الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْفِطْرَةِ سَوَاءً، أَوِ الْفِطْرَةُ مُقْتَضِيَةً لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، فَإِنْ كَانَا سَوَاءً لَزِمَ انْتِفَاءُ الْمَدْحِ، وَلَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ اقْتِضَائِهَا لِلْكُفْرِ، وَاقْتِضَائِهَا لِلْإِيمَانِ، وَيَكُونُ تَمْجِيسُهَا كَتَحْنِيفِهَا، وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا.
وَإِنْ كَانَ فِيهَا مُقْتَضٍّ لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُقْتَضِي مُسْتَلْزِمًا لِمُقْتَضَاهُ عِنْدَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَوَقِّفًا عَلَى شَخْصٍ خَارِجٍ عَنْهَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ لَوَازِمِهَا، وَأَنَّهَا مَفْطُورَةٌ عَلَيْهِ لَا يُفْقَدُ إِلَّا إِذَا أُفْسِدَتِ الْفِطْرَةُ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى شَخْصٍ فَذَلِكَ الشَّخْصُ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُهَا حَنِيفِيَّةً كَمَا يَجْعَلُهَا مَجُوسِيَّةً، وَحِينَئِذٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا.
وَإِذَا قِيلَ: " هِيَ إِلَى الْحَنِيفِيَّةِ أَمْيَلُ " كَانَ كَمَا يُقَالُ: هِيَ إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ أَمْيَلُ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّ فِيهَا قُوَّةً مُوجِبَةً لِحُبِّ اللَّهِ وَالذُّلِّ لَهُ، وَإِخْلَاصِ الدِّينِ لَهُ، وَأَنَّهَا مُوجِبَةٌ لِمُقْتَضَاهَا إِذَا سَلِمَتْ مِنَ الْمُعَارِضِ، كَمَا أَنَّ فِيهَا قُوَّةً تَقْتَضِي شُرْبَ اللَّبَنِ الَّذِي فُطِرَتْ عَلَى مَحَبَّتِهِ وَطَلَبِهِ.
[فَصْلٌ الْفِطْرَةُ تَقْتَضِي حُبَّ اللَّهِ]
192 -
فَصْلٌ
[الْفِطْرَةُ تَقْتَضِي حُبَّ اللَّهِ] .
وَمِمَّا يُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ إِرَادِيَّةٍ فَإِنَّ الْمُوجِبَ لَهَا قُوَّةٌ فِي الْمُرِيدِ، فَإِذَا أَمْكَنَ الْإِنْسَانَ أَنْ يُحِبَّ اللَّهَ وَيَعْبُدَهُ وَيُخْلِصَ لَهُ الدِّينَ كَانَ فِيهِ قُوَّةٌ تَقْتَضِي
ذَلِكَ، إِذِ الْأَفْعَالُ الْإِرَادِيَّةُ لَا يَكُونُ سَبَبُهَا إِلَّا مِنْ نَفْسِ الْحَيِّ الْمُرِيدِ الْفَاعِلِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي إِرَادَتِهِ إِلَّا مُجَرَّدُ الشُّعُورِ بِالْمُرَادِ، فَمَا فِي النُّفُوسِ مِنْ قُوَّةِ الْمَحَبَّةِ لِلَّهِ إِذَا شَعَرَتْ بِهِ يَقْتَضِي حُبَّهُ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ مُعَارِضٌ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي مَحَبَّةِ الْأَطْعِمَةِ، وَالْأَشْرِبَةِ، وَالنِّكَاحِ، وَمَحَبَّةِ الْعِلْمِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ - وَقَدْ ثَبَتَ فِي النَّفْسِ قُوَّةُ الْمَحَبَّةِ لِلَّهِ، وَالذُّلُّ لَهُ، وَإِخْلَاصُ الدِّينِ لَهُ، وَأَنَّ فِيهَا قُوَّةَ الشُّعُورِ بِهِ - لَزِمَ قَطْعًا وُجُودُ الْمَحَبَّةِ فِيهَا، وَالذُّلِّ فِي الْفِعْلِ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي الْمُوجِبِ إِذَا سَلِمَ عَنِ الْمُعَارِضِ، وَعُلِمَ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ، وَالْمَحَبَّةَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا وُجُودُ شَخْصٍ مُنْفَصِلٍ وَإِنْ كَانَ وُجُودُهُ قَدْ يُذَكِّرُ وَيُحَرِّكُ، كَمَا إِذَا خُوطِبَ الْجَائِعُ بِوَصْفِ الطَّعَامِ، وَالْمُغْتَلِمُ بِوَصْفِ النِّسَاءِ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا يُذَكِّرُ وَيُحَرِّكُ، لَكِنْ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ لِوُجُودِ الشَّهْوَةِ، فَكَذَلِكَ الْأَسْبَابُ الْخَارِجَةُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا وُجُودُ مَا فِي الْفِطْرَةِ مِنَ الشُّعُورِ بِالْخَالِقِ، وَالذُّلِّ لَهُ، وَمَحَبَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُذَكِّرًا وَمُحَرِّكًا، وَمُزِيلًا لِلْمُعَارِضِ