبراني في الأوسط (2/ 349/ 2196) و (7/ 91/ 6947) و (8/ 132/ 8185)، وفي الصغير (2/ 203/ 1030)، وابن عدي في الكامل (5/ 110).

ولفظهم مختصر، بنحو رواية الجماعة.

• وممن رواه عن الحسن، فأرسله:

يونس بن عبيد [من رواية الثوري عنه]، وابن جريج، كلاهما عن الحسن به مرسلًا:

ص: 483

قال الثوري: عن يونس، عن الحسن، قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا وهو يسرع إلى الصلاة، وهو راكع، فقال:"زادك الله حرصًا، فلا تعد". هكذا مرسلًا.

وقال ابن جريج: عن الحسن، قال: التفت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "زادك الله حرصًا، ولا تعد"، قال: فثبت مكانه. وهذا غريب جدًّا.

أخرجه عبد الرزاق (2/ 283/ 3378 و 3379).

ويونس بن عبيد: ثقة ثبت، من أثبت أصحاب الحسن، لكن وصله صحيح، فقد وصله عن الحسن جماعة من ثقات أصحابه، وصححه البخاري.

• خالف الثوري فوصله عن يونس:

عبد الله بن عيسى أبو خلف الخزاز، رواه عن يونس، عن الحسن، عن أبي بكرة، رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الصبح، فسمع نفسًا شديدًا، أو بهرًا من خلفه، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال لأبي بكرة:"أنت صاحب هذا النفس؟ " قال: نعم، جعلني الله فداك، خشيت أن تفوتني ركعة معك فأسرعت المشي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"زادك الله حرصًا ولا تعد، صلِّ ما أدركت، واقضِ ما سُبقت".

أخرجه البخاري في القراءة خلف الإمام (192).

وهو حديث منكر، تفرد فيه بهاتين الزيادتين:"أنت صاحب هذا النفس؟ " و"صل ما أدركت، واقض ما سبقت": عبد الله بن عيسى أبو خلف الخزاز، وهو: منكر الحديث، ينفرد عن يونس بما لا يتابع عليه [التهذيب (2/ 401)، الميزان (2/ 470)].

وضعف ابن رجب إسناده في الفتح (5/ 20).

والمحفوظ فيه: ما رواه الثوري عن يونس عن الحسن، مرسلًا، كما تقدم.

وقد رواه عن الحسن بدون هذه الزيادة في المتن: زياد الأعلم، وقتادة، وهشام بن حسان، وأبو حرة واصل بن عبد الرحمن، ومبارك بن فضالة، وعنبسة بن أبي رائطة الغنوي الأعور، وإسماعيل بن مسلم المكي، والربيع بن صبيح، وأبو أمية عبد الكريم بن أبي المخارق، وغيرهم [وتقدم ذكره تحت الحديث رقم (573)].

• وأما ما رواه وهيب، عن يونس، عن الحسن: أن أبا بكرة. . .، فذكر الحديث بدون هذه الزيادة.

أخرجه الدارقطني فيما انتقاه من حديث أبي الطاهر (42).

فهو وهم، فإن شيخ أبي الطاهر الذهلي: موسى بن زكريا بن يحيى أبا عمران التستري: متروك [سؤالات الحاكم (227)، الإرشاد (2/ 528 و 529)، اللسان (8/ 298)]، قلب شيخ وهيب فجعله يونس بن عبيد، وإنما هو عنبسة بن أبي رائطة.

فقد خالفه: موسى بن هارون الحمال [ثقة حافظ]، ومحمد بن علي بن الأحمر الصيرفي [غلام طالوت: روى عنه جماعة من الأئمة المصنفين، منهم ابن حبان في صحيحه، ولم يذكره أحد بجرح، وقال الدارقطني:"ما علمت إلا خيرًا". سؤالات حمزة

ص: 484

السهمي (81)، معجم الإسماعيلي (77)]، ومحمد بن يوسف بن الحكم الصابوني البصري [لا بأس به. سؤالات الحاكم (187)، تاريخ بغداد (3/ 396)]:

قالوا: نا العباس بن الوليد النرسي: ثنا وهيب بن خالد، عن عنبسة الأعور [العبدي]، عن الحسن به.

أخرجه ابن حبان (5/ 568/ 2194)، والطبراني في الأوسط (8/ 132/ 8185)، وفي الصغير (2/ 203/ 1030).

• وأخيرًا: فإن حديث الحسن عن أبي بكرة هذا، والذي أخرجه البخاري، قد ضعفه الدارقطني، فقال في التتبع (88 - 91):"وأخرج البخاري أحاديث الحسن، عن أبي بكرة: منها الكسوف، ومنها: "زادك الله حرصًا، ولا تعد"، ومنها: "لا يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة"، ومنها: "ابني هذا سيد"، والحسن لا يروي إلا عن الأحنف عن أبي بكرة".

وقال الحاكم في سؤالاته للدارقطني (320): "قلت: فزياد الأعلم؟ قال: هو قليل الحديث جدًّا، اشتهر بحديث: "زادك الله حرصًا، ولا تعد"، وفيه إرسال؛ لأن الحسن لم يسمع من أبي بكرة".

قال العلائي في جامع التحصيل (163): "وإن لم يكن فيها التصريح بالسماع؛ فالبخاري لا يكتفي بمجرد إمكان اللقاء كما تقدم، وغاية ما اعتل به الدارقطني أن الحسن روى أحاديث عن الأحنف بن قيس عن أبي بكرة، وذلك لا يمنع من سماعه منه ما أخرجه البخاري"[ونقله ابن الملقن في البدر المنير (4/ 192)، وأبو زرعة في تحفة التحصيل (74)].

وقال ابن رجب في الفتح (5/ 7): "اختلف في سماع الحسن من أبي بكرة، فأثبته ابن المديني والبخاري وغيرهما، وكذلك خرج حديثه هذا، ونفاه يحيى بن معين -نقله عنه ابن أبي خيثمة-، ويؤيده: أنه روي عن الحسن مرسلًا، وأن الحسن روى عن الأحنف، عن أبي بكرة حديث: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما"، وهذا مما يُستدل به على عدم سماعه منه، حيث أدخل بينه وبينه في حديث آخر واسطة، وقد روى هشام بن حسان، عن الحسن، أنه دخل مع أنس بن مالك على أبي بكرة وهو مريض، وروى مبارك بن فضالة، عن الحسن، قال: أخبرني أبو بكرة، فذكر حديث صلاة الكسوف، إلا أن مبارك بن فضالة ليس بالحافظ المتقن، وقال الشافعي في حديث أبي بكرة هذا إسناده حسن".

وقال ابن حجر في الفتح (2/ 268): "ورُدَّ هذا الإعلال برواية سعيد بن أبي عروبة، عن الأعلم، قال: حدثني الحسن: أن أبا بكرة حدثه، أخرجه أبو داود والنسائي".

قلت: زياد الأعلم، وهو: ابن حسان بن قرة الباهلي: ثقة ثقة، من أثبت أصحاب الحسن البصري، ومن قدماء أصحابه.

وسماع الحسن البصري من أبي بكرة: ثابت صحيح، في صحيح البخاري (2704 و 3746 و 7109) وغيره، فلا يطلب سماعه في كل حديث حديث، لأن تدليس الحسن

ص: 485

البصري الذي وصف به إنما هو من قبيل الإرسال الخفي، وهو رواية المعاصر عمن لم يلقه ولم يسمع منه بصيغة موهمة، وهذا النوع من التدليس لا ترد عنعنته طالما ثبت سماعه من شيخه ولو مرة، وقد دل على هذا المعنى قولُ ابن المديني بعد حديث:"ابني هذا سيد"، قال:"إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث"، يعني: أنه قد احتج ببقية أحاديثه التي يرويها الحسن عن أبي بكرة، وإن لم يصرح فيها بالسماع، وذلك لثبوت السماع في هذا الحديث، والله أعلم، وعلى هذا فنحن لسنا بحاجة إلى إثبات السماع في هذا الحديث بعينه، طالما أن الحسن يرويه عن أبي بكرة بلا واسطة، وإن كان قد روي السماع من وجهٍ صحيح، كما سبق بيانه قبل قليل [الحديث رقم (683)].

وعلى فرض صحة كلام الدارقطني: "لم يسمع الحسن من أبي بكرة"، الذي علله بأن الحسن لا يروي إلا عن الأحنف عن أبي بكرة [انظر: علل الدارقطني (7/ 153)، التتبع (88 - 91)]، فيقال: إذا علمنا الواسطة وكان ثقة، فقد صح الإسناد والحمد لله، والأحنف بن قيس: مخضرم ثقة، وعليه يحمل أيضًا قول ابن معين:"لم يسمع الحسن من أبي بكرة"[تاريخ الدوري (4/ 322/ 4597)]، لكنا نقول بأن سماع الحسن من أبي بكرة: ثابت صحيح، أثبته: بهز بن أسد، وعلي بن المديني، والبخاري، والبيهقي، وقد تبع الترمذي شيخه البخاري في ذلك، فصحح أحاديث للحسن عن أبي بكرة، مما يدل على اعتماده قول البخاري في إثبات السماع، ومن ثم فإن مع المثبت زيادة علم، فقوله مقدَّم على النافي [انظر: صحيح البخاري (2704)، التاريخ الأوسط (1/ 96)، التاريخ الكبير (2/ 56)، العلل لابن المديني (60)، جامع الترمذي (2262 و 2287 و 3773)، المراسيل (152)، معرفة السنن والآثار (3/ 17/ 1844)، التعديل والتجريح للباجي (1/ 303) و (2/ 486)، تحفة التحصيل (68)، جامع التحصيل (135)، نصب الراية (1/ 90)، هدي الساري (367)، فتح الباري (13/ 65)].

وهذه المسألة سبق تحقيق الكلام فيها عند الحديث رقم (27) فلتراجع، كما سبق الكلام على هذا الإسناد بعينه عند الحديث المتقدم برقم (233 و 234)، وقد نقلت هنا بعض ما قلته هناك للفائدة.

وعلى هذا فإن هذا الإسناد: إسناد بصري صحيح، رجاله أئمة ثقات، ثبت سماع بعضهم من بعض.

وقد صححه البخاري، وابن حبان، والبغوي، وحسن إسناده الشافعي في اختلاف الحديث (10/ 172/ 190 - الأم)، واحتج به أبو داود والنسائي.

• ولحديث أبي بكرة طرق أخرى:

1 -

روى بشار الخياط [قال ابن رجب: "وهو غير معروف"، وقال الحسيني في الإكمال:"لا أعرفه"، لكن ذهب ابن حجر إلى أنه بشار بن عبد الملك؛ الذي ضعفه ابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات، والظاهر أنه غيره، والله أعلم. الفتح لابن رجب

ص: 486

(5/ 20)، التعجيل (89)]، وبكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة [رواه في بعض الروايات عنه كالجماعة، وقال في رواية صحيحة عنه: وهو في الصلاة قائمًا، يعني: النبي صلى الله عليه وسلم، والمحفوظ: أن أبا بكرة أدرك النبي صلى الله عليه وسلم راكعًا، وهذا من تخليط بكار؛ فإنه لم يكن بالقوي، يغلب عليه الضعف. التهذيب (1/ 241)]:

قالا: سمعت عبد العزيز بن أبي بكرة، يحدث أن أبا بكرة جاء والنبي صلى الله عليه وسلم راكع، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم صوت نعل أبي بكرة وهو يحضر، يريد أن يدرك الركعة، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من الساعي؟ "، قال أبو بكرة: أنا، قال:"زادك الله حرصًا، ولا تعد".

أخرجه أحمد (5/ 42)، وابن الأعرابي في المعجم (1/ 332/ 638)، وابن عدي في الكامل (2/ 43)، وابن عبد البر في الاستذكار (2/ 317).

قال ابن رجب في الفتح (3/ 568): "وفي إسناده من يجهل حاله"، يعني: بشارًا الخياط.

قلت: لا يثبت مثله، وحديث الحسن عن أبي بكرة هو المحفوظ في هذا الباب، وهذا منكر بهذه اللفظة:"من الساعي؟ "، وعبد العزيز بن أبي بكرة: قال العجلي: "تابعي، ثقة"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن سعد:"له أحاديث"، وقال ابن القطان:"لا تعرف له حال"[الطبقات الكبرى (7/ 190)، معرفة الثقات (1103)، الثقات (5/ 122)، بيان الوهم (3/ 282/ 1029)، ذيل الميزان (531)، التهذيب (2/ 582)]، وعبد العزيز هذا قلَّ من يروي عنه من الثقات، وأغلب من روى عنه فيهم ضعف أو جهالة.

وقد روى عنه هذا الحديث: ابنه بكار، وهو إلى الضعف أقرب، وبشار الخياط، هو غير معروف، والله أعلم.

2 -

وروى الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عن سالم الخياط، عن محمد بن سيرين: أنه حدثهم عن أبي بكرة: أنه دخل المسجد والناس ركوع،. . . فذكره.

أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (55/ 205).

ولا يثبت هذا؛ فإن رواية الشاميين عن زهير بن محمد التميمي: غير مستقيمة، وهذه منها، ولا يثبت أيضًا عن الوليد بن مسلم، فإن الراوي عنه: محمد -أو: محمود- بن محمد بن مرزوق البعلبكي: مجهول، ولم يرو عنه سوى محمد بن محمد بن سليمان الباغندي، وقد تكلم فيه [اللسان (7/ 473)]، والله أعلم.

3 -

هوذة بن خليفة: حدثنا حماد بن سلمة: عن علي بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبي بكرة، قال: جئت ونبي الله صلى الله عليه وسلم راكع قد حفزني النفس، فركعت دون الصف، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال:"أيكم ركع دون الصف؟ " قلت: أنا، قال:"زادك الله حرصًا، ولا تعد".

وهي رواية شاذة سبق التنبيه عليها عند حديث حماد بن سلمة.

• وحاصل ما تقدم:

ص: 487

فإن حديث أبي بكرة إنما يصح من رواية الحسن عنه، وقد صححه البخاري، وقد جوَّده، وساقه سياقة حسنة: حماد بن سلمة، وهو ثقة، إمام.

ولفظه: أن أبا بكرة جاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم راكع، فركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته، قال:"أيُّكم الذي ركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف؟ " فقال أبو بكرة: أنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"زادك الله حرصًا، ولا تَعُدْ".

وفي رواية: عن أبي بكرة: أنه دخل المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، وقد ركع، فركع، ثم دخل الصف وهو راكع، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"أيكم دخل الصف وهو راكع؟ " فقال له أبو بكرة: أنا، قال:"زادك الله حرصًا، ولا تعد".

• وفي الباب:

1 -

عن حذيفة بن اليمان:

روى ابن أبي عمر العدني في مسنده (4/ 25/ 454 - مطالب)، قال: حدثنا يوسف بن خالد البصري، عن جويبر، عن الضحاك، عن حذيفة رضي الله عنه أنه دخل والنبي صلى الله عليه وسلم راكع، فركع دون الصف، فذكروا صنيعه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:"أحسن حذيفة، وأجمل".

وهذا إسناد تالف؛ الضحاك بن مزاحم: لم يسمع من حذيفة، قاله الدراقطني في السنن (2/ 200)، وجويبر: متروك، ويوسف بن خالد السمتي: متروك، كذبه غير واحد.

قال ابن حجر في المطالب: "هذا إسناد واهٍ جدًّا".

2 -

عن أبي هريرة:

يرويه إبراهيم بن أبي داود [هو: إبراهيم بن سليمان بن داود البرلسي: ثقة حافظ. السير (13/ 393)]: حدثنا المقدَّمي [هو: محمد بن أبي بكر بن علي بن عطاء: ثقة]: حدثني عمر بن علي [بن عطاء المقدَّمي: ثقة]: حدثنا ابن عجلان، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أتى أحدكم الصلاة فلا يركع دون الصف؛ حتى يأخذ مكانه من الصف".

أخرجه الطحاوي في شرح المعاني (1/ 396)، وفي المشكل (14/ 205/ 5577).

حسن إسناده ابن حجر في الفتح (2/ 269).

لكن قال ابن رجب في الفتح (5/ 15): "ووقفه أصح".

وهو كما قال، فقد خالف المقدَّمي: أبو خالد الأحمر [سليمان بن حيان: صدوق]، ويحيى بن سعيد القطان [ثقة ثبت، إمام حجة]:

فروياه عن محمد بن عجلان، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: لا تُكبِّر حتى تأخذ مقامك من الصف. هكذا موقوفًا، وهو الصحيح.

وفي رواية: عن أبي هريرة رضي الله عنه، في الرجل يدخل المسجد والقوم ركوع، يكبر؟ قال: لا؛ حتى تأخذ مقامك في الصف.

ص: 488

أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 230/ 2633 و 2636)، ومسدد (4/ 21/ 453 - مطالب)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 186/ 1997).

وهذا موقوف من قول أبي هريرة، بإسناد صحيح.

قال ابن حجر في المطالب: "صحيح موقوف".

وعلة أخرى غير مخالفة الأحفظ والأكثر عددًا، وهو ما نُقم على عمر بن علي المقدمي من تدليس القطع، قال ابن حجر في طبقات المدلسين (123) عن المقدمي:"ثقة مشهور، كان شديد الغلو في التدليس، وصفه بذلك: أحمد وابن معين والدارقطني وغير واحد، وقال ابن سعد: ثقة، وكان يدلس تدليسًا شديدًا، يقول: ثنا، ثم يسكت، ثم يقول: هشام بن عروة، أو الأعمش، أو غيرهما، قلت: وهذا ينبغي أن يسمى تدليس القطع"[وانظر: طبقات ابن سعد (7/ 291)، الجرح والتعديل (6/ 124)، السير (8/ 513)، التهذيب (3/ 245)].

ولهذا فإنه مع كونه صرح في هذا الحديث بالسماع من ابن عجلان، إلا أنه يخشى أن يكون أخذه عن مجروح، ثم دلسه بهذه الطريقة، والله أعلم [وانظر: السلسلة الضعيفة (2/ 408/ 977)].

• وقد نسب إلى بعض الصحابة أنهم ركعوا دون الصف، ثم دبوا راكعين، حتى وصلوا إلى الصف:

1 -

عن أبي بكر الصديق:

قال البيهقي في السنن (2/ 90): وأخبرنا أبو بكر بن الحارث: أنبأ أبو محمد بن حيان: أنبأ إبراهيم بن محمد بن الحسن: أنبأ أبو عامر: ثنا الوليد بن مسلم: أخبرني ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أن أبا بكر الصديق، وزيد بن ثابت، دخلا المسجد والإمام راكع، فركعا، ثم دبا وهما راكعان، حتى لحقا بالصف.

والبيهقي يروي بهذا الإسناد نسخة عن الوليد بن مسلم [انظر: سنن البيهقي (1/ 119 و 150 و 218 و 228 و 229 و 233 و 259 و 309 و 310 و 357 و 407) و (2/ 90 و 91 و 93 و 255 و 257 و 298 و 299 و 405 و 494) و (3/ 41 و 173 و 175 و 178 و 199) و (4/ 107 و 108 و 124 و 125 و 146 و 149 و 150 و 152 و 154 و 194 و 269 و 317) و (5/ 327) و (10/ 29 و 30 و 35)]:

أما شيخ البيهقي، فهو: أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن الحارث الفقيه، أبو بكر التميمي الأصبهاني، المقرئ النحوي، الزاهد المحدث، نزيل نيسابور، حدث بسنن الدارقطني، وروى عن أبي الشيخ الأصبهاني وطائفة، وحدث عنه البيهقي، ومحمد بن يحيى المزكي، وجماعة، كان إمامًا في العربية، تخرج به أهل نيسابور [المنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابور (194)، السير (17/ 538)، تاريخ الإسلام (29/ 281)، شذرات الذهب (3/ 245)].

ص: 489

وأما أبو محمد بن حيان، فهو: أبو الشيخ الأصبهاني عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان: الحافظ الكبير، صاحب التصانيف، ثقة مأمون [السير (16/ 276)، تذكرة الحفاظ (3/ 945)].

وأما إبراهيم بن محمد بن الحسن، فإنه يُعرف بابن متويه، إمام جامع أصبهان: ثقة حافظ، عابد [طبقات أصبهان (3/ 450)، معجم ابن المقرئ (665)، تاريخ أصبهان (1/ 231)، السير (14/ 142)، التذكرة (2/ 740)].

وأما أبو عامر، فهو: موسى بن عامر بن عمارة بن خريم المري الخريمي الدمشقي، ويُعرف بابن أبي الهيذام، ذكره ابن حبان في الثقات (9/ 162)، وقال:"يغرب"، وقال عبدان:"سمعت أبا داود السجستاني يقول: حدثنا ابن أبي الهيذام عن الوليد عن الأوزاعي، يشبه حديث هِقل، وكان أبو داود لا يحدث عنه"[الكامل (6/ 350)]، قلت: كأنه يقول: حديثه عن الوليد عن الأوزاعي، يشبه حديث هقل عن الأوزاعي، ولا يشبه حديث الوليد عن الأوزاعي، وقد روى عنه أبو داود في السنن حديثين (2908 و 2932)، وأثرًا (4639)، ولعله احتاج إليه، فإن أبا داود يخرج حديث الوليد من طريق أصحابه المشاهير، مثل: أحمد بن حنبل، وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، وهشام بن عمار، ومحمود بن خالد، وصفوان بن صالح، وإبراهيم بن العلاء الزبيدي، وعمرو بن عثمان الحمصي، ويزيد بن عبد ربه الجرجسي، ومحمد بن المثنى أبي موسى الزمن، وجماعة غيرهم.

وقال عنه ابن عدي في الكامل (6/ 350): "ولموسى هذا غير حديث مما يعز وجوده عن الوليد، وعن غيره، ويروي إفرادات، وكان يروي عن الوليد ما كان يروي المتقدمون عن الوليد، وكانوا يجعلونه -من لم يلحق هشامًا ودحيمًا- عوضًا منهما، وكان عنده بعض أصناف الوليد".

قال ابن عساكر: "وليس بعجب أن يروي أبو عامر عن الوليد ما رواه عنه المتقدمون"، ثم ساق حكاية تدل على أن الوليد بن مسلم قد خص أبا عامر بما لم يخص به غيره، والشاهد منها ما قال أبو الحسن محمد بن الفيض:"فكان عند أبي عامر من كتب الوليد ما لم يكن عند الشيخين بدمشق؛ هشام ودحيم، فلما مات هشام ودحيم، أقبل إليه أصحاب الحديث، فقالوا له: يا أبا عامر حدثنا؛ فإن عندك شيئًا لا نصيبه عند غيرك، فجلس لهم أبو عامر،. . . "[تاريخ دمشق (60/ 439)].

ولذا قال الذهبي في المغني (2/ 684): "موسى بن عامر المري، صاحب الوليد بن مسلم: صدوق، تكلم فيه بلا حجة، ولا ينكر له تفرده عن الوليد؛ فإنه مكثر عنه"، وقال نحوه في الميزان (4/ 209) [وانظر: تاريخ الإسلام (19/ 356)، توضيح المشتبه (3/ 206)، التهذيب (4/ 179)].

والوليد بن مسلم، وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وأبوه ثابت بن ثوبان، ومكحول: شاميون ثقات.

ص: 490

وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المدني: ثقة، أحد الفقهاء السبعة، لكنه لم يدرك أبا بكر، فقد ولد في خلافة عمر، وذكره ابن المديني فيمن لم يثبت له لقاء زيد بن ثابت [التهذيب (4/ 491)، جامع التحصيل (936)، تحفة التحصيل (358)]، فهو منقطع، وإسناده غريب، فهو مدني، ثم شامي، ثم أصبهاني.

فلا يثبت فيه عن أبي بكر شيئًا.

قال ابن رجب في الفتح (5/ 14): "وروي أيضًا فعله عن أبي بكر الصديق، خرجه البيهقي بإسناد منقطع".

2 -

عن زيد بن ثابت:

رواه معمر، ويونس بن يزيد الأيلي، وسفيان بن عيينة [في رواية عنه]، وابن أبي ذئب:

عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، قال: رأيت زيد بن ثابت دخل المسجد والإمام راكع، فاستقبل فكبر، ثم ركع، ثم دبَّ راكعًا، حتى وصل إلى الصف. لفظ معمر.

ولفظ يونس، وابن عيينة: عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف: أنه رأى زيد بن ثابت دخل المسجد والإمام راكع، فمشى حتى إذا أمكنه أن يصل إلى الصف وهو راكع، كبر فىكع، ثم دبَّ وهو راكع، حتى وصل الصف.

أخرجه ابن وهب في الجامع (417)، وسحنون في المدونة (1/ 70)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 186/ 1999)، والطحاوي في شرح المعاني (1/ 398)، وفي المشكل (14/ 206)، والبيهقي في السنن (2/ 90)(6/ 103)، وفي المعرفة (1/ 579/ 825).

وهذا إسناد صحيح.

• لكن رواه مالك، وابن عيينة، وشعيب بن أبي حمزة، والأوزاعي:

عن ابن شهاب الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، أنه قال: دخل زيد بن ثابت المسجد فوجد الناس ركوعًا، فركع، ثم دبَّ حتى وصل الصف. لفظ مالك.

وفي رواية شعيب: أن زيد بن ثابت كان إذا دخل المسجد والناس ركوع؛ استقبل القبلة، فكبر، ثم ركع، ثم دب وهو راكع، حتى يصل إلى الصف.

أخرجه مالك في الموطأ (1/ 233/ 454)، وابن أبي شيبة (1/ 229/ 2624)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 186/ 1998)، والطحاوي في شرح المعاني (1/ 398)، وفي المشكل (14/ 206)، والطبراني في مسند الشاميين (4/ 162/ 3003)، والبيهقي (2/ 91) و (3/ 106).

وقد يقال في هذا بأن صورته مرسل، فيقال: ليس كذلك؛ بل هو متصل صحيح؛ وذلك لعدة دلائل: الأول: أن جماعة من ثقات أصحاب الزهري المقدّمين فيه، مثل: معمر، ويونس، وابن عيينة، قد رووه متصلًا، الثاني: أن أبا أمامة لا ينكَر إدراكه وشهوده

ص: 491

لهذه الواقعة، الثالث: أن ابن المديني قد أثبت لأبي أمامة لقاء زيد بن ثابت [العلل لابن المديني (38)].

لذا قال ابن عبد البر في الاستذكار (2/ 314): "حديث زيد بن ثابت في هذا الباب: متصل صحيح".

وانظر في الأوهام: القراءة خلف الإمام للبخاري (240)، فتح الباري لابن رجب (5/ 16).

• وروى وكيع، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن كثير بن أفلح، عن زيد بن ثابت: أنه دخل والقوم ركوع، فركع دون الصف، ثم دخل الصف.

أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 229/ 2625).

وهذا إسناد رجاله ثقات؛ غير عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب التيمي المدني، فإنه: ليس بالقوي، وقد وثقه جماعة [انظر: التهذيب (3/ 18)، إكمال مغلطاي (9/ 43)، الميزان (3/ 12)، التاريخ الأوسط (3/ 284/ 450)، تخريج الذكر والدعاء (142)]، وكثير بن أفلح أدرك زيد بن ثابت، وجالسه، وكان فيمن كتب المصاحف [انظر: المصنف لعبد الرزاق (1/ 529/ 2025)، المصنف لابن أبي شيبة (5/ 275/ 26038)، العلل ومعرفة الرجال (2/ 390/ 2743)، أخبار المدينة (2/ 118)، أخبار مكة للفاكهي (1/ 310/ 639)، المصاحف لابن أبي داود (87 و 88)، السنن الكبرى للبيهقي (10/ 240)، وغيرها، [وانظر: تخريج الذكر والدعاء (1/ 217/ 120)].

فهو صالح في المتابعات.

قال الطحاوي: حدثنا ابن أبي داود [إبراهيم بن سليمان بن داود البرلسي: ثقة حافظ. السير (13/ 393)]: حدثنا سعيد بن أبي مريم [مصري، ثقة ثبت]: أخبرنا ابن أبي الزناد [حديثه بالمدينة: صحيح، وما حدث ببغداد أفسده البغداديون؛ إلا ما كان من رواية سليمان بن داود الهاشمي؛ فأحاديثه عنه حسان، وليس هذا من الأول ولا الأخير. انظر ما تقدم تحت الحديث رقم (148)]: أخبرني أبي [عبد الله بن ذكوان: ثقة ثبت]، عن خارجة أبن زيد بن ثابت: ثقة إمام، أحد الفقهاء السبعة]: أن زيد بن ثابت كان يركع على عتبة المسجد، ووجهه إلى القبلة، ثم يمشي معترضًا على شقه الأيمن، ثم يعتد بها إن وصل إلى الصف، أو لم يصل.

أخرجه الطحاوي في شرح المعاني (1/ 398)، وفي المشكل (14/ 207).

وهذا عندي شاذ، إذ المحفوظ ما تقدم بإسناد مدني صحيح، وله متابعة صالحة، وأخشى أن لا يكون ابن أبي مريم حمله عن ابن أبي الزناد بالمدينة، وأن يكون حمله عنه ببغداد، والله أعلم.

وله إسناد آخر عند عبد الرزاق (2/ 283/ 3380).

• والحاصل: أنه قد صح عن زيد بن ثابت: أنه كان إذا دخل المسجد والإمام

ص: 492

راكع، مشى حتى إذا أمكنه أن يصل إلى الصف وهو راكع، كبر فركع، ثم دبَّ وهو راكع، حتى يصل إلى الصف.

فدل ذلك على أنه لم يكن يفعل هذا إذا غلب على ظنه عدم إدراك الصف والإمام راكع، والله أعلم.

3 -

عن ابن مسعود:

روى سفيان الثوري، وأبو الأحوص، وزائدة بن قدامة، وأبو عوانة:

ثنا منصور، عن زيد بن وهب، قال: خرجت مع عبد الله -يعني: ابن مسعود- من داره إلى المسجد، فلما توسَّطنا المسجد ركع الإمام، فكبر عبد الله ثم ركع، وركعت معه، ثم مشينا راكعَين حتى انتهينا إلى الصف حتى [وفي رواية: حين] رفع القوم رؤوسهم، فلما قضى الإمام الصلاة، قمت وأنا أرى أني لم أدرك، فأخذ عبد اللَّه بيدي فأجلسني، وقال: إنك قد أدركت. لفظ أبي الأحوص.

ولفظ زائدة: دخلت أنا وعبد الله المسجد، والقوم ركوع، فركعنا، ثم مشينا حتى دخلنا في القوم، فرفعوا رؤوسهم، ورفعنا معهم، فلما أن فرغنا من الصلاة قمت لأقضي؛ فحدثني عبد الله فقال: قد أتممت الصلاة.

وقال أبو عوانة: فانتهينا إلى الصف، فرفعوا رؤوسهم.

أخرجه عبد الرزاق (2/ 283/ 3381)، وابن أبي شيبة (1/ 229/ 2622)(2/ 463/ 2637 - ط عوامة)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 187/ 2000) و (4/ 196/ 2024)، والطحاوي في شرح المعاني (1/ 397)، وفي المشكل (14/ 208)، والطبراني في الكبير (9/ 271/ 9353 - 9355)، والبيهقي (2/ 90).

قال ابن عبد البر في الاستذكار (2/ 314): "متصل صحيح من رواية أئمة أهل الحديث".

قلت: وهو كما قال، إسناده كوفي صحيح، رجاله أئمة ثقات، روى لهم الجماعة.

• وقد روى إبراهيم بن يزيد النخعي هذه القصة، فبين الموضع الذي انتهيا فيه إلى الصف، وأنهما صفا مع الناس حين قال الإمام: سمع الله لمن حمده، لكنه أرسلها:

فقد روى الطبراني في الكبير (9/ 272/ 9359) بإسناد صحيح، إلى مغيرة بن مقسم، عن إبراهيم، قال: دخل عبد الله المسجد، ودخل معه، فركع الإمام، فركعنا قبل أن انتهينا إلى الصف، ثم انتهينا إلى الصف حين قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فلما سلم الإمام، قام صاحب عبد الله ليقضي، فأخذ عبد الله بثوبه، فقال: اجلس؛ فقد أدركت الصلاة.

ومغيرة: ثقة متقن، إلا أنه كان يدلس عن إبراهيم، فحديثه عن إبراهيم مدخول، وقال أحمد بأن عامة ما رواه عن إبراهيم إنما سمعه من غيره [التهذيب (4/ 138)].

وعلى هذا فالعمدة على رواية منصور المتصلة.

• وروى بشير بن سلمان: حدثنا سيار أبو الحكم، عن طارق بن شهاب، قال: كنا

ص: 493

عند عبد الله جلوسًا، فجاء رجل، فقال: قد أقيمت الصلاة، فقام وقمنا معه، فلما دخلنا المسجد، رأينا الناس ركوعًا في مقدَّم المسجد، فكبر وركع، وركعنا ثم مشينا، وصنعنا مثل الذي صنع، فمر رجل يسرع، فقال: عليك السلام يا أبا عبد الرحمن، فقال: صدق الله و [بلَّغ] رسوله، فلما صلينا ورجعنا، دخل إلى أهله، جلسنا [وفي رواية: فولج على أهله، وجلسنا في مكاننا ننتظره حتى يخرج]، فقال بعضنا لبعض: أما سمعتم رده على الرجل: صدق الله وبلغت رسله، أيكم يسأله؟ فقال طارق: أنا أسأله، فسأله حين خرج، فذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم[وفي رواية: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول]: "أن بين يدي الساعة: تسليم الخاصة، وفشو التجارة، حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، [زاد في رواية: وحتى يخرج الرجل بماله إلى أطراف الأرض فيرجع فيقول: لم أربح شيئًا]، وقطع الأرحام، وشهادة الزور، وكتمان شهادة الحق، وظهور القلم".

أخرجه البخاري في الأدب المفرد (1049)، والحاكم (4/ 98 و 445)، وأحمد (1/ 407 و 419)، والطحاوي في شرح المعاني (1/ 398)، وفي المشكل (4/ 263) و (14/ 208)، وابن عبد البر في التمهيد (17/ 297)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (1/ 172/ 254).

رواه عن بشير بن سلمان به هكذا: أبو نعيم الفضل بن دكين، ويحيى بن آدم، وأبو أحمد الزبيري [وهم ثقات]، فقالوا: عن سيار أبي الحكم.

قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه".

ورواه محمد بن سابق [صدوق]: نا بشير بن سلمان أبو إسماعيل، عن سيار به، ولم يكنه.

أخرجه الهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (2/ 197/ 765)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (4/ 1774/ 4499).

• ولبشير بن سلمان هذا أحاديث بنفس هذا الإسناد، فمنها:"من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس، كان قَمِنًا من أن لا تسدَّ حاجته، ومن أنزلها بالله عز وجل أتاه الله برزق عاجل، أو موت آجل"، وفي لفظ له:"من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله تبارك وتعالى أوشك الله له بالغنى، إما موتًا عاجلًا، أو غنى آجلًا"، واختلف في لفظه كثيرًا.

رواه وكيع، وأبو نعيم، وأبو أحمد الزبيري، وعبد الله بن داود الخريبي، ومحمد بن بشر العبدي، ومحمد بن يوسف الفريابي، وإسماعيل بن عمر الواسطي، وشعيب بن حرب، ويعلى بن عبيد، وأبو قتيبة سلم بن قتيبة، وإسحاق بن سليمان الرازي [وهم ثقات][والثلاثة الآخرون لم يكنوا سيارًا، ولم ينسبوه]:

عن بشير بن سلمان، عن سيار أبي الحكم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله بن مسعود به مرفوعًا.

أخرجه أبو داود (1645)، وأحمد (1/ 389 و 407 و 442)، وابن أبي شيبة في

ص: 494

المسند (337)، وهناد بن السري في الزهد (1/ 328/ 600)، والبزار (4/ 286/ 1458)، وأبو يعلى (9/ 217/ 5317) و (9/ 275/ 5399)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (1/ 11 و 13/ 11 و 12 - مسند عمر)، والطحاوي في المشكل (15/ 325/ 6053 - 6055)، والهيثم بن كليب الشاشي في مسنده (2/ 195 - 196 و 200/ 764 و 769)، والطبراني في الكبير (10/ 13/ 9785)، وابن منده في فتح الباب (2219)، وأبو نعيم الحلية (8/ 314)، والقضاعي في مسند الشهاب (544)، والبيهقي في الشعب (2/ 29/ 1078) و (2/ 120/ 1350)، وفي الآداب (1121)، والخطيب في تلخيص المتشابه في الرسم (1/ 568 و 569)، والشجري في الأمالي الخميسية (2/ 265).

• ورواه عبد الرزاق، وعبد الرحمن بن مهدي [وقال: سيار، ولم يكنه]، وعمر بن علي المقدمي، والمعافى بن عمران [كذا وقعت روايته عند الدولابي في الكنى (893): عن سيار أبي حمزة، والإسناد إليه صحيح، ووقع عند الخطيب في التلخيص: عن سيار أبي الحكم، وفي الإسناد إليه من لم يوثق، وقد روى عنه جماعة من الأئمة] [فروايته الموافقة للجماعة عن سفيان أولى لصحة إسنادها، والله أعلم]:

عن سفيان الثوري، عن بشير أبي إسماعيل، عن سيار أبي حمزة، عن طارق بن شهاب، عن ابن مسعود به مرفوعًا.

أخرجه الترمذي (2326)(4/ 360/ 2479 - ط الأرنؤوط)، وأحمد (1/ 442)، وابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدة (25)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (1/ 13/ 13 - مسند عمر)، والدولابي في الكنى (1/ 296/ 512) و (2/ 492/ 893)، والطبراني في الكبير (10/ 13/ 9786)، والخطيب في تلخيص المتشابه في الرسم (1/ 569 و 570).

• ورواه عبد الله بن المبارك، عن بشير بن سلمان، عن سيار أبي حمزة به.

أخرجه أبو داود (1645)، وابن المبارك في الزهد (132 - زيادات نعيم بن حماد على حسين المروزي)[ولم يكنه]. والحاكم (1/ 408)[ولم يكنه]. والبيهقي في السنن (4/ 196)[ولم يكنه]. والبغوي في شرح السنة (14/ 302/ 4109)[وكناه أبا الحكم، ولا أظنه محفوظًا].

قال الترمذي: "حسن صحيح غريب"[وكذا هو في نسخ الكروخي (4/ 360/ 2479 - ط الأرنؤوط)، و (2/ 58 - نسخة هندية)، وفي نسخة تحفة الأحوذي (6/ 509/ 2428)، وهكذا نقله: الضياء المقدسي في فضائل الأعمال (298)، وابن كثير في التفسير (3/ 35)، والمزي في التحفة (6/ 320/ 9319)، والصدر المناوي في كشف المناهج (2/ 120/ 1326)، وعبد الرؤوف المناوي في الفيض (6/ 66)، وقال المنذري في الترغيب (1/ 337/ 1239) و (2/ 316/ 2529): "حسن صحيح ثابت"، وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الكبرى (3/ 334): "حسن غريب"، وقال النووي في رياض الصالحين (534): "حسن"، وقال ابن القيم في المدارج (2/ 236): "حسن صحيح"].

ص: 495

وقال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا بهذا الإسناد".

وقال الحاكم: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه".

وقال أبو نعيم: "غريب، لم يروه عن طارق إلا سيار، ولا عنه إلا بشير".

وقال البغوي: "حسن غريب"، وهو في الغالب ينقل حكم الترمذي.

• هكذا روى جماعة الثقات [وهم تسعة، بعضهم حفاظ، مثل: وكيع، وأبي نعيم، ويحيى بن آدم، وعبد الله بن داود الخريبي، ومحمد بن بشر العبدي]، فقالوا: عن سيار أبي الحكم، ورواه أربعة من الثقات، فقالوا: عن سيار، غير مكني، ولا منسوب، ورواه سفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك [في رواية عنه][وهما من هما في الإمامة، والحفظ والإتقان، والضبط والتثبت]، فقالا: عن سيار أبي حمزة.

• وقد اختلف الأئمة فيمن هو سيار هذا:

فذهب البخاري إلى أن الذي روى عن طارق بن شهاب، وعنه: بشير بن سلمان، هو: سيار بن أبي سيار، وهو سيار بن وردان الواسطي، كنيته أبو الحكم [التاريخ الكبير (4/ 161)].

وقال في سيار أبي حمزة: "عن قيس بن أبي حازم، عن جرير، قال: عزم عليَّ عمر لأكتوين، قاله لنا أبو نعيم، عن الثوري، عن عبد الملك بن أبجر، عن سيار، يعد في الكوفيين"[التاريخ الكبير (4/ 160)].

وتبعه في الترجمتين: ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (4/ 254 و 255)، وابن حبان في الثقات (6/ 421).

وكذا ترجم لسيار أبي الحكم في الكنى، في كونه يروي عن طارق بن شهاب: مسلم (1/ 240/ 809)، والدولابي (2/ 478 - 485)، وأبو أحمد الحاكم (4/ 19/ 1662)، وابن عبد البر (1/ 561/ 604 - الاستغناء).

وقال ابن حجر في التهذيب (2/ 143): "وتبع البخاري أيضًا في أنه يروي عن طارق: مسلم في الكنى، والنسائي، والدولابي، وغير واحد، وهو وهم؛ كما قال الدارقطني"[وانظر: إكمال مغلطاي (6/ 188)].

وتتلخص حجة هؤلاء الأئمة في أن سيارًا هذا هو سيار بن أبي سيار أبو الحكم: أن هذا هو قول جماعة الثقات، وفيهم أئمة حفاظ، والله أعلم.

قال الخطيب في تلخيص المتشابه (1/ 568) بعد ما حكى قول البخاري: "وقد أنكر أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعمرو بن علي أن يكون الذي روى بشير بن سلمان عنه عن طارق بن شهاب: سيارًا أبا الحكم، وقالوا: إنما هو سيار أبو حمزة، فالله أعلم".

قلت: هاك أقوال الأئمة الذين خالفوهم، مع سياق حجتهم في ذلك:

قال أحمد في المسند (1/ 442) بعد رواية الثوري: "وهو الصواب: سيار أبو

ص: 496

حمزة"، قال: "وسيار أبو الحكم لم يحدث عن طارق بن شهاب بشيء".

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل في العلل ومعرفة الرجال (1/ 329/ 588): "قلت لأبي: حديث بشير أبي إسماعيل عن سيار أبي الحكم عن طارق عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من نزلت به فاقة"؟ قال أبي: إنما هو سيار أبو حمزة، وليس هو سيار أبو الحكم؛ أبو الحكم لم يحدث عن طارق بشيء، حدثني أبي، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفيان، قال أبي: أملاه عليهم باليمن سفيان عن بشير أبي إسماعيل عن سيار أبي حمزة، فذكر هذا الحديث بعينه"[نقله: الدولابي في الكنى (1/ 301/ 530)، والبيهقي في شعب الإيمان (2/ 29/ 1079)، وابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (1/ 338)، والخطيب في التلخيص (1/ 570)، والعلائي في جامع التحصيل (277)].

وذكر أحمد أن سفيان أملاه عليهم باليمن يريد بذلك صحة سماع عبد الرزاق من سفيان، فإن سماعه من سفيان باليمن صحيح، وسماعه منه بمكة مضطرب جدًّا [انظر: شرح العلل (2/ 770)].

وقال في موضع آخر (2/ 10/ 1373): "حدث وكيع بحديث بشير أبي إسماعيل عن سيار أبي الحكم عن طارق بن شهاب عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من نزلت به فاقة"، وقال غير وكيع: سيار أبو حمزة، قال أبي: وبشير أبو إسماعيل لم يسمع من سيار أبي الحكم، إنما هو سيار أبو حمزة، وليس أبو الحكم".

وقال الأثرم: "قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: والذي يروي عنه بشير هو سيار أبو حمزة، ليس قولهم سيار أبو الحكم بشيء، أبو الحكم سيار ما له ولطارق بن شهاب، إنما هذا سيار أبو حمزة الذي يروي عنه ابن أبجر وغيره.

قلت لأبي عبد الله: الذي يروي حديث جرير عن عمر في الكي؟ فقال: نعم، ذاك.

قال أبو عبد الله: وكنت أظن أن أبا نعيم هو الذي يقول: سيار أبو الحكم في حديث بشير، فإذا غير واحد يقول أيضًا: أبو الحكم، قال: فأظن أن الشيخ بشيرًا لقنوه هذا فقاله" [تلخيص المتشابه (1/ 570)].

وقال ابن الجنيد: "سألت يحيى عن بشير بن سلمان؟ فقال: ثقة كوفي، الذي روى عن سيار، وليس هو سيار أبي الحكم، هو سيار أبو حمزة"[سؤالاته ليحيى بن معين (821)][وانظر: تاريخ ابن معين للدوري (4/ 20 و 23 و 30/ 2935 و 2950 و 2982)، الكنى للدولابي (2/ 487)].

وقال عمرو بن علي الفلاس بعد أن رواه عن أبي أحمد الزبيري به مكنيًا بأبي الحكم، قال أبو حفص:"أخطأ، إنما هو سيار أبو حمزة"[فتح الباب (2219)].

وقال بعد أن رواه عن أبي قتيبة سلم بن قتيبة به حيث قال: سيار ولم يكنه: "وهو سيار أبو حمزة"، ثم ذكر أبو حفص الفلاس رواية الثوري غير منسوبة، ورواية أبي أحمد الزبيري وقد كناه أبا الحكم، قال أبو حفص: "والصواب: سيار أبي حمزة، وإنما روى

ص: 497

حديثين [كذا] عن قيس، عن جرير: أقسم عليَّ عمر لأكتوين" [تلخيص المتشابه (1/ 571)].

وقال أبو داود: "هو سيار أبو حمزة، ولكن بشير كان يقول: سيار أبو الحكم، وهو خطأ"[تهذيب الكمال (12/ 316)، تهذيب التهذيب (2/ 142)].

وقال الدارقطني في المؤتلف (3/ 1220): "قول البخاري [يعني في ترجمة سيار أبي الحكم] إنه سمع طارق بن شهاب، وهمٌ منه، وممن تابعه على ذلك، والذي يروي عن طارق هو سيار أبو حمزة، قال ذلك: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهما"[نقله ابن ماكولا في الإكمال (4/ 425)، والمزي في تهذيب الكمال (12/ 316)].

وقال في العلل (5/ 116/ 762): "وقولهم: سيار أبو الحكم: وهم، وإنما هو سيار أبو حمزة الكوفي، كذلك رواه عبد الرزاق عن الثوري عن بشير عن سيار أبي حمزة، وهو الصواب، وسيار أبو الحكم: لم يسمع من طارق بن شهاب شيئًا، ولم يرو عنه".

وتبعهم على ذلك: ابن منده في الكنى (2219).

وقال المزي في التهذيب (12/ 316) بأن بشير كان يقول فيه: سيار أبو الحكم، قال:"وهو وهم منه".

وقال ابن حجر في التقريب (263): "سيار أبو الحكم العنزي:. . . وهو أخو مساور الوراق لأمه، ثقة، وليس هو الذي يروي عن طارق بن شهاب، من السادسة، مات سنة اثنتين وعشرين. ع".

ثم قال: "سيار أبو حمزة الكوفي: مقبول من الخامسة، ووقع في الإسناد: عن سيار أبي الحكم عن طارق، والصواب: عن سيار أبي حمزة".

وتتلخص حجة هؤلاء الأئمة في أن سيارًا هذا هو سيار أبو حمزة، فيما يلي:

أ- إن هذا هو قول إمامين جليلين: الثوري، وابن المبارك، وهما إماما أهل الحديث في: الحفظ، والضبط، والإتقان، في زمانهما.

ب- وإن سيارًا أبا الحكم لا يُعرف بالرواية عن طارق بن شهاب بشيء، إلا في هذا الإسناد الذي تفرد به بشير بن سلمان، وروى به عدة أحاديث، وجزم الدارقطني بأنه لم يسمع من طارق بن شهاب شيئًا، ولم يرو عنه.

ج- إن بشير بن سلمان: كوفي، وسيار أبو الحكم: واسطي، فهو غريب عنه، وأما سيار أبو حمزة فإنه كوفي، ورواية الرجل عن أهل بلده أولى وأقرب من روايته عن الغرباء.

د- إن الإمام أحمد قد جزم بأن بشير بن سلمان لم يسمع من أبي الحكم، وذلك لاختلاف البلدان، واختلاف طبقة أبي الحكم وأبي حمزة، فأبو حمزة أكبر من أبي الحكم، وأما البخاري فقد أثبت له السماع بناءً على الحجة السابق ذكرها [انظر: التاريخ الكبير (2/ 99)].

ص: 498

هـ- ولم يتفق الرواة عن بشير بن سلمان في ذلك، بل قد اختلفوا، فمنهم من قال: عن سيار أبي الحكم، ومنهم من قال: عن سيار حسب، ومنهم من قال: عن سيار أبي حمزة.

و- أن رواية سفيان الثوري قد احتفت بها عدة قرائن تدل على أنها هي المحفوظة: فمنها: حفظ سفيان وضبطه، فقد كان أحفظ أهل زمانه، وكان أحفظ من شعبة بن الحجاج، ثم رواه عنه عبد الرزاق، وسمعه منه باليمن، قال الأثرم في سؤالاته (2):"قال أبو عبد الله: سماع عبد الرزاق من سفيان بمكة مضطرب، فأما سماعه باليمن الذي أملى عليهم، فذاك صحيح جدًّا، كان القاضي يكتب، فكانوا يصححون".

وقال ابن رجب في شرح العلل (2/ 771): "قال أبو عبد الله أحمد: قال عبد الرزاق: كان هشام بن يوسف القاضي يكتب بيده، وأنا أنظر، -يعني: عن سفيان باليمن-، قال عبد الرزاق: قال سفيان: ائتوني برجل خفيف اليد، فجاؤوه بالقاضي، وكان ثم جماعة يسمعون، لا ينظرون في الكتاب، قال عبد الرزاق: وكنت أنا أنظر، فإذا قاموا ختم القاضي الكتاب.

قال أبو عبد الله: لا أعلم أني رأيت ثمة خطأ إلا في حديث بشير بن سلمان، عن سيار، قال: أظن أني رأيته عن سيار، عن أبي حمزة، فأراهم أرادوا: عن سيار أبي حمزة، فغلطوا، فكتبوا: عن سيار، عن أبي حمزة".

قال ابن رجب: "هذا كله كلام أحمد رحمه الله ليبين به صحة سماع عبد الرزاق باليمن من سفيان، وضبط الكتاب الذي كتب هناك عنه".

يضاف إلى ذلك عدم تفرد عبد الرزاق عن الثوري بذلك، بل قد تابعه: عمر بن علي المقدمي، والمعافى بن عمران، وهما ثقتان.

ز- ذهب أحمد وأبو داود إلى تخطئة بشير بن سلمان في ذلك، وأن الخطأ منه، لا من هؤلاء الثقات الذين رووه عنه فقالوا: عن سيار أبي الحكم، وغلب على ظن الإمام أحمد أن هذا كان تلقنه بشير.

وكلام يحيى بن معين يُشعر بذلك، فإنه لما سئل عن بشير بن سلمان، فقال:"ثقة كوفي، الذي روى عن سيار، وليس هو سيار أبي الحكم، هو سيار أبو حمزة"[سؤالات ابن الجنيد ليحيى بن معين (821)]، فكلامه يُشعر بأن بشيرًا هو الذي أخطأ فيه، فقال: أبو الحكم، وإنما هو أبو حمزة، كما رواه مرة على الصواب، في رواية الثوري وابن المبارك، كما أن قول أبي حفص الفلاس:"أخطأ، إنما هو سيار أبو حمزة"، يمكن حمله على تخطئة بشير أيضًا، والله أعلم.

ح- أن بشير بن سلمان النهدي، أبا إسماعيل الكوفي، الذي اختلف عليه في ذلك: لم يكن بذاك الحافظ الذي يعتمد على حفظه، فهو وإن وثقه: أحمد، وابن معين، والعجلي، وقال أبو حاتم:"صالح الحديث"، وذكره ابن حبان في الثقات، فقد قال عنه

ص: 499

أبو داود والدارقطني: "لا بأس به"، وقال عنه البزار:"حدَّث بغير حديث لم يشاركه فيه أحد"، يعني: أنه كان ممن يخطئ ويُغرب، فإذا انضاف إلى ذلك قول ابن سعد:"كان شيخًا قليل الحديث"، فإن مثله عندئذ إذا اختلف عليه الثقات، يكون الحمل عليه فيه، لا على الثقات الذين اختلفوا عليه، ولذا لخص الذهبي ما قيل فيه بقوله:"صدوق، وفيه لين"، وقال مرة أخرى:"صالح الحديث، وفيه لين"، والله أعلم [انظر: التهذيب (1/ 235)، طبقات ابن سعد (6/ 360)، التاريخ الكبير (2/ 99)، سؤالات الآجري (118)، الجرح والتعديل (2/ 374)، الثقات (6/ 98)، سؤالات البرقاني (53)، المغني (1/ 108)، الميزان (1/ 329)].

وبذا يظهر أن حجة الذين قالوا بأنه سيار أبو حمزة: أقوى وأظهر، ومعهم من الأدلة والبراهين ما يجعل النفس تطمئن إلى صحة قولهم، والله أعلم.

وسيار أبو حمزة: ذكره ابن حبان في الثقات (6/ 421)، وروى عنه جماعة من الثقات، وهو قليل الحديث، وأكثر حديثه يرويه عنه بشير بن سلمان أبو إسماعيل النهدي بهذا الإسناد، وقال ابن القطان:"لا يُعرف"[التهذيب (2/ 143)، بيان الوهم (4/ 550/ 2102)، [وانظر: الإتحاف (10/ 266/ 12719)].

فالأحاديث المروية بهذا الإسناد: أحاديث غرائب، تفرد بها بشير بن سلمان، عن سيار أبي حمزة الكوفي، عن طارق بن شهاب.

والترمذي حكم على أحدها بالغرابة، وأما تصحيحه له: فإن ثبت عنه؛ فإنه مبني على متابعته لشيخه البخاري في كون سيار هذا هو ابن أبي سيار أبا الحكم الواسطي، وليس كذلك، والله أعلم.

• فإن قيل: قد رُوي حديث تسليم الخاصة والسلام للمعرفة عن ابن مسعود من وجوه آخر كثيرة [انظر مثلًا: صحيح ابن خزيمة (2/ 284/ 1326)، المستدرك (4/ 445 و 446 و 524)، مسند أحمد (1/ 405 - 406)، الأم (7/ 186)، مسند الطيالسي (393)، مصنف عبد الرزاق (3/ 155/ 5137)، مسند ابن أبي شيبة (210 و 377)، شرح مشكل الآثار (4/ 266)، مسند الشاشي (267)، المعجم الكبير للطبراني (9/ 296 و 297/ 9486 - 9491) و (18/ 13/ 17)، السنن الواردة في الفتن (437)، السنن الكبرى للبيهقي (2/ 245)، شعب الإيمان (6/ 431/ 8778)، المطالب العالية (18/ 378/ 4497)، [وانظر: السلسلة الصحيحة (647 - 649 و 2787)، والسلسلة الضعيفة (1530 و 1531)].

وفي بعضها ما يشهد لكون راوي هذا الحديث هو سيار أبو حمزة:

فقد روى حماد بن سلمة، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة: أنه كان مع مسروق، وابن مسعود بينهما، فجاء أعرابي، فقال: السلام عليك يا ابن أم عبد، فضحك عبد الله بن مسعود، فقال: ممَّ تضحك؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن من أشراط الساعة: السلام بالمعرفة، وأن يمرَّ الرجل بالمسجد ثم لا يصلِّي فيه، [وأن يبرد

ص: 500

الشابُّ الشيخَ فيما بين الأفقين، وأن يتطاول الحفاة العراة رعاة الشاة في البنيان] ".

أخرجه الحارث بن أبي أسامة (2/ 787/ 792 - بغية الباحث)، وابن المنذر في الأوسط (5/ 131/ 2527)، والطحاوي في المشكل (4/ 265).

فيقال: لا يمكن القول بأن أبا حمزة المذكور في هذا الإسناد هو سيار، لوجوه كثيرة، لا داعي للإطالة بذكرها، حاصلها: أن أبا حمزة المذكور في هذا الإسناد إنما هو: ميمون الأعور القصاب الكوفي الراعي، صاحب إبراهيم: ضعيف، وهو في إبراهيم النخعي: ضعيف جدًّا، قال ابن عدي:"وأحاديثه التي يرويها خاصة عن إبراهيم مما لا يتابع عليها"[الكامل (6/ 413)، التهذيب (4/ 200)].

بل جاء التصريح باسمه من غير رواية حماد بن سلمة، عند: الطبراني في الكبير (9/ 297/ 9490)، وابن عدي في الكامل (6/ 412).

• وروى الطبراني في الكبير (9/ 271/ 9357) بإسناد صحيح، إلى حماد بن سلمة، عن الحجاج، عن عبد الله بن يزيد النخعي، عن يزيد بن أحمر، عن ابن مسعود، قال: إذا ركع أحدكم فمشى إلى الصف قبل أن يرفعوا رؤوسهم: فإنه يَعْتَدُّ بها، وإن رفعوا رؤوسهم قبل أن يصل إلى الصف: فلا يَعْتَدُّ بها.

وهذا إسناد ضعيف؛ يزيد بن أحمر: فيه جهالة، ذكره ابن حبان في الثقات، ولم يُذكر له راوٍ غير عبد الله بن يزيد النخعي الصُّهباني، ولا يُعرف له سماع من ابن مسعود [التاريخ الكبير (8/ 318)، الجرح والتعديل (9/ 251)، الثقات (5/ 535)]، وحجاج هو ابن أرطأة، وليس بالقوي، يدلس عن الضعفاء والمتروكين، ولم يذكر سماعًا.

ولهذه القصة موضع الشاهد أسانيد آخر عن ابن مسعود من قوله وفعله، لا تخلو من مقال، عند: الحاكم في المستدرك (4/ 524)، وأحمد في المسند (1/ 387)، وعبد الرزاق (2/ 283/ 3382)، وابن أبي شيبة في المصنف (1/ 229/ 2623)، وفي المسند (210 و 377)، والطبراني في الكبير (9/ 271 و 272 و 297/ 9356 و 9358 و 9491)، والبيهقي (2/ 245)، والمطالب العالية (18/ 378/ 4497).

4 -

عن عبد الله بن الزبير:

روى عبد اللَّه بن وهب: أخبرني ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح: أنه سمع عبد الله بن الزبير على المنبر، يقول للناس: إذا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع فليركع حين يدخل، ثم ليدب راكعًا حتى يدخل في الصف، فإن ذلك السنة، قال عطاء: وقد رأيته هو يفعل ذلك.

أخرجه ابن خزيمة (3/ 32/ 1571)، والحاكم (1/ 214)، والطبراني في الأوسط (7/ 115/ 7016)، والبيهقي (3/ 106).

بوب له ابن خزيمة (1571) بقوله: "باب الرخصة في ركوع المأموم قبل اتصاله بالصف، ودبيبه راكعًا حتى يتصل بالصف في ركوعه".

ص: 501

وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".

وقال الطبراني "لم يرو هذا الحديث عن ابن جريج إلا ابن وهب، تفرد به: حرملة، ولا يروى عن ابن الزبير إلا بهذا الإسناد".

قلت: تابع حرملة عليه: سعيد بن الحكم بن أبي مريم، فيبقى ابن وهب هو المتفرد به عن ابن جريج، وليس بذاك في ابن جريج، قال ابن معين:"عبد الله بن وهب: ليس بذاك في ابن جريج، كان يستصغر"[الكامل (4/ 202)، السير (9/ 223)، الميزان (2/ 521)]، قال ابن رجب في شرح العلل (2/ 683):"يعني: لأنه سمع منه وهو صغير".

وقال أبو عوانة في كتاب الجنائز من صحيحه: "قال أحمد بن حنبل: في حديث ابن وهب عن ابن جريج شيء، قال أبو عوانة: صدق لأنه يأتي عنه بأشياء لا يأتي بها غيره"[التهذيب (2/ 454)][وكتاب الجنائز ساقط من مطبوع أبي عوانة].

[وانظر في أوهام ابن وهب عن ابن جريج، ومخالفته لأصحابه: أطراف الغرائب والأفراد (1/ 487/ 2732) و (2/ 113/ 4270)].

• خالفه: عبد الرزاق، فرواه عن ابن جريج، عن كثير بن كثير، عن أبيه، عن ابن الزبير: أنه علم الناس على المنبر، يقول: ليركع، ثم ليمش راكعًا، وإنه رأى ابن الزبير يفعله.

أخرجه عبد الرزاق (2/ 284/ 3383)، ومن طريقه: ابن المنذر (4/ 187/ 2001).

قلت: هكذا قال عبد الرزاق: عن كثير بن كثير، عن أبيه، عن ابن الزبير، ولم يقل: عن عطاء عن ابن الزبير، ولم يقل فيه: فإن ذلك السنة.

وهذا أولى، فإن عبد الرزاق من أروى الناس عن ابن جريج، ولو كان عند ابن جريج فيه عن عطاء، لما فات عبد الرزاق، وابن جريج عن عطاء: طريق مسلوكة سهلة، وأما ابن جريج عن كثير بن كثير فتحتاج إلى من يضبطها، نعم ابن وهب ثقة حافظ، لكنه حمل عن ابن جريج وهو صغير، فلعل الوهم دخل عليه من هذا الباب، فسلك الجادة والطريق السهل، والله أعلم.

ومما يؤكد هذا المعنى الذي ذكرت، وأن ابن جريج لم يكن عنده عن عطاء عن ابن الزبير، وإنما هو عن كثير عن أبيه عن ابن الزبير: أن عبد الرزاق روى هذا القول عن ابن جريج عن عطاء من قوله، لم يعْدُه إلى ابن الزبير:

روى عبد الرزاق في مصنفه (2/ 284/ 3386)، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: إذا دخلت والإمام راكع فاركع قبل أن تخلف النساء، ثم امش راكعًا، فإذا رفع رأسه فارفع، ثم اسجد حيث يدركك السجدة، قال غير مرة، قال: قلت له: [فإن] سجدت [سجدتين] فكانت للإمام مثنى؟ قال: فاجلس مكانك، فإذا قام فاصفف مع الناس، فإن لم يكن له مثنى؛ فإذا سجدت فقم فاصفف مع الناس.

فلو كان عند عطاء عن ابن الزبير في هذا شيء لعلمه ابن جريج، ولما سكت عنه.

ص: 502

إذا تقرر ذلك؛ فإن إسناد عبد الرزاق: إسناد مكي، رجاله ثقات؛ غير كثير بن المطلب بن أبي وداعة: روى عنه أولاده الثلاثة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين [التهذيب (3/ 466)]، وابن جريج قد سمع من كثير، وروايته عنه في صحيح البخاري (3363).

وكان ابن عيينة قد روى حديثًا في سترة المصلي عن كثير بن كثير بن المطلب، عن بعض أهله؛ أنه سمع جده المطلب بن أبي وداعة، فقال سفيان بعده:"وكان ابن جريج حدثنا أولًا عن كثير عن أبيه عن المطلب، فلما سألته عنه، قال: ليس هو عن أبي، إنما أخبرني بعض أهلي؛ أنه سمعه من المطلب"، وفي رواية:"ليس من أبي سمعته، ولكن من بعض أهلي عن جدي"[سنن أبي داود (2016)، سنن النسائي (2/ 67/ 758) و (5/ 235/ 2959)، سنن ابن ماجه (2958)، صحيح ابن خزيمة (2/ 15/ 815)، صحيح ابن حبان (6/ 127 و 128/ 2363 و 2364)، مستدرك الحاكم (1/ 254)، العلل ومعرفة الرجال (3/ 456/ 5939 - 5940)، مسند أحمد (6/ 399)، مصنف عبد الرزاق (2/ 35/ 2387 - 2389)، مسند الحميدي (578)، مصنف ابن أبي شيبة (3/ 371/ 15039 و 15040)، أخبار مكة للفاكهي (2/ 109/ 1231)، المعرفة والتاريخ (3/ 51)، الآحاد والمثاني (2/ 110/ 814)، مسند أبي يعلى (12/ 295/ 6875) و (13/ 119/ 7173)، تهذيب الآثار (554 - 558 - الجزء المفقود)، الأوسط لابن المنذر (5/ 92 و 93)، مشكل الآثار (7/ 23)، معاني الآثار (1/ 461)، المعجم لابن قانع (3/ 101)، المعجم الكبير للطبراني (20/ 288 - 291/ 680 - 687)، علل الدارقطني (14/ 42/ 3408)، السنن الكبرى للبيهقي (2/ 273)، بيان الوهم (5/ 539/ 2771)، وغيرها].

وحديث السترة في المسجد الحرام قد رواه عن كثير جماعة، فقالوا: عن كثير، عن أبيه، عن جده، وقد أبان ابن عيينة عن علته حين سأل كثيرًا عنه، فأخبره بأنه لم يسمعه من أبيه، وإنما سمعه من بعض أهله، وأخاف أن يكون وقع له في هذا الحديث مثل هذا، وألا يكون سمعه من أبيه، فالله أعلم.

• وله إسناد آخر عن ابن الزبير:

فقد روى عبيد الله بن موسى العبسي، عن عثمان بن الأسود، قال: دخلت أنا وعمرو بن تميم المسجد، فركع الإمام فركعت أنا وهو، ومشينا راكعين حتى دخلنا الصف، فلما دخلنا الصف، قال لي عمرو: والذي صنعت آنفًا ممن سمعته؟ قلت: من مجاهد، قال: قد رأيت ابن الزبير فعله.

أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 230/ 2631)(2/ 465/ 2646 - ط عوامة).

ورواه يحيى بن سعيد القطان: حدثنا عثمان بن الأسود، قال: قال لي عمرو بن تميم: رأيت ابن الزبير رضي الله عنهما يركع دون الصف.

أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (6/ 317)، وانظر: الجرح والتعديل (6/ 222).

ص: 503

وهذا إسناد رجاله ثقات؛ غير عمرو بن تميم، وعمرو بن تميم اثنان، هذا وآخر مولى بني زمانة، روى عن أبيه عن أبي هريرة حديثًا في فضل شهر رمضان [صحيح ابن خزيمة (3/ 188/ 1884)، مسند أحمد (2/ 330 و 374 و 524)، الغيلانيات (186)، المعجم الأوسط (9/ 21/ 9008)، سنن البيهقي (4/ 304)، فضائل الأوقات (54)، الشعب (3/ 304/ 3607)]، فرق بينهما البخاري وابن حبان، وحسبهما أبو حاتم واحدًا، فإن كانا اثنين: فصاحب الترجمة: مجهول، روى عنه واحد، وذكره ابن حبان في الثقات، وإن كانا واحدًا، فقد ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، لكن قال البخاري:"في حديثه نظر"؛ فهو ضعيف [التاريخ الكبير (6/ 317 و 318)، الجرح والتعديل (6/ 222)، الضعفاء الكبير (3/ 260)، الثقات (5/ 172) و (7/ 217)، التعجيل (779)، اللسان (6/ 195)].

قال ابن رجب في الفتح (5/ 14) عن أثر ابن الزبير: "ولم يصححه الإمام أحمد عنه، وذكر أن الصحيح عنه النهي عنه".

قلت: لم أقف لابن الزبير على شيء في النهي عن الركوع قبل الصف، والله أعلم.

5 -

عن أبي بكرة:

قال إسماعيل بن جعفر المدني: حدثنا حميد، عن القاسم بن ربيعة، عن أبي بكرة -رجل كانت له صحبة-: أنه كان يخرج من بيته، فيجد الناس قد ركعوا، فيركع معهم، ثم يدرج راكعًا حتى يدخل في الصف، ثم يعتدُّ بها.

أخرجه علي بن حجر في حديثه عن إسماعيل بن جعفر (123).

وهذا الإسناد رجاله ثقات، ولا يُعرف للقاسم بن ربيعة بن جوشن الغطفاني سماع من أبي بكرة، وهو قليل الرواية [التاريخ الكبير (7/ 161)، التهذيب (3/ 409)].

• وحاصل ما تقدم: أنه قد ثبت من آثار الصحابة في الركوع دون الصف: عن زيد بن ثابت، وعن ابن مسعود، ورُوي عن ابن الزبير، وعن أبي بكرة.

• وروي أيضًا عن جماعة من التابعين، مثل: سعيد بن جبير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، والحسن، والقاسم، وابن جريج، ومعمر.

• وقد صح خلاف ذلك عن أبي هريرة:

فقد روى أبو خالد الأحمر، ويحيى بن سعيد القطان:

عن محمد بن عجلان، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: لا تُكبِّر حتى تأخذ مقامك من الصف.

أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 230/ 2633 و 2636).

وهذا موقوف من قول أبي هريرة، بإسناد صحيح.

• وروي أيضًا عن جماعة من التابعين، مثل: الحسن البصري، وإبراهيم النخعي.

• ومن فقه الحديث:

ص: 504

يستدل بحديث أبي بكرة في هذا الباب على مسألتين:

1 -

المسألة الأولى:

أن من صلى خلف الصف وحده؛ تصح صلاته، لحديث أبي بكرة هذا، وهذه المسألة سبق بحثها في الباب السابق، وبينا أن الصواب: عدم صحة صلاة الفذ خلف الصف؛ إلا أن لا يجد مكانًا في الصف، فتصح للضرورة، لكن هنا سوف نناقش مسألة الركوع دون الصف، ثم المشي إلى الصف راكعًا:

قال ابن رجب في الفتح (5/ 14) بأن هذا الحديث يستدل به على أن: "من صلى خلف الصف وحده، فإنه يعتد بصلاته، ولا إعادة عليه؛ فإن أبا بكرة ركع خلف الصف وحده، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة صلاته، وقد استدل بذلك الشافعي وغيره من الأئمة.

وممن روي عنه الركوع دون الصف والمشي راكعًا: ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن الزبير، وكان يعلم الناس ذلك على المنبر، وروي عنه أنه قال: هو السنة، وورد أيضًا أنه فعله، ولم يصححه الإمام أحمد عنه، وذكر أن الصحيح عنه النهي عنه، وروي أيضًا فعله عن أبي بكر الصديق، خرجه البيهقي بإسناد منقطع".

وقال ابن عبد البر في الاستذكار (2/ 315) بعد حديث أبي هريرة المرفوع: "وعلى هذا مذهب الشافعي؛ إلا أنه يستحب ألا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه من الصف؛ فإن فعل فلا شيء عليه، كأنه لم يقطع بصحة رفع حديث أبي هريرة؛ مع ما روي عن ابن مسعود وزيد، وقال مالك والليث: لا بأس أن يركع الرجل وحده دون الصف، ويمشي إلى الصف إذا كان قريبًا قدر ما يلحق، وقال أبو حنيفة: أكره للواحد أن يركع دون الصف ثم يمشي، ولا أكره ذلك للجماعة، وهو قول الثوري"، إلى أن قال:"قال إسماعيل بن إسحاق: من دخل المسجد فوجد الناس ركوعًا فلا يركع دون الصف؛ إلا أن يطمع أن يصل إلى الصف راكعًا قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركعة".

قلت: الصحيح: عدم صحة صلاة الفذ خلف الصف، كما سبق تقريره في الباب السابق، وأما حديث أبي بكرة، ونهي النبي صلى الله عليه وسلم له بقوله:"ولا تعد"، فقد أجيب عنه بأجوبة، نذكر منها ما يتعلق بمسألة الباب:

وقبل أن نبدأ بذكر الأجوبة نبين ضبط هذه اللفظة "ولا تعد": قال ابن حجر في الفتح (2/ 269): "قوله: "ولا تَعُد" ضبطناه في جميع الروايات بفتح أوله وضم العين من العود، وحكى بعض شراح المصابيح أنه رُوي بضم أوله وكسر العين من الإعادة".

وأما الأجوبة، فمنها:

1 -

إن النبي صلى الله عليه وسلم نهاه عن ذلك بقوله: "ولا تعد"، فلا تصح الصلاة بعد النهي عنه، وتصح إذا لم يعلم النهي، ففرَّق بين الجاهل والمتأوِّل، فأُمر بالإعادة دون الجاهل [الفتح لابن رجب (5/ 17)].

قال الخرقي: "ومن أدرك الإمام راكعًا فركع دون الصف ثم مشى حتى دخل في

ص: 505

الصف وهو لا يعلم قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكرة: "زادك الله حرصًا، ولا تعد"؛ قيل له: لا تعد، وقد أجزأته صلاته، فإن عاد بعد النهي لم تجزئه صلاته، ونص أحمد رحمه الله على هذا في رواية أبي طالب" [المغني (2/ 35)].

2 -

إن أبا بكرة دخل في الصف قبل رفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه، وحينئذٍ، فقد زالت فذوذيته قبل أن تفوته الركعة، فيعتد له بذلك، وعلى هذا يحمل ما روي عن الصحابة في ذلك [الفتح لابن رجب (5/ 19)].

3 -

وفي رواية الأثرم وغيره، أن الإمام أحمد قال:"لا يعجبني فعل زيد وابن مسعود"، ورده بحديث أبي بكرة، وقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في ذلك:

قال إسحاق بن منصور الكوسج (435 و 436): "قلت لأحمد: إذا ركع دون الصف ثم مشى؟ قال: في حديث أبي بكرة: "زادك الله تعالى حرصًا".

قلت: لم يدرك الصف حتى رفع الإمام رأسه؟ قال: يُروى عن ابن مسعود، وعن زيد بن ثابت، كأنه لم ير أن يعيد على هذه الحال".

وفي رواية حرب، قال:"لا بأس أن يركع دون الصف إذا أدرك الإمام راكعًا"[الفتح لابن رجب (5/ 22)].

وروى أبو داود عن أحمد، فيمن ركع دون الصف، ثم مشى حتى دخل الصف، وقد رفع الإمام قبل أن ينتهي إلى الصف، قال أحمد:"تجزئه ركعة، كان صلى خلف الصف وحده، أعاد الصلاة"[مسائل أبي داود (250)].

قال ابن رجب: "وظاهر هذه الرواية أنه يجزئه، ولو دخل في الصف بعد رفع إمامه، ما لم يُصلِّ ركعة كاملة وحده، وليس في حديث أبي بكرة أنه دخل في الصف قبل رفع النبي صلى الله عليه وسلم، ووجه ذلك: أنه أدرك معظم الركعة في الصف، وهو السجدتان، فاكتفى بذلك في المصافة"[الفتح (5/ 22)].

قلت: الصحيح أن أبا بكرة دخل في الصف والنبي صلى الله عليه وسلم راكع، وقبل أن يرفع رأسه، كما في رواية حجاج السابق ذكرها.

وللإمام أحمد تفصيل آخر فيما إذا ركع وحده، أو كان معه غيره، قال إسحاق بن منصور في مسائله لأحمد وإسحاق (260): "قلت: إذا دخل رجل المسجد والإمام راكع، يركع قبل أن يصل إلى الصف؟ قال: إذا كان وحده وظن أنه يدرك فعل، وإذا كان مع غيره فيركع حيث ما أدركه الركوع.

قال إسحاق: لا يركع أبدًا إذا كان وحده، وإذا كان معه آخر ركعا، ثم مشيا حتى يلحقا الصف".

4 -

وقال الإمام الشافعي في اختلاف الحديث (10/ 173 - الأم): "فكأنه أحب له الدخول في الصف، ولم ير عليه العجلة بالركوع حتى يلحق بالصف، ولم يأمره بالإعادة، بل فيه دلالة على أنه رأى ركوعه منفردًا مجزئًا عنه".

ص: 506

وقال أيضًا: "ولما ذكر أبو بكرة للنبي صلى الله عليه وسلم أنه ركع وحده فلم يأمره بإعادة، دل ذلك على أنه يجزي عنه، وقوله: "ولا تعد" يشبه قوله: "لا تأتوا الصلاة وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا"، يعني -والله أعلم-: ليس عليك أن تركع حتى تصل إلى موقفك؛ لما في ذلك من التعب؛ كما ليس عليك أن تسعى إذا سمعت الإقامة"[المعرفة (2/ 381)، السنن (2/ 90)].

5 -

قال ابن حبان: "هذا الخبر من الضرب الذي ذكرت في كتاب فصول السنن: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ينهى عن شيء في فعل معلوم ويكون مرتكب ذلك الشيء المنهي عنه مأثومًا بفعله ذلك إذا كان عالمًا بنهي المصطفى صلى الله عليه وسلم عنه، والفعل جائز على ما فعله، كنهيه صلى الله عليه وسلم عن أن يخطب الرجل على خطبة أخيه، أو يستام على سوم أخيه، فإن خطب امرؤ على خطبة أخيه بعد علمه بالنهي عنه كان مأثومًا، والنكاح صحيح، فكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكرة: "زادك الله حرصًا، ولا تعد"، فإن عاد رجل في هذا الفعل المنهي عنه، وكان عالمًا بذلك النهي: كان مأثومًا في ارتكابه المنهي، وصلاته جائزة؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم أباح هذا القدر لأبي بكرة مستثنى من جملة ما نهاه عنه في خبر وابصة، كالمزابنة والعرية ولو لم تجز الصلاة بهذا الوصف لأبي بكرة لأمره صلى الله عليه وسلم بإعادة الصلاة، وقوله: "ولا تعد" أراد به: لا تعد في إبطاء المجيء إلى الصلاة؛ لا أنه أراد به أن لا تعود بعد تكبيرك في اللحوق بالصف".

وقد رد بعضهم هذا التأويل بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أثنى على أبي بكرة بقوله: "زادك الله حرصًا"، فقد كان حريصًا على إدراك الصلاة، وكذلك على إدراك الركعة بإدراك الركوع، فلم يعاتبه على التأخير، وإنما نهاه عن عدم العود لما سبق ذكره والتنبيه عليه بقوله صلى الله عليه وسلم:"أيُّكم الذي ركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف؟ ".

قال ابن قدامة في المغني (2/ 35): "فلم يأمره بإعادة الصلاة، ونهاه عن العود، والنهي يقتضي الفساد؛ فإن قيل: إنما نهاه عن التهاون والتخلف عن الصلاة، قلنا: إنما يعود النهي إلى المذكور، والمذكور: الركوع دون الصف، ولم ينسبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى التهاون، وإنما نسبه إلى الحرص، ودعا له بالزيادة فيه، فكيف ينهاه عن التهاون، وهو منسوب إلى ضده".

6 -

وقال ابن حزم في الاحكام (2/ 192): "إنه عليه السلام نهاه بقوله: "لا تعد" عن كل عمل عمله على غير الواجب، وكان من أبي بكرة رضي الله عنه في ذلك الوقت أعمال منهي عنها، أحدها: سعيه إلى الصلاة، والثاني: تكبيره دون الصف، والثالث: مشيه في الصلاة، فعن كل ذلك نهاه عليه السلام بقوله: "ولا تعد"".

وقال ابن حجر في الفتح (2/ 268): "قوله: "ولا تعد" أي: إلى ما صنعت من السعي الشديد، ثم الركوع دون الصف، ثم من المشي إلى الصف".

7 -

وقال البغوي في شرح السنة (3/ 378): "لأن أبا بكرة ركع خلف الصف، فقد

ص: 507

أتى بجزء من الصلاة خلف الصف، ثم لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة، وأرشده في المستقبل إلى ما هو أفضل بقوله:"ولا تعد" وهو نهي إرشاد، لا نهي تحريم، ولو كان للتحريم لأمره بالإعادة".

8 -

وقال القاضي عياض في المشارق (2/ 105): "وقوله للذي دب راكعًا: "زادك الله حرصًا، ولا تعد" أي: لا تعد إلى التأخير، وقيل: إلى التكبير دون الصف، وقيل: إلى الدب وأنت راكع، وقال الداوودي: معناه: لا تعد لإعادة الصلاة فإنها تجزيك؛ تصويبًا لما فعل".

قلت: قول الداوودي بعيد، وسياق القصة لا يساعد على هذا المعنى، فلم يهُم أبو بكرة بالإعادة، ولم يسأل عنها، وإنما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عمن ركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف، ثم نهاه عن ذلك، والله أعلم.

وقال النووي في الخلاصة (2/ 719): "قيل معناه: لا تعد إلى الإحرام خلف الصف، وقيل: إلى التأخر عن الصلاة، وقيل: إلى إتيانها مسرعًا"، وكذا قال في المجموع (4/ 254).

9 -

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في المجموع (23/ 397): "وأما حديث أبي بكرة: فليس فيه أنه صلى منفردًا خلف الصف قبل رفع الإمام رأسه من الركوع، فقد أدرك من الاصطفاف المأمور به، ما يكون به مدركًا للركعة، فهو بمنزلة أن يقف وحده ثم يجيء آخر فيصافه في القيام، فإن هذا جائز باتفاق الأئمة، وحديث أبي بكرة فيه النهى بقوله: "ولا تعد"، وليس فيه أنه أمره بإعادة الركعة، كما في حديث الفذ، فإنه أمره بإعادة الصلاة، وهذا مبين مفسر، وذلك مجمل، حتى لو قُدِّر أنه صرح في حديث أبي بكرة بأنه دخل في الصف بعد اعتدال الإمام -كما يجوز ذلك في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره- لكان سائغًا في مثل هذا، دون ما أمر فيه بالإعادة، فهذا له وجه، وهذا له وجه".

وقال ابن القيم في إعلام الموقعين (2/ 359): "وإن أحرم وحده فالاعتبار بالمُصافَّة فيما تُدرَك به الركعة وهو الركوع".

وقال أيضًا (2/ 360): "فلو فعل أحد ذلك غير عالم بالنهي لقلنا له كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء، فإن عاد بعد علمه بالنهي: فكما أن يجتمع مع الإمام في الركوع وهو في الصف، أو لا، فإن جامعه في الركوع وهو في الصف: صحت صلاته؛ لأنه أدرك الركعة وهو غير فذٍّ، كما لو أدركها قائمًا، وإن رفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يدخل في الصف فقد قيل: تصح صلاته، وقيل: لا تصح له تلك الركعة، ويكون فذًّا فيها، والطائفتان احتجوا بحديث أبي بكرة، والتحقيق أنه قضية عين يحتمل دخوله في الصف قبل رفع الإمام، ويحتمل أنه لم يدخل فيه حتى رفع الإمام، وحكاية الفعل لا عموم لها؛ فلا يمكن أن يُحتجَّ بها على الصورتين؛ فهي إذًا مجملة متشابهة"[وانظر: حاشيته على سنن أبي داود (2/ 267)].

ص: 508

قلت: جاء في رواية حجاج عن حماد بن سلمة: أنه دخل في الصف وهو راكع.

وقال ابن رجب في الفتح (5/ 21): "هل يختص جواز الركوع دون الصف بمن أدرك الركوع في الصف، أو لا يختص بذلك؟

ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور أنه يختص بمن أدرك الركوع في الصف؛ لأنه إنما أجاز الركوع خلفه لمن ظن أنه يدركه، فإنه إذا زالت فذوذيته في حال الركوع، فلم يُصلِّ ركعة فذًّا، والمنهي عنه أن يصلي فذًّا ركعةً فأكثر، وأما إذا زالت فذوذيته قبل أن يرفع من الركوع فقد أدرك الركعة في الصف، فلا يكون بذلك فذًّا؛ ولهذا لو قام خلف الإمام اثنان فأحرم أحدهما قبل إحرام الآخر، لم يكن في تلك الحالة فذًّا بالاتفاق".

• وبعد سرد هذه الأقوال؛ أقول -وبالله التوفيق-:

في حديث وابصة بن معبد أسقط الرجل المصافَّة بالكلية؛ فأمر بالإعادة، وفي حديث أبي بكرة أدرك الصف وهم ركوع، قبل أن يرفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه؛ فلم تسقط المصافة التي تُدرك بها الركعة، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة، فدل قوله صلى الله عليه وسلم:"ولا تعد" على أنه ليس للتحريم، وإنما هو للكراهة، مع كونه فيه نوع إجمال فيما نُهي عن العود إليه؛ لكن المنصوص عليه فيما صح من الحديث [كما جاء في حديث حماد بن سلمة]: هو الركوع دون الصف، ثم المشي إلى الصف، وما عدا ذلك فلا يصح من طرق الحديث، ومن ثم فلا ينبغي حمل النهي على مجرد الإسراع إلى الصف المنهي عنه بدليل آخر مستقل، فإذا انضاف إلى ذلك: ما صح عن الصحابة -كزيد بن ثابت وابن مسعود- في ركوعهم دون الصف، ثم مشيهم حتى دخلوا في الصف، فإنه يقوي القول بأن النهي يحمل على الكراهة لا على التحريم، ولو صح أثر أبي بكرة وفعله في ذلك لكان حجة قوية، إذ الصحابي الذي وقعت له الواقعة هو أعلم الناس بما دل عليه نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن العود، والله أعلم.

ولو كان النهي هنا يقتضي الفساد لأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة، فإن قيل: المنهي عنه لا يتعلق بماهية الصلاة وأركانها، بل لأمر خارج عنها، فيقال: لم يكن خارجًا عنها، إذ المنهي عنه متعلق بالمصافة، كما دل عليه ما صح من سياق الحديث [عند أبي داود، من حديث حماد بن سلمة]، والمصافة لما أسقطت بالكامل أبطلت الصلاة في حديث وابصة بن معبد، فقد أمر المنفرد خلف الصف بإعادة الصلاة، ونفى حقيقة الصلاة عن صلاته التي صلاها، كما في حديث علي بن شيبان، ولفظه:"استقبل صلاتك؛ لا صلاة لرجل فرد خلف الصف"، فدل ذلك على أن عدم المصافة بالكلية مبطل للصلاة إلا لضرورة، كما بيناه في موضعه، والله أعلم، وهو الموفق للصواب.

• وفي النهاية: يمكن تلخيص حكم المسألة، بما ذكره ابن عبد البر من مذهب الشافعي؛ أنه يستحب ألا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه من الصف [لحديث أبي بكرة، وقول أبي هريرة]؛ فإن فعل فلا شيء عليه [لفعل زيد بن ثابت، وابن مسعود]، وأن نهيه صلى الله عليه وسلم:"ولا تعد": نهي إرشاد، لا نهي تحريم، ولو كان للتحريم لأمره بالإعادة، كما قال البغوي، والله أعلم.

ص: 509