المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[فصل موت الأبوين أو أحدهما] - أحكام أهل الذمة - ط رمادي - جـ ٢

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌[ذكر نكاح أهل الذمة ومناكحتهم] [

- ‌فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ نِكَاحِهِمْ وَمُنَاكَحَاتِهِمْ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْكَافِرُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا]

- ‌[فَصْلٌ في طَلَاقِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ لَا يَعْتَقِدُونَ وُقُوعَهُ]

- ‌[فَصْلٌ الْمُسْلِمُ إِذَا طَلَّقَ الذِّمِّيَّةَ فَتَزَوَّجَتْ ذِمِّيًّا ثُمَّ طَلَّقَهَا فَهَلْ تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ]

- ‌[فَصْلٌ إِذَا أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا]

- ‌[فَصْلٌ حَجَّةُ الْمُعَجِّلُونَ لِلْفُرْقَةِ]

- ‌[فَصْلٌ صِحَّةُ الْعُقُودِ الَّتِي وَقَعَتْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الشِّرْكِ]

- ‌[فَصْلٌ إِذَا أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ وَتَحْتَهُ أُمٌّ وَابْنَتُهَا وَقَدْ دَخَلَ بِهِمَا أَوْ بِإِحْدَاهُمَا]

- ‌[فَصْلٌ إِذَا طَلَّقَ إِحْدَاهُمَا أَوْ مَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ]

- ‌[فَصْلٌ اخْتِلَافُ الدَّارَيْنِ لَا يُوقِعُ الْفُرْقَةَ]

- ‌[فَصْلٌ عَلَى الْمُسْلِمِ نَفَقَةُ جَمِيعِ نِسَائِهِ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ]

- ‌[فَصْلٌ إِذَا زَوَّجَ الْكَافِرُ ابْنَهُ الصَّغِيرَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ مَتَى يَخْتَارُ]

- ‌[فَصْلٌ الِاخْتِيَارُ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ]

- ‌[فَصْلٌ هَلْ الِاخْتِيَارُ يُعَدُّ فِرَاقًا لِلْبَوَاقِي]

- ‌[فَصْلٌ إِذَا مَاتَ الْمُسْلِمُ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ]

- ‌[فَصْلٌ مِيرَاثُ مَنْ مَاتَ عَنْهُنَّ الْمُسْلِمُ وَهُنَّ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ]

- ‌[فَصْلٌ الْمَهْرُ لِلنِّسْوَةِ إِذَا كُنَّ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ]

- ‌[فَصْلٌ لَوْ أَسْلَمَ ثُمَّ طَلَّقَ الْجَمِيعَ قَبْلَ إِسْلَامِهِنَّ]

- ‌[فَصْلٌ مَتَّى تَبْدَأُ عِدَّةُ الْمُفَارَقَاتِ]

- ‌[فَصْلٌ مَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ ثَمَانِ نِسْوَةٍ فَأَسْلَمَ مِنْهُنَّ أَرْبَعٌ]

- ‌[فَصْلٌ مَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ تُسْلِمْ نِسَاؤُهُ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ]

- ‌[فَصْلٌ إِذَا مَاتَتْ إِحْدَى الْمُخْتَارَاتِ فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ أُخْرَى مِنَ الْبَواقِي]

- ‌[فَصْلٌ فَإِنْ قَالَ كُلَّمَا أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ اخْتَرْتُهَا]

- ‌[فَصْلٌ اخْتِيَارُهُ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ]

- ‌[فَصْلٌ إِذَا مِتْنَ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ فَلَهُ اخْتِيَارُ أَرْبَعٍ وَيَرِثُهُنَّ]

- ‌[فَصْلٌ إِذَا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ مَتَى يَطَأُ الْأُخْتَ الْمُخْتَارَةَ]

- ‌[فَصْلٌ نُقِرُّ أَهْلَ الذِّمَّةِ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ بِشَرْطَيْنِ]

- ‌[فَصْلٌ نَصْرَانِيٌّ تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً أَوِ الْعَكْسُ]

- ‌[فَصْلٌ قَبْضُ بَعْضِ الْمَهْرِ وَوُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْلِ فِيمَا بَقِيَ كَيْفَ يَكُونُ]

- ‌[فَصْلٌ التَّحَاكُمُ إِلَيْنَا فِي أَنْكِحَةٍ لَا يُقَرُّونَ عَلَيْهَا قَبْلَ الدُّخُولِ]

- ‌[فَصْلٌ نِكَاحُ الذِّمِّيِّ الذِّمِّيَّةَ بِلَا صَدَاقٍ]

- ‌[فَصْلٌ فِي ضَابِطِ مَا يَصِحُّ مِنْ أَنْكِحَتِهِمْ وَمَا لَا يَصِحُّ]

- ‌[فَصْلٌ فِي الْكَافِرِ يَكُونُ وَلِيًّا لِوَلِيَّتِهِ الْكَافِرَةِ دُونَ الْمُسْلِمَةِ]

- ‌[فَصْلٌ بَيَانُ وِلَايَةِ الْأَبِ الذِّمِّيِّ]

- ‌[فَصْلٌ وِلَايَةُ الْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرِةِ]

- ‌[فَصْلٌ زَوَاجُ الْمُسْلِمِ بِشَهَادَةِ ذِمِّيَّيْنِ]

- ‌[فَصْلٌ لَا يَكُونُ الْكَافِرُ مَحْرَمًا لِلْمُسْلِمَةِ]

- ‌[فَصْلٌ الْإِنْفَاقُ عَلَى الْأَقَارِبِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ]

- ‌[فَصْلٌ جَوَازُ نِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ مَتَى يُكْرَهُ نِكَاحُ الْكِتَابِيَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ النِّكَاحُ مِنَ السَّامِرَةِ]

- ‌[فَصْلٌ نِكَاحُ الْكِتَابِيَّاتِ الْمُتَمَسِّكَاتِ بِغَيْرِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ]

- ‌[فَصْلٌ نِكَاحُ الْكِتَابِيَّاتِ مَعَ كَثْرَةِ النِّسَاءِ]

- ‌[فَصْلٌ نِكَاحُ الْمَجُوسِ وَأَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ]

- ‌[فَصْلٌ إِجْبَارُ الزَّوْجَةِ الذِّمِّيَّةِ عَلَى الطَّهَارَةِ]

- ‌[فَصْلٌ مَنْعُ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ الْكِتَابِيَّةَ مِنْ دُورِ الْعِبَادَةِ]

- ‌[فَصْلٌ مَنْعُ الزَّوْجَةِ الْكِتَابِيَّةِ مِنَ السُّكْرِ]

- ‌[فَصْلٌ أَدَاءُ الزَّوْجَةِ الْكِتَابِيَّةِ شَعَائِرَهَا التَّعَبُّدِيَّةَ]

- ‌[ذِكْرُ أَحْكَامِ مَوَارِيثِهِمْ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ] [

- ‌فصل هَلْ يَجْرِي التَّوَارُثُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَهُمْ]

- ‌[فَصْلٌ تَوَارُثُ أَهْلِ مِلَّتَيْنِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ وَعِلَلِهَا]

- ‌[فَصْلٌ لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ بِلَا خِلَافٍ]

- ‌[فَصْلٌ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي تَوْرِيثِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْكَافِرِ]

- ‌[فَصْلٌ أَقْسَامُ أَهْلِ الْعَهْدِ مِنَ الْكُفَّارِ]

- ‌[فَصْلٌ هَلْ تَجُوزُ الْهُدْنَةُ الْمُطْلَقَةُ دُونَ تَحْدِيدِ مُدَّةٍ]

- ‌[ذكر أَحْكَامِ أَطْفَال أهل الذمة] [

- ‌الْبَابُ الْأَوَّلُ ذِكْرِ أَحْكَامْ أَطْفَالهم فِي الدُّنْيَا]

- ‌[فصل مَوْتُ الْأَبَوَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا]

- ‌[فَصْلٌ مَتَى يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ الطِّفْلِ]

- ‌[فَصْلٌ شُرُوطُ إِسْلَامِ الصَّبِيِّ]

- ‌[فَصْلٌ يَتْبَعُ الْوَلَدُ أَبَوَيْهِ إِذَا أَسْلَمَاَ]

- ‌[فَصْلٌ هَلْ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ الطِّفْلِ الْمَسْبِيِّ]

- ‌[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ نُصُوصِ أَحْمَدَ فِي هَذَا الْبَابِ]

- ‌[فَصْلٌ الصَّبِيُّ يَخْرُجُ مِنْ دَارِ الشِّرْكِ إِلَى أَبَوَيْهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَهُمَا نَصْرَانِيَّانِ]

- ‌[فَصْلٌ اخْتِلَاطُ أَبْنَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِأَبْنَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ الذِّمِّيُّ يَجْعَلُ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ مُسْلِمًا]

- ‌[فَصْلٌ وَالِدُ الْمَمْلُوكَيْنِ الْكَافِرَيْنِ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ]

- ‌[فَصْلٌ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِطْرَةِ الدِّينُ]

- ‌[فَصْلٌ ضَلَالُ الْقَدَرِيَّةِ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ وَالرَّدُّ عَلَيْهِمْ]

- ‌[فَصْلٌ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ]

- ‌[فَصْلٌ ذِكْرُ قَوْلِ مَنْ قَالَ أَنَّ الْفِطْرَةَ هِيَ الْبُدَاءَةُ]

- ‌[فَصْلٌ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ صَائِرُونَ إِلَى مَا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ]

- ‌[فَصْلٌ تَفْسِيرُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ لِلْفِطْرَةِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ]

- ‌[فَصْلٌ إِجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِنْطَاقَ كَانَ لِلْأَرْوَاحِ]

- ‌[فَصْلٌ تَفْسِيرُ قَوْلِ النَّبِيِّ علبه السلام فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ]

- ‌[فَصْلٌ الْخِلَافُ فِي خَلْقِ الْأَجْسَادِ قَبْلَ الْأَرْوَاحِ أَوِ الْعَكْسُ]

- ‌[فَصْلٌ الْفِطْرَةُ خُلُوُّ الْقَلْبِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ]

- ‌[فَصْلٌ الْفِطْرَةُ لَوْ تُرِكَتْ لَاخْتَارَتِ الْإِيمَانَ عَلَى الْكُفْرِ]

- ‌[فَصْلٌ الْفِطْرَةُ تَقْتَضِي حُبَّ اللَّهِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي تَلْخِيصِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا]

- ‌[الباب الثاني ذِكْرُ أَحْكَامِ أَطْفَالِهِمْ فِي الْآخِرَةِ] [

- ‌فصل اخْتِلَافِ النَّاس حكم أطفال المشركين فِي الْآخِرَةِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي أَدِلَّةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ أَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ أَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ وَالْمَذَاهِبُ الْعَشَرَةُ فِيهِمْ] [

- ‌الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ الْوَقْفُ فِي أَمْرِهِمْ]

- ‌[الْمَذْهَبُ الثَّانِي أَنَّهُمْ فِي النَّارِ]

- ‌[الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ]

- ‌[الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ أَنَّهُمْ فِي مَنْزِلَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ]

- ‌[الْمَذْهَبُ الْخَامِسُ أَنَّهُمْ مَرْدُودُونَ إِلَى مَحْضِ مَشِيئَةِ اللَّهِ بِلَا سَبَبٍ وَلَا عَمَلٍ]

- ‌[الْمَذْهَبُ السَّادِسُ أَنَّهُمْ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمَمَالِيكُهُمْ مَعَهُمْ بِمَنْزِلَةِ أَرِقَّائِهِمْ وَمَمَالِيكِهِمْ فِي الدُّنْيَا]

- ‌[الْمَذْهَبُ السَّابِعُ أَنَّ حُكْمَهُمْ حُكْمُ آبَائِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ]

- ‌[الْمَذْهَبُ الثَّامِنُ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُرَابًا]

- ‌[الْمَذْهَبُ التَّاسِعُ مَذْهَبُ الْإِمْسَاكِ]

- ‌[الْمَذْهَبُ الْعَاشِرُ أَنَّهُمْ يُمْتَحَنُونَ فِي الْآخِرَةِ]

الفصل: ‌[فصل موت الأبوين أو أحدهما]

[فصل مَوْتُ الْأَبَوَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا]

فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى وَهِيَ مَوْتُ الْأَبَوَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا.

فَاخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَصِيرُ بِذَلِكَ مُسْلِمًا، بَلْ هُوَ عَلَى دِينِهِ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَرُبَّمَا ادَّعَى فِيهِ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ مَعْلُومٌ مُتَيَقَّنٌ، لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ لَمْ يَزَالُوا يَمُوتُونَ، وَيُخَلِّفُونَ أَوْلَادًا صِغَارًا، وَلَا نَعْرِفُ قَطُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا أَحَدًا مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بَعْدَهُ، وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ حَكَمُوا بِإِسْلَامِ أَوْلَادِ الْكُفَّارِ بِمَوْتِ آبَائِهِمْ، وَلَا نَعْرِفُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي الْإِسْلَامِ مَعَ امْتِنَاعِ إِهْمَالِ هَذَا الْأَمْرِ، وَإِضَاعَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ أَحْرَصُ النَّاسِ عَلَى الزِّيَادَةِ فِي الْإِسْلَامِ وَالنُّقْصَانِ مِنَ الْكُفْرِ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ - فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ - اخْتَارَهَا شَيْخُنَا، رحمه الله.

الثَّانِي: أَنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ الْأَطْفَالِ بِمَوْتِ الْأَبَوَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا، سَوَاءٌ مَاتَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، اخْتَارَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِيَقِينٍ لِمَا سَنَذْكُرُهُ.

وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِمْ إِنْ مَاتَ الْأَبَوَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِمْ إِنْ مَاتَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ عَامَّةِ أَصْحَابِهِ، وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ: فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ

ص: 896

وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

قَالُوا: فَجُعِلَ كُفْرُهُ بِفِعْلِ أَبَوَيْهِ، فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا انْقَطَعَتِ التَّبَعِيَّةُ، فَوَجَبَ إِبْقَاؤُهُ عَلَى الْفِطْرَةِ الَّتِي وُلِدَ عَلَيْهَا.

قَالُوا: وَلِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ فِيمَنْ مَاتَ أَبَوَاهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَقَضِيَّةُ الدَّارِ الْحُكْمُ بِإِسْلَامِ أَهْلِهَا، وَلِذَلِكَ حَكَمْنَا بِإِسْلَامِ لَقِيطِهَا، وَإِنَّمَا ثَبَتَ الْكُفْرُ لِلطِّفْلِ الَّذِي لَهُ أَبَوَانِ، تَغْلِيبًا لِتَبَعِيَّةِ الْأَبَوَيْنِ عَلَى حُكْمِ الدَّارِ، فَإِذَا عُدِمَا، أَوْ أَحَدُهُمَا وَجَبَ إِبْقَاؤُهُ عَلَى حُكْمِ الدَّارِ، لِانْقِطَاعِ تَبَعِيَّتِهِ لِلْكَافِرِ.

قَالُوا: وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ الطِّفْلَ يَصِيرُ مُسْلِمًا - تَبَعًا لِإِسْلَامِ أَبِيهِ - فَكَذَلِكَ إِنَّمَا صَارَ كَافِرًا، تَبَعًا لِكُفْرِ أَبِيهِ، فَإِذَا مَاتَ الْأَبُ زَالَ مَنْ يَتْبَعُهُ فِي كُفْرِهِ، فَكَانَ الْإِسْلَامُ أَوْلَى بِهِ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُقْتَضَى الْفِطْرَةِ الْأَصْلِيَّةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا عِبَادَهُ، وَإِنَّمَا عَارَضَهَا فِعْلُ الْأَبَوَيْنِ، وَقَدْ زَالَ الْعَارِضُ، فَعَمِلَ الْمُقْتَضَى عَمَلَهُ.

الثَّانِي: أَنَّ الدَّارَ دَارُ الْإِسْلَامِ، وَلَوِ اخْتَلَطَ فِيهَا وَلَدُ الْكَافِرِ بِوَلَدِ الْمُسْلِمِ - عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزَانِ - حَكَمْنَا بِإِسْلَامِهِمَا تَغْلِيبًا لِلدَّارِ، وَلَوْ وُجِدَ فِيهَا لَقِيطٌ فِي مَحَلَّةِ الْكُفَّارِ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَبٌ حَكَمْنَا بِإِسْلَامِهِ تَغْلِيبًا لِلدَّارِ، وَإِنَّمَا عَارَضَ الدَّارَ قُوَّةُ تَبَعِيَّةِ الْأَبَوَيْنِ، وَقَدْ زَالَتْ بِالْمَوْتِ، فَعَمِلَ مُقْتَضَى الدَّارِ عَمَلَهُ.

الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ سُبِيَ الطِّفْلُ مُنْفَرِدًا عَنْ أَبَوَيْهِ كَانَ مُسْلِمًا عِنْدَ الْأَئِمَّةِ

ص: 897

الْأَرْبَعَةِ، وَغَيْرِهِمْ، بَلْ وَلَوْ سُبِيَ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ لَكَانَ مُسْلِمًا فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، بَلْ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ، وَلَوْ سُبِيَ مَعَهُمَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَأَهْلِ الشَّامِ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، فَإِذَا حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ فِي بَعْضِ هَذِهِ الصُّوَرِ اتِّفَاقًا، وَفِي بَعْضِهِمَا بِالدَّلِيلِ الصَّحِيحِ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ - مَعَ تَحَقُّقِ وُجُودِ الْأَبَوَيْنِ، وَإِمْكَانِ عَوْدِهِ إِلَى تَبَعِيَّتِهِمَا - فَلَأَنْ نَحْكُمُ بِإِسْلَامِهِ مَعَ تَحَقُّقِ عَدَمِ الْأَبَوَيْنِ، وَاسْتِحَالَةُ تَبَعِيَّتِهِمَا أَوْلَى وَأَحْرَى.

وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّهُ تَبِعٌ لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ، وَالْكُفْرِ، فَإِذَا عُدِمَا زَالَتْ تَبَعِيَّتُهُ، وَكَانَتِ الْفِطْرَةُ الْأُولَى أَوْلَى بِهِ.

يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ أَقَارِبُهُ جَمِيعًا، وَرَبَّاهُ الْأَجَانِبُ مِنَ الْكُفَّارِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ جَعْلُهُ كَافِرًا، إِذْ فِيهِ إِخْرَاجٌ عَنِ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا خَلْقَهُ بِلَا مُوجِبٍ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ إِذْ يَتَضَمَّنُ إِدْخَالَ مَنْ فُطِرَ عَلَى التَّوْحِيدِ فِي الْكُفْرِ مِنْ غَيْرِ تَبَعِيَّةٍ لِأَحَدٍ مِنْ أَقَارِبِهِ وَهَذَا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، فَإِذَا عُدِمَ الْأَبَوَانِ لَمْ تَكُنِ الْوِلَايَةُ عَلَى الطِّفْلِ لِغَيْرِهِمَا مِنْ أَقَارِبِهِ، كَمَا لَا تَثْبُتُ عَلَى أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ تَكُونُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ كَالْمَسْبِيِّ بِدُونِ أَبَوَيْهِ، وَأَوْلَى.

فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ تُوَرِّثُونَهُ مِنَ الْمَيِّتِ مِنْهُمَا؟ قُلْنَا: نَعَمْ، نُوَرِّثُهُ.

نَقَلَهُ الْحَرْبِيُّ، فَقَالَ:" وَكَذَلِكَ مَنْ مَاتَ مِنَ الْأَبَوَيْنِ عَلَى كُفْرِهِ قُسِمَ لَهُ - يَعْنِي لِلطِّفْلِ - الْمِيرَاثُ، وَكَانَ مُسْلِمًا بِمَوْتِ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا " وَذَلِكَ

ص: 898

كَافٍ؛ لِأَنَّ إِسْلَامَهُ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِمَوْتِ أَبِيهِ الَّذِي اسْتَحَقَّ بِهِ الْمِيرَاثَ، فَلَمْ يَتَقَدَّمِ الْإِسْلَامُ الْمَانِعُ عَنِ الْمِيرَاثِ عَلَى سَبَبِ اسْتِحْقَاقِهِ، وَلِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ الْمُعَلَّقَةَ بِالْمَوْتِ لَا تُوجِبُ الْمِيرَاثَ فِيمَا إِذَا قَالَ سَيِّدٌ لِعَبْدٍ لَهُ: إِذَا مَاتَ أَبُوكَ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَمَاتَ أَبُوهُ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ وَلَا يَرِثُ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْإِسْلَامُ الْمُعَلَّقُ بِالْمَوْتِ لَا يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ، فَهُنَاكَ مُوجِبُ الْمِيرَاثِ فَلَمْ يُوجِبْهُ، وَهُنَا مَانِعُ الْمِيرَاثِ عُلِّقَ بِالْمَوْتِ فَلَمْ يَمْنَعْهُ.

وَأَيْضًا فَكَوْنُهُ " وَارِثًا " أَمْرٌ ثَابِتٌ لَهُ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَلِهَذَا يُمْنَعُ الْمَرِيضُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ مِنْ مَالِهِ، فَبِالْمَوْتِ عَمِلَ الْمُقْتَضَى الْمُتَقَدِّمُ لِأَخْذِ الْمَالِ عَمَلَهُ، وَهُوَ الْبَعْضِيَّةُ وَالْبُنُوَّةُ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا لَهُ قَبْلَ الْمَوْتِ، بَلْ كَانَ كَافِرًا حُكْمًا، وَإِنَّمَا تَجَدَّدَ لَهُ الْإِسْلَامُ بِمَوْتِ الْأَبِ، وَهُنَاكَ لَمْ يَتَجَدَّدْ كَوْنُهُ وَارِثًا بِمَوْتِ الْأَبِ، وَإِنَّمَا تَجَدَّدَ بِالْمَوْتِ انْتِقَالُ التَّرِكَةِ إِلَيْهِ وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدًّا.

فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ لَوْ مَاتَ أَبُوهُ الْكَافِرُ وَهُوَ حَمْلٌ، هَلْ يَرِثُهُ؟ قُلْنَا: لَا يَرِثُهُ، لِأَنَّا نَحْكُمُ بِإِسْلَامِهِ بِمُجَرَّدِ مَوْتِهِ قَبْلَ الْوَضْعِ، نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ، فَيَسْبِقُ الْإِسْلَامُ الْمَانِعَ مِنَ الْمِيرَاثِ لِاسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي اخْتَارَهُ شَيْخُنَا فَإِنَّهُ يَرِثُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْحَمْلُ مِنْ غَيْرِهِ، فَأَسْلَمَتْ أُمُّهُ قَبْلَ وَضْعِهِ، بِأَنْ يَمُوتَ الذِّمِّيُّ، وَيَتْرُكَ امْرَأَةَ أَخِيهِ حَامِلًا مِنْ أَخِيهِ الذِّمِّيِّ، فَتُسْلِمُ أُمُّهُ قَبْلَ وَضْعِهِ، فَنَحْكُمُ بِإِسْلَامِهِ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ الْمِيرَاثَ.

فَإِنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُكُمْ أَنْ تَحْكُمُوا بِإِسْلَامِ أَوْلَادِ الزِّنَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، لِانْقِطَاعِ أَنْسَابِهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ، قِيلَ: قَدِ الْتَزَمَهُ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ، وَحَكَمُوا

ص: 899