الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 11
نظر
تاريخ لغوي انتقادي
بعث إلينا حضرة الكاتب اللوذعي، والشاب الألمعي، يوسف أفندي يعقوب مسيح بهذه المقالة التي جمعت فأوعت، وزفها إلى القراء بحلة وشاها قلمه البليغ، ودبجتها براعته الحسناء، فنوجه إليها الأنظار ونستوقف على أفنانها أطيار الأفكار
(لغة العرب)
إن من اطلع على شئٍ من تاريخ الثوائر المدلهمة التي ثار ثائرها على
الأمة العربية في اعصر حضارتها المدرسة وما إدراكها إذ ذاك من توالي غارات الأقدار ودواعي الدمار التي أفضت بفخامة ملكها ومدنيتها إلى مهاوي الذل والبوار إلى آخر ما طرأ عليها من الاستسلام إلى أحكام الجهل الذي مد رواقه وضرب إطنابه ما بينها يرى انه لم يبق لها من أعلام مجدها وسالف فخرها إلا هذه اللغة التي لا تكاد تضاهيها في الاتساع أي لغة كانت لما خصت به من المزية التي عز أن توجد في غيرها حتى تجاوب صداها بين مشارق الأرض ومغاربها مما لا يسعنا استيفاء ذلك في هذا المقال
ومعلوم أن اللغة إنما تقوم بالذين ينطقون بها وتثبت بثباتهم ومن تدبر ما أشرنا إليه من انفصام عروة حضارة الأمة العربية وتخلفها في حلبة تنازع البقاء تخلص إلى ما لحق باللغة من عوامل الفناء التي دكت حصون ما كتب المتقدمون من مبتكرات الفرائح وطمست الألوف المؤلفة التي لا يأخذها الحصر من أسفار العلوم الجلائل أن كان بالإحراق كما وقع بمكاتب بغداد وفارس والإسكندرية والأندلس وغيرها أو بالاجتياح والنهب والإغراق في لجج لا يعرف لها درك ولا ساحل
بحيث لم يبق منها إلا الشيء النزر مما لا يتجاوز في الغالب علوم الدين ومما يتصل بها وإما ما سوى ذلك فلا يرى اليوم إلا في مكاتب الأعاجم وأكثره ابتيع من أيدينا وصار من مودعات الخزائن وبعضه قويض بكتب الخرافات والمجون وما يقابلها فأصبح في جملة الدفائن.
غير انه مهما يكن من أمر هذه الرزايا التي حلت بالأمة العربية فلو أنها بقيت ثابتة ومجدة في أشواط سلفها من الاشتغال بأسباب العلم ولاسيما في ما يتعلق منه بمسائل اللغة لأحيت من آثار أساطينها ما خففت به اليوم عن كتبتها ما يلاقونه من العي في التعبير لقعود اللغة
عن معايشتهم إلى مجاراة العصر الحاضر بالتأدية والتحبير بل لو اقتفت آثار الألوف من أولئك الدارسين والمصنفين ممن ضربوا في مناكب الأرض بحثا عما خبأته ذراتها من العناصر وما اشتملت عليه من المعادن والجواهر فوضعوا لها المسميات ونفضوا آفاق السماء تطلعاً إلى حقائق كواكبها وحركاتها فضبطوا ما اشتقوا لها من المصطلحات لخدمت العلم واللغة خدمةً لا يمحى ذكرها على تراخي الإعصار ولا تنقرض إلا بانقراض القرون والأجيال بل لو أنها تفانت في الحرص
على ما كان بينهما من استتباب الصلة الاجتماعية وتوحيد الكلمة القومية غير منصرفة إلى ما من شأنه إطفاء شعلة الآداب فيها وضرب الحواجز في سبيل نمو مداركها لنجت من تأثير عوامل الفاتحين لبلادها واستئثارهم بخصائصها الحسية والمعنوية التي أصبحت أثراً بعد عين كما ثبت الأمر لكل ذي عينين بل لصانت لغتها التي هي افصح ما اختلج به لسان واستدركت ما طرأ عليها من ألفاظ العجمية التي فشت في جميع البلدان إلى حد لم يكن يرى له مثيل في شيءٍ من لغات بني الإنسان غير أن الأمة تسربت من جوانب هذه الخطط الأدبية تسرب الماء من الإناء المثلم ونزعت عن هذه المناحي التي هي عنوان منزلة الشعوب الراقية إلى ما لا يعرف له منحى من غابر خمولها وتخاذلها حتى اختلط حابلها بنابلها فاستسلمت للقضاء المبرم الذي قذف بها وبعلومها ولغتها من أسمى ذرى الجلالة والعلاء إلى فيافي الضلالة والبلاء وسجل التاريخ في صحيفته البيضاء هذه الرزايا الدهماء وقامت لها قيامة الخطباء والشعراء وعلا من فوق المنابر ضجيج أصواتهم قياماً بواجب تأبين أمةٍ كانت دولة علومها رفيعة العماد فسيحة الظلال ورنت
المحافل بصدى الراثين للغتها التي فجعت بفجوع المتكلمين بها حتى بلغ أنين رثائهم عنان السماء.
ومذ ذاك العهد سقطت هذه اللغة الشريفة من عالم الأقلام وفسدت بفساد ألسنة الأعقاب فاتشحت عليها بالحداد أنديتها بل تحطمت أقفرت أوديتها وطال بها عهد السكون في عالم الدثور عدةً من القرون دون أن تجد من خلف أولئك الذين طالما حملوا منارها وبثوا أشعتها من اخطر للنظر فيها فكراً ولا أجرى لأمر بعثها ذكراً فكان أبواب الأبدية أوصدت في وجها لذنبٍ فاضحٍ اقترفته حتى حق عليها مثل هذا المنفى المفرط.
وقد توالت بعد ذلك الأحقاب والعصور واللغة لم تزل متسكعة في ديجور القبور إلى أن
مست الضرورة إلى تدارك هذه الحال فمن الله على العربية في النصف الأخير من القرن التاسع عشر ببضعة رجال هم على الحقيقة أولو عزم وحزم بل فحول من فحول بر الشام ومصر إلا وهم الشيخ ناصيف اليازجي. المعلم بطرس البستاني. الدكتور كرنيليوس فانديك. احمد فارس الشدياق. رفاعة بك الطهطاوي.
عبد الهادي نجا الابياري. فيحق لهؤلاء الزعماء الأماثل أن تدون أسماؤهم بمحلول من التبر في صفحات التاريخ إجلالا لقدرهم بل أحر بهم أن تقام الأنصاب لعلماء مثلهم تخليداً لذكرهم فانهم رحمهم الله لما عاينوا أن اللغة العربية في غمراتٍ هي بالموت أشبه منه بالرقاد شدوا لها مئزر الإخلاص واندفعوا بفواعل قلما يحلم الدهر بمثلها إلى إنهاضها من رمسها وأحياء ما درس من معالمها فعطفوا على التأليف السديدة المنهج من علومها وآدابها بما تقصر بجانبها التأليف العصرية مما في بابها لأنهم استقصوا أطرافها وأحاطوا بأصولها وفروعها فجاءت آيةٍ في البراعة والبيان. ثم تناولوا بعد التحري والتنقيب طائفة من انفس ما وصل إليهم من كتب ورسائل المتقدمين من فحول علماء الأدب ممن أبدعوا في صناعتي النثر والنظم وأجادوا فوقفوا على بعضها ونزهوها عن شوائب اللبس والتحريف اللاحقة بها من قبل النساخ حتى أعادوا إلى مطرد انسجامها وذيلوا بعضها برخيم الحواشي فاستبطنوا دقائق أغراضها ومكنون فرائدها وعلقوا التفاسير على مغلق ألفاظها حتى برزت كالصبح وضوحاً وجلاءً. وإذ لم يقضوا نهمتهم من تمثيلها
أذاعتها بين ظهراني الأمة تصدوا لتدريسها بأنفسهم لطلبة العلم من تلامذة المدارس فلقنوهم إياها أجزاءً وقربوا مداركهم من استيعابها فاستضاءت بصائرهم بنبراسها وتأدب عليهم كثير من نوابغ العصر وجلة الكتبة ممن أزهرت بهم تلك الثغور وابتسمت وحفلت بمطابعها ومكاتبها وانتشرت.
غير انك لا تجدهم قد اقتصروا على هذا القدر من الاشتغال بأسباب العلوم وفنون الآداب العربية بل انهم عمدوا إلى إنشاء الصحف والمجلات التي كانت من أعون الذرائع الموصلة إلى سرعة انتشارها بين طبقات الناس فأيقظت الهمم من غفلتها وهبت بالفطن من ضجعتها وتهافت القوم على تلاوتها ومطالعتها. ولم تكد ترى أولئك الأسود الأفاضل زعماء هذه النهضة العلمية والحركة الفكرية دائبين في مزاولة هذه الوجهة الأدبية شاحذين لها العزائم الماضية مستنزفين أيامهم في توطيد شانها دون أن يكترثوا بما طوروا من
مراحل الحياة وما انتهوا منها حتى زفوا إليها من أشبالهم وذوي قرباهم أن ممن وردوا شرعتهم واقتبسوا من علومهم وان من أولئك المجيدين في
صناعة الأدب من خريجي المدارس الآخر التي كثرت في عهد هذه النهضة العلمية واتسع نطاقها ما يدعو إلى التنويه بذكرهم والإشادة ببيض أياديهم.
فمن لنا بإمام من أئمة علماء هذا العصر تنقاد لبادرته دقائق الوصف لنشد إليه الرحال فيميط لنا اللثام عما أوتيه الشيخ إبراهيم ابن الشيخ ناصيف اليازجي من التفوق بل التناهي في إبداع أساليب الكلام والغوص على درر المعاني التي مثلها للأبصار تمثيلاً تفرد به عن الأشباه والنظراء بل مصاقع الخطباء ومتفنني الشعراء حتى نكب به عن طريق أبي تمام فانتهت إليه عن استحقاقٍ تام الرئاسة بين حملة العلم والأقلام. إنما ما لنا والضرب في مثل هذه البيداء وتحمل مشاق التكليف للبلوغ إلى من أوتى فصل الخطاب وهاهو ذا بين أظهرنا من تأليفه في فنون اللغة والآداب ما تكاد تحتجب بازائها الأنوار والأضواء والبيان والضياء التي دوى صدى شهرتها في كل قطر وناد ما تقف دون مجاراتها سوابق أفكار المبرزين في علم الإنشاء وكيف
لا وقد نهج من طريق الكتابة في ابرز المبتكرات ما كشف لنا النقاب عن مخدرات الأفكار واحدث من مذاهب التلاعب في قوالب اللفظ ما يحمل المطالع إلى التصور أن ذهنه عالم الصنع والإبداع. على انه أن وجد من يرتاب في مثل هذه المقررات البديهيات فما عليه إلا أن يسرح رائد الطرف فيما كتب فيها من مواضيعه المستفيضة المترامية الأغراض الجامعة لأصول العلم وفروعه المعنونة باللغة والعصر المجاز لغة الجرائد، أغلاط العرب، أغلاط المولدين، أغلاط لسان العرب، الشعر التعريب، وغير ذلك من المواضيع الجليلة في انتقاد ذخائر المتقدمين وتذليل بعضها فيجد هنالك من الإحاطة بأسرار اللغة وآدابها وسبر غور حالاتها وأطوارها ما لم يباره مبارٍ فيها بل إذا استقرينا ما جاء بين تضاعيف تلك المواضيع مما كتب من المقالات المحيرة في القمر والزهرة والمشتري نراه قد نهج فيها من جديد الوصف بل غرر البدائع ورشيق الاستعارات وضروب المجاز والكنايات التي لم يسبقه إليها سابق ما حق له أن يلفظ بقطب أفلاكها دون أن ينازعه فيه منازع وعلى الإجمال فانه أثابه الله أقام نفسه ترساً منيعاً وقى
به اللغة وفنونها من هجوم الأقلام المعتسفة فأفنى حياته في خدمتها وجدد من رسوم
فصاحتها وبلاغتها ما يكاد يسترد لها سابق أبهتها ورفيع شرفها.
ولما كان القيام باستيفاء الكلام عن جميع نصراء علوم العربية من العلماء الأفاضل والكتاب القرح الأماثل الذين رفعوا بتأليفهم ومنشوراتهم منار الفصاحة النعمانية وشيدوا الصروح الفخيمة للبلاغة المقفعية مما لا يضطلع بأعبائه وصف واصف فضلاً عن انه يتجاوز نطاق هذا الموقف لم تجد بداً من الإضراب عن الخوض في مثل هذا العباب الواسع الاكناف والاكتفاء بالإشارة إلى ذكر بعضهم على قدر ما تعين عليه الحافظة. ولكننا نستطرد في هذا المقام إلى أيراد أولئك الأفاضل الذين قد تقطعت أوتار أقلامهم على اثر إجابتهم إلى دعوة ربهم وهم محمد عبده، نجيب الحداد، إبراهيم المويلحي، الدكتور بشارة زلزل، الشيخ خليل اليازجي عبد الرحمن الكواكبي الشيخ محمد محمود الشنقيطي بطرس كرامة أديب بك، اسحق نصر الهوريني رشيد الشرتوني وسواهم ممن طوتهم الأيام
ولكن نفثات أقلامهم باقية على توالي الأعوام سقى الله يصيب الرحمة تربتهم واجزل في دار النعيم ثوابهم.
وأما الجهابذة الذين ما فتئوا حتى الآن متفانين في نصرة اللغة عاقدين الخناصر على الدفاع عن حياض علومها فهم سليمان البستاني، نجيب البستاني، نسيب البستاني، الأب شيخو اليسوعي، سليم بك عنجوري، سعيد الخوري الشرتوني، احمد زكي باشا قسطاكي بك الحمصي، ولي الدين يكن، الدكتور شلبي شميل، خليل المطران، حافظ إبراهيم، احمد شوقي، نقولا الحداد، جماعة من بيت المعلوف مصطفى صادق الرافعي، يوسف جرجس زخم، توفيق اليازجي، خليل سركيس، مجلة المقتطف، مجلة الهلال، مجلة المقتبس (الخ). وعلى أثرهم نذكر أيضاً الأعلام الذين نبغوا في بغداد من القرن الغابر وهم السيد محمود الالوسي، عبد الباقي العمري الأخرس وأما العالمان الفاضلان اللذان تثني بهما الأصابع، في هذا العصر اللامع، فهما الشيخ محمود شكري اللالوسي وجميل صدقي الزهاوي من قد استصبح أدباء العراق ببدر علمهما في المعضلات اللغوية وضربت إليهما
أكباد الإبل في المشكلات العقلية والنقلية بل طالما رن في الخافقين صدى تأليفهما فانبثقت أنوار العرفان من سماء محرابهما.
فهؤلاء الأفاضل وكثيرون غيرهم خواص أهل الأدب قد أذابوا أدمغتهم ولضنوا أجسادهم بل ضحوا حياتهم في أحياء رسوم اللغة وجمع شتيتها فأدركوا من علومها حظاً وسيعاً
وبلغوا من القبض على أعناق المعاني فسخروها تسخيراً تأتي لهم معه أن يطرسوا عل آثار السلف من واضعي هذه اللغة وعلى الجملة فانهم أغاروا على حصون أسرها وما لبثوا أن نسفوها نسفاً أهلهم من أن يظهروها بما انتهت إليه اليوم من مظاهر الحسن والجمال بل العز والكمال وهو السر في سرعة نموها وبلوغها إلى هذا الحد العجيب.
إلا انك مع ما ترى من انتعاش اللغة من كبوتها وإحياء ما اندرس من آثارها حتى بلغت آلة مثل هذا الطور طور ترعرها وريعان شبابها تجد من حين إلى آخر آراء لبعضهم في استبدالها وتنكرها مبسوطةً على صفحات الصحائف معززة بمقدمات ونتائج لم يكد يتناولها القلم والبرهان حتى يزيفها تزييفاً يلحقها بخبر كان ولعمر الحق
ما ندري ما الدواعي الباعثة إلى محاولة اقتحام مثل هذه العقبات المودية بشرف اللغة وطلاوة أسفارها إلى أحط الدركات ولقد طالما عرضت ضروب شتى من مثل هذه الاقتراحات وحيث إنها لم تلاق اكتراثاً ممن يعول عليهم في علوم اللغة طويت طيا بل لما انتبر اللغويون وتناصروا على دحضها بالحجج القواطع دحروها دحراً ولكنهم مع ما اثبتوا في أشهر الصحف البلاد التي هي مستودع ذخائر العلم والعلماء من وجوب التجافي عن مثل هذه الآراء والتنصل مما فيه تبخيس أو مساس باللغة فقد استأنف بعضهم هذه الكرة وعرض على أرباب العلم ما عن له من الرأي في تدوين جميع كلم البلاد العامة وان يعولوا فيها على تثبيت ما هو قريب من اللغة الفصحى ويعرضوا عن الأوضاع العامية والدخيلة القحة حتى إذا ألحقت بأصل اللغة واعتمدها جميع أهل الصحف ومؤافي الكتب حملوا قرائح العامة على فهمها وتقليدها فتغرب إذ ذاك شمس اللغة العامية بازائها ويسود تكلم الخاصة والعامة بها.
ولا يخفى أن الاضطلاع بجمع لغة البلاد العامية عقبة تكاد لا
تظفر بها أمنية بل أحر به كمن يطلب أمراً لا تبلغ إليه همة قصية لما انه من الأعمال التي لا يقوم بأعبائها إلا العدد العديد في الزمن المديد من الكتبة المحققين والأفاضل المدققين مع ما يستلزم من تفرغهم للاشتغال به دون سواه بحيث ربما يستغرق هذا العمل جيلا برمته ولم يفوزوا بنهايته وحسبنا برهاناً على هذا ما ورد عن المستشرق النحرير دوزي من مقال له في هذا المعنى ما تعريبه (. . فمن الواجب إذا إنشاء معجم للغةٍ غير فصيحة لكن اللغة العربية وآدابها غنية حتى انه يجب أعوام بل عصور تمضي قبل أن يشرع بمثل هذا المشروع وقد قال
لاين اللغوي الإنكليزي من الجهابذة لا يؤلف إلا ويقوم له جماعة عظيمة من علماء مبرزين مبثوثين في عدة مدن من ديار الإفرنج وتحت أيديهم مكاتب حافلة بكتب خط عربية ومنهم جماعة منتشرة في بلدان آسيا وأفريقية
شانهم شان أولئك المذكورين فيجمع جانب من اللغة من الكتب المخطوطة والجانب الآخر من أفواه الإعراب وان يتضافر لهذا المشروع علماء عارفون بعلوم المسلمين).
ثم على تسليمٍ أن استجماع مثل هذه المؤن والمهام ليس مما يحول دونه تعذر وعناء غير انه والحالة هذه مما يقتضي نفقات طائلة ذات موارد غير منقطعة فكيف يتسنى لمن يقومون بهذه الأعمال أن يأتوا بمثل هذا المال؟ وأين الرجال من أرباب الغنى واليسار من تستفزهم النخوة العربية وتستمطر برهم الغيرة على الآداب اللغوية فيدرون عليها من فيض نعمهم السنية؟ بل أين يا ترى من شكا من اللغة عجزاً أو تقصيراً بما يستطير الخواطر للأخذ بأسباب الولوج في مثل هذه الأبواب ومعاناة اقتحام هذه الأمور الصعاب؟ ولكن هي اللغة التي طالما وصفها الواصفون من جلة العلماء الناطقين بها ومشاهير المستشرقين من الدخلاء فيها بأنها اغزر الألسنة مادة وأوسعها تعبيراً وأبعدها للأغراض متناولاً وأطوعها للمعاني تصويراً وكفى الناظر أن يجيل طرفه بين ألواح معجماتها فانه يجد هنالك ما يغنيه
عن إفسادها بإدخال الألفاظ المتداولة فيها لما عنده من وفرة الكلم ومرادفاتها ما لو شاء أن يضع عدة طبقات متفاوتة المراتب من محض اللغة الفصحى مركبةً من انس الألفاظ وأسلسها لما وجد من ذلك ما هو أدنى إليه منالا وأطوع له انقياداً ومما لا يجد له مثيلاً في شيءٍ من هذا بين جميع اللغات المنتشرة على ألسنة البلاد.
اجل لا ننكر وجود لغةٍ صدعت في وضعها رؤوس أربابها لما بالغوا في نسجها من أوابد يعسر جمعها على العوام والخواص وفرائد غالية لكنها أشبه بدرر الغواص مما لا تخرق معانيها حس العامي فيقف بازائها قاصراً عن فهمها إلا أن مثل هذه اللغة قد أهملت من عهد عهيد ولم نجد لاستعمالها ظلا فيما بين أيدينا من التأليف الحديثة والكتابات المتداولة على ألسنة أرقى الصحف والمجلات التي أصبحت لغتها عذبة المورد خفيفة المحمل على سمع العامي وفهمه مما لو تسنى له استخدامها في معاملاته ومحادثاته لأنتسخت بازائها لغته الساقطة المبتذلة التي يمجها الذوق وينفر منها الطبع.
ولذا فإذا ثبت ذلك تبين أن الداء الذي أريد علاجه لاستئصال
شافة اللغة العامة ليس من الأدواء التي ينجع فيها اقتباس ألفاظٍ من أوضاعها وإلحاقها بأصل اللغة الفصحى فهذا الضرب من العلاج مما يشوه وجه الجمال وينكر أسلوب وضعها بل يزيد اخرق بذلك اتساعاً والطينة بلةً وقد سبق أولئك النوابغ من كتبة العصر الذين أشرنا إليهم واغنوا بسعة علمهم وفرط اطلاعهم وتنقيبهم جميع المتشوقين إلى الخوض في مثل هذا العباب وكفوهم مؤونة التطرق إلى مثل هذه الأبواب إنما علاجه اتخاذ لغة هؤلاء الأفاضل مناراً عالياً نقتفي به آثارهم وأستاذاً هادياً يؤهلنا من النسج فيه على منوالهم والإجماع على إدخالها مدارس الفتيان والفتيات كلها جمعاء بل مدارس الحكومة نفسها وان تعمم المكاتب في جميع أنحائها وتحمل الأمة قسراً على الانضمام إليها ولا يستثنى منها ذليل ساقط ولا ضئيل لاقط حتى إذا احكم أصول تلقين هذه اللغة وبثت أشعتها في فضاء الإفهام لا تلبث أن تبلغ منها على طرف الثمام فتسقط إذ ذاك اللغة العامية من عالم اللسان وتلحق بما سبقها من لغات القرون الخوالي.
ولقد كنا وقفنا على شيء مما تنبهت إليه الخواطر من هذا القبيل
وثارت على أثره حركة أرباب الصحف تتقاضى الحكومة لإبرازه من حيز القوة إلى عالم الفعل وانصرفت وجوه الأمة العربية استبشاراً لما من شانه تعزيز آخر ذخيرة تركها لها الدهر في عالم الوجود إلا انه ما عتمت الحوائل أن قضت قضاءها على ما جرى للحكومة في هذا الباب من المفاوضات فاندكت هذه الأماني الحيوية في عالم الأموات.
وعليه فإذا تقرر أن اللغة قد انتعشت من رقدتها وتجلت في مجالي عزها وجمالها وتأتي لحملة الأقلام من فصحائها استخدام فنونها ومحاسنها لزمهم ضرورة أن يقفوا بها عند هذا الحد من الاتساع والإبداع وينتقلوا إلى عطف النظر إلى مزاولة أمر الوضع فيها والأحداث وهذا ولا جرم من الأمور الحرية بأن تتظافر الآراء عليه وتتزاحم أعمدة الصحف في مقاضاته وينتدب للقيام به علماء العصر بأسرهم على تفاوت مراتب علمهم وتحصيلهم ويكون محل شغل شاغل لعقولهم في مثل هذا العصر الذي اتسعت فيه سبل التنقيب عن أسرار الطيبعة والتطلع إلى خفايا الكائنات بعد ما ظهر من المكتشفات التي نبهت أرباب العقول للإيغال فيها وكشف غوامضها وهتك حجب
رموزها وآثارها وليس بين معجمات
اللغة من الأوضاع ما يقوم بمباراة ذلك الغناء بل لم ير هناك ما يعين على أداء كثيرٍ من المعاني المدنية والعلمية مما كان ولا ريب متداولاً على ألسنة السلف وكتاباتهم في عهد حضارتهم وعز مدنيتهم لإغفال المدونين عن نقل كثير من أوضاعهم وبعد فلو كانت اللغة قد خلت من سنن وصيغ وضع الألفاظ فيها لوجد العلماء في ذلك عذراً يشفع بوقوفهم دون النزول إلى مثل هذا المضمار وأنى لهم مثل هذه الأعذار وقد سبق السابقون فمهدوا سبل استقراء أحكام الوضع واستنبطوا سره وقبضوا على قياده على ما يجدون ذلك مثبتا في محله.
وغير خافٍ أن مواضيع الخلل في اللغة من هذه الجهة قد لاحت طلائعه فان نهض اليوم علماؤنا والسراة ممن يهمهم صيانة لغتهم عن الفساد ووقفوا في سبيلها الأعمار ومطامعهم من المال وإلا فهذه لغتهم بعد زمنٍ يسير ستنحط من عالم الأقلام وتذهب كل مذهب من الخلط بين السماء والأرض وتصبح عرضة للناقدين من فحول المؤرخين وهدفا لسهام المنددين والمفندين.