الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثانيا: ما نسبه إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب
رحمه الله.
- اعتبر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب نحلة ومذهبا محدثا مستقلا أطلق عليه لفظ الوهابية، وعده من جملة المذاهب الضالة التي أدرجها تحت عنوان مذاهب حديثة، وهي الوهابية والبهائية والقاديانية.
ومن المعلوم وواقع دعوة الشيخ أنه ليس صاحب مذهب جديد، وإنما هو في العقيدة على مذهب السلف أهل السنة والجماعة، وفي الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، ولم يستقل ولا بمسألة واحدة عن هؤلاء، فكيف يعتبره أبو زهرة صاحب مذهب جديد، ويدرجه ضمن المذاهب الضالة الكافرة، والنحل الفاسدة، قاتل الله الجهل والهوى والتقليد الأعمى، وإذا كان هو يعيب على الوهابية ما توهمه في تكفيرهم للناس، فكيف يبيح لنفسه هذا الذي عابه على غيره؟
- ثم قال: ومنشئ الوهابية هو محمد بن عبد الوهاب، وقد درس مؤلفات ابن تيمية فراقت في نظره، وتعمق فيها، وأخرجها من حيز النظر إلى حيز العمل.
هكذا قال عن مرتبة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
العلمية أنه لم يدرس إلا مؤلفات ابن تيمية، وكأنه لم يقرأ ترجمة الشيخ وسيرته، ولم يعرف شيئا عن تحصيله العلمي، أو أنه عرف ذلك وكتمه بقصد التقليل من شأنه، والتغرير بمن لم يعرف شيئا عن الشيخ، ولكن هذا لا يستر الحقيقة، ولا يحجب الشمس في رابعة النهار، فقد كتب المنصفون عن الشيخ رحمه الله مؤلفات كثيرة انتشرت في الأقطار، وعرفها الخاص والعام، وأنه رحمه الله تعمق في دراسة الفقه والتفسير والحديث والأصول، وكتب العقيدة التي من جملتها مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وتليمذه ابن القيم، وقد تخرج
علي أيدي علماء أفذاذ، وأئمة كبار في مختلف الفنون في بلاد نجد والحجاز والأحساء والبصرة، وقد أجازوه في مروياتهم وعلومهم، وقد ناظر ودرس وأفتى وألف في الفقه والحديث والعقيدة حتى نال إعجاب من اجتمع به، أو استمع إلى دروسه ومناظراته، أو قرأ شيئا من مؤلفاته، ومؤلفاته تدل على سعة أفقه وإدراكه في علوم الشريعة، وسعة اطلاعه وفهمه، ولم يقتصر فيما ذكر في تلك المؤلفات على كتب ابن تيمية - كما يظن هذا الجاهل أو المتجاهل - بل كان ينقل آراء الأئمة الكبار في الفقه والتفسير والحديث، مما يدل على تبحره في العلوم، وعمق فهمه، ونافذ بصيرته، وهاهي كتبه المطبوعة المتداولة شاهدة بذلك والحمد لله، ولم يكن رحمه الله يأخذ من آراء شيخ الإسلام ابن تيمية ولا من آراء غيره إلا ما ترجح لديه الدليل، بل خالف شيخ الإسلام في بعض الآراء الفقهية.
- ثم قال عمن أسماهم بالوهابية: وإنهم في الحقيقة لم يزيدوا بالنسبة للعقائد شيئا عما جاء به ابن تيمية، ولكنهم شددوا فيها أكثر مما تشدد، ورتبوا أمورا علمية لم يكن قد تعرض له ابن تيمية؛ لأنها لم تشتهر في عهده، ويتلخص ذلك فيما يأتي:
(1)
لم يكتفوا بجعل العبادة كما قررها الإسلام في القرآن والسنة، وكما ذكر ابن تيمية، بل أرادوا أن تكون العبادات أيضا غير خارجة على نطاق الإسلام فيلتزم المسلمون ما التزم (1)، ولذا حرموا الدخان وشددوا في التحريم، حتى إن العامة منهم يعتبرون المدخن كالمشرك، فكانوا يشبهون الخوارج الذين كانوا يكفرون مرتكب الذنب.
(1) كذا قال والعبارة ركيكة ومتناقضة
(2)
وكانوا في أول أمرهم يحرمون على أنفسهم وما يماثلها، ولكن يظهر أنهم تساهلوا فيها فيما بعد.
(3)
إن الوهابية لم تقتصر على الدعوة المجردة بل عمدت إلى حمل السيف لمحاربة المخالفين لهم، باعتبار أنهم يحاربون البدع، وهي منكر تجب محاربته، ويجب الأخذ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(4)
أنها كانت كلما مكن لها من قرية أو مدينة أتت على الأضرحة هدما وتخريبا.
(5)
أنهم تعلقوا بأمور صغيرة ليس فيها وثنية ولا ما يؤدي إلى وثنية، وأعلنوا استنكارها، مثل التصوير الفوتوغرافي؛ ولذلك وجدنا ذلك في فتاواهم ورسائلهم التي كتبها علماؤهم.
(6)
أنهم توسعوا في معنى البدعة توسعا غريبا، حتى إنهم ليزعمون أن وضع الستائر على الروضة الشريفة أمر بدعي، ولذلك منعوا تجديد الستائر عليها، إلى أن قال: وإننا لنجد فوق ذلك منهم من يعد قول المسلم: سيدنا محمد بدعة لا تجوز، ويغلون في ذلك غلوا شديدا، إلى أن قال: وإنه يلاحظ أن علماء الوهابيين يفرضون في آرائهم الصواب الذي لا يقبل التصويب، بل إنهم يعتبرون ما عليه غيرهم من إقامة الأضرحة والطواف حولها قريبا من الوثنية - انتهى ما قاله في حق من سماهم الوهابية، ويظهر أنه قد امتلأ صدره غلا وحقدا وغيظا عليهم فتنفس الصعداء بإفراغ بعض ما عنده - والله سبحانه عند لسان كل قائل وقلبه:{مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (1).
(1) سورة ق الآية 18
وجوابنا عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: قوله: إنهم في الحقيقة لم يزيدوا بالنسبة للعقائد شيئا عما جاء به ابن تيمية، معناه أن ابن تيمية في نظره جاء بعقائد ابتدعها من عنده، وأن الوهابية اعتبروه مشرعا، وقد سبق الجواب عن هذه الفرية وبينا أن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يبتدع شيئا من عنده، بل كان على عقيدة السلف الصالح من الصحابة والتابعين والقرون المفضلة، ولم يستحدث شيئا من عنده، وإننا نتحدى كل من يقول مثل هذه المقالة الظالمة أن يبرز لنا مسألة واحدة خالف فيها شيخ الإسلام ابن تيمية من سبقه من سلف الأمة، غاية ما في الأمر أنه جدد عقيدة السلف ونشرها وأحياها بعد ما اندرست ونسيها الكثيرون.
ونقول أيضا: إن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وغيره من أئمة الدعوة لم يقتصروا على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، بل استفادوا منها ومن غيرها من الكتب السليمة المفيدة المتمشية مع منهج السلف، يعرف هذا من طالع كتبهم.
الوجه الثاني: أنه قوله: لم يكتفوا بجعل العبادة كما قررها الإسلام في القرآن والسنة، فرية عظيمة واتهام خطير لعلماء دعوة التوحيد في نجد بأنهم ابتدعوا عبادات لم يشرعها الله ورسوله، ولكن الله فضحه وبين كذبه، حيث لم يجد مثالا لما قال إلا تحريم الدخان، وهذا مما يدل على جهله، فإن تحريم الدخان ليس من قسم العبادات، وإنما هو من قسم الأطعمة والحلال والحرام، وأيضا فإن تحريم الدخان لم يختص به علماء الدعوة في نجد بل حرمه غيرهم من علماء الأمة لخبثه وضرره، وهاهي الآن تقام أنشطة مكثفة للتحذير من شرب الدخان وتوعية الناس بأضراره من قبل المنظمات الصحية العالمية.
وقوله: حتى إن العامة منهم يعتبرون المدخن كالمشرك، هذه فرية أخرى، لو صح أن أحدا من العامة حصل منه ذلك، فالعامي ليس بحجة يعاب به أهل العلم، ولكن أهل نجد - والحمد لله - يعرفون من الحق أكثر مما يعرفه علماء الضلال، يعرفون ما هو الشرك، وما هو المحرم الذي لا يعد شركا بما يقرءون ما يسمعون من دروس التوحيد وكتب العقائد الصحيحة.
الوجه الثالث: قوله: كانوا في أول أمرهم يحرمون القهوة وما يماثلها، نقول: هذا كذب ظاهر، ولم يأت بما يثبت ما يقول، وما زال علماء نجد وعامتهم يشربون القهوة في مختلف العصور، وهذه كتبهم وفتاواهم ليس فيها شيء يؤيد ما يقوله، بل فيها ما يكذبه، فإن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله أنكر على من قال بتحريم القهوة ورد عليه، وله في ذلك رسالة مطبوعة مشهورة.
الوجه الرابع: قوله: إن الوهابية لم تقتصر على الدعوة المجردة بل عمدت إلى حمل السيف لمحاربة المخالفين لهم، باعتبار أنهم يحاربون البدع.
أقول: أولا قوله: إن الوهابية لم تقتصر على الدعوة المجردة يدل على جهله؛ فإن الدعوة المجردة لا تكفي، مع القدرة على مجاهدة أعداء الإسلام؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بالدعوة والجهاد في سبيل الله.
ثانيا: قوله: إنهم حملوا السيف لمحاربة من خالفهم، هذا كذب عليهم فإنهم لم يحاربوا خصومهم لمجرد مخالفتهم، بل حاربوهم لأحد أمرين: إما للدفاع عن أنفسهم إذا اعتدى عليهم أحد، وإما لأجل إزالة الشرك إذا احتاجت إزالته إلى قتال، وتاريخ غزواتهم شاهد بذلك، وهو مطبوع متداول في أكثر من كتاب.
الوجه الخامس: قوله: إنها كانت كلما مكن لها من قرية أو مدينة أتت على الأضرحة وتخريبها.
أقول: هذا من فضائلهم وإن عده هو وأضرابه من معائبهم؛ لأنهم ينفذون بذلك وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله لعلي رضي الله عنه: «لا تدع قبرا مشرفا إلا سويته (1)» ، فأي عيب في ذلك إذا أزالوا مظاهر الوثنية، وعملوا بالسنة النبوية، ولكن أهل الجهل والضلال لا يعلمون، فيعتقدون الحسن قبيحا والقبيح حسنا، والمنكر معروفا والمعروف منكرا، وقد تكاثرت الأدلة على تحريم البناء على القبور؛ لأن ذلك من وسائل الشرك، فلا بد من هدم الأضرحة وإزالة مظاهر الوثنية، وإن غضب أبو زهرة وأضرابه ممن يرون بقاء الأضرحة التي هي منابت الوثنية وأوكارها.
الوجه السادس: قوله: إنهم تعلقوا بأمور صغيرة، ثم مثل لذلك بتحريم التصوير الفوتوغرافي.
والجواب عن ذلك أولا: إن التصوير ليس من الأمور الصغيرة بل هو من كبائر الأمور، للأحاديث الصحيحة في النهي عنه والتحذير منه، ولعن المصورين، والإخبار بأنهم أشد الناس عذابا يوم القيامة من غير تفريق بين التصوير الفوتوغرافي وغيره، ومن فرق فعليه الدليل، والمحذور في التصوير والتعليل الذي حرم من أجله متحققان في جميع أنواع الصور فوتوغرافية أو غيرها.
وثانيا: قوله: إن التصوير لا يؤدي إلى وثنية قول مردود؛ لأن التصوير من أعظم الوسائل التي تؤدي إلى الوثنية كما حصل لقوم نوح لما صوروا الصالحين وعلقوا صورهم على مجالسهم، وآل بهم الأمر إلى أن عبدوا تلك الصور، كما ورد ذلك في صحيح البخاري وغيره عند تفسير قوله تعالى:
(1) صحيح مسلم الجنائز (969)، سنن الترمذي الجنائز (1049)، سنن النسائي الجنائز (2031)، سنن أبو داود الجنائز (3218)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 139).
الوجه السابع: قوله: إنهم توسعوا في معنى البدعة توسعا غريبا، حتى إنهم ليزعمون أن وضع ستائر على الروضة الشريفة أمر بدعي؛ ولذلك منعوا تجديد الستائر عليها.
والجواب عن ذلك أن نقول:
أولا: هو لا يدري ما هي الروضة الشريفة، فيظن أنها الحجرة النبوية، وليس الأمر كذلك فالروضة في المسجد، وهي ما بين منبر النبي صلى الله عليه وسلم وبيته لقوله صلى الله عليه وسلم:«ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة (2)» ، والحجرة النبوية خارج الروضة وكانت خارج المسجد قبل التوسعة.
ثانيا: الروضة لا يمكن وضع ستائر عليها ولا يتصور، وإنما يقصد الحجرة النبوية يريد أن تجعل مثل الأضرحة القبورية فتجعل عليها الستور كما على الأضرحة، وهذا لا يجوز.
أولا: لأنه لم يكن من عمل السلف الصالح من الصحابة والتابعين والقرون المفضلة، فلم يكن عليها ستائر في وقتهم، وثانيا: لأنه وسيلة إلى الشرك، بل ستر سائر الحيطان عموما إسراف لا ينبغي فعله قال في المغني (7/ 9):
فأما ستر الحيطان بستور غير مصورة، فإن كان لحاجة من وقاية حر أو برد فلا بأس به؛ لأنه يستعمله في حاجته، فأشبه الستر على الباب، وما يلبسه على بدنه، وإن كان لغير حاجة فهو مكروه، وعذر في الرجوع عن الدعوة - يعني الوليمة - وترك الإجابة، بدليل ما روى سالم بن عبد الله بن عمر قال: أعرست في عهد أبي أيوب فآذن أبي فكان أبو أيوب فيمن آذن وقد ستروا
(1) سورة نوح الآية 23
(2)
صحيح البخاري الجمعة (1195)، صحيح مسلم الحج (1390)، سنن النسائي المساجد (695)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 39)، موطأ مالك النداء للصلاة (463).
بيتي بخباء أخضر، فأقبل أبو أيوب مسرعا فاطلع فرأى البيت مستترا بخباء أخضر، فقال: يا عبد الله، أتسترون الجدر؟ فقال أبي - واستحيا -: غلبتنا النساء يا أبا أيوب، فقال: من خشيت أن يغلبنه فلم أخش أن يغلبنك، ثم قال: لا أطعم لكم طعاما، ولا أدخل لكم بيتا، ثم خرج، رواه الأثرم.
وروي عن عبد الله بن يزيد الخطمي أنه دعي إلى طعام فرأى البيت منجدا فقعد خارجا وبكى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قد رقع بردة له بقطعة أدم، فقال: تطالعت علينا الدنيا، ثلاثا، ثم قال: أنتم اليوم خير أم إذا غدت عليكم قصعة وراحت أخرى، ويغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى، وتسترون بيوتكم كما تستر الكعبة (1)» .
قال عبد الله: أفلا أبكي وقد بقيت حتى رأيتكم تسترون بيوتكم كما تستر الكعبة، وقد روى الخلال بإسناده عن ابن عباس وعلي بن الحسين «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن تستر الجدر» ، وروت عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرنا فيما رزقنا أن نستر الجدر (2)» انتهى.
الوجه الثامن: قوله: وإنا لنجد فوق ذلك منهم من يعد قول المسلم: " سيدنا محمد " بدعة لا تجوز، ويغلون في ذلك غلوا شديدا.
والجواب عن ذلك أن نقول: هذا كذب من القول، فعلماء الدعوة يثبتون ما ثبت للنبي صلى الله عليه وسلم من الصفات الكريمة، ومنها أنهم يعتقدون أنه سيد ولد آدم وأفضل الخلق على الإطلاق، لكنهم يمنعون الغلو في حقه صلى الله عليه وسلم عملا بقوله صلى الله عليه وسلم:«لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم (3)» ، ويمنعون الابتداع، ومن ذلك أن يقال: سيدنا في المواطن التي لم يرد قول ذلك فيها، كالأذان والإقامة والتشهد في الصلاة وكذا رفع الأصوات قبل الأذان بقول: اللهم
(1) سنن الترمذي صفة القيامة والرقائق والورع (2476).
(2)
سنن أبو داود اللباس (4153).
(3)
صحيح البخاري أحاديث الأنبياء (3445)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 47).
صل وسلم على سيدنا رسول الله، أو بعد أداء الصلوات كما يفعله المبتدعة بأصوات جماعية، وهذا هو الذي أظنه يقصده في كلامه، حيث يراه يفعل عندهم فظنه مشروعا، وهذا هو الذي ينكره علماء الدعوة في المملكة العربية السعودية وينكره غيرهم من أهل التحقيق والعمل بالسنة وترك البدعة في كل مكان؛ لأنه بدعة، وكل بدعة ضلالة، وغلو في حقه صلى الله عليه وسلم والغلو ممنوع، أما قول سيدنا رسول الله في غير مواطن البدعة فعلماؤنا لا ينكرونه بل يعتقدونه، ويقولون: هو سيدنا وإمامنا صلى الله عليه وسلم.
الوجه التاسع: قوله: وفي سبيل دعوتهم يغلظون في القول حتى إن أكثر الناس لينفرون منهم أشد النفور.
والجواب عن ذلك أن نقول: أولا هذا الكلام من جملة الاتهامات التي لا حقيقة لها، وهذه كتب علمائنا ورسائلهم - والحمد لله - ليس فيها تغليظ إلا فيما يشرع فيه التغليظ، وليس فيها تنفير.
وإنما فيها الدعوة إلى الله بالبصيرة والحكمة والموعظة الحسنة، وكتبهم في ذلك مطبوعة ومتداولة ومنتشرة، وكل من اتصل بهم فإنه يثني عليهم، وقد كتب المنصفون عن الشيء الكثير في تاريخهم الماضي والحاضر من حسن السياسة، وصدق المعاملة، والوفاء بالعهود، والرفق بالمسلمين، وأكبر شاهد على ذلك من يفد إلى مكة المشرفة للحج والعمرة كل عام وما يشاهدونه من العناية بخدمة الحجيج، وبذل الجهود في توفير راحتهم، مما أطلق الألسنة والأقلام بالثناء عليهم وعلى حكومتهم، وكذلك من يفدون إلى المملكة للعمل فيها يشهد أكثرهم بذلك.
ثانيا: وأما قوله: حتى إن أكثر الناس لينفرون منهم أشد النفور، فهو من أعظم الكذب، وخلاف الواقع، فإن الدعوة التي قاموا
بها من عهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله إلى هذا العهد، وهي الدعوة إلى الإسلام وإخلاص التوحيد، والنهي عن الشرك والبدع والخرافات، وقد لاقت هذه الدعوة في أرجاء العالم، وانتشرت انتشارا واسعا في كثير من الأقطار، وما هو على صعيد الواقع الآن أكبر شاهد وأعظم دليل على ما ذكرنا، ويتمثل ذلك فيما تبذله الحكومة السعودية - أدام الله بقاءها، وسدد خطاها، بتوجيه من علمائها، ورغبة من حكامها - بفتح الجامعات الإسلامية التي تخرج الأفواج الكثيرة من أبناء العالم الإسلامي على حسابها.
ويتمثل ذلك أيضا في إرسال الدعاة إلى الله في مختلف أرجاء العالم وفي توزيع الكتب المفيدة، وبذل المعونات السخية للمؤسسات الإسلامية، ومد يد العون للمعوزين في العالم الإسلامي، وإقامة المؤتمرات والندوات، وبناء المساجد والمراكز الإسلامية؛ لتبصير المسلمين بدينهم، مما كان له أعظم الأثر والقبول الحسن - والحمد لله، وهذا واقع مشاهد وهو يبطل قول هذا الحاقد: إن أكثر الناس لينفرون منهم أشد النفور، لكن كما قال الشاعر:
لي حيلة فيمن ينم
…
ومالي في الكذاب حيلة
من كان يخلق ما يقول
…
فحيلتي فيه قليلة
الوجه العاشر: قوله: وإنه يلاحظ أن علماء الوهابيين يفرضون في آرائهم الصواب الذي لا يقبل الخطأ، وفي رأي غيرهم الخطأ الذي لا يقبل الصواب.
والجواب عنه أن نقول: هذا من جنس ما قبله من التهجم الكاذب الذي لا حقيقة له، فهذه كتب علمائنا ومناقشاتهم لخصومهم، ليس فيها شيء مما ذكره، بل فيها ما يكذبه من بيان الحق وتشجيع أهله، ورد الباطل بالحجة والبرهان ودعوة أهله
إلى الرجوع إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، ولم يدعوا لأنفسهم بالعصمة من الخطأ، ويرفضوا ما عند غيرهم من الصواب كما وصفهم بذلك، وهذا إمامهم وكبيرهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله يقول في إحدى رسائله التي وجهها لخصومه: وأرجو أني لا أرد الحق إذا أتاني، بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه إن أتانا منكم كلمة من الحق لأقبلنها على الرأس والعين، ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي حاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يقول إلا الحق انتهى. وكلهم - والحمد لله - على هذا المنهج الذي قاله الشيخ.
الوجه الحادي عشر: قوله: بل إنهم يعتبرون ما عليه غيرهم من إقامة الأضرحة والطواف حولها قريبا من الوثنية:
والجواب عنه أن نقول: كلامه هذا يدل على جهله بمعنى الوثنية، لم يدر أنها تتمثل في تعظيم القبور بالبناء عليها، والطواف حولها، وطلب الحوائج من أصحابها، والاستغاثة بهم، فلذلك استغرب استنكار ذلك واعتباره من الوثنية، وكأنه لم يقرأ ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية من استنكار الاستشفاع بالموتى واتخاذهم أولياء ليقربوا إلى الله زلفى، ولم يقرأ نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن البناء على القبور واتخاذها مساجد، ولعن من فعل ذلك، وإذا لم تكن إقامة الأضرحة والطواف حولها وثنية فما هي الوثنية؟ لكن كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية، ألم يكن شرك قوم نوح متمثلا في دعاء الأموات؟! ألم تكن اللات ضريحا لرجل صالح كان يلت السويق للحاج؟! فلما مات عكفوا عند قبره وطافوا حوله، ولو كان هذا الكلام صادرا عن عامي لا يعرف الحكم لهان الأمر؛ لأن العامي جاهل وتأثيره على الناس
محدود، لكن الذي يؤسفنا أن يكون صادرا عمن يدعي العلم، وقد صدرت عنه مؤلفات كثيرة، فهذا قد يكون تأثيره على الناس خصوصا محدودي الثقافة شديدا؛ نظرا لكثرة مؤلفاته وسمعته الواسعة وإحسان الظن به، ولكن الحق سينتصر بإذن الله {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} (1).
والعلم لا يقاس بكثرة الإصدارات، وإنا يقاس بمدى معرفة الحق من الباطل، والهدى من الضلال والعمل بذلك، وإلا فكيف يتصور من مسلم - فضلا عمن ينتسب إلى العلم - أن يتفوه بأن الطواف بالأضرحة ليس من الوثنية، أليس الطواف عبادة، وصرف العبادة لغير الله وثنية وشرك؟! فالطائف بالأضرحة إن كان قصده التقرب إليها بذلك فلا شك أن هذا شرك أكبر؛ لأنه تقرب بالعبادة إلى غير الله، وإن كان قصده بالطواف حول الضريح التقرب إلى الله وحده فهذه بدعة ووسيلة إلى الشرك؛ لأن الله لم يشرع الطواف إلا حول الكعبة المشرفة.
ولا يطاف بغيره على وجه الأرض، هذا وإننا ندعو كل من بلغه شيء من تشويه دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو قرأ شيئا من الكتب التي تروج هذا التشويه أمثال كتب الشيخ محمد أبي زهرة فعليه أن يتثبت، وأن يراجع كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكتب العلماء الذين جاءوا من بعده، وحملوا دعوته ليرى فيها تكذيب تلك الشائعات، وقد قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} (2).
وكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وكتب علماء الدعوة من بعده ميسورة، والحمد لله، وهي توزع على أوسع نطاق، عن طريق
(1) سورة الرعد الآية 17
(2)
سورة الحجرات الآية 6
الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ومكاتبها في الداخل والخارج، وفي موسم الحج كل سنة، وهي لا تدعو إلى مذهب معين أو نحلة محدثة، وإنما تدعو إلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله، ومذهب أهل السنة والجماعة، ونبذ البدع والخرافات، والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته وسلف الأمة والقرون المفضلة، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وكتبه صالح بن فوزان