الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ونقيت واعتبرت فلم يوجد فيها بحمد الله خلل ولا تغيير، ومن جملتها كتاب " الصارم المسلول على شاتم الرسول "، وهذا من الفضل الذي خصه الله تعالى به) (1).
وقال في مكان آخر: (وأما ما وهبه الله تعالى ومنحه من استنباط المعاني في الألفاظ النبوية والأخبار المروية وإبراز الدلائل على المسائل، وتبيين مفهوم اللفظ ومنطوقه، وإيضاح المخصص للعام، والمقيد للمطلق، والناسخ للمنسوخ، وتبيين ضوابطها ولوازمها وملزوماتها، وما يترتب عليها، وما يحتاج فيه إليها، حتى إذا ذكر آية أو حديثا، وتبين معانيه وما أريد به، يعجب العالم الفطن من حسن استنباطه، ويدهشه ما سمعه أو وقف عليه فيه)(2).
ولأجل هذا قال الذهبي بعد أن أطال الكلام عن ابن تيمية وأثنى عليه كثيرا: (وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي، والله، لو حلفت بين الركن والمقام أني ما رأيت بعيني مثله، وأنه ما رأى مثل نفسه لما حنثت)(3).
وقال الحافظ عماد الدين الواسطي: (والله، ثم والله، لم ير تحت أديم السماء مثل شيخكم ابن تيمية علما وعملا وحالا وخلقا واتباعا وكرما وحلما وقياما في حق الله تعالى عند انتهاك حرماته)(4).
(1) الأعلام العلية، ص / 24، 25.
(2)
الأعلام العلية، ص / 31، 32.
(3)
ذيل طبقات الحنابلة، 4/ 390.
(4)
العقود الدرية، ص / 311.
دعوته للرجوع إلى الكتاب والسنة:
وقد نهج - رحمة الله عليه - النهج الذي عاد بالإسلام إلى عهد الصحابة في عقائده وأصوله وفروعه، وإذا استيقن أن ما يقوله هو ما كان عليه الصحابة، دافع عنه بالحجة والبرهان واستخدم في هذا السبيل كل ما أوتي من الأسباب العلمية، فأثار إعجاب كبار العلماء وأغضب المبتدعة، واحتسب الأجر، ونال الأذى في هذا السبيل.
قال رحمه الله: (وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولا عاما، يعتمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء من سنته، دقيق ولا جليل، فإنهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم)(1).
وقال: (وليس لأحد أن يعارض الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم بقول أحد من الناس، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما لرجل سأله عن مسألة فأجابه فيها بحديث، فقال له: قال أبو بكر وعمر، فقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون قال أبو بكر وعمر!!).
وقال: (ثم إننا مع العلم بأن التارك الموصوف معذور بل مأجور، لا يمنعنا أن نتبع الأحاديث الصحيحة التي لا نعلم لها معارضا يدفعها، وأن نعتقد وجوب العمل بها على الأمة، ووجوب تبليغها)(2).
وقال رحمه الله: (قد ذم الله في القرآن من عدل عن اتباع الرسل إلى ما نشأ عليه من دين آبائه، وهذا هو التقليد الذي حرمه الله ورسوله، وهو أن يتبع غير الرسول فيما خالف فيه الرسول، وهذا حرام باتفاق المسلمين على كل أحد؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والرسول طاعته فرض على كل أحد من الخاصة والعامة في كل وقت وكل مكان، في سره وعلانيته، وفي جميع أحواله).
ثم ذكر رحمه الله الآيات التي تدل على أن اتباع الرسول من الإيمان، ثم قال:(وقد أوجب الله طاعة الرسول على جميع الناس في قريب من الأربعين موضعا من القرآن، وطاعته طاعة الله)، إلى أن قال:(والمقصود هنا أن التقليد المحرم بالنص والإجماع، أن يعارض قول الله ورسوله بما يخالف ذلك، كائنا من كان المخالف لذلك).
(1) رفع الملام عن الأئمة الأعلام، ص / 10.
(2)
رفع الملام عن الأئمة الأعلام، ص / 54، 68.
وقال: (إن الله سبحانه لما ذكر حال من يقول على الله بلا علم بل تقليد السلف، ذكر حال من يكتم ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بينه للناس في الكتاب، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (1).
فهذا حال من كتم علم الرسول، وذلك حال من عدل عنها إلى خلافها، والعادل عنها إلى خلافها يدخل فيه من قلد أحدا من الأولين والآخرين فيما يعلم أنه خلاف قول الرسول صلى الله عليه وسلم سواء كان صاحبا أو تابعا أو أحد الفقهاء أو غيرهم.
ومن ادعي إجماعا يخالف نص الرسول من غير نص، يكون موافقا لما يدعيه، واعتقد جواز مخالفة أهل الإجماع للرسول برأيهم، وأن الإجماع ينسخ النص، كما تقوله طائفة من أهل الكلام والرأي، فهذا من جنس هؤلاء.
وقال رحمه الله: (وكثير من الفقهاء المتأخرين أو أكثرهم يقولون: إنهم عاجزون عن تلقي جميع الأحكام الشرعية من جهة الرسول؛ فيجعلون نصوص أئمتهم بمنزلة نص الرسول ويقلدونهم، ولا ريب أن كثيرا من الناس يحتاج إلى تقليد العلماء في الأمور العارضة التي لا يستقل هو بمعرفتها، ومن سالكي طريق الإرادة والعبادة والفقر والتصوف من يجعل شيخه كذلك، بل قد يجعله كالمعصوم، ولا يتلقى سلوكه إلا عنه، ولا يتلقى عن الرسول سلوكه، مع أن تلقي السلوك عن الرسول أسهل من تلقي الفروع المتنازعة فيها، فإن السلوك هو بالطريق التي أمر الله بها ورسوله من الاعتقادات والعبادات والأخلاق، وهذا كله مبين في الكتاب والسنة، فإن هذا بمنزلة الغذاء الذي لا بد للمؤمن منه.
ولهذا جميع الصحابة يعلمون السلوك بدلالة الكتاب والسنة والتبليغ عن الرسول، ولا يحتاجون في ذلك إلى فقهاء الصحابة) إلى أن
(1) سورة البقرة الآية 174