الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقالوا: إذا لم يكن للأب ولا للولد مال فيجبر الأم على إرضاعه عند الكل. وقيل: تجعل الأجرة دينا على الأب (1) وقال بهذا المالكية.
وذهب الحنفية أنه إذا لم يكن للولد أب أو جد فتجبر الأم بالاتفاق على الإنفاق على ولدها دون أن ترجع بالنفقة على أحد.
وإلى هذا ذهب الحنابلة، لأنها أحد الوالدين فأشبهت الأب ولأن بينهما قرابة توجب رد الشهادة ووجوب العتق فأشبهت الأب (2) وإيجاب الإرضاع على المرأة إنما هو باعتبار أن المرأة الموسرة تجبر على ما يجبر عليه الرجل من نفقة الأقارب، لأن هذا الاستحقاق إنما يكتسب بطريق الصلة فيستوي فيه الرجال والنساء كالعتق عند الدخول في الملك.
والمالكية لا يجب عندهم على الأم نفقة لولدها - في غير الرضاع مع وجود الأب ولا مع عدمه فقيرة كانت أم غنية وشذ عنهم ابن المواز فأوجب النفقة على الأم في الرضاع وغيره (3).
أما في الرضاع فقالوا: إن لم يكن لها لبن فإنها تستأجر من يرضعه. وكذا لو كان لها ولا يكفي الطفل، أو مرضت وانقطع لبنها أو حملت لأنه لما كان عليها الإرضاع مجانا فعليها خلفه فإن لم يكن لها مال في تلك الحالة فمن مال الأب فإن لم يكن له مال فمن مال الابن.
كما تلزم الأم النفقة عند الحنفية إذا كان معها غير وارث للولد كالجد لأم مثلا فتلزمها النفقة وحدها لترجحها بالأرث ولقربها (4).
(1) انظر حاشية ابن عابدين ج3 ص618 الطبعة الثانية سنة 1386هـ.
(2)
انظر المغني لابن قدامة ج7 ص583 الناشر مكتبة الرياض الحديثة.
(3)
انظر حاشية العدوي ج2 ص124 مطبعة الحلبي.
(4)
انظر حاشية ابن عابدين ج3 ص613 - 615، 625 الطبعة الثانية سنة 1386هـ.
المبحث الرابع: بذل الأجرة للمرضع ولدها بعصمة زوجها
الرضاع حق على الزوج وهو من مسؤولياته تجاه طفله إذا تخلت المرأة التي يلزمه الإنفاق عليها عن إرضاعه وسبق أن تقرر أن الزوج
لا يحق له إجبار زوجته على إرضاع طفله وأنها غير ملزمة برضاعه إلا إذا تعين عليها.
فهل إذا تعين عليها وهي بعصمة زوجها لها أن تأخذ الأجرة؟ وهل لها أن تأخذها ولو لم يتعين عليها؟ للجواب على هذا أقول: للعلماء في ذلك قولان:
القول الأول: ذهب الحنفية إلى أن المرأة التي بعصمة زوجها ولم تكن معتدة بطلاق بائن لا يجوز للزوج استئجارها لترضع ولدها، ولو استأجرها فلا تستحق لذلك أجرة. لأن الإرضاع مستحق عليها ديانة لقوله تعالى {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} (1) وهو أمر بصيغة الخبر وهو آكد، واستئجار الشخص لأمر مستحق عليه لا يجوز، ولهذا لا يجوز أن تأخذ الأجرة على خدمة البيت من الكنس وغيره وإنما لا تجبر على الرضاعة لاحتمال عجزها فعذرت فإذا أقدمت عليه ظهر قدرتها فلا تعذر.
وبهذا قال المالكية لأن عرف المسلمين على توالي الأعصار في سائر الأمصار جار على أن الأمهات يرضعن أولادهن من غير طلب أجرة على ذلك (2) وهذا القول قال به الشافعية لاستحقاق الزوج الاستمتاع بها ولا يجوز أن يعقد عليها عقدا آخر يمنعه استيفاء حقه.
وإلى هذا القول ذهب بعض الحنابلة لاستحقاق الزوج منافعها للخدمة (3) فلا يجوز أن يستأجر منها ما هو أو بعضه حق له (4).
والقول الثاني: أن الأم إذا طلبت إرضاعه بأجر مثلها فهي أحق به سواء أكانت في حبال الزوجية أو بعدها وسواء وجد الأب مرضعة متبرعة أم لم يجد، لأن الإرضاع عقد إجارة فكما يجوز من غير الزوج إذا أذن
(1) سورة البقرة الآية 233
(2)
انظر حاشية العدوى ج2 ص117 مطبعة الحلبي.
(3)
انظر الإنصاف ج9 ص406 وانظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ج34 ص65 تصوير الطبعة الأولى.
(4)
انظر المغني لابن قدامة ج7 ص628 الناشر مكتبة الرياض الحديثة.
فيه فيجوز معه كإجارة نفسها للخياطة أو الخدمة وهذا هو ما عليه المذهب عند الحنابلة وعليه جماهيرهم.
واختار هذا القول الحنفية في رواية لهم وهو قول عند المالكية إن كان مثلها لا يرضع (1) وقول عند الشافعية لقوله تعالى {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} (2) والأم أحق بالرضاعة من غيرها مما يدل على أن استئجار الزوج لها جائز إذ أن الرضاعة لو كانت محتمة على الأم لم يكن على الأب أجرة ولهذا قال الله تعالى {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (3) ومن المعروف بذل الأجرة للأم إذا رغبت في إرضاعه بأجر ولو كانت في عصمة الزوج.
وأجاب أصحاب هذا القول عن استدلال أصحاب القول الأول بأن عقد الرضاعة يمنع الزوج من استيفاء حقه من الاستمتاع: بأن الاستئجار رضى بترك حقه في الاستمتاع خاصة إذا كان الرضاع لا يمنعه من الاستمتاع ولا ينقصه حقه (4) ثم إنه إذا استأجرها فقد أذن لها في إجارة نفسها فصح كما يصح من الأجنبي (5).
وأجابوا عن استدلال أصحاب القول الأول بكون المنافع مملوكة للزوج غير صحيح لأن الزوج لو ملك منفعة الحضانة لملك إجبارها عليها، ولم تجز إجارة نفسها لغيره بإذنه ولكانت الأجرة له (6).
قلت وهذا يختلف عن الإرضاع إذ أنه يتعين على المرأة في بعض الحالات كما سبق (7) بخلاف تأجير نفسها للغير فلا يتعين عليها البتة لانشغالها بخدمة زوجها والرضاع جزء من هذه الخدمة.
والزوج كيف له أن يؤجرها لإرضاع ولدها في الوقت الذي يقوم بالإنفاق عليها وقوله تعالى {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} (8)
(1) انظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2 ص525 مطبعة الحلبي.
(2)
سورة الطلاق الآية 6
(3)
سورة البقرة الآية 233
(4)
انظر مغني المحتاج ج3 ص450 طبع دار إحياء التراث العربي وانظر نهاية المحتاج ج7 ص222 مطبعة الحلبي.
(5)
انظر المغني لابن قدامة ج7 ص628 الناشر مكتبة الرياض الحديثة بالرياض.
(6)
انظر المغني لابن قدامة ج7 ص628 الناشر مكتبة الرياض الحديثة.
(7)
ص12.
(8)
سورة الطلاق الآية 6