الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الإمام والصفوف:
إن وقوف المسلمين صفوفا مستوية ومتراصة، فالأقدام والركب والأكتاف متراصة كالبينان المرصوص دون ترك أية فرجة للشيطان، ودون أن يقطع الصفوف أي حاجز واصل كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«من وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفا قطعة الله (1)» ، حتى إن بعض المساجد أخذت تطبق في بنائها هذا الحديث فاستغنت عن الأعمدة والصواري التي كان الصحابة الكرام يطردوا من الصلاة بين الصواري طردا لعدم قطع الصف بينما أخذت بعض المساجد تقلل ما أمكن من الأعمدة كحد أدنى. إن هذا التراص في الصفوف ومراعاة جعل الإمام أمامها في منتصفها بحيث يكون جناحه الأيمن يعادل جناحه الأيسر، وعند البدء بصف جديد يبدأ من المنتصف خلف الإمام مباشرة، وهكذا يمينا وشمالا حتى يكمل، وهكذا هو تدريب المسلمين على تراص الصفوف في الجهاد وأمام العدو.
وقد اختلفت طبيعة القتال، فقد كانت صفوف المتحاربين تعتمد على تراص المقاتلين جنبا إلى جنب، أما قتال اليوم وطبيعة الأسلحة فالتراص ليس بالأشخاص وإنما بفعالية الأسلحة، لكن المبدأ يبقى وهو عدم ترك أية فرجة بين المقاتلين يستطيع العدو أن ينفذ خلالها إلى داخل الصفوف، وعندما استطاع العدو أن ينفذ داخل صفوف المقاتلين المصريين في عام 1973، فإن هذا دليل عدم فهم حكمة التراص في الصلاة، التي تتكرر خمس مرات يوميا بالإضافة إلى كونه عدم التزام التراص عمليا كما هو مشاهد اليوم في كثير من بلاد المسلمين إلا من رحم ربك؛ حيث ترى أحيانا حتى عدم تماس بين المصلين، وهذا الأثر يترك مغزى هاما للمتبصر في الأمور بضعف الرابط الأخوي بين المسلمين المصلين فضلا عن العداوة والبغضاء بين أفراد الأمة الإسلامية التي يجب أن تكون كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر
(1) رواه النسائي في كتاب الأمانة - 31.
الجسد بالسهر والحمى (1)»، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الترابط بين تسوية الصفوف وبين الواقع الاجتماعي بقوله عليه والصلاة والسلام.
«لتسون بين صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم (2)» .
والصف الأول له أفضلية؛ لذلك حض الخيرة التقدم إليه بقوله عليه الصلاة والسلام: «ليلني منكم أولوا الأحلام والنهى (3)» ، وهذا ما يفيدنا في واقع الحياة أن تكون الصفوف الأمامية خيرة المقاتلين، وإلا فإن تغلب العدو على النسق الأول يوقع الوهن، ويحطم المعنويات للأنساق التالية، كما أنه حافز مشجع لمعنويات العدو، وإذا تبين للإمام أنه على غير وضوء فينسحب من الإمامة ويتقدم من خلفه ويؤم القوم، وكذلك في واقع الحياة، فإن تغيير القائد في المعركة لا يغير الواقع بل تستمر على نفس الهدف والوسيلة، كما حدث في تغيير القائد العام لجيوش المسلمين في فتوح الشام عندما استبدل عمر رضي الله عنه خالدا بأبي عبيدة بن الجراح، كذلك في أمور الحكم؛ حيث يتولى أقدر الأمة؛ لأن الإمام له شروط في تولي الإمامة حسب الأكفأ، وليس هي مهنة يتولاها من يعين فيها، وقد يكون خلفه من هو أجدر منه بذلك، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن تساووا فأكبرهم سنا (4)» .
وهذا يفيدنا في تطبيق الآية الكريمة:
{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (5).
حيث إن العلم بالكتاب والسنة على منهج السلف الصالح هو أول ما يميز الناس ومكانتهم ثم الأسبق للهجرة التي هي بناء الدولة المسلمة، ثم الأكبر
(1) رواه البخاري في كتاب الأدب - 27.
(2)
رواه البخاري في كتاب الأذان.
(3)
رواه مسلم في الصلاة 122، 123، 54.
(4)
البخاري في الأذان، والنسائي في الإمامة.
(5)
سورة الحجرات الآية 13