الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأبو بكر، وعمر معه، فلما جلست بدأت بالثناء على الله تعالى، ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم دعوت لنفسي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سل تعطه، سل تعطه)) . رواه الترمذي.
{الفصل الثالث}
938-
(14) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى،
ــ
أو جالس ونحوه. (وأبوبكر وعمر معه) جملة أخرى معطوفة على الجملة الأولى وهي حال من فاعل "أصلي". (سل تعطه) الهاء إما للسكت كقوله "حسابيه"، وإما ضمير للمسؤول عنه لدلالة "سل" عليه. وفي الحديث مشروعية تقديم الحمد والصلاة قبل الدعاء في قعود التشهد ليكون وسيلة للإجابة، وهو يوافق ما روي عن ابن مسعود، قال: يتشهد الرجل، ثم يصلي على النبي، ثم يدعو لنفسه، أخرجه الحاكم بسند قوي، قال الحافظ في الفتح بعد ذكره: هذا أقوى شيء يحتج به للشافعي، فإن ابن مسعود ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم علمهم التشهد في الصلاة، وأنه قال: ثم ليتخير من الدعاء ما شاء، فلما ثبت عن ابن مسعود الأمر بالصلاة عليه قبل الدعاء دل على أنه اطلع على زيادة ذلك بين التشهد والدعاء، واندفعت حجة من تمسك بحديث ابن مسعود. (في التشهد) في دفع ما ذهب إليه الشافعي مثل ما ذكر عياض، قال: وهذا تشهد ابن مسعود الذي علمه له النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيه ذكر الصلاة عليه، وكذا قول الخطابي: إن في آخر حديث ابن مسعود: "إذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك"، لكن رد عليه بأن هذه الزيادة مدرجة، وعلى تقدير ثبوتها فتحمل على أن مشروعية الصلاة عليه وردت بعد تعليم التشهد-انتهى. (رواه الترمذي) في أواخر الصلاة من طريق محمود بن غيلان، عن يحي بن آدم، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن بهدلة، عن زر، عن ابن مسعود. وقال: حديث حسن صحيح، قلت: وأخرج أحمد في مسنده (ج1: ص25، 26، 38) من رواية عمر حديثاً طويلاً، وفيه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال يسمر عند أبي بكر الليلة كذاك في الأمر من أمر المسلمين، وأنه سمر عنده ذات ليلة وأنا معه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرجنا معه، فإذا رجل قائم يصلي في المسجد، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع قراءته، فلما كدنا أن نعرفه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سره أن يقرأ القرآن رطباً كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد. قال: ثم جلس الرجل يدعو، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: سل تعطه، سل تعطه- الحديث. وأخرجه ابن ماجه في فضل ابن مسعود في أواخر السنة عن الحسن بن علي الخلال، عن يحيى بن آدم، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود ما يتعلق بأمر القراءة فقط.
938-
قوله: (من سره) أي أعجبه. (أن يكتال) بفتح الياء أي يأخذ الأجر والثواب، فحذف ذلك للعلم به. وقيل بضم الياء، أي يعطي الثواب. (بالمكيال) بكسر الميم، وهو ما يكال به. (الأوفى) عبارة عن نيل الثواب الوافي على نحو قوله تعالى. {ثم يجزاه الجزاء الأوفى} [53: 41] . وفيه دليل على أن هذه الصلاة أعظم أجراً من غيرها، وأوفر
إذا صلى علينا أهل البيت، فليقل: اللهم صل على محمد النبي الأمي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته،
ــ
ثواباً. وفيه الترغيب العظيم إلى أن تكون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على تلك الصفة، وقد تقدم الكلام في ذلك فتذكر. وقيل: لو حلف أحد أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الصلاة فطريق البر أن يأتي بالصفة المذكورة في حديث كعب بن عجرة، أو أبي حميد، أو أبي سعيد الخدري عند البخاري؛ لأن تعليمه صلى الله عليه وسلم لأصحابه الكيفية بعد سؤالهم عنها يدل على أنها أفضل كيفيات الصلاة عليه؛ لأنه لا يختار لنفسه إلا الأشرف الأفضل، والذي يرشد إليه الدليل أن البر يحصل بما في حديث أبي هريرة هذا لقوله: من سر أن يكال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا-الحديث. (إذا صلى علينا أهل البيت) الأشهر فيه النصب على الاختصاص، ويجوز إبداله من ضمير "علينا" وقيل: هو عطف بيان منه فيكون مجروراً في هاتين الصورتين. (فليقل) قال الطيبي: قوله "إذا صلى" شرط، جزائه "فليقل" ويجوز أن يكون "إذا" ظرفاً والعامل "فليقل" على مذهب من قال: إن ما بعد الفاء الجزائية يعمل فيما قبلها كما في قوله تعالى: {لإيلاف قريش} [106: 1]، فإنه معمول لقوله:{فليعبدوا} . (النبي) بالإدغام، ويجوز فيه الهمزة، وهو فعيل بمعنى الفاعل أو المفعول من النبأ بمعنى الخبر، أو من النبوة بمعنى الرفعة، واللام هنا للعهد، واختير النبوة على الرسالة لعموم أحواله، أو للمبالغة، فإنه إذا كان يستحق الصلاة بصفة النبوة فبالأولى أن يستحق بصفة الرسالة. (الأمي) منسوب إلى الأم وهو الذي لا يكتب ولا يقرأ المكتوب، كأنه على أصل ولادة أمه بالنسبة إلى الكتابة وقراءة الخط. قال أبوالسعود: نسبة إلى الأم كأنه باقٍ على حالته التي ولد عليها لا يقرأ الخط ولا يكتب، وقد جمع مع ذلك العلوم الباهرة. قال تعالى:{وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون} [29: 48] . وقيل: نسبة إلى الأمة وهي أمة العرب، وذلك لأن العرب لا تحسب ولا تكتب، ومنه الحديث: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب. وقيل: نسبة إلى أم القرى، وهي مكة، والأول أولى، وكونه أمياً من أكبر معجزاته وأعظمها. قال السيد الغبريني المقري شارح البردة: إن كونه أمياً معجزة له كما قرروه، حتى لا يرتاب أحد في كلام الله، يرد عليه أنه لو تم قيل عليه: لم خلق أفصح الناس ولم يخلق غير فصيح؟ حتى يعلم أن ما يتلوه من الكلام المعجز ببلاغته ليس كلامه. قال الشهاب في الريحانة: قوله هذا ليس بشيء؛ لأن الأمية سابقة في أكثر فصحاء العرب، وهم في غناء عن الكتابة، وأما عدم الفصاحة فلكنة وعيب عظيم، منزه عنه، عال مقامه، وطاهر فطرته وجوهر جلبته-انتهى. وهل صدر عنه ذلك في كتابة صلح الحديبية كما هو ظاهر الحديث المشهور أو أنه لم يكتب؟ وإنما أسند إليه مجازاً، وقيل: إنه صدر عنه ذلك على سبيل المعجزة، وتفصيله في فتح الباري. (وأزواجه) أي نساءه الطاهرات. (أمهات المؤمنين) أي من جهة التعظيم والتكريم. (وذريته) أي أولاده وأحفاده، قال في المجمع: الذرية اسم
وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد)) . رواه أبوداود.
939-
(15) وعن علي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((البخيل الذي من ذكرت عنده فلم يصل علي)) .
ــ
يجمع نسل الإنسان من ذكر وأنثى، وأصله الهمز فخفف وتجمع على ذريات وذراري مشدداً، وقيل أصلها من الذر بمعنى التفرق؛ لأن الله ذرهم في الأرض. (وأهل بيته) قال الطيبي: من عطف العام على الخاص على طريقة قوله تعالى: {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم} [15: 87] انتهى. والحديث قد استدل به القائلون بأن الزوجات من الآل، والقائلون بأن الذرية من الآل، وهو أدل على ذلك من حديث أبي حميد المتقدم لذكر الآل فيه مجملاً ومبنياً، قاله الشوكاني. (رواه أبوداود) عن موسى بن إسماعيل، عن حبان بن يسار الكلابي، عن أبي مطرف عبيد الله بن طلحة بن كريز، عن محمد بن علي الهاشمي. (أبي جعفر الباقر) عن المجمر، عن أبي هريرة. والحديث سكت عنه أبوداود، والمنذري. وقال الشوكاني: وقد اختلف فيه أبي جعفر، وأخرجه النسائي في مسند علي من طريق عمرو بن عاصم، عن حبان بن يسار الكلابي، عن عبد الرحمن بن طلحة الخزاعي، عن أبي جعفر، عن محمد بن الحنفية، عن أبيه علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ حديث أبي هريرة، وقد اختلف فيه على أبي جعفر، وعلى حبان بن يسار-انتهى. قلت: حبان بن يسار الكلابي، قال أبوحاتم عنه ليس بالقوي ولا بالمتروك. وقال ابن عدي: حديثه فيه ما فيه لأجل الاختلاط الذي ذكر عنه. وذكره البخاري في التاريخ وأعل حديثه، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبوداود: لا بأس به. وقال الحافظ: صدوق اختلط.
939-
قوله: (البخيل) أي الكامل في البخل كما يفيده تعريف المبتدأ. قال الشوكاني: تعريف المسند إليه يقتضي الحصر، فينبغي حمله على الكامل في البخل؛ لأنه بخل بما لا نقص عليه فيه ولا مؤنة، مع كون الأجر عظيماً، والجزاء موفوراً. قال الفاكهاني: وهذا أقبح بخل وشح لم يبق بعده إلا الشح بكلمة الشهادة. (الذي من) قال الطيبي: الموصول الثاني مقحم بين الموصول الأول وصلته تأكيداً، كما في قراءة زيد بن علي:{الذي خلقكم والذين من قبلكم} [2: 21] أي بفتح الميم- انتهى. (ذكرت) بصيغة المجهول. (عنده) أي ذكر اسمى بمسمى منه. (فلم يصل علي) ؛ لأنه بخل على نفسه حيث حرمها صلاة الله عليه عشراً إذا هو صلى واحدة، قاله المناوي. وقال القاري: فمن لم يصل عليه فقد بخل ومنع نفسه من أن يكتال بالمكيال الأوفى، فلا يكون أحد أبخل منه، كما يدل عليه رواية "البخيل كل البخيل"- انتهى. والحديث دليل على وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كلما ذكر، وهو مذهب طائفة من العلماء، منهم الطحاوي والحليمي، ويدل عليه أيضاً ما تقدم من حديث أبي هريرة بلفظ: رغم أنف رجل ذكرت عنده، الخ. وما روى من حديث كعب بن عجرة عند الحاكم
رواه الترمذي.
940-
(16) ورواه أحمد عن الحسين بن علي.
ــ
بلفظ: بعد من ذكرت عنده فلم يصل علي. ومن حديث جابر عند الطبراني مرفوعاً بلفظ: شقى عبدذكرت عنده فلم يصل علي. ومن مرسل قتادة عند عبد الرزاق: من الجفاء أن أذكر عند رجل فلا يصلي علي. ومن حديث عمار بن ياسر عند الطبراني بلفظ: من ذكرت عنده فلم يصل علي فأبعده الله. وله شواهد من حديث مالك بن الحويرث، وابن عباس، وعبد الله بن الحارث عند الطبراني أيضاً. قال الحافظ في الفتح: قد تمسك بهذه الأحاديث من أوجب الصلاة عليه كلما ذكر؛ لأن الدعاء بالرغم والإبعاد والشقاء، والوصف بالبخل والجفاء يقتضي الوعيد، والوعيد من علامات الوجوب، وأجاب عنها من لم يوجب ذلك بأنها خرجت مخرج المبالغة في تأكيد ذلك وطلبه، وفي حق من اعتاد ترك الصلاة عليه ديدناً-انتهى. قلت: ظاهر الأحاديث هو الوجوب كلما ذكر، وأما حملها على المبالغة وعلى من اتخذ ترك الصلاة عليه عادة فهو تأويل بعيد يأباه ظاهر الأحاديث الواردة في ذلك، وقد استدل أيضاً بهذه الأحاديث من قال بوجوب الصلاة عليه بعد التشهد الأخير؛ لأنها تدل على وجوب الصلاة عليه عند ذكره، وقد ذكر هو في التشهد، وهذا من أحسن ما يستدل به على هذا المطلوب. (رواه الترمذي) أي في الدعوات من طريق سليمان بن بلال عن عمارة بن غزية عن عبد الله بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن حسين بن علي بن أبي طالب عن علي بن أبي طالب. قلت: اختلف نسخ الترمذي في تعيين الصحابي ففي بعضها الحديث من مسند علي بن أبي طالب، وهكذا وقع في طبعات الهند، وكذا يظهر من كلام المنذري في الترغيب حيث ذكر الحديث من رواية الحسين بن علي بن أبي طالب وعزاه للنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم، ثم قال: والترمذي، وزاد في سنده علي بن أبي طالب، وقال" حديث حسن صحيح غريب" وكذلك عزاه إليه من حديثه النابلسي في الذخائر (ج3: ص14) ، والجزري في جامع الأصول (ج5: ص155) . وفي بعض النسخ للترمذي هو من مسند الحسين بن علي بن أبي طالب كما وقع عند غيره ممن أخرجه، ومنهم من جعل ذلك من اختلاف الرواة فقد قال ابن كثير في تفسيره بعد ذكر الحديث من المسند برواية الحسين بن علي: ورواه الترمذي من حديث سليمان بن بلال، ثم قال: هذا حديث حسن غريب صحيح، ومن الرواة من جعله من مسند الحسين بن علي، ومنهم من جعله من مسند علي نفسه-انتهى. قال الشيخ الألباني: وقد اختلف على عبد الله بن علي بن حسين في إسناده كما أخرجه إسماعيل القاضي مبسوطاً لكن الحديث صحيح فإن له شاهداً من حديث أبي ذر، وآخر عن الحسن البصري مرسلاً بسند صحيح عنه، أخرجها القاضي، وثالث من حديث أنس عزاه الفيروز آبادي للنسائي، وقال: وهذا حديث صحيح-انتهى.
940-
قوله: (ورواه أحمد)(ج1: ص201) . (وعن الحسين بن علي) بن أبي طالب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا رواه
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
941-
(17) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائياً أبلغته))
ــ
النسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم (ج1: ص549) وصححه ووافقه الذهبي، وابن السني في عمل اليوم والليلة والطبراني في الكبير وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة (ص14) قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث: أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم، وإسماعيل القاضي، وأطنب في تخريج طرقه، وبيان الاختلاف فيه من حديث علي ومن حديث ابنه الحسين، ولا يقصر عن درجة الحسن-انتهى. والحسين بن علي هو الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبوعبد الله المدني سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وريحانته من الدنيا، وأحد سيدي شباب أهل الجنة، ولد لخمس ليال خلون من شهر شعبان سنة أربع، وكانت فاطمة علقت به بعد أن ولدت الحسن بخمسين ليلة، وقد حفظ الحسين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى عنه، وأخرج له أصحاب السنن أحاديث يسيرة، ومناقبه كثيرة، استشهد بكربلاء يوم الجمعة، يوم عاشوراء سنة. (61) وله ست وخمسون سنة. وقد بسط الحافظ في تهذيب التهذيب (ج2: ص348- 353) وفي الإصابة (ج1: ص333: 334) قصة قتله، ثم قال: قد صنف جماعة من القدماء في مقتل الحسين تصانيف فيها الغث والسمين، والصحيح والسقيم، وفي هذه القصة التي سقتها غنى-انتهى.
940-
قوله: (من صلى علي عند قبري) أي في بيتي قريباً من قبري، هذا هو الظاهر لكنه غير ممكن اليوم، لكون بيت عائشة الذي هو مدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سد، وبنيت على القبر حيطان مرتفعة مستديرة حوله. لا يمكن لأجلها الدخول في الحجرة، والوصول إلى قرب القبر. وقيل: المراد في حجرتي مطلقاً، وهذا أيضاً غير مقدور. وقيل: المراد أعم من ذلك، أي ولو كان المصلي في المسجد خارج الحجرة، ولا يخفى ما فيه من الخدشات، وقد تقدمت الإشارة إليها في كلام الحافظ المقدسي، والعلامة السهسواني. (سمعته) أي سمعاً حقيقياً بلا واسطة. (ومن صلى علي نائياً) أي بعيداً عن قبري من نأي فلانا وعن فلان ينأى نأياً: بعد عنه. (أبلغته) بضم الهمزة على بناء المفعول من الإبلاغ، وفي بعض النسخ بلغته أي بصيغة المجهول مشدداً من التبليغ. قال المناوي: أي أخبرت به على لسان بعض الملائكة؛ لأن لروحه تعلقاً بمقره الشريف، وحرام على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، فحاله كحال النائم-انتهى. والضمير المنصوب راجع إلى مصدر "صلى" كقوله تعالى:{اعدلوا هو أقرب للتقوى} [5: 8] ، والحديث يدل على الفرق بين صلاة الحاضر عند قبره، وصلاة الغائب عنه، فيسمع صلاة المصلي عند قبره بنفسه، ويبلغ صلاة من صلى نائياً عنه، وقد استدل به على أن للصلاة عند قبره مزية وفضيلة على الصلاة من بعيد عنه، واحتج بذلك على استحباب زيارة قبره صلى الله عليه وسلم،
رواه البيهقي في شعب الإيمان.
ــ
وعلى ندب السفر لمجرد قصد الزيارة، لكن الحديث ضعيف جداً لا يجوز الاحتجاج به أصلاً لما عرفت ولما ستعرف. ولأن لفظ هذا الحديث مختلف، فاللفظ المذكور يدل على إثبات السماع عند القبر، وقد روي عن أبي هريرة نفسه ما يدل على عدم السماع عند القبر، فقد روى البيهقي في شعب الإيمان: أخبرنا أبوعبد الله الحافظ: حدثنا أبوعبد الله الصفار إملاء حدثنا محمد بن موسى البصري: حدثنا عبد الملك بن قريب: حدثنا محمد بن مروان- وهو يتيم لبني السدي- عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد يسلم علي عند قبري إلا وكل الله به ملكاً يبلغني وكفى أمر آخرته ودنياه، وكنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة". وقال أبوالحسين بن سمعون: حدثنا عثمان بن أحمد بن يزيد: حدثنا محمد ابن موسى: حدثنا عبد الملك بن قريب الأصمعي: حدثني محمد بن مروان السدي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى علي عند قبري وكل الله به ملكاً يبلغني، وكفى أمر دنياه وآخرته، وكنت له يوم القيامة شهيداً أو شفيعاً". وليس أحد من اللفظين أي اللفظ الدال على السماع عند القبر، واللفظ الآخر الدال على عدم السماع عند القبر أولى وأرجح من الآخر، فإن مدار الروايتين كلتيهما على محمد بن مروان السدي، وهو متروك الحديث، متهم بالكذب، فتساقطت الروايتان جميعاً. ولأن حديث أبي هريرة هذا قد عارضه أحاديث كثيرة حسنة، مروية في السنن، والمسانيد، والمعاجم، كحديث أبي هريرة عند أبي داود، وحديث الحسين بن علي بن أبي طالب، وحديث علي بن أبي طالب عند الضياء المقدسي ونحو ذلك، فإنها متفقة على أن من صلى عليه من أمته فإن ذلك يبلغه ويعرض عليه، سواء كان المصلي حاضرا عند قبره قريباً منه، أو غائباً بعيداً، وليس في شيء منها أنه يسمع صوت المصلي عليه بنفسه، إنما فيها أنه يعرض عليه ويبلغه من غير فرق بين القريب والبعيد. ولأنه ينافيه ما تقدم من النهي عن اتخاذ قبره عيداً، والأمر بالصلاة عليه حيث ما كان المصلي، ولأنه يخالفه حديث النهي عن شد الرحل إلا إلى ثلاثة مساجد؛ لأن تحصيل مزية الصلاة عليه عند قبره لا يتيسر لمن كان على مسافة بعيدة منه إلا بالسفر إليه. وقد نهى عن شد الرحل إلى بقعة غير المساجد الثلاثة. (رواه البيهقي في شعب الإيمان) وأخرجه أيضاً أبوبكر بن أبي شيبة، والعقيلي، والطبراني كلهم من رواية العلاء بن عمرو الحنفي، عن أبي عبد الرحمن، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال البيهقي: أبوعبد الرحمن هذا هو محمد بن مروان السدي فيما أرى، وفيه نظر-انتهى. قلت: هذا الحديث واه جداً لا يحتج به، فإن العلاء بن عمرو ضعيف، لا يجوز الاحتجاج به، وأبوعبد الرحمن محمد بن مروان السدي الصغير متروك الحديث، متهم بالكذب، وأخرجه أبوالشيخ في كتاب الثواب من رواية أبي معاوية عن الأعمش، وهو خطأ فاحش، وإنما هو محمد بن مروان السدي، وقد تفرد به. قال الحافظ محمد بن عبد الهادي المقدسي في الصارم المنكي: إسناده لا يحتج به فإنه لا يعرف إلا من حديث محمد بن مروان السدي الصغير عن الأعمش كما ظنه البيهقي، وما ظنه في هذا هو متفق عليه عند أهل
942-
(18) وعن عبد الله بن عمرو، قال:((من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم واحدة، صلى الله عليه وملائكته سبعين صلاة)) رواه أحمد.
ــ
المعرفة، وهو عندهم موضوع على الأعمش. وقال في (ص190) : هذا الحديث موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يحدث به أبوهريرة، ولا أبوصالح، ولا الأعمش، ومحمد بن مروان السدي متهم بالكذب والوضع، ورواه عنه العلاء بن عمرو الحنفي، ورواه عن العلاء جماعة. قال أحمد بن إبراهيم بن ملحان: حدثنا العلاء بن عمرو: حدثنا محمد بن مروان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائياً من قبري أبلغته". رواه العقيلي عن شيخ له، عن العلاء بن عمرو، وقال: لا أصل من حديث الأعمش، وليس بمحفوظ. ورواه الطبراني من رواية العلاء أيضاً، ولفظه:"من صلى علي من قريب سمعته، ومن صلى علي من بعيد أبلغته". وقد تكلم أبوحاتم بن حبان، وأبوالفتح الأزدي في العلاء بن عمرو، فقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به بحال، وقال الأزدي: لا يكتب عنه بحال، وقد روى بعضهم هذا الحديث من رواية أبي معاوية عن الأعمش، وهو خطأ فاحش، وإنما هو محمد بن مروان تفرد به، وهو متروك الحديث، متهم بالكذب. ثم ذكر كلام أئمة الجرح فيه مفصلاً. وبالجملة حديث أبي هريرة هذا ضعيف غاية الضعف، واهٍ، ساقط، بل لو ادعى أحد كونه موضوعاً لا يكون فيه شيء من المبالغة، والعجب من المصنف أنه أورد هذا الحديث من غير أن يذكر ما فيه من الكلام الموجب لسقوطه عن الاحتجاج والاستشهاد والاعتبار.
942-
قوله: (واحدة) أي صلاة واحدة (صلى الله عليه وملائكته سبعين صلاة) قد تقدم الجمع بين هذا وبين ما تقدم من حديث أبي هريرة مرفوعاً: من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشراً. وقيل: إن حديث أبي هريرة من باب الحسنات بعشر أمثالها. وهذا الحديث من قبيل مضاعفة الثواب، فيجوز من فضل الله تعالى أن يضاعف أكثر من ذلك إلى سبع مائة كما ورد في تضعيف أجر بعض الحسنات، وزيد هنا صلاة الملائكة وهم تابعون لأمر الله تعالى، فإذا صلى الله تعالى صلى كل شيء من مخلوقاته. وقال القاري: لعل هذا مخصوص بيوم الجمعة، إذ ورد أن الأعمال في يوم الجمعة بسبعين ضعف. (رواه أحمد) (ج2: ص172، 187) بإسناد حسن، قاله المنذري في الترغيب، وكذا حسنه الهيثمي في مجمع الزوائد (ج1: ص160) وفيه ابن لهيعة، وقد تقدم الكلام فيه، وتمام الحديث: فليقل عبد من ذلك أو ليكثر، والحديث وإن كان من كلام عبد الله بن عمرو لكنه في حكم المرفوع إذ لا مجال للاجتهاد في بيان ثواب الأعمال، ومقداره، وكيفيته، قال السخاوي في القول البديع بعد ذكر الحديث: رواه أحمد وابن زنجوية في ترغيبه بإسناد حسن، وحكمه الرفع إذ لا مجال للاجتهاد فيه.
943-
(19) وعن رويفع، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((من صلى على محمد، وقال: اللهم أنزله المقعد
المقرب عندك يوم القيامة. وجبت له شفاعتي)) . رواه أحمد.
944-
(20) وعن عبد الرحمن بن عوف، قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل نخلاً، فسجد، فأطال
السجود حتى خشيت أن يكون الله تعالى قد توفاه. قال: فجئت أنظر، فرفع رأسه، فقال: ما
لك؟ فذكرت له ذلك.
ــ
943-
قوله: (عن رويفع) بالتصغير، وهو ابن ثابت بن السكن الأنصاري المدني تقدم ترجمته. (من صلى على محمد، وقال) أي بعد الصلاة عليه، ففي الحديث الجمع بين الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم وسؤاله أن ينزله المقعد المقرب عنده يوم القيامة، فمن وقع منه ذلك استحق الشفاعة المحمدية وكانت واجبة له. (المقعد المقرب عندك) وصف المقعد بالمقرب باعتبار أن كل من كان فيه فهو مقرب عند الله فهو من قبيل وصف المكان بوصف المتمكن فيه، فعلى هذا "المقرب" اسم مفعول، ويجوز أن يكون اسم مكان، أي مقعد هو مكان التقريب، والقرب عنده، ثم قيل: هو المقام المحمود لقوله: (يوم القيامة) وقيل: المراد به الوسيلة التي هي أعلى درجة في الجنة، لا تكون إلا له صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا، المراد بيوم القيامة الدار الآخرة. (وجبت) أي ثبتت، ووقعت، وتحتمت بمقتضى وعدالله الصادق. (له شفاعتي) أي نوع من أنواع شفاعاته صلى الله عليه وسلم الخاصة ببعض أمته من رفع درجته أو نحوها. (رواه أحمد) (ج1:ص108) وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة (ص21) وفي سنده ابن لهيعة، وعزاه المنذري في الترغيب، والهيثمي في مجمع الزوائد (ج10:ص163) للبزار، والطبراني في الكبير، والأوسط. قال المنذري: وبعض أسانيدهم حسنة، وقال الهيثمي: وأسانيدهم حسنة.
944-
قوله: (حتى دخل نخلاً) أي بستان نخل، وفي رواية لأحمد (ج1:ص191) : فتوجه نحو صدقته، فدخل، فأسقبل القبلة، فخر ساجداً، وفي رواية لأبي يعلى: خرجت على أثره فوجدته قد دخل حائطاً من الأسواف – وهو بالفاء موضع بالمدينة – فتوضأ، ثم صلى ركعتين، فسجد سجدة، فأطال السجود. (فسجد) أي سجدة كما في رواية أبي يعلى. (قد توفاه) أي قبض نفسه فيها: ففي رواية أحمد المتقدمة: فأطال السجود حتى ظننت أن الله عزوجل قبض نفسه فيها. (قال) أي عبد الرحمن. (فجئت أنظر) هل هو حي أو ميت، وفي رواية أحمد فدنوت منه. (فرفع رأسه) أي من السجدة. (فقال) أي صلى الله عليه وسلم. (مالك؟) أي أى شيء عرض لك حتى ظهر أمارة الحزن والفزع عليك؟ وفي الرواية المذكورة من هذا؟ فقلت: عبد الرحمن. قال: ما شأنك. (فذكرت له ذلك) أي الخوف المرادف للخشية التي مستفادة من خشيت، وفي الرواية المتقدمة: قلت يا رسول الله! سجدت سجدة خشيت أن يكون الله عزوجل قد قبض نفسك فيها.
قال: فقال: إن جبرئيل عليه السلام قال لي: ألا أبشرك أن الله عزوجل يقول لك: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه) رواه أحمد.
945-
(21) وعن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال:((إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يعد منه شيء حتى تصل على نبيك))
ــ
(ألا أبشرك أن الله عزوجل) بفتح "أن" وقيل: بكسرها؛ لأن في البشارة معنى القول. (من صلى عليك) أي صلاة (صليت عليه، ومن سلم عليك) . أى سلاماً. (سلمت عليه) زاد في الرواية المتقدمة: فسجدت لله شكراً، وقد تقدم ذكر الأحاديث المفسرة المصرحة بأن الله تعالى يصلي على من صلى على رسوله صلى الله عليه وسلم مرة واحدة عشرة صلوات. (رواه أحمد) (ج1:ص191) قال الهيثمي: ورجاله ثقات، وأخرجه أيضاً الحاكم، وقال: صحيح الإسناد. ورواه أيضاً إسماعيل القاضي (ص5، 6) والبيهقي (ج2:ص370) وابن أبي الدنيا، وأبويعلى، ولفظه: قال كان لا يفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم منا خمسة أو أربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما ينوبه من حوائجه بالليل والنهار، قال فجئته وقد خرج، فأتبعته، فدخل حائطاً من حيطان الأسواف، فصلى فسجد، فأطال السجود، فبكيت، وقلت: قبض الله روحه، قال فرفع رأسه فدعاني، فقال: مالك؟ فقلت: يارسول الله! أطلت السجود، قلت: قبض الله روح رسوله لا أراه أبداً. قال: سجدت شكراً لربي فيما أبلاني في أمتي، من صلى على صلاة من أمتي كتب الله له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، لفظ أبي يعلى. وقال ابن أبي الدنيا: من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشراً. وفي إسنادهما موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف. ورواه أيضاً إسماعيل القاضي بنحو أبي يعلى، وفيه أيضاً موسى بن عبيدة الربذي.
945-
قوله: (لا يصعد) بفتح الياء. (منه) أي من الدعاء جنسه. (حتى تصلي على نبيك) قال الطيبي: يحتمل أن يكون من كلام عمر رضي الله عنه فيكون موقوفاً، وأن يكون ناقلا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فحينئذٍ فيه تجريد، جرد صلى الله عليه وسلم من نفسه نبيا وهو هو، وعلى التقديرين للخطاب عام، لا يختص بمخاطب دون مخاطب، والأنسب أن يقال: النبي مشتق من النبوة بمعنى الرفعة، أي لا يرفع الدعاء إلى الله تعالى حتى يستصحب الرافع معه، يعني أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هي الوسيلة إلى الإجابة-انتهى. والحديث يقوي قول من ذهب إلى وجوب الصلاة في قعود التشهد الأخير. قال ابن العربي: ومثل هذا يقال من قبل الرأى فيكون له حكم الرفع-انتهى. قال الحافظ: وورد له شاهد مرفوع في جزء الحسن بن عرفة أخرج العمري في عمل يوم وليلة عن ابن عمر بسند جيد، قال: لا تكون صلاة إلا بقراءة، وتشهد، وصلاة علي. وأخرج البيهقي في الخلافيات بسند قوي عن الشعبي، وهو من كبار التابعين. قال: من لم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد فليعد صلاته. وأخرج الطبري بسند صحيح عن مطرف بن عبد الله بن الشخير وهو من كبار التابعين، قال: كنا نعلم