الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أحوال التربية الإسلامية في أمريكا
للدكتور / كمال كامل عبد الحميد نمر.
مقدمة
الحمد لله الذي أبان للمسلمين منهج التربية القويمة في القرآن المجيد، والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا وقدوتنا محمد الذي بعثه الله مؤدبا ومربيا للناس كافة، وعلى آله وأصحابه الطيبين الأطهار، الذين أعطوا أجيالا عديدة نماذج فريدة في التربية السليمة، وعلى من نهج نهجهم واقتفى أثرهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد:
فإن الحاجة ملحة لدراسة التربية الإسلامية، خاصة في المرحلة الحرجة التي تمر فيها الأمة الإسلامية في أيامنا هذه. ذلك أن العالم الإسلامي اليوم يعاني من أزمة حادة في كيانه التربوي، أزمة تعتبر وليدة الأنظمة التربوية الاستعمارية الحاقدة على هذه الأمة. لذلك فإن على كل من يؤرقه المستوى الذي هبطت إليه التربية لدى أمتنا، أن يبذل قصارى جهده لتغيير هذا الواقع المرير، على كل المخلصين من أبناء هذه الأمة ممن يعملون في هذا الميدان الحيوي الهام، ميدان التربية، أن يجندوا قواهم ويشحذوا عزائمهم، لتعود التربية الإسلامية المبدعة إلى إنجاب خيرة الرجال وعظماء الإنسانية، كما كان شأنها عبر قرون طوال. إن
على رجالات التربية المسلمين أن يعيدوا النظر في السياسة التربوية الإسلامية في حرص وأمانة، لأنها في وضعها الراهن، لا تهدف إلى إيجاد نشء يستطيع النهوض بأمته المبتلاة بقيادات مارقة ارتوت من مستنقع الثقافات الكافرة، من رأسمالية وشيوعية. إن الهدف من التربية بين ظهرانينا هي تكوين موظفين ليس لهم أي هدف سام، أو فلسفة واضحة في هذه الحياة. لذا فقد غدا من المحتم على كل مسلم عامل في حقل التربية، دراسة الخطط والمناهج والأساليب في التعليم حتى نتمكن من إعداد نشء قادر على تحمل المسؤولية وانتشال أمتنا من أوحال الجاهلية إلى سماحة الإسلام العظيم.
أما التربية الإسلامية في أمريكا فليست بأفضل حال منها في ديار الإسلام، فلقد تدهورت أخلاق النشء المسلم في أمريكا، بحيث أصبح من الصعب تمييز جلهم عن سائر شباب أمريكا، الذين قال فيهم رئيسهم الأسبق كنيدي:" إن مستقبل أمريكا في خطر لأن شبابها مائع منحل غارق في الشهوات لا يقدر المسؤولية الملقاة على عاتقه. . " إن الجيل المسلم في أمريكا يعب من المستنقع الأمريكي القذر، ويعتمد كلية على التربية التي يقدمها ذلك المجتمع الفاسد، التربية الأمريكية الهابطة التي انتقدها المستر ليمان بقوله:" إنها لا تخلق ثقافة، ولا مجموعة مشتركة من المبادئ ولا تهذيبا أدبيا أو ذهنيا مشتركا ".
ولقد عز على الآباء والأمهات والمربين المسلمين في أمريكا أن يروا أبناءهم ينحرفون وسط تيار الكفر الأمريكي ويعيشون عيشة البهائم، ليس لهم هم سوى أن يسدوا جوعاتهم ويشبعوا غرائزهم، وينطلقوا وراء الشهوات والملذات، ويصاحبوا الأشقياء والمجرمين الذين يعج بهم المجتمع الأمريكي الوضيع، فتنادوا إلى إنقاذ من يستطيعون إنقاذه من هؤلاء الأبناء، وأيقنوا أن العلاج يكمن في تربيتهم تربية إسلامية تقيهم شر الانزلاق في الرذائل التي تطغى على المجتمع الأمريكي برمته، أيقنوا أن
الوقاية تكمن في غرس التربية الإيمانية في نفوس أولئك الأبناء وتنشئتهم عليها، لكونها منبع الفضائل والركيزة الأساسية لدخول النشء في حظيرة الإيمان قبل أن يغرق في مستنقع الكفر والفساد الذي أصبحت جماهيره الغفيرة تحيا ليومها وتذهل عن آخرتها وتكدح لمآربها القريبة، أيقن أولئك الآباء والمربون أن المعاهد الإسلامية وحدها هي القادرة على تزويد أبنائهم بالتربية الدينية التي تهدف إلى النمو الروحي والتهذيب النفسي وتعويدهم على العادات الصالحة والأخلاق الفاضلة والمثل الكريمة. ذلك أن الإسلام هو العاصم الوحيد من الشذوذ والانحراف خاصة في بيئة كالبيئة الأمريكية فهو يعمل على تهذيب الغرائز وتشذيب الرغبات وطهارة النفوس وصيانتها من الانحلال وعدم تلوثها بالآثام والمغريات التي يطفح بها مجتمع أمريكا.
ولقد نجحوا، إلى حد ما، في تأسيس المعاهد الإسلامية التي انبثقت وتركزت في المساجد، فلا تكاد تجد مسجدا من مئات المساجد المنتشرة في كافة أرجاء أمريكا، إلا وفيه مدرسة تتولى تعليم المسلمين صغارا وكبارا أمور دينهم، خاصة فيما يتعلق بتدريس القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والسيرة النبوية العطرة والتاريخ الإسلامي المشرق واللغة العربية والعبادات والأخلاق الإسلامية.
وبعد أن كان أعداء الإسلام يستخدمون ترجمة معاني القرآن الكريم لمحاربته، أصبحت تجد من يترددون على تلك المعاهد الإسلامية يتصدون لأولئك الأعداء ويفحمونهم بما لديهم من علم حقيقي بمعاني ذلك الكتاب الكريم. وبعد أن كانت الصورة التي ارتسمت في أذهان الأمريكان عن الإسلام تبعث على الخجل، بعد هذا تغيرت الصورة نوعا ما بفضل الله ثم بفضل المعاهد الإسلامية التي نجحت في إعطاء الصورة الحقيقية الوضاءة للإسلام.
وبما أنني وجدت المكتبة الإسلامية فقيرة بالكتب التي تعالج أمور المسلمين في أمريكا، وبما أنني لم أعثر فيما نقبت عنه واطلعت عليه، على كتاب يعالج واقع ومشكلات وتاريخ التربية الإسلامية في الولايات المتحدة الأمريكية، وبما أن الله جلت قدرته قدر لي أن أمارس التربية الإسلامية عمليا في العديد من بيوت الله في كثير من مدن القارة الأمريكية على مدى ثماني سنوات، لهذا جاء اهتمامي بهذا الجهد المتواضع، وأنا أردد مع العتابي قوله:" من وضع كتابا فقد استهدف للخصوم واستشرف للألسن إلا عند من نظر فيه بعين العدل وحكم بغير الهوى وقليل ما هم " غير أني وإن كنت أطمح من عملي هذا أن يكون حافزا للغيورين من أبناء هذه الأمة على مزيد من الخوض الواعي في أحوال التربية الإسلامية لدى مسلمي أمريكا وغيرها، وإن كنت أطمح أن أسمع كل نقد بناء هادف من أي مسلم يهمه أمر التربية الإسلامية في أيامنا هذه، إلا أني - والله يشهد - لأطمح من عملي هذا أكثر من هذا وذاك، أطمح أن يجعل الله سبحانه وتعالى هذا خالصا لوجهه الكريم، وأن يتقبله مني يوم العرض عليه، إنه أفضل مأمول وأعظم مسؤول.