المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[فصل نقر أهل الذمة على الأنكحة الفاسدة بشرطين] - أحكام أهل الذمة - ط رمادي - جـ ٢

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌[ذكر نكاح أهل الذمة ومناكحتهم] [

- ‌فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ نِكَاحِهِمْ وَمُنَاكَحَاتِهِمْ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْكَافِرُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا]

- ‌[فَصْلٌ في طَلَاقِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ لَا يَعْتَقِدُونَ وُقُوعَهُ]

- ‌[فَصْلٌ الْمُسْلِمُ إِذَا طَلَّقَ الذِّمِّيَّةَ فَتَزَوَّجَتْ ذِمِّيًّا ثُمَّ طَلَّقَهَا فَهَلْ تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ]

- ‌[فَصْلٌ إِذَا أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا]

- ‌[فَصْلٌ حَجَّةُ الْمُعَجِّلُونَ لِلْفُرْقَةِ]

- ‌[فَصْلٌ صِحَّةُ الْعُقُودِ الَّتِي وَقَعَتْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الشِّرْكِ]

- ‌[فَصْلٌ إِذَا أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ وَتَحْتَهُ أُمٌّ وَابْنَتُهَا وَقَدْ دَخَلَ بِهِمَا أَوْ بِإِحْدَاهُمَا]

- ‌[فَصْلٌ إِذَا طَلَّقَ إِحْدَاهُمَا أَوْ مَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ]

- ‌[فَصْلٌ اخْتِلَافُ الدَّارَيْنِ لَا يُوقِعُ الْفُرْقَةَ]

- ‌[فَصْلٌ عَلَى الْمُسْلِمِ نَفَقَةُ جَمِيعِ نِسَائِهِ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ]

- ‌[فَصْلٌ إِذَا زَوَّجَ الْكَافِرُ ابْنَهُ الصَّغِيرَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ مَتَى يَخْتَارُ]

- ‌[فَصْلٌ الِاخْتِيَارُ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ]

- ‌[فَصْلٌ هَلْ الِاخْتِيَارُ يُعَدُّ فِرَاقًا لِلْبَوَاقِي]

- ‌[فَصْلٌ إِذَا مَاتَ الْمُسْلِمُ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ]

- ‌[فَصْلٌ مِيرَاثُ مَنْ مَاتَ عَنْهُنَّ الْمُسْلِمُ وَهُنَّ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ]

- ‌[فَصْلٌ الْمَهْرُ لِلنِّسْوَةِ إِذَا كُنَّ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ]

- ‌[فَصْلٌ لَوْ أَسْلَمَ ثُمَّ طَلَّقَ الْجَمِيعَ قَبْلَ إِسْلَامِهِنَّ]

- ‌[فَصْلٌ مَتَّى تَبْدَأُ عِدَّةُ الْمُفَارَقَاتِ]

- ‌[فَصْلٌ مَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ ثَمَانِ نِسْوَةٍ فَأَسْلَمَ مِنْهُنَّ أَرْبَعٌ]

- ‌[فَصْلٌ مَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ تُسْلِمْ نِسَاؤُهُ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ]

- ‌[فَصْلٌ إِذَا مَاتَتْ إِحْدَى الْمُخْتَارَاتِ فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ أُخْرَى مِنَ الْبَواقِي]

- ‌[فَصْلٌ فَإِنْ قَالَ كُلَّمَا أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ اخْتَرْتُهَا]

- ‌[فَصْلٌ اخْتِيَارُهُ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ]

- ‌[فَصْلٌ إِذَا مِتْنَ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ فَلَهُ اخْتِيَارُ أَرْبَعٍ وَيَرِثُهُنَّ]

- ‌[فَصْلٌ إِذَا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ مَتَى يَطَأُ الْأُخْتَ الْمُخْتَارَةَ]

- ‌[فَصْلٌ نُقِرُّ أَهْلَ الذِّمَّةِ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ بِشَرْطَيْنِ]

- ‌[فَصْلٌ نَصْرَانِيٌّ تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً أَوِ الْعَكْسُ]

- ‌[فَصْلٌ قَبْضُ بَعْضِ الْمَهْرِ وَوُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْلِ فِيمَا بَقِيَ كَيْفَ يَكُونُ]

- ‌[فَصْلٌ التَّحَاكُمُ إِلَيْنَا فِي أَنْكِحَةٍ لَا يُقَرُّونَ عَلَيْهَا قَبْلَ الدُّخُولِ]

- ‌[فَصْلٌ نِكَاحُ الذِّمِّيِّ الذِّمِّيَّةَ بِلَا صَدَاقٍ]

- ‌[فَصْلٌ فِي ضَابِطِ مَا يَصِحُّ مِنْ أَنْكِحَتِهِمْ وَمَا لَا يَصِحُّ]

- ‌[فَصْلٌ فِي الْكَافِرِ يَكُونُ وَلِيًّا لِوَلِيَّتِهِ الْكَافِرَةِ دُونَ الْمُسْلِمَةِ]

- ‌[فَصْلٌ بَيَانُ وِلَايَةِ الْأَبِ الذِّمِّيِّ]

- ‌[فَصْلٌ وِلَايَةُ الْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرِةِ]

- ‌[فَصْلٌ زَوَاجُ الْمُسْلِمِ بِشَهَادَةِ ذِمِّيَّيْنِ]

- ‌[فَصْلٌ لَا يَكُونُ الْكَافِرُ مَحْرَمًا لِلْمُسْلِمَةِ]

- ‌[فَصْلٌ الْإِنْفَاقُ عَلَى الْأَقَارِبِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ]

- ‌[فَصْلٌ جَوَازُ نِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ مَتَى يُكْرَهُ نِكَاحُ الْكِتَابِيَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ النِّكَاحُ مِنَ السَّامِرَةِ]

- ‌[فَصْلٌ نِكَاحُ الْكِتَابِيَّاتِ الْمُتَمَسِّكَاتِ بِغَيْرِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ]

- ‌[فَصْلٌ نِكَاحُ الْكِتَابِيَّاتِ مَعَ كَثْرَةِ النِّسَاءِ]

- ‌[فَصْلٌ نِكَاحُ الْمَجُوسِ وَأَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ]

- ‌[فَصْلٌ إِجْبَارُ الزَّوْجَةِ الذِّمِّيَّةِ عَلَى الطَّهَارَةِ]

- ‌[فَصْلٌ مَنْعُ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ الْكِتَابِيَّةَ مِنْ دُورِ الْعِبَادَةِ]

- ‌[فَصْلٌ مَنْعُ الزَّوْجَةِ الْكِتَابِيَّةِ مِنَ السُّكْرِ]

- ‌[فَصْلٌ أَدَاءُ الزَّوْجَةِ الْكِتَابِيَّةِ شَعَائِرَهَا التَّعَبُّدِيَّةَ]

- ‌[ذِكْرُ أَحْكَامِ مَوَارِيثِهِمْ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ] [

- ‌فصل هَلْ يَجْرِي التَّوَارُثُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَهُمْ]

- ‌[فَصْلٌ تَوَارُثُ أَهْلِ مِلَّتَيْنِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ وَعِلَلِهَا]

- ‌[فَصْلٌ لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ بِلَا خِلَافٍ]

- ‌[فَصْلٌ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي تَوْرِيثِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْكَافِرِ]

- ‌[فَصْلٌ أَقْسَامُ أَهْلِ الْعَهْدِ مِنَ الْكُفَّارِ]

- ‌[فَصْلٌ هَلْ تَجُوزُ الْهُدْنَةُ الْمُطْلَقَةُ دُونَ تَحْدِيدِ مُدَّةٍ]

- ‌[ذكر أَحْكَامِ أَطْفَال أهل الذمة] [

- ‌الْبَابُ الْأَوَّلُ ذِكْرِ أَحْكَامْ أَطْفَالهم فِي الدُّنْيَا]

- ‌[فصل مَوْتُ الْأَبَوَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا]

- ‌[فَصْلٌ مَتَى يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ الطِّفْلِ]

- ‌[فَصْلٌ شُرُوطُ إِسْلَامِ الصَّبِيِّ]

- ‌[فَصْلٌ يَتْبَعُ الْوَلَدُ أَبَوَيْهِ إِذَا أَسْلَمَاَ]

- ‌[فَصْلٌ هَلْ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ الطِّفْلِ الْمَسْبِيِّ]

- ‌[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ نُصُوصِ أَحْمَدَ فِي هَذَا الْبَابِ]

- ‌[فَصْلٌ الصَّبِيُّ يَخْرُجُ مِنْ دَارِ الشِّرْكِ إِلَى أَبَوَيْهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَهُمَا نَصْرَانِيَّانِ]

- ‌[فَصْلٌ اخْتِلَاطُ أَبْنَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِأَبْنَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ الذِّمِّيُّ يَجْعَلُ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ مُسْلِمًا]

- ‌[فَصْلٌ وَالِدُ الْمَمْلُوكَيْنِ الْكَافِرَيْنِ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِطْرَةِ الدِّينُ]

- ‌[فَصْلٌ ضَلَالُ الْقَدَرِيَّةِ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ وَالرَّدُّ عَلَيْهِمْ]

- ‌[فَصْلٌ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ]

- ‌[فَصْلٌ ذِكْرُ قَوْلِ مَنْ قَالَ أَنَّ الْفِطْرَةَ هِيَ الْبُدَاءَةُ]

- ‌[فَصْلٌ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ صَائِرُونَ إِلَى مَا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ]

- ‌[فَصْلٌ تَفْسِيرُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ لِلْفِطْرَةِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ]

- ‌[فَصْلٌ إِجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِنْطَاقَ كَانَ لِلْأَرْوَاحِ]

- ‌[فَصْلٌ تَفْسِيرُ قَوْلِ النَّبِيِّ علبه السلام فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ]

- ‌[فَصْلٌ الْخِلَافُ فِي خَلْقِ الْأَجْسَادِ قَبْلَ الْأَرْوَاحِ أَوِ الْعَكْسُ]

- ‌[فَصْلٌ الْفِطْرَةُ خُلُوُّ الْقَلْبِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ]

- ‌[فَصْلٌ الْفِطْرَةُ لَوْ تُرِكَتْ لَاخْتَارَتِ الْإِيمَانَ عَلَى الْكُفْرِ]

- ‌[فَصْلٌ الْفِطْرَةُ تَقْتَضِي حُبَّ اللَّهِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي تَلْخِيصِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا]

- ‌[الباب الثاني ذِكْرُ أَحْكَامِ أَطْفَالِهِمْ فِي الْآخِرَةِ] [

- ‌فصل اخْتِلَافِ النَّاس حكم أطفال المشركين فِي الْآخِرَةِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي أَدِلَّةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ أَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ أَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ وَالْمَذَاهِبُ الْعَشَرَةُ فِيهِمْ] [

- ‌الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ الْوَقْفُ فِي أَمْرِهِمْ]

- ‌[الْمَذْهَبُ الثَّانِي أَنَّهُمْ فِي النَّارِ]

- ‌[الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ]

- ‌[الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ أَنَّهُمْ فِي مَنْزِلَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ]

- ‌[الْمَذْهَبُ الْخَامِسُ أَنَّهُمْ مَرْدُودُونَ إِلَى مَحْضِ مَشِيئَةِ اللَّهِ بِلَا سَبَبٍ وَلَا عَمَلٍ]

- ‌[الْمَذْهَبُ السَّادِسُ أَنَّهُمْ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمَمَالِيكُهُمْ مَعَهُمْ بِمَنْزِلَةِ أَرِقَّائِهِمْ وَمَمَالِيكِهِمْ فِي الدُّنْيَا]

- ‌[الْمَذْهَبُ السَّابِعُ أَنَّ حُكْمَهُمْ حُكْمُ آبَائِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ]

- ‌[الْمَذْهَبُ الثَّامِنُ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُرَابًا]

- ‌[الْمَذْهَبُ التَّاسِعُ مَذْهَبُ الْإِمْسَاكِ]

- ‌[الْمَذْهَبُ الْعَاشِرُ أَنَّهُمْ يُمْتَحَنُونَ فِي الْآخِرَةِ]

الفصل: ‌[فصل نقر أهل الذمة على الأنكحة الفاسدة بشرطين]

[فَصْلٌ نُقِرُّ أَهْلَ الذِّمَّةِ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ بِشَرْطَيْنِ]

139 -

فَصْلٌ

نُقِرُّ أَهْلَ الذِّمَّةِ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ بِشَرْطَيْنِ.

أَحَدُهُمَا: أَلَّا يَتَحَاكَمُوا فِيهَا إِلَيْنَا، فَإِنْ تَحَاكَمُوا فِيهَا إِلَيْنَا لَمْ نُقِرَّهُمْ عَلَى مَا لَا مَسَاغَ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ.

الثَّانِي: أَنْ يَعْتَقِدُوا إِبَاحَةَ ذَلِكَ فِي دِينِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ وَبُطْلَانَهُ لَمْ نُقِرَّهُمْ عَلَيْهِ كَمَا لَا نُقِرُّهُمْ عَلَى الرِّبَا، وَقَتْلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَسَرِقَةِ أَمْوَالِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْيَهُودِيَّيْنِ لَمَّا زَنَيَا، وَلَمْ يُقِرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ.

فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ تُقِرُّونَ الْمَجُوسَ عَلَى نِكَاحِ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِمْ لِاعْتِقَادِهِمْ جَوَازَ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَتَرَافَعُوا إِلَيْنَا؟ قِيلَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا رِوَايَتَانِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ:

إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُمْ يُقِرُّونَ عَلَى ذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، وَقَدْ سَأَلَهُ عَنِ الْمَجُوسِيِّ هَلْ يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّزْوِيجِ بِمَحْرَمٍ؟ وَذَكَرَ لَهُ حَدِيثَ عُمَرَ:" فَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذَاتِ مَحْرَمٍ مِنَ الْمَجُوسِ ".

فَقَالَ: قَالَ الْحَسَنُ (يَعْنِي الْبَصْرِيَّ) بَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيَّ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، فَأَقَرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَهْجُهُمْ.

ص: 764

وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ حَرِيمِهِ وَبَيْنَهُ، إِنَّمَا قَالَ:" «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» " وَلَيْسَ هُمْ أَهْلَ كِتَابٍ.

فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ تُقِرُّونَهُمْ عَلَى الزِّنَا وَاللِّوَاطِ وَالرِّبَا، وَهُوَ دُونَ نِكَاحِ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ؟ قِيلَ: لَا نُقِرُّهُمْ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبَانٍ الْمَوْصِلِيِّ فِي مَجُوسِيٍّ فِي زُقَاقٍ لَيْسَ لَهُ مَنْفَذٌ، وَطَرِيقُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَزْنِي عَلَى الطَّرِيقِ، فَقَالَ: يُخْرَجُ وَلَا يُتْرَكُ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَزْنُونَ مَعَهُ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَ إِقْرَارِهِ عَلَى نِكَاحِ مَحْرَمِهِ وَإِقْرَارِهِ عَلَى الزِّنَا، وَالرِّبَا، وَاللِّوَاطِ: أَنَّ ذَلِكَ يَتَعَدَّى ضَرَرُهُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا نِكَاحُ مَحْرَمِهِ فَيَخْتَصُّ ضَرَرُهُ بِهِ دُونَ الْمُسْلِمِينَ.

ص: 765

وَعَارَضَ أَحْمَدُ قَوْلَ عُمَرَ رضي الله عنه بِإِقْرَارِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِمْ تَرْكَ أَنْكِحَتِهِمْ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَزْوَاجِهِمْ مِنْ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ مَعَ عِلْمِهِ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ.

وَمَضَى عَلَى ذَلِكَ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه خَلْفَهُ، وَهُمْ إِنَّمَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ لِيُقَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ، وَشِرْكِهِمُ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ مِنْ نِكَاحِ مَحَارِمِهِمْ، فَإِقْرَارُهُمْ كَإِقْرَارِ الْيَهُودِ عَلَى نِكَاحِ بَنَاتِ الْإِخْوَةِ، وَالْأَخَوَاتِ، وَعَلَى سَائِرِ أَنْكِحَتِهِمُ الْفَاسِدَةِ.

وَالثَّانِيَةُ: لَا يُقَرُّونَ، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي مَجُوسِيٍّ تَزَوَّجَ نَصْرَانِيَّةً، قَالَ: يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا. قِيلَ: مَنْ يَحُولُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: الْإِمَامُ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ: لِأَنَّ عَلَيْنَا ضَرَرًا فِي ذَلِكَ، يَعْنِي بِتَحْرِيمِ أَوْلَادِ النَّصْرَانِيَّةِ عَلَيْنَا.

قَالَ: وَهَكَذَا يَجِيءُ عَلَى قَوْلِهِ فِي تَزْوِيجِ النَّصْرَانِيِّ الْمَجُوسِيَّةَ.

ص: 766

قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَيَجِيءُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ نِكَاحِ مَحَارِمِهِمْ، فَإِنَّ عُمَرَ رضي الله عنه كَتَبَ " أَنْ فَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مِنَ الْمَجُوسِيِّ "، وَقَالَ أَحْمَدُ فِي مَجُوسِيٍّ مَلَكَ أَمَةً نَصْرَانِيَّةً: يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهَا؛ لِأَنَّ النَّصَارَى لَهُمْ دِينٌ فَإِنْ مَلَكَ نَصْرَانِيٌّ مَجُوسِيَّةً فَلَا بَأْسَ أَنْ يَطَأَهَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ

[عَبْدُ الْعَزِيزِ] : لَا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا أَيْضًا لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الضَّرَرِ.

قُلْتُ: لَمْ يَمْنَعْ أَحْمَدُ مِنْ تَزَوُّجِ الْمَجُوسِيِّ بِالنَّصْرَانِيَّةِ لِمَا يَلْحَقْنَا مِنَ الضَّرَرِ بِتَحْرِيمِ ابْنَتِهَا عَلَيْنَا، وَلَا خَطَرَ هَذَا التَّعْلِيلُ بِبَالِ أَحْمَدَ! وَأَيُّ ضَرَرٍ عَلَيْنَا فِي تَرْكِ نِكَاحِ نِسَائِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَوْ كَانَ التَّسَبُّبُ إِلَى تَحْرِيمِ الْبِنْتِ ضَرَرًا عَلَيْنَا لَكَانَ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ نِسَائِهِمْ مُطْلَقًا ضَرَرٌ وَلَا ضَرَرَ عَلَيْنَا بِحَمْدِ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَإِنَّمَا مَأْخَذُ أَحْمَدَ أَنَّ دِينَ أَهْلِ الْكِتَابِ خَيْرٌ مِنْ دِينِ الْمَجُوسِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُمَكَّنَ الْمَجُوسِيُّ وَالْوَثَنِيُّ أَنْ يَعْلُوَ امْرَأَةً دِينُهَا خَيْرٌ مِنْهُ كَمَا لَا يُمَكَّنُ الذِّمِّيُّ مِنْ نِكَاحِ مُسْلِمَةٍ وَعَلَى هَذَا فَلَا يُمْنَعُ النَّصْرَانِيُّ مِنْ تَزْوِيجِ الْمَجُوسِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَى دِينًا مِنْهَا، وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْنَا نَحْنُ نِكَاحُهَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِهَا عَلَيْنَا تَحْرِيمُهَا عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَأَلَّا نُقِرَّهُمْ عَلَى نِكَاحِهَا كَمَا نُقِرُّهُمْ عَلَى أَكْلِ الْخِنْزِيرِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ.

وَإِذَا أَقْرَرْنَا الْمَجُوسَ عَلَى نِكَاحِ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِمْ فَإِقْرَارُ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى مُنَاكَحَتِهِمْ أَوْلَى وَأَحْرَى.

ص: 767

وَلَا يَخْرُجُ مِنْ هَذَا النَّصِّ عَدَمُ إِقْرَارِ الْمَجُوسِ عَلَى نِكَاحِ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِمْ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ مَأْخَذِهِ.

وَكَذَلِكَ نَصُّهُ عَلَى مَجُوسِيٍّ مَلَكَ أَمَةً نَصْرَانِيَّةً يُحَالُ بَيْنَهُمَا، إِنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّ دِينَهَا أَعْلَى مِنْ دِينِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا التَّعْلِيلِ بِعَيْنِهِ، فَقَالَ:" لِأَنَّ النَّصَارَى لَهُمْ دِينٌ "، فَإِنْ كَانَ الْأَصْحَابُ إِنَّمَا أَخَذُوا هَذِهِ الرِّوَايَةَ مِنْ هَذَا النَّصِّ، فَلَيْسَتْ بِرِوَايَةٍ، وَالْمَسْأَلَةُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَدْ تَأَمَّلْتُ نُصُوصَهُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي " الْجَامِعِ " فَلَمْ أَجِدْ عَنْهُ نَصًّا بِأَنَّهُمْ لَا يُقَرُّونَ عَلَى نِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ.

وَأَمَّا تَفْرِيقُ عُمَرَ رضي الله عنه بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِمْ فَاجْتِهَادٌ مِنْهُ رضي الله عنه وَقَدْ أَقَرَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأُقِرُّوا زَمَنَ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه فَلَمَّا عَزَّ الْإِسْلَامُ، وَذَلَّ الْمَجُوسُ فِي عَهْدِ عُمَرَ رضي الله عنه وَكَانُوا أَذَلَّ مَا كَانُوا، رَأَى أَنْ يُلْزِمَهُمْ بِتَرْكِ نِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ وَأَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُنَّ.

وَعَلَى هَذَا، فَإِذَا قَوِيَتْ شَوْكَةُ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَتَعَذَّرَ إِلْزَامُهُمْ بِأَحْكَامِ الْإِسْلَامِ أَقْرَرْنَاهُمْ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ، فَإِذَا ذَلُّوا وَضَعُفَ أَمْرُهُمْ أَلْزَمْنَاهُمْ بِذَلِكَ، فَهَذَا لَهُ مَسَاغٌ.

إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: فَقَدْ صَالَحَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم -

ص: 768