المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 11 ‌ ‌نظر تاريخ لغوي انتقادي بعث إلينا حضرة الكاتب اللوذعي، والشاب الألمعي، - مجلة لغة العرب العراقية - جـ ١

[أنستاس الكرملي]

فهرس الكتاب

- ‌العدد 1

- ‌التقريظ والمشارفة والانتقاد

- ‌أسفنا

- ‌شكرنا

- ‌فضل أهل العراق

- ‌بغية الأنام في لغة دار السلام

- ‌منافع تدوين اللغات واللغيات واللثغات

- ‌نجد

- ‌التأسل والتأسن

- ‌المتكهفة والمكتهفة

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌(ملخص عن الرياض 73)

- ‌ينبوع الشفاء

-

- ‌العدد 2

- ‌المنتفق

- ‌الكلدانيون

- ‌كتاب الفرق بين الصالح وغير الصالح

- ‌حكاية انوشروان والصبية الحكيمة

- ‌أخلاق أهل نجد

- ‌نظرة عامة في لغة بغداد العامية

- ‌ينبوع الشفاء

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 3

- ‌آثار سامراء الخالية وسامراء الحالية

- ‌لغة العرب

- ‌يقظة العلم في ديار العراق

- ‌مؤسس الصهيونية

- ‌سؤال إلى مجلة العلم

- ‌سفرة إلى كربلاء والحلة ونواحيها

- ‌باب التقريط

- ‌باب المشارفة

- ‌تاريخ وقائع العراق وما جاوره

- ‌العدد 4

- ‌البريم أو عبادان الحديثة

- ‌كتاب الصبوح والغبوق

- ‌فصل في دير القائم الأقصى

- ‌ماذا يرى اليوم في سامراء

- ‌(للبحث صلة)

- ‌إفادة لمجلتي المشرق والعلم

- ‌أول مجلة في العراق

- ‌كتاب طبقات الأمم

- ‌هل الحي قرية أم مدينة

- ‌نظرة عامة في لغة بغداد العامية

- ‌معنى انكورلي

- ‌سفرة إلى كربلاء والحلة ونواحيهما

- ‌العدد 5

- ‌وصف أطلال سامراء

- ‌البعبع والوعوع والضبغطري

- ‌المباني الحديثة في البريم

- ‌سؤال إلى العلماء ولا سيما المتصوفة منهم

- ‌كتاب في لغة الحديث

- ‌نقد طبع كتاب طبقات الأمم

- ‌اقتراح على علماء الشرق وأدبائه

- ‌مذنب بروكس

- ‌الفانوس والمنوار

- ‌باب المشارفة

- ‌ البيان

- ‌تحريم نقل الجنائز

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 6

- ‌وصف القطار

- ‌بعض الأعراب غير المنسوبة

- ‌لغة العرب

- ‌حول المنتفق

- ‌بلاد المنتفق على الغراف

- ‌ثابت الدين الألوسي

- ‌هو الموت

- ‌نقد طبع كتاب طبقات الأمم

- ‌(تلو)

- ‌الشق والشقة والشقيقة

- ‌أتجوز الكتابة باللغة العامية

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 7

- ‌هيت ومعادنها

- ‌4 - ذكرها في التاريخ القديم

- ‌المنحوت العامي واللفظ الدخيل في لغة بغداد

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌مريم

- ‌العدد 8

- ‌الحفر والتنقيب في أطلال بابل

- ‌إعراب الشرارات

- ‌الكسوف والخسوف في سنة 1916

- ‌نهر فسقس

- ‌أصل لفظة الرزق

- ‌التنهس

- ‌خبايا الزوايا في الرجال من البقايا

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌كيش وهس اليوم تل الاحيمر

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌المعاجم العامية في اللغة العربية

- ‌العدد 9

- ‌السيد صالح القزويني

- ‌بقايا قصور الخلفاء في مدينة سامراء

- ‌غنى هيت وذكر معادنها

- ‌هل كان أعشى قيس نصرانياً

- ‌كأني محاربه

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌القسطاس

- ‌الحياة

- ‌نفكر

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌الأمير أحمد بك السعود

- ‌الأمراض في البلدة

- ‌أشغال السكة الحديدية البغدادية

- ‌إعراب العبارة

- ‌مدارس في البحرين

- ‌تبرع في سبيل كلية الكويت

- ‌التنقيبات في الاحيمر

- ‌العدد 10

- ‌بلد روز

- ‌أنواع الأرز المعروفة في العراق

- ‌الأمثال العامية في ديار العراق

- ‌مختارات من شعر السيد صالح القزويني

- ‌اسم بغداد

- ‌نقد كتاب تاريخ آداب اللغة العربية

- ‌الخستاوي والزهدي

- ‌الجكير

- ‌بغية الأنام في لغة دار الإسلام

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 11

- ‌نظر

- ‌إلى حضرات المشتركين الكرام

- ‌نقد كتاب تاريخ آداب اللغة العربية

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 12

- ‌وضع اللغات وخضوعها للطبيعة

- ‌أمثال عوام العراق

- ‌مغاصات اللؤلؤ

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌مفردات عوام العراق

الفصل: ‌ ‌العدد 11 ‌ ‌نظر تاريخ لغوي انتقادي بعث إلينا حضرة الكاتب اللوذعي، والشاب الألمعي،

‌العدد 11

‌نظر

تاريخ لغوي انتقادي

بعث إلينا حضرة الكاتب اللوذعي، والشاب الألمعي، يوسف أفندي يعقوب مسيح بهذه المقالة التي جمعت فأوعت، وزفها إلى القراء بحلة وشاها قلمه البليغ، ودبجتها براعته الحسناء، فنوجه إليها الأنظار ونستوقف على أفنانها أطيار الأفكار

(لغة العرب)

إن من اطلع على شئٍ من تاريخ الثوائر المدلهمة التي ثار ثائرها على

ص: 409

الأمة العربية في اعصر حضارتها المدرسة وما إدراكها إذ ذاك من توالي غارات الأقدار ودواعي الدمار التي أفضت بفخامة ملكها ومدنيتها إلى مهاوي الذل والبوار إلى آخر ما طرأ عليها من الاستسلام إلى أحكام الجهل الذي مد رواقه وضرب إطنابه ما بينها يرى انه لم يبق لها من أعلام مجدها وسالف فخرها إلا هذه اللغة التي لا تكاد تضاهيها في الاتساع أي لغة كانت لما خصت به من المزية التي عز أن توجد في غيرها حتى تجاوب صداها بين مشارق الأرض ومغاربها مما لا يسعنا استيفاء ذلك في هذا المقال

ومعلوم أن اللغة إنما تقوم بالذين ينطقون بها وتثبت بثباتهم ومن تدبر ما أشرنا إليه من انفصام عروة حضارة الأمة العربية وتخلفها في حلبة تنازع البقاء تخلص إلى ما لحق باللغة من عوامل الفناء التي دكت حصون ما كتب المتقدمون من مبتكرات الفرائح وطمست الألوف المؤلفة التي لا يأخذها الحصر من أسفار العلوم الجلائل أن كان بالإحراق كما وقع بمكاتب بغداد وفارس والإسكندرية والأندلس وغيرها أو بالاجتياح والنهب والإغراق في لجج لا يعرف لها درك ولا ساحل

ص: 410

بحيث لم يبق منها إلا الشيء النزر مما لا يتجاوز في الغالب علوم الدين ومما يتصل بها وإما ما سوى ذلك فلا يرى اليوم إلا في مكاتب الأعاجم وأكثره ابتيع من أيدينا وصار من مودعات الخزائن وبعضه قويض بكتب الخرافات والمجون وما يقابلها فأصبح في جملة الدفائن.

غير انه مهما يكن من أمر هذه الرزايا التي حلت بالأمة العربية فلو أنها بقيت ثابتة ومجدة في أشواط سلفها من الاشتغال بأسباب العلم ولاسيما في ما يتعلق منه بمسائل اللغة لأحيت من آثار أساطينها ما خففت به اليوم عن كتبتها ما يلاقونه من العي في التعبير لقعود اللغة

عن معايشتهم إلى مجاراة العصر الحاضر بالتأدية والتحبير بل لو اقتفت آثار الألوف من أولئك الدارسين والمصنفين ممن ضربوا في مناكب الأرض بحثا عما خبأته ذراتها من العناصر وما اشتملت عليه من المعادن والجواهر فوضعوا لها المسميات ونفضوا آفاق السماء تطلعاً إلى حقائق كواكبها وحركاتها فضبطوا ما اشتقوا لها من المصطلحات لخدمت العلم واللغة خدمةً لا يمحى ذكرها على تراخي الإعصار ولا تنقرض إلا بانقراض القرون والأجيال بل لو أنها تفانت في الحرص

ص: 411

على ما كان بينهما من استتباب الصلة الاجتماعية وتوحيد الكلمة القومية غير منصرفة إلى ما من شأنه إطفاء شعلة الآداب فيها وضرب الحواجز في سبيل نمو مداركها لنجت من تأثير عوامل الفاتحين لبلادها واستئثارهم بخصائصها الحسية والمعنوية التي أصبحت أثراً بعد عين كما ثبت الأمر لكل ذي عينين بل لصانت لغتها التي هي افصح ما اختلج به لسان واستدركت ما طرأ عليها من ألفاظ العجمية التي فشت في جميع البلدان إلى حد لم يكن يرى له مثيل في شيءٍ من لغات بني الإنسان غير أن الأمة تسربت من جوانب هذه الخطط الأدبية تسرب الماء من الإناء المثلم ونزعت عن هذه المناحي التي هي عنوان منزلة الشعوب الراقية إلى ما لا يعرف له منحى من غابر خمولها وتخاذلها حتى اختلط حابلها بنابلها فاستسلمت للقضاء المبرم الذي قذف بها وبعلومها ولغتها من أسمى ذرى الجلالة والعلاء إلى فيافي الضلالة والبلاء وسجل التاريخ في صحيفته البيضاء هذه الرزايا الدهماء وقامت لها قيامة الخطباء والشعراء وعلا من فوق المنابر ضجيج أصواتهم قياماً بواجب تأبين أمةٍ كانت دولة علومها رفيعة العماد فسيحة الظلال ورنت

ص: 412

المحافل بصدى الراثين للغتها التي فجعت بفجوع المتكلمين بها حتى بلغ أنين رثائهم عنان السماء.

ومذ ذاك العهد سقطت هذه اللغة الشريفة من عالم الأقلام وفسدت بفساد ألسنة الأعقاب فاتشحت عليها بالحداد أنديتها بل تحطمت أقفرت أوديتها وطال بها عهد السكون في عالم الدثور عدةً من القرون دون أن تجد من خلف أولئك الذين طالما حملوا منارها وبثوا أشعتها من اخطر للنظر فيها فكراً ولا أجرى لأمر بعثها ذكراً فكان أبواب الأبدية أوصدت في وجها لذنبٍ فاضحٍ اقترفته حتى حق عليها مثل هذا المنفى المفرط.

وقد توالت بعد ذلك الأحقاب والعصور واللغة لم تزل متسكعة في ديجور القبور إلى أن

مست الضرورة إلى تدارك هذه الحال فمن الله على العربية في النصف الأخير من القرن التاسع عشر ببضعة رجال هم على الحقيقة أولو عزم وحزم بل فحول من فحول بر الشام ومصر إلا وهم الشيخ ناصيف اليازجي. المعلم بطرس البستاني. الدكتور كرنيليوس فانديك. احمد فارس الشدياق. رفاعة بك الطهطاوي.

ص: 413

عبد الهادي نجا الابياري. فيحق لهؤلاء الزعماء الأماثل أن تدون أسماؤهم بمحلول من التبر في صفحات التاريخ إجلالا لقدرهم بل أحر بهم أن تقام الأنصاب لعلماء مثلهم تخليداً لذكرهم فانهم رحمهم الله لما عاينوا أن اللغة العربية في غمراتٍ هي بالموت أشبه منه بالرقاد شدوا لها مئزر الإخلاص واندفعوا بفواعل قلما يحلم الدهر بمثلها إلى إنهاضها من رمسها وأحياء ما درس من معالمها فعطفوا على التأليف السديدة المنهج من علومها وآدابها بما تقصر بجانبها التأليف العصرية مما في بابها لأنهم استقصوا أطرافها وأحاطوا بأصولها وفروعها فجاءت آيةٍ في البراعة والبيان. ثم تناولوا بعد التحري والتنقيب طائفة من انفس ما وصل إليهم من كتب ورسائل المتقدمين من فحول علماء الأدب ممن أبدعوا في صناعتي النثر والنظم وأجادوا فوقفوا على بعضها ونزهوها عن شوائب اللبس والتحريف اللاحقة بها من قبل النساخ حتى أعادوا إلى مطرد انسجامها وذيلوا بعضها برخيم الحواشي فاستبطنوا دقائق أغراضها ومكنون فرائدها وعلقوا التفاسير على مغلق ألفاظها حتى برزت كالصبح وضوحاً وجلاءً. وإذ لم يقضوا نهمتهم من تمثيلها

ص: 414

أذاعتها بين ظهراني الأمة تصدوا لتدريسها بأنفسهم لطلبة العلم من تلامذة المدارس فلقنوهم إياها أجزاءً وقربوا مداركهم من استيعابها فاستضاءت بصائرهم بنبراسها وتأدب عليهم كثير من نوابغ العصر وجلة الكتبة ممن أزهرت بهم تلك الثغور وابتسمت وحفلت بمطابعها ومكاتبها وانتشرت.

غير انك لا تجدهم قد اقتصروا على هذا القدر من الاشتغال بأسباب العلوم وفنون الآداب العربية بل انهم عمدوا إلى إنشاء الصحف والمجلات التي كانت من أعون الذرائع الموصلة إلى سرعة انتشارها بين طبقات الناس فأيقظت الهمم من غفلتها وهبت بالفطن من ضجعتها وتهافت القوم على تلاوتها ومطالعتها. ولم تكد ترى أولئك الأسود الأفاضل زعماء هذه النهضة العلمية والحركة الفكرية دائبين في مزاولة هذه الوجهة الأدبية شاحذين لها العزائم الماضية مستنزفين أيامهم في توطيد شانها دون أن يكترثوا بما طوروا من

مراحل الحياة وما انتهوا منها حتى زفوا إليها من أشبالهم وذوي قرباهم أن ممن وردوا شرعتهم واقتبسوا من علومهم وان من أولئك المجيدين في

ص: 415

صناعة الأدب من خريجي المدارس الآخر التي كثرت في عهد هذه النهضة العلمية واتسع نطاقها ما يدعو إلى التنويه بذكرهم والإشادة ببيض أياديهم.

فمن لنا بإمام من أئمة علماء هذا العصر تنقاد لبادرته دقائق الوصف لنشد إليه الرحال فيميط لنا اللثام عما أوتيه الشيخ إبراهيم ابن الشيخ ناصيف اليازجي من التفوق بل التناهي في إبداع أساليب الكلام والغوص على درر المعاني التي مثلها للأبصار تمثيلاً تفرد به عن الأشباه والنظراء بل مصاقع الخطباء ومتفنني الشعراء حتى نكب به عن طريق أبي تمام فانتهت إليه عن استحقاقٍ تام الرئاسة بين حملة العلم والأقلام. إنما ما لنا والضرب في مثل هذه البيداء وتحمل مشاق التكليف للبلوغ إلى من أوتى فصل الخطاب وهاهو ذا بين أظهرنا من تأليفه في فنون اللغة والآداب ما تكاد تحتجب بازائها الأنوار والأضواء والبيان والضياء التي دوى صدى شهرتها في كل قطر وناد ما تقف دون مجاراتها سوابق أفكار المبرزين في علم الإنشاء وكيف

ص: 416

لا وقد نهج من طريق الكتابة في ابرز المبتكرات ما كشف لنا النقاب عن مخدرات الأفكار واحدث من مذاهب التلاعب في قوالب اللفظ ما يحمل المطالع إلى التصور أن ذهنه عالم الصنع والإبداع. على انه أن وجد من يرتاب في مثل هذه المقررات البديهيات فما عليه إلا أن يسرح رائد الطرف فيما كتب فيها من مواضيعه المستفيضة المترامية الأغراض الجامعة لأصول العلم وفروعه المعنونة باللغة والعصر المجاز لغة الجرائد، أغلاط العرب، أغلاط المولدين، أغلاط لسان العرب، الشعر التعريب، وغير ذلك من المواضيع الجليلة في انتقاد ذخائر المتقدمين وتذليل بعضها فيجد هنالك من الإحاطة بأسرار اللغة وآدابها وسبر غور حالاتها وأطوارها ما لم يباره مبارٍ فيها بل إذا استقرينا ما جاء بين تضاعيف تلك المواضيع مما كتب من المقالات المحيرة في القمر والزهرة والمشتري نراه قد نهج فيها من جديد الوصف بل غرر البدائع ورشيق الاستعارات وضروب المجاز والكنايات التي لم يسبقه إليها سابق ما حق له أن يلفظ بقطب أفلاكها دون أن ينازعه فيه منازع وعلى الإجمال فانه أثابه الله أقام نفسه ترساً منيعاً وقى

ص: 417

به اللغة وفنونها من هجوم الأقلام المعتسفة فأفنى حياته في خدمتها وجدد من رسوم

فصاحتها وبلاغتها ما يكاد يسترد لها سابق أبهتها ورفيع شرفها.

ولما كان القيام باستيفاء الكلام عن جميع نصراء علوم العربية من العلماء الأفاضل والكتاب القرح الأماثل الذين رفعوا بتأليفهم ومنشوراتهم منار الفصاحة النعمانية وشيدوا الصروح الفخيمة للبلاغة المقفعية مما لا يضطلع بأعبائه وصف واصف فضلاً عن انه يتجاوز نطاق هذا الموقف لم تجد بداً من الإضراب عن الخوض في مثل هذا العباب الواسع الاكناف والاكتفاء بالإشارة إلى ذكر بعضهم على قدر ما تعين عليه الحافظة. ولكننا نستطرد في هذا المقام إلى أيراد أولئك الأفاضل الذين قد تقطعت أوتار أقلامهم على اثر إجابتهم إلى دعوة ربهم وهم محمد عبده، نجيب الحداد، إبراهيم المويلحي، الدكتور بشارة زلزل، الشيخ خليل اليازجي عبد الرحمن الكواكبي الشيخ محمد محمود الشنقيطي بطرس كرامة أديب بك، اسحق نصر الهوريني رشيد الشرتوني وسواهم ممن طوتهم الأيام

ص: 418

ولكن نفثات أقلامهم باقية على توالي الأعوام سقى الله يصيب الرحمة تربتهم واجزل في دار النعيم ثوابهم.

وأما الجهابذة الذين ما فتئوا حتى الآن متفانين في نصرة اللغة عاقدين الخناصر على الدفاع عن حياض علومها فهم سليمان البستاني، نجيب البستاني، نسيب البستاني، الأب شيخو اليسوعي، سليم بك عنجوري، سعيد الخوري الشرتوني، احمد زكي باشا قسطاكي بك الحمصي، ولي الدين يكن، الدكتور شلبي شميل، خليل المطران، حافظ إبراهيم، احمد شوقي، نقولا الحداد، جماعة من بيت المعلوف مصطفى صادق الرافعي، يوسف جرجس زخم، توفيق اليازجي، خليل سركيس، مجلة المقتطف، مجلة الهلال، مجلة المقتبس (الخ). وعلى أثرهم نذكر أيضاً الأعلام الذين نبغوا في بغداد من القرن الغابر وهم السيد محمود الالوسي، عبد الباقي العمري الأخرس وأما العالمان الفاضلان اللذان تثني بهما الأصابع، في هذا العصر اللامع، فهما الشيخ محمود شكري اللالوسي وجميل صدقي الزهاوي من قد استصبح أدباء العراق ببدر علمهما في المعضلات اللغوية وضربت إليهما

ص: 419

أكباد الإبل في المشكلات العقلية والنقلية بل طالما رن في الخافقين صدى تأليفهما فانبثقت أنوار العرفان من سماء محرابهما.

فهؤلاء الأفاضل وكثيرون غيرهم خواص أهل الأدب قد أذابوا أدمغتهم ولضنوا أجسادهم بل ضحوا حياتهم في أحياء رسوم اللغة وجمع شتيتها فأدركوا من علومها حظاً وسيعاً

وبلغوا من القبض على أعناق المعاني فسخروها تسخيراً تأتي لهم معه أن يطرسوا عل آثار السلف من واضعي هذه اللغة وعلى الجملة فانهم أغاروا على حصون أسرها وما لبثوا أن نسفوها نسفاً أهلهم من أن يظهروها بما انتهت إليه اليوم من مظاهر الحسن والجمال بل العز والكمال وهو السر في سرعة نموها وبلوغها إلى هذا الحد العجيب.

إلا انك مع ما ترى من انتعاش اللغة من كبوتها وإحياء ما اندرس من آثارها حتى بلغت آلة مثل هذا الطور طور ترعرها وريعان شبابها تجد من حين إلى آخر آراء لبعضهم في استبدالها وتنكرها مبسوطةً على صفحات الصحائف معززة بمقدمات ونتائج لم يكد يتناولها القلم والبرهان حتى يزيفها تزييفاً يلحقها بخبر كان ولعمر الحق

ص: 420

ما ندري ما الدواعي الباعثة إلى محاولة اقتحام مثل هذه العقبات المودية بشرف اللغة وطلاوة أسفارها إلى أحط الدركات ولقد طالما عرضت ضروب شتى من مثل هذه الاقتراحات وحيث إنها لم تلاق اكتراثاً ممن يعول عليهم في علوم اللغة طويت طيا بل لما انتبر اللغويون وتناصروا على دحضها بالحجج القواطع دحروها دحراً ولكنهم مع ما اثبتوا في أشهر الصحف البلاد التي هي مستودع ذخائر العلم والعلماء من وجوب التجافي عن مثل هذه الآراء والتنصل مما فيه تبخيس أو مساس باللغة فقد استأنف بعضهم هذه الكرة وعرض على أرباب العلم ما عن له من الرأي في تدوين جميع كلم البلاد العامة وان يعولوا فيها على تثبيت ما هو قريب من اللغة الفصحى ويعرضوا عن الأوضاع العامية والدخيلة القحة حتى إذا ألحقت بأصل اللغة واعتمدها جميع أهل الصحف ومؤافي الكتب حملوا قرائح العامة على فهمها وتقليدها فتغرب إذ ذاك شمس اللغة العامية بازائها ويسود تكلم الخاصة والعامة بها.

ولا يخفى أن الاضطلاع بجمع لغة البلاد العامية عقبة تكاد لا

ص: 421

تظفر بها أمنية بل أحر به كمن يطلب أمراً لا تبلغ إليه همة قصية لما انه من الأعمال التي لا يقوم بأعبائها إلا العدد العديد في الزمن المديد من الكتبة المحققين والأفاضل المدققين مع ما يستلزم من تفرغهم للاشتغال به دون سواه بحيث ربما يستغرق هذا العمل جيلا برمته ولم يفوزوا بنهايته وحسبنا برهاناً على هذا ما ورد عن المستشرق النحرير دوزي من مقال له في هذا المعنى ما تعريبه (. . فمن الواجب إذا إنشاء معجم للغةٍ غير فصيحة لكن اللغة العربية وآدابها غنية حتى انه يجب أعوام بل عصور تمضي قبل أن يشرع بمثل هذا المشروع وقد قال

لاين اللغوي الإنكليزي من الجهابذة لا يؤلف إلا ويقوم له جماعة عظيمة من علماء مبرزين مبثوثين في عدة مدن من ديار الإفرنج وتحت أيديهم مكاتب حافلة بكتب خط عربية ومنهم جماعة منتشرة في بلدان آسيا وأفريقية

ص: 422

شانهم شان أولئك المذكورين فيجمع جانب من اللغة من الكتب المخطوطة والجانب الآخر من أفواه الإعراب وان يتضافر لهذا المشروع علماء عارفون بعلوم المسلمين).

ثم على تسليمٍ أن استجماع مثل هذه المؤن والمهام ليس مما يحول دونه تعذر وعناء غير انه والحالة هذه مما يقتضي نفقات طائلة ذات موارد غير منقطعة فكيف يتسنى لمن يقومون بهذه الأعمال أن يأتوا بمثل هذا المال؟ وأين الرجال من أرباب الغنى واليسار من تستفزهم النخوة العربية وتستمطر برهم الغيرة على الآداب اللغوية فيدرون عليها من فيض نعمهم السنية؟ بل أين يا ترى من شكا من اللغة عجزاً أو تقصيراً بما يستطير الخواطر للأخذ بأسباب الولوج في مثل هذه الأبواب ومعاناة اقتحام هذه الأمور الصعاب؟ ولكن هي اللغة التي طالما وصفها الواصفون من جلة العلماء الناطقين بها ومشاهير المستشرقين من الدخلاء فيها بأنها اغزر الألسنة مادة وأوسعها تعبيراً وأبعدها للأغراض متناولاً وأطوعها للمعاني تصويراً وكفى الناظر أن يجيل طرفه بين ألواح معجماتها فانه يجد هنالك ما يغنيه

ص: 423

عن إفسادها بإدخال الألفاظ المتداولة فيها لما عنده من وفرة الكلم ومرادفاتها ما لو شاء أن يضع عدة طبقات متفاوتة المراتب من محض اللغة الفصحى مركبةً من انس الألفاظ وأسلسها لما وجد من ذلك ما هو أدنى إليه منالا وأطوع له انقياداً ومما لا يجد له مثيلاً في شيءٍ من هذا بين جميع اللغات المنتشرة على ألسنة البلاد.

اجل لا ننكر وجود لغةٍ صدعت في وضعها رؤوس أربابها لما بالغوا في نسجها من أوابد يعسر جمعها على العوام والخواص وفرائد غالية لكنها أشبه بدرر الغواص مما لا تخرق معانيها حس العامي فيقف بازائها قاصراً عن فهمها إلا أن مثل هذه اللغة قد أهملت من عهد عهيد ولم نجد لاستعمالها ظلا فيما بين أيدينا من التأليف الحديثة والكتابات المتداولة على ألسنة أرقى الصحف والمجلات التي أصبحت لغتها عذبة المورد خفيفة المحمل على سمع العامي وفهمه مما لو تسنى له استخدامها في معاملاته ومحادثاته لأنتسخت بازائها لغته الساقطة المبتذلة التي يمجها الذوق وينفر منها الطبع.

ولذا فإذا ثبت ذلك تبين أن الداء الذي أريد علاجه لاستئصال

ص: 424

شافة اللغة العامة ليس من الأدواء التي ينجع فيها اقتباس ألفاظٍ من أوضاعها وإلحاقها بأصل اللغة الفصحى فهذا الضرب من العلاج مما يشوه وجه الجمال وينكر أسلوب وضعها بل يزيد اخرق بذلك اتساعاً والطينة بلةً وقد سبق أولئك النوابغ من كتبة العصر الذين أشرنا إليهم واغنوا بسعة علمهم وفرط اطلاعهم وتنقيبهم جميع المتشوقين إلى الخوض في مثل هذا العباب وكفوهم مؤونة التطرق إلى مثل هذه الأبواب إنما علاجه اتخاذ لغة هؤلاء الأفاضل مناراً عالياً نقتفي به آثارهم وأستاذاً هادياً يؤهلنا من النسج فيه على منوالهم والإجماع على إدخالها مدارس الفتيان والفتيات كلها جمعاء بل مدارس الحكومة نفسها وان تعمم المكاتب في جميع أنحائها وتحمل الأمة قسراً على الانضمام إليها ولا يستثنى منها ذليل ساقط ولا ضئيل لاقط حتى إذا احكم أصول تلقين هذه اللغة وبثت أشعتها في فضاء الإفهام لا تلبث أن تبلغ منها على طرف الثمام فتسقط إذ ذاك اللغة العامية من عالم اللسان وتلحق بما سبقها من لغات القرون الخوالي.

ولقد كنا وقفنا على شيء مما تنبهت إليه الخواطر من هذا القبيل

ص: 425

وثارت على أثره حركة أرباب الصحف تتقاضى الحكومة لإبرازه من حيز القوة إلى عالم الفعل وانصرفت وجوه الأمة العربية استبشاراً لما من شانه تعزيز آخر ذخيرة تركها لها الدهر في عالم الوجود إلا انه ما عتمت الحوائل أن قضت قضاءها على ما جرى للحكومة في هذا الباب من المفاوضات فاندكت هذه الأماني الحيوية في عالم الأموات.

وعليه فإذا تقرر أن اللغة قد انتعشت من رقدتها وتجلت في مجالي عزها وجمالها وتأتي لحملة الأقلام من فصحائها استخدام فنونها ومحاسنها لزمهم ضرورة أن يقفوا بها عند هذا الحد من الاتساع والإبداع وينتقلوا إلى عطف النظر إلى مزاولة أمر الوضع فيها والأحداث وهذا ولا جرم من الأمور الحرية بأن تتظافر الآراء عليه وتتزاحم أعمدة الصحف في مقاضاته وينتدب للقيام به علماء العصر بأسرهم على تفاوت مراتب علمهم وتحصيلهم ويكون محل شغل شاغل لعقولهم في مثل هذا العصر الذي اتسعت فيه سبل التنقيب عن أسرار الطيبعة والتطلع إلى خفايا الكائنات بعد ما ظهر من المكتشفات التي نبهت أرباب العقول للإيغال فيها وكشف غوامضها وهتك حجب

ص: 426

رموزها وآثارها وليس بين معجمات

اللغة من الأوضاع ما يقوم بمباراة ذلك الغناء بل لم ير هناك ما يعين على أداء كثيرٍ من المعاني المدنية والعلمية مما كان ولا ريب متداولاً على ألسنة السلف وكتاباتهم في عهد حضارتهم وعز مدنيتهم لإغفال المدونين عن نقل كثير من أوضاعهم وبعد فلو كانت اللغة قد خلت من سنن وصيغ وضع الألفاظ فيها لوجد العلماء في ذلك عذراً يشفع بوقوفهم دون النزول إلى مثل هذا المضمار وأنى لهم مثل هذه الأعذار وقد سبق السابقون فمهدوا سبل استقراء أحكام الوضع واستنبطوا سره وقبضوا على قياده على ما يجدون ذلك مثبتا في محله.

وغير خافٍ أن مواضيع الخلل في اللغة من هذه الجهة قد لاحت طلائعه فان نهض اليوم علماؤنا والسراة ممن يهمهم صيانة لغتهم عن الفساد ووقفوا في سبيلها الأعمار ومطامعهم من المال وإلا فهذه لغتهم بعد زمنٍ يسير ستنحط من عالم الأقلام وتذهب كل مذهب من الخلط بين السماء والأرض وتصبح عرضة للناقدين من فحول المؤرخين وهدفا لسهام المنددين والمفندين.

ص: 427