الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنا؛ لأنه أكثر خبرة وعملا. وقد استبدل كثير من المسنين للإسلام اليوم أمورا دنيوية عوضا عن التقوى والعلم النافع؛ فأصبح في تفضيل كثير منهم المال أو الجاه أو المنصب أو المظهر، وهذا الأثر الاجتماعي هو صدى لشروطهم المبتدعة في الإمام، فعوضا عن الامتثال للحديث السابق فقد انقادوا لشروط من آرائهم التي أوجدتها في الأصل عدم العثور على الدليل، إلا أن القاعدة الفقهية:" لا اجتهاد في مورد النص " تبطل كل ما اشترطوه أمام حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المذكور.
الإمام والمؤتمون:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا ركع فاركعوا (1)» .
إن هذا بيان عملي في الحياة لمتابعة الإمام والقائد في المعركة، والحاكم في الأمة، وإطاعته هذه الطاعة هي أحد شروط كسب المعركة وتقدم الأمة.
وإذا أخطأ في الصلاة بتلاوة القرآن فيصحح، وإذا أخطأ في عدد الركعات كما لو نهض واقفا عوضا عن جلوسه فينبه من قبل المؤتمين بقولهم:(سبحان الله)، فإن لم يعد للجلوس بل استمر واقفا فعليهم متابعته، ولا يجوز لهم مخالفته، وتبقى وحدة الإمام والمؤتمين، ويقوم بسجود السهو.
وكذلك في الحياة إن أخطأ الحاكم فينصح من قبل أهل العلم ويبين له الخطأ، فإن عاد عن خطئه فالرجوع للحق خير من التمادي في الباطل، وإن أصر على خطئه فعليهم متابعته، ويحمل تبعة ذلك أمام رب العالمين، ولا يجوز مخالفته ما دام الخطأ يسيرا؛ لأن وحدة الصف تبقى هدفا ساميا في الأمة، ولا يجوز التفرق والانشقاق. أما إذا أمر في معصية لرب العالمين فلا طاعة في معصيته، فحق الحاكم يتوقف عندما يبدأ حق الله، فإطاعته منوطة بإطاعته لله ورسوله، فإن خالف أمرهما فالعالم يبين وينصح، فلا استبداد ولا تسلط ولا
(1) رواه البخاري ومسلم.
ظلم في الإسلام، وكذلك لا تمرد أو عصيان للإمام المسلم كما قال تعالى:{أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} (1).
فأمر الله ورسوله للأمة حكاما ومحكومين. فالإمام العادل ما دام يستمد أوامره من الله ورسوله فإطاعته إطاعة لله ورسوله، وحتى إذا كانت أوامره لا تتعارض مع أوامر الله ورسوله من أمور الدنيا المباحة، فإن إطاعته واجبة بموجب الآية السابقة، وهذا ما يوضحه موقف خالد بن الوليد رضي الله عنه عندما امتثل لأمر خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسلم الجيش لأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه راضيا صاغرا دون تذمر وتأفف، ولسان حاله يقول:
إنا نقاتل كي يرضى الجهاد بنا
…
ولا نقاتل كي يرضى بنا عمر
فقد كانوا ينظرون إلى المناصب، ويدركون مسئوليتها أمام رب العالمين، ويخشون أن تصبح حسرة وندامة يوم القيامة إذا حملت مظالم عباد الله وخلقه، فيسأل عنها ويحاسب عليها الحاكم في ذلك اليوم الذي لا ظلم فيه، ويحاسب الظالم فيه حسابا عسيرا فينتمى أن يعود للدنيا ليحكم بالعدل والقسط ويعمل صالحا حيث لا تنفع حسرة وندامة، ولا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وختم الله تبارك وتعالى رسالة السماء التي ابتدأت بالعلم، واختتمت بالتقوى وتذكيرا باليوم الآخر بقوله جل وعلا:
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يصلون بكم فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم (3)» .
إن المساواة الكاملة في صفوف الصلاة بين المصلين التي تشابه صفوف الملائكة دون أي تمييز لحسب ونسب أو جاه وسلطة أو غنى
(1) سورة النساء الآية 59
(2)
سورة البقرة الآية 281
(3)
رواه البخاري في باب الأذان، وأحمد 2، 255، 547.
ومال أو لون أو جنس أو لغة وقومية أو دولة وأخرى لهي دروس وعبرة لعالمنا اليوم المتخبط الذي يعاني التمييز بين الشعوب والأمم والدول، بالإضافة إلى التمييز ضمن كل أمة وشعب، فهناك دول تسمي نفسها عظمى تتميز عن غيرها الصغيرة، وهناك تمييز بين الدول الصناعية والدول النامية، وهناك تمييز بين البشر بسبب اللون والجنس والعرق واللغة، كما هناك تمييز بين مواطني دولة ومن يفد عليهم من الخارج، وتمييز بين الحكام والمحكومين وبين أصحاب السلطة وغيرهم، وبين الأغنياء والفقراء بالإضافة إلى التمييز بين الأنساب والقبائل والمناطق، وبين المهن والأعمال. كل هذا التمييز ومقاييسه جاهلية تتعارض مع الإسلام؛ لأن مقياس الله في التمييز هو الإيمان والعمل الصالح، أي التقوى كما يقول تبارك وتعالى:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (1).
وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا فرق بين عربي وعجمي، ولا بين أبيض وأسود إلا بالتقوى (2)» ، «كلكم من آدم وآدم من تراب (3)» .
لم تعرف البشرية في تاريخها الطويل مساواة بين الناس في أي نظام أو دين إلا في ظل الإسلام، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشترك مع أصحابه في بناء المسجد، وحمل الأحجار وحفر الخندق حول المدينة، واشتراكه الفعلي في مقدمة القتال، وهو سيد البشر ورئيس دولة الإسلام. وكان عليه الصلاة والسلام عندما يسير مع أصحابه يقدمهم أمامه، ويسير في الخلف قائلا لهم «دعوا ظهري للملائكة (4)» ، وكان لا يتميز عن أصحابه في المجلس، ويجلس حيث يتوفر المكان ويكره القيام له رغم محبتهم واحترامهم له الذي لم يحظ به أحد من بني آدم، وفي يوم النصر العظيم وفتح مكة دخلها مطرق الرأس تواضعا وحمدا لله تعالى على الفوز المبين، وعندما يمتثل أمامه أعداؤه
(1) سورة الحجرات الآية 13
(2)
مسند أحمد بن حنبل (5/ 411).
(3)
سنن الترمذي المناقب (3955)، سنن أبو داود الأدب (5116).
(4)
رواه ابن ماجه في المقدمة 21.
الذين كادوا له ولأصحابه بعدائهم وظلمهم المرير، يقول لهم ما لم يعرف في العالم مثلا له في السماحة والعفو «اذهبوا فأنتم الطلقاء» .
وكذلك لم تعرف المرأة المساواة مع الرجال في الحقوق والواجبات في الأمم القديمة حتى جاء الإسلام، فكانت تعيش عيشة الهوان والذل والاستعباد في الأمم السابقة كاليونان والرومان والفرس، وكانت توأد حية في التراب عند العرب.
{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} (1){يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} (2).
عندما أتى الإسلام ساوى بين الجنسين في الأمور التعبدية، وفي الحقوق والواجبات:
{وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} (4).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النساء شقائق الرجال (5)» .
(1) سورة النحل الآية 58
(2)
سورة النحل الآية 59
(3)
سورة الأحزاب الآية 35
(4)
سورة البقرة الآية 228
(5)
رواه أبو داود في باب الطهارة [94]، والترمذي في باب الطهارة [82] وغيرهما.
للمرأة تبدي مفاتنها إرضاء للرجل الذي استعبدها بشهواته الحيوانية وأخرجها من مملكتها الصغيرة المنزلية وزج بها في المعامل والمكاتب والمتاجر بخدعة مساواتها بالرجل، وأهمل دورها في التربية وإعداد جيل الغد فانحطت الأجيال وانغمست في الشهوات والمخدرات والخمور والإفساد في الأرض، وسفك الدماء وهم يخدعونها بعبارات المساواة والتحرر من الضوابط الخلقية والانقلاب من الأدب والفضيلة ليغمسوها ويدنسوا أنوثتها بوحل القذارة والشهوات البيهيمة التي تنتشر فيها الأمراض الجنسية لتفتك بأنوثتها وتعطل دورها المهم في الإنتاج البشري وإعداده التربوي وتوجيهه الخلقي، حتى أصبحت بعض دول اليوم تعاني نقصا في المواليد عن الوفيات بالإضافة إلى تزايد الجراثيم والانحرافات، والانتحار في الأجيال التي حرمت عطف الأمهات وتربيتهن
{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} (1).
منذر الحريري
(1) سورة طه الآية 124