المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[فصل توارث أهل ملتين] - أحكام أهل الذمة - ط رمادي - جـ ٢

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌[ذكر نكاح أهل الذمة ومناكحتهم] [

- ‌فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ نِكَاحِهِمْ وَمُنَاكَحَاتِهِمْ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْكَافِرُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا]

- ‌[فَصْلٌ في طَلَاقِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ لَا يَعْتَقِدُونَ وُقُوعَهُ]

- ‌[فَصْلٌ الْمُسْلِمُ إِذَا طَلَّقَ الذِّمِّيَّةَ فَتَزَوَّجَتْ ذِمِّيًّا ثُمَّ طَلَّقَهَا فَهَلْ تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ]

- ‌[فَصْلٌ إِذَا أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا]

- ‌[فَصْلٌ حَجَّةُ الْمُعَجِّلُونَ لِلْفُرْقَةِ]

- ‌[فَصْلٌ صِحَّةُ الْعُقُودِ الَّتِي وَقَعَتْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الشِّرْكِ]

- ‌[فَصْلٌ إِذَا أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ وَتَحْتَهُ أُمٌّ وَابْنَتُهَا وَقَدْ دَخَلَ بِهِمَا أَوْ بِإِحْدَاهُمَا]

- ‌[فَصْلٌ إِذَا طَلَّقَ إِحْدَاهُمَا أَوْ مَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ]

- ‌[فَصْلٌ اخْتِلَافُ الدَّارَيْنِ لَا يُوقِعُ الْفُرْقَةَ]

- ‌[فَصْلٌ عَلَى الْمُسْلِمِ نَفَقَةُ جَمِيعِ نِسَائِهِ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ]

- ‌[فَصْلٌ إِذَا زَوَّجَ الْكَافِرُ ابْنَهُ الصَّغِيرَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ مَتَى يَخْتَارُ]

- ‌[فَصْلٌ الِاخْتِيَارُ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ]

- ‌[فَصْلٌ هَلْ الِاخْتِيَارُ يُعَدُّ فِرَاقًا لِلْبَوَاقِي]

- ‌[فَصْلٌ إِذَا مَاتَ الْمُسْلِمُ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ]

- ‌[فَصْلٌ مِيرَاثُ مَنْ مَاتَ عَنْهُنَّ الْمُسْلِمُ وَهُنَّ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ]

- ‌[فَصْلٌ الْمَهْرُ لِلنِّسْوَةِ إِذَا كُنَّ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ]

- ‌[فَصْلٌ لَوْ أَسْلَمَ ثُمَّ طَلَّقَ الْجَمِيعَ قَبْلَ إِسْلَامِهِنَّ]

- ‌[فَصْلٌ مَتَّى تَبْدَأُ عِدَّةُ الْمُفَارَقَاتِ]

- ‌[فَصْلٌ مَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ ثَمَانِ نِسْوَةٍ فَأَسْلَمَ مِنْهُنَّ أَرْبَعٌ]

- ‌[فَصْلٌ مَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ تُسْلِمْ نِسَاؤُهُ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ]

- ‌[فَصْلٌ إِذَا مَاتَتْ إِحْدَى الْمُخْتَارَاتِ فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ أُخْرَى مِنَ الْبَواقِي]

- ‌[فَصْلٌ فَإِنْ قَالَ كُلَّمَا أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ اخْتَرْتُهَا]

- ‌[فَصْلٌ اخْتِيَارُهُ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ]

- ‌[فَصْلٌ إِذَا مِتْنَ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ فَلَهُ اخْتِيَارُ أَرْبَعٍ وَيَرِثُهُنَّ]

- ‌[فَصْلٌ إِذَا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ مَتَى يَطَأُ الْأُخْتَ الْمُخْتَارَةَ]

- ‌[فَصْلٌ نُقِرُّ أَهْلَ الذِّمَّةِ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ بِشَرْطَيْنِ]

- ‌[فَصْلٌ نَصْرَانِيٌّ تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً أَوِ الْعَكْسُ]

- ‌[فَصْلٌ قَبْضُ بَعْضِ الْمَهْرِ وَوُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْلِ فِيمَا بَقِيَ كَيْفَ يَكُونُ]

- ‌[فَصْلٌ التَّحَاكُمُ إِلَيْنَا فِي أَنْكِحَةٍ لَا يُقَرُّونَ عَلَيْهَا قَبْلَ الدُّخُولِ]

- ‌[فَصْلٌ نِكَاحُ الذِّمِّيِّ الذِّمِّيَّةَ بِلَا صَدَاقٍ]

- ‌[فَصْلٌ فِي ضَابِطِ مَا يَصِحُّ مِنْ أَنْكِحَتِهِمْ وَمَا لَا يَصِحُّ]

- ‌[فَصْلٌ فِي الْكَافِرِ يَكُونُ وَلِيًّا لِوَلِيَّتِهِ الْكَافِرَةِ دُونَ الْمُسْلِمَةِ]

- ‌[فَصْلٌ بَيَانُ وِلَايَةِ الْأَبِ الذِّمِّيِّ]

- ‌[فَصْلٌ وِلَايَةُ الْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرِةِ]

- ‌[فَصْلٌ زَوَاجُ الْمُسْلِمِ بِشَهَادَةِ ذِمِّيَّيْنِ]

- ‌[فَصْلٌ لَا يَكُونُ الْكَافِرُ مَحْرَمًا لِلْمُسْلِمَةِ]

- ‌[فَصْلٌ الْإِنْفَاقُ عَلَى الْأَقَارِبِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ]

- ‌[فَصْلٌ جَوَازُ نِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ مَتَى يُكْرَهُ نِكَاحُ الْكِتَابِيَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ النِّكَاحُ مِنَ السَّامِرَةِ]

- ‌[فَصْلٌ نِكَاحُ الْكِتَابِيَّاتِ الْمُتَمَسِّكَاتِ بِغَيْرِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ]

- ‌[فَصْلٌ نِكَاحُ الْكِتَابِيَّاتِ مَعَ كَثْرَةِ النِّسَاءِ]

- ‌[فَصْلٌ نِكَاحُ الْمَجُوسِ وَأَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ]

- ‌[فَصْلٌ إِجْبَارُ الزَّوْجَةِ الذِّمِّيَّةِ عَلَى الطَّهَارَةِ]

- ‌[فَصْلٌ مَنْعُ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ الْكِتَابِيَّةَ مِنْ دُورِ الْعِبَادَةِ]

- ‌[فَصْلٌ مَنْعُ الزَّوْجَةِ الْكِتَابِيَّةِ مِنَ السُّكْرِ]

- ‌[فَصْلٌ أَدَاءُ الزَّوْجَةِ الْكِتَابِيَّةِ شَعَائِرَهَا التَّعَبُّدِيَّةَ]

- ‌[ذِكْرُ أَحْكَامِ مَوَارِيثِهِمْ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ] [

- ‌فصل هَلْ يَجْرِي التَّوَارُثُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَهُمْ]

- ‌[فَصْلٌ تَوَارُثُ أَهْلِ مِلَّتَيْنِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ وَعِلَلِهَا]

- ‌[فَصْلٌ لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ بِلَا خِلَافٍ]

- ‌[فَصْلٌ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي تَوْرِيثِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْكَافِرِ]

- ‌[فَصْلٌ أَقْسَامُ أَهْلِ الْعَهْدِ مِنَ الْكُفَّارِ]

- ‌[فَصْلٌ هَلْ تَجُوزُ الْهُدْنَةُ الْمُطْلَقَةُ دُونَ تَحْدِيدِ مُدَّةٍ]

- ‌[ذكر أَحْكَامِ أَطْفَال أهل الذمة] [

- ‌الْبَابُ الْأَوَّلُ ذِكْرِ أَحْكَامْ أَطْفَالهم فِي الدُّنْيَا]

- ‌[فصل مَوْتُ الْأَبَوَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا]

- ‌[فَصْلٌ مَتَى يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ الطِّفْلِ]

- ‌[فَصْلٌ شُرُوطُ إِسْلَامِ الصَّبِيِّ]

- ‌[فَصْلٌ يَتْبَعُ الْوَلَدُ أَبَوَيْهِ إِذَا أَسْلَمَاَ]

- ‌[فَصْلٌ هَلْ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ الطِّفْلِ الْمَسْبِيِّ]

- ‌[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ نُصُوصِ أَحْمَدَ فِي هَذَا الْبَابِ]

- ‌[فَصْلٌ الصَّبِيُّ يَخْرُجُ مِنْ دَارِ الشِّرْكِ إِلَى أَبَوَيْهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَهُمَا نَصْرَانِيَّانِ]

- ‌[فَصْلٌ اخْتِلَاطُ أَبْنَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِأَبْنَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ الذِّمِّيُّ يَجْعَلُ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ مُسْلِمًا]

- ‌[فَصْلٌ وَالِدُ الْمَمْلُوكَيْنِ الْكَافِرَيْنِ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِطْرَةِ الدِّينُ]

- ‌[فَصْلٌ ضَلَالُ الْقَدَرِيَّةِ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ وَالرَّدُّ عَلَيْهِمْ]

- ‌[فَصْلٌ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ]

- ‌[فَصْلٌ ذِكْرُ قَوْلِ مَنْ قَالَ أَنَّ الْفِطْرَةَ هِيَ الْبُدَاءَةُ]

- ‌[فَصْلٌ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ صَائِرُونَ إِلَى مَا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ]

- ‌[فَصْلٌ تَفْسِيرُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ لِلْفِطْرَةِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ]

- ‌[فَصْلٌ إِجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِنْطَاقَ كَانَ لِلْأَرْوَاحِ]

- ‌[فَصْلٌ تَفْسِيرُ قَوْلِ النَّبِيِّ علبه السلام فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ]

- ‌[فَصْلٌ الْخِلَافُ فِي خَلْقِ الْأَجْسَادِ قَبْلَ الْأَرْوَاحِ أَوِ الْعَكْسُ]

- ‌[فَصْلٌ الْفِطْرَةُ خُلُوُّ الْقَلْبِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ]

- ‌[فَصْلٌ الْفِطْرَةُ لَوْ تُرِكَتْ لَاخْتَارَتِ الْإِيمَانَ عَلَى الْكُفْرِ]

- ‌[فَصْلٌ الْفِطْرَةُ تَقْتَضِي حُبَّ اللَّهِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي تَلْخِيصِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا]

- ‌[الباب الثاني ذِكْرُ أَحْكَامِ أَطْفَالِهِمْ فِي الْآخِرَةِ] [

- ‌فصل اخْتِلَافِ النَّاس حكم أطفال المشركين فِي الْآخِرَةِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي أَدِلَّةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ أَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ أَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ وَالْمَذَاهِبُ الْعَشَرَةُ فِيهِمْ] [

- ‌الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ الْوَقْفُ فِي أَمْرِهِمْ]

- ‌[الْمَذْهَبُ الثَّانِي أَنَّهُمْ فِي النَّارِ]

- ‌[الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ]

- ‌[الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ أَنَّهُمْ فِي مَنْزِلَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ]

- ‌[الْمَذْهَبُ الْخَامِسُ أَنَّهُمْ مَرْدُودُونَ إِلَى مَحْضِ مَشِيئَةِ اللَّهِ بِلَا سَبَبٍ وَلَا عَمَلٍ]

- ‌[الْمَذْهَبُ السَّادِسُ أَنَّهُمْ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمَمَالِيكُهُمْ مَعَهُمْ بِمَنْزِلَةِ أَرِقَّائِهِمْ وَمَمَالِيكِهِمْ فِي الدُّنْيَا]

- ‌[الْمَذْهَبُ السَّابِعُ أَنَّ حُكْمَهُمْ حُكْمُ آبَائِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ]

- ‌[الْمَذْهَبُ الثَّامِنُ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُرَابًا]

- ‌[الْمَذْهَبُ التَّاسِعُ مَذْهَبُ الْإِمْسَاكِ]

- ‌[الْمَذْهَبُ الْعَاشِرُ أَنَّهُمْ يُمْتَحَنُونَ فِي الْآخِرَةِ]

الفصل: ‌[فصل توارث أهل ملتين]

أَهْلُ الْحَرْبِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، سَوَاءٌ اتَّفَقَتْ دِيَارُهُمْ أَوِ اخْتَلَفَتْ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا اخْتَلَفَتْ دِيَارُهُمْ بِحَيْثُ كَانَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ مَلِكٌ، وَيَرَى بَعْضُهُمْ قَتْلَ بَعْضٍ، لَمْ يَتَوَارَثُوا لِأَنَّهُمْ لَا مُوَالَاةَ بَيْنَهُمْ، فَجَعَلُوا اتِّفَاقَ الدَّارِ وَاخْتِلَافَهَا ضَابِطَ التَّوَارُثِ وَعَدَمِهِ، وَهَذَا أَصْلٌ لَهُمْ فِي اخْتِلَافِ الدَّارِ انْفَرَدُوا بِهِ.

قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَلَا نَعْلَمُ لِهَذَا حُجَّةً مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِعُمُومِ السُّنَنِ الْمُقْتَضِي لِلتَّوْرِيثِ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا الدِّينَ فِي اتِّفَاقِهِ وَلَا اخْتِلَافِهِ مَعَ وُرُودِ الْخَبَرِ فِيهِ، وَصِحَّةِ الْعِبْرَةِ بِهِ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الدَّارُ بِهِمْ، وَكَذَلِكَ الْكُفَّارُ، وَلَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ كَافِرًا، وَلَا كَافِرٌ مُسْلِمًا، لِاخْتِلَافِ الدِّينِ، وَإِنِ اتَّحَدَتْ دَارَاهُمَا، يَعْنِي: اخْتِلَافُ الدَّارِ مُلْغًى فِي الشَّرْعِ، وَاخْتِلَافُ الدِّينِ هُوَ الْمُعْتَبَرُ.

[فَصْلٌ تَوَارُثُ أَهْلِ مِلَّتَيْنِ]

163 -

فَصْلٌ

[تَوَارُثُ أَهْلِ مِلَّتَيْنِ] .

فَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَدْيَانُهُمْ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ يَتَوَارَثُونَ أَمْ لَا؟

فَقَالَ الْخَلَّالُ فِي " الْجَامِعِ ": بَابُ قَوْلِهِ: " لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ ":

ص: 827

أَخْبَرَنِي الْمَيْمُونِيُّ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَمَّا الْأَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم " «أَنَّهُ لَا يَرِثُ مُسْلِمٌ كَافِرًا» "، فَإِنَّمَا عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ فَقَطْ يَرْوِيهِ:" «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ» ".

قَالَ: وَاحْتَجَّ قَوْمٌ فِي الْمِلَّتَيْنِ قَالُوا: وَإِنْ كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ، وَهِيَ مِلَلٌ مُخْتَلِفَةٌ أَحْكَامُهُمْ، لِهَؤُلَاءِ حُكْمٌ، وَلِهَؤُلَاءِ حُكْمٌ، فَلَمْ يُوَرِّثُوا بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ.

قَالَ الْمَيْمُونِيُّ: وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يُوَرَّثُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ.

ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ

[شَتَّى] لَا يَرِثُ الْيَهُودِيُّ النَّصْرَانِيَّ؟ قَالَ: لَا يَرِثُ هُمَا مِلَّتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ.

ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ مَسَائِلِ الْحَسَنِ بْنِ ثَوَّابٍ قَالَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَأَنَا أَسْمَعُ: هَلْ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ؟ قَالَ: لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ.

أَخْبَرَنِي حَرْبٌ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: وَالْيَهُودِيُّ يَرِثُ النَّصْرَانِيَّ؟ فَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ.

قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ: لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ، فَحَكَى الْمَيْمُونِيُّ، عَنْ

ص: 828

أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَاحْتِجَاجُهُ أَنَّهُ قَالَ بِتَوْرِيثِهِمْ.

قَالَ: وَهَذَا كَلَامٌ غَيْرُ مُحْكَمٍ، إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ ظَنَّهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَالْحَسَنِ بْنِ ثَوَابٍ قَالَ عَنْهُ: لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ، وَأَمَّا حَرْبٌ فَقَدْ قَالَ: إِنِّي قُلْتُ لَهُ: لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ؟ قَالَ: " لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ "، وَحَكَى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَنَّهُ لَا يُوَرِّثُهُمْ، وَهُوَ قَدِيمُ السَّمَاعِ.

وَحَكَى حَرْبٌ أَنَّهُ يُوَرِّثُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَلَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ، وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ.

وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى، وَأَنَّ الْكُفْرُ مِلَلٌ مُخْتَلِفَةٌ لَا يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَهُوَ الَّذِي نَصَرَهُ الْقَاضِي وَاخْتَارَهُ فِي " تَعْلِيقِهِ "، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: " «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى» وَلِأَنَّهُمْ لَا يَتَنَاصَرُونَ وَلَا يَتَعَاقَلُونَ، وَلَا يُوَالِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا.

قَالَ الشَّيْخُ فِي " الْمُغْنِي ": وَلَمْ يُسْمَعْ عَنْ أَحْمَدَ تَصْرِيحٌ بِذِكْرِ أَقْسَامِ الْمِلَلِ.

قَالَ الْقَاضِي: الْكُفْرُ ثَلَاثُ مِلَلٍ: الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ، وَدِينُ مَنْ عَدَاهُمْ؛ لِأَنَّ مَنْ عَدَاهُمْ يَجْمَعُهُمْ أَنَّهُمْ لَا كِتَابَ لَهُمْ، وَهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ، وَعَطَاءٍ، وَعُمَرَ

ص: 829

بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَشَرِيكٍ، وَالْحَكَمِ، وَمُغِيَرَةَ الضَّبِّيِّ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَوَكِيعٍ.

قَالَ الشَّيْخُ: وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ أَحْمَدَ أَنَّ الْكُفْرَ مِلَلٌ كَثِيرَةٌ، فَتَكُونُ الْمَجُوسِيَّةُ مِلَّةً، وَعُبَّادُ الْأَوْثَانِ مِلَّةً، وَعُبَّادُ الشَّمْسِ مِلَّةً، فَلَا يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَرَبِيعَةُ، وَبَعْضُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ، وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ، وَإِسْحَاقُ.

قَالَ الشَّيْخُ فِي " الْمُغْنِي ": وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:" «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَيْئًا» "، وَلِأَنَّ كُلَّ فَرِيقَيْنِ مِنْهُمْ لَا مُوَالَاةَ بَيْنَهُمْ، وَلَا اتِّفَاقَ فِي دِينٍ، فَلَمْ يَرِثْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، كَالْمُسْلِمِينَ، وَالْكُفَّارِ، وَالْعُمُومَاتُ فِي التَّوْرِيثِ مَخْصُوصَةٌ، فَيُخَصُّ مِنْهَا مَحَلُّ النِّزَاعِ بِالْخَبَرِ، وَالْقِيَاسِ، وَلِأَنَّ مُخَالِفِينَا قَطَعُوا التَّوْرِيثَ بَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَأَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ فِي الْمِلَّةِ لِانْقِطَاعِ الْمُوَالَاةِ، فَمَعَ اخْتِلَافِ الْمِلَّةِ

ص: 830

أَوْلَى، وَقَوْلُ مَنْ خَصَّ الْمِلَّةَ بِعَدَمِ الْكِتَابِ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّ هَذَا وَصْفٌ عَدَمِيٌّ لَا يَقْتَضِي حُكْمًا، وَلَا جَمْعًا، ثُمَّ لَا بُدَّ لِهَذَا الضَّابِطِ مِنْ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِهِ، ثُمَّ قَدِ افْتَرَقَ حُكْمُهُمْ، فَإِنَّ الْمَجُوسَ يُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ، وَغَيْرُهُمْ لَا يُقِرُّ بِهَا، وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي مَعْبُودَاتِهِمْ، وَمُعْتَقَدَاتِهِمْ، وَآرَائِهِمْ، يَسْتَحِلُّ بَعْضُهُمْ دِمَاءَ بَعْضٍ، وَيُكَفِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَكَانُوا مِلَلًا كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، فَإِنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ رَوَى عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ جَعَلَ الْكُفْرَ مِلَلًا مُخْتَلِفَةً، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، فَكَانَ إِجْمَاعًا.

وَاحْتَجَّ الْقَاضِي عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) ، فَأَثْبَتَ لِكُلِّ شَرِيعَةٍ دِينًا، وَقَالَ تَعَالَى:(مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ)،:(وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) ، فَلَوْ كَانَ مَنْ خَالَفَ

ص: 831

دِينَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَهْلَ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَخُصَّ إِبْرَاهِيمَ بِمِلَّةٍ، وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَا:" يُقْبَلُ شَهَادَةُ مِلَّةٍ عَلَى مِلَّةٍ، إِلَّا مِلَّةَ الْإِسْلَامِ "، هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ هُنَاكَ مِلَلًا غَيْرَ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلِأَنَّ أَحْكَامَهُمْ مُخْتَلِفَةٌ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَجُوسَ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُمْ، وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ، وَلَا كِتَابَ لَهُمْ، وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالْكِتَابُ كَاخْتِلَافِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ.

ص: 832