الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولا أريد استقصاء جميع أباطيل الصوفية ورد شيخ الإسلام عليها، إنما أردت عرض بعض النماذج من أفكارهم وخطورتها على الإسلام والمسلمين، حتى يتبين لنا الأسباب الحقيقية لاهتمام شيخ الإسلام بتتبع تلك الضلالات والرد عليها، فشن عليهم حربا شعواء أقضت مضاجعهم، وناقش أقوالهم مناقشة العارف لها، الفاحص لدقائقها العارف لأسرارها.
ومن أعظم ما ألف شيخ الإسلام في هذا الخصوص هو كتابه " الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان " فقد فصل فيه القول في الولاية الرحمانية وبيان صفاتها من الكتاب والسنة، وأقوال السلف الصالح، وفرق بين ذلك وبين الولاية الشيطانية الصوفية التي تعتمد على الشعوذات والدجل والكذب وأكل أموال الناس بالباطل، والسماع والغناء والرقص والبدع المنكرة في الدين، والتظاهر بالصلاح والتقوى.
ولقد أجاد شيخ الإسلام أيما إجادة في بيان الكرامة الرحمانية التي هي حق لولي الله، والكرامة الشيطانية التي تجري أحيانا على أيدي هؤلاء كتظاهرهم بالدخول في النيران، وزعموا أنها لا تضرهم، وحملهم الحيات والثعابين، أو ضربهم أنفسهم بالسيوف والسهام، وغير ذلك من أنواع المخاريق التي يزعمون أنها من كراماتهم.
وقد قام شيخ الإسلام بتحدي هؤلاء الصوفية الذين يزعمون هذه الكرامات، وأنه يدخل معهم النار التي يزعمون دخولها، وأنها تحرقهم إن شاء الله ولا تحرقه، شريطة أن يغسلوا أنفسهم أولا بالخل، وذلك لإزالة دهن الضفادع الذي يدهنون به أنفسهم حتى لا تؤثر فيهم النار، فلما كشف حيلهم وتحداهم، وكان ذلك بمحضر السلطان تراجعوا من ذلك وظهر كذبهم ومخاريقهم (1).
(1) العقود الدرية، ص194، 195، والفتاوى الكبرى، ص / 445 - 476.
استقلاله في أخذ الفقه من الكتاب والسنة:
لا يفوتني أن أوضح نقطة هامة في حياة شيخ الإسلام، وهي استقلاله الفكري وقدرته الاجتهادية المطلقة للاستفادة من كتاب الله
وسنة رسوله، فقد وجد في عصره من اشتهروا بالذكاء والذاكرة والتبحر العلمي، ولكنهم كانوا أتباعا للأئمة السابقين ومذاهبهم الفقهية، ولم يقدر أحد منهم أن يستقل بآرائه ويتجرأ على الجهر باختياراته ما دام الكتاب والسنة يؤيدانها، أما شيخ الإسلام فقد درس كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وآثار السلف الصالح بكل شمولية وعمق، ثم اختار ما ترجح بالكتاب والسنة، وجهر به دون أن يبالي بالذي قاله خلافه من الأئمة السابقين، فهو تابع الدليل يدور معه حيثما دار.
وهذا الذي أشار إليه تلميذه أبو حفص البزار عندما قال: (كان لا يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ويصلي ويسلم، ولا والله ما رأيت أحدا أشد تعظيما لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحرص على اتباعه ونصر ما جاء به منه، حتى إذا كان أورد شيئا من حديثه في مسألة، ويرى أنه لم ينسخه شيء غيره من حديثه يعمل به ويقضي بمقتضاه، ولا يلتفت إلى قول غيره من المخلوقين كائنا من كان، وقال رضي الله عنه: (كل قائل إنما يحتج لقوله لا به، إلا الله ورسوله)(1).
وقال ابن الوردي: (له باع طويل في معرفة مذاهب الصحابة والتابعين، قل أن يتكلم في مسألة إلا ويذكر فيها مذاهب الأربعة، وقد خالف الأربعة في مسائل معروفة، وصنف فيها واحتج لها بالكتاب والسنة). ثم قال: (وبقي سنين، لا يفتي بمذهب معين، بل بما قام الدليل عليه عنده، ولقد نصر السنة المحضة، واحتج لها ببراهين ومقدمات وأمور لم يسبق إليها، وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون، وهابوا وجسر هو عليها، حتى قام عليه خلق من علماء مصر والشام قياما لا مزيد عليه، وبدعوه وناظروه وكابروه، وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي، بل يقول الحق المر الذي أدى إليه اجتهاده وحدة ذهنه، وسعة دائرته في السنن والأقوال)(2).
(1) الأعلام العلية، ص / 29.
(2)
تاريخ ابن الوردي 2/ 406، 413.
وكتب الحافظ ابن كثير عن شيخ الإسلام فقال: (ثم إن الشيخ بعد وصوله إلى دمشق واستقراره بها لم يزل ملازما لاشتغال الناس في سائر العلوم ونشر العلم، وتصنيف الكتب وإفتاء الناس بالكلام، والكتابة المطولة والاجتهاد في الأحكام الشرعية، ففي بعض الأحكام يفتي بما أدى إليه اجتهاده من موافقة أئمة المذاهب الأربعة، وفي بعضها يفتي بخلافهم وبخلاف المشهور في مذاهبهم، وله اختيارات كثيرة في مجلدات عديدة أفتى بما أدى إليه اجتهاده، واستدل على ذلك من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والسلف)(1).
وهناك أقوال كثيرة أخرى لأئمة عصره، اعترفوا له فيها بالإمامة والاستقلال الفكري والتبحر العلمي، وتفوقه بدرجات كثيرة على معاصريه في علوم القرآن والسنة والشروط التي يجب توافرها للاجتهاد، ولذلك رغم اعترافه الصريح بعلو مكانة الأئمة الأربعة، وحسن اجتهادهم وتفوقهم العلمي على كثير من الأئمة، جاهر بأن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالف تلك المذاهب الفقهية في كثير من المسائل اتباعا لنصوص الكتاب والسنة، ولم يبال من هو هذا الشخص الذي يخالفه، ما دامت الأدلة من الكتاب والسنة تؤيده.
فهو من أصحاب الاجتهاد المطلق الذي لم ينتسب لمذهب من المذاهب، ولا ينقض هذا القول بما ذكره بعض الناس من استمساكه بالمذهب الحنبلي في أكثر أدواره، وفي أكثر آرائه، وإعلانه أن المذهب الحنبلي خير المذاهب؛ لأن هذا يدل على أن شمولية علم شيخ الإسلام للكتاب والسنة أوصلته إلى معرفة أن المذهب الحنبلي هو خير المذاهب؛ لأن دليله على هذا هو إثبات أن المذهب الحنبلي أقرب المذاهب إلى السنة.
ولا يعني كونه مجتهدا مطلقا أن يخالف الأئمة الأربعة في أكثر المسائل؛ لأن هذا يستدعي إلى القول بأحد الأمرين، إما أن تلك المذاهب غير مؤسسة على القرآن والسنة؛ لأن شيخ الإسلام يمشي مع الدليل
(1) البداية والنهاية، 14/ 67.