الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أنه يخفى على شيء مما تصنعون، والله إني لأرى من خلفي كما أرى من بين يدي)) رواه أحمد.
(11) باب ما يقرأ بعد التكبير
{الفصل الأول}
818-
(1) عن أبي هريرة، قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتة.
فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله!
ــ
تظنون (مما تصنعون) أي في صلاتكم (إني لأرى) أي أيصر، أي في حال الصلاة (من خلفي) بحرف الجر. قال القاري: وفي نسخة بمن الموصولة. (كما أرى من بين يدي) بكسر "من" وجر "بين" وفي نسخة بفتح "من" ونصب "بين يدي" على الظرفية، قال القاري. قيل: هذه رؤية قلب، وقيل: وحي أو إلهام. والصواب أنه رؤية مشاهدة بالبصر. قال الشيخ عبد الحق الدهلوي في اللمعات: الصواب أنه محمول على ظاهره، وأن هذا الإبصار إدراك حقيقي بحاسة العين: خاص به صلى الله عليه وسلم على خرق العادة، فكان يرى من غير مقابلة -انتهى. وفي معنى هذا خبر الصحيحين عن أبي هريرة أيضاً: هل ترون قبلتي ههنا، فوالله ما يخفى على ركوعكم ولا سجودكم، إني لأراكم من وراء ظهري. وفيه أيضاً رواية لمسلم عن أنس: أيها الناس! إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، فإني أراكم من أمامي ومن خلفي. قال النووي: قال العلماء: معناه أن الله تعالى خلق له صلى الله عليه وسلم إدراكاً في قفاه يبصر به من ورائه، وقد انخرقت العادة له صلى الله عليه وسلم بأكثر من هذا، وليس يمنع من هذا عقل ولا شرع، بل ورد الشرع بظاهره فوجب القول به. قال القاضي: قال أحمد بن حنبل وجمهور العلماء: هذه الرؤية رؤية عين حقيقة-انتهى. (رواه أحمد) وأخرجه أيضاً ابن خزيمة في صحيحه والحاكم في المستدرك (ج1: ص236) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
(باب ما يقرأ بعد التكبير) الأولى باب ما يقول أو يقال بعد التكبير ليشمل دعاء الافتتاح، ولعله أراد به التغليب، والمراد التكبير الذي للاحرام، قاله القاري.
818-
قوله: (يسكت) قال التوربشتي: ضبطناه بفتح أوله وضم ثالثه، من السكوت. وحكى الكرماني عن بعض الروايات بضم أوله من الإسكات. قال الجوهري: تكلم الرجل ثم سكت - بغير ألف- إذا انقطع كلامه فلم يتكلم، قلت أسكت (إسكاته) بكسر الهمزة بوزن إفعالة من السكوت، وهو من المصادر الشاذة إذ القياس سكوتاً، وهو منصوب مفعولاً مطلقاً، والمراد به ههنا السكوت عن الجهر لا عن مطلق القول، أو عن قراءة القرآن لا عن الذكر، وإلا فالسكوت الحقيقي ينافي القول، فلا يصح السؤال بقوله:"ما تقول" أي في سكوتك. (بأبي أنت وأمي) الباء متعلقة بمحذوف.
إسكاتك بين التكبير وبين القراءة ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياى كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطاياى كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم أغسل خطاياى بالماء والثلج والبرد)) متفق عليه.
ــ
قيل: هو اسم فيكون ما بعده مرفوعاً تقديره "أنت مفدى" بأبي وأمي"، وقيل: هو فعل أي فديتك بهما، وما بعده منصوب وحذف هذا المقدر تخفيفاً لكثرة الاستعمال وعلم المخاطب. (إسكاتك) بكسر أوله (ما تقول؟) أي في سكوتك عن الجهر. قال المظهر: قوله: "إسكاتك" بالنصب مفعول فعل مقدر أي أسألك إسكاتك ما تقول فيه؟ أو في إسكاتك ما تقول؟ بنزع الخافض، وقال الحافظ: والذي في روايتنا بالرفع للأكثر، وأعربه مبتدأ لكنه لم يذكر خبره، وروي بفتح الهمزة وضم السين على الاستفهام، وقوله "ما تقول" يشعر أنه فهم هناك قولاً فإن السؤال وقع بقوله "ما تقول" ولم يقع بقوله "هل تقول" والسؤال "بهل" مقدم على السؤال "بما". ولعله استدل على أصل القول بحركة الفم كما ورد في استدلالهم على القراءة في السر باضطراب لحيته، قاله ابن دقيق العيد (اللهم باعد بيني وبين خطاياى) أي بين أفعال لو فعلتها تصير خطايا، فالمطلوب الحفظ وتوفيق الترك، أو بين ما فعلتها من الخطايا والمطلوب المغفرة. قال ابن دقيق العيد: المراد بالمباعدة محو ما حصل منها وترك المؤاخذة بها، أو المنع من وقوعها والعصمة منها. وفيه مجازان: أحدهما استعمال المباعدة في ترك المؤاخذة أو في العصمة منها، وحقيقة المباعدة إنما هي في الزمان والمكان. الثاني استعمال المباعدة في الإزالة بالكلية مع أن أصلها لا يقتضي الزوال، وليس المراد ههنا البقاء مع البعد ولا ما يطابقه من المجاز. (كما باعدت) أي كتبعيدك (بين المشرق والمغرب) أخرجه مخرج المبالغة؛ لأن المفاعلة إذا لم تكن للمغالبة فهي للمبالغة، وموقع التشبيه أن التقاء المشرق والمغرب مستحيل، فكأنه أراد أن لا يقع منها اقتراب بالكلية، والمعنى أمح ما حصل من خطاياى، وحل بيني وبين ما يخاف من وقوعه حتى لا يبقى لها منى اقتراب بالكلية. (نقني) بتشديد القاف من التنقية (كما ينقى) بصيغة المجهول (الثوب الأبيض من الدنس) بفتح الدال والنون فسين مهملة، أي الدرن والوسخ، وهذا مجاز عن إزالة الذنوب ومحو أثرها بالكلية، أي طهرني منها بأتم وجه وأوكدها. وشبه بالثوب الأبيض لأن الدنس فيه أظهر من غيره من الألوان. (اللهم اغسل خطاياى بالماء والثلج) بسكون اللام (والبرد) بفتحتين جمع بردة، ماء الغمام يتجمد في الهواء البارد ويسقط على الأرض حبوباً. قال الخطابي: هذه أمثال ولم يرد أعيان هذه المسميات، وإنما أراد بها التأكيد في التطهير والمبالغة في محوها عنه. وقيل: خص الثلج والبرد بالذكر؛ لأنهما ماءان مفطوران على خلقتهما لم يستعملا ولم تنلهما الأيدي، ولم تخضهما الأرجل كسائر المياه التي خالطت التراب، وجرت في الأنهار، وجمعت في الحياض، فهما أحق بكمال الطهارة. وقال ابن دقيق العيد: عبر بذلك عن غاية المحو أعنى بالمجموع، فإن الثوب الذي تكرر عليه
819-
(2) وعن علي رضي الله عنه قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة-
ــ
التنقية بثلاثة أشياء منقية يكون في غاية النقاء. قال: ويحتمل أن يكون المراد أن كل واحد من هذه الأشياء مجاز عن صفة يقع بها المحو. ولعل ذلك كقوله تعالى: {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا} [2: 286] فكل واحدة من هذه الصفات أعني العفو والمغفرة والرحمة لها أثر في محو الذنب، فعلى هذا الوجه ينظر إلى الأفراد ويجعل كل فرد من أفراد الحقيقة دالاً على معنى فرد مجازي، وفي الوجه الأول لا ينظر إلى أفراد الألفاظ بل يجعل جملة اللفظ دالة على غاية المحو للذنب-انتهى. وقال الطيبي: يمكن أن يكون المطلوب من ذكر الثلج والبرد بعد الماء شمول أنواع الرحمة والمغفرة بعد العفو؛ لإطفاء حرارة عذاب النار التي هي في غاية الحرارة، ومنه قولهم: برد الله مضجعه، أي رحمه ووقاه عذاب النار-انتهى. ويؤيده ورود وصف الماء بالبرودة في حديث عبد الله بن أبي أوفى عند مسلم، وكأنه جعل الخطايا بمنزلة نار جهنم لكونها مسببة عنها، فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل، وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقياً عن الماء إلى أبرد منه. وقال الكرماني: يحتمل أن يكون الدعوات الثلاث إشارة إلى الأزمنة الثلاثة، فالمباعدة للمستقبل، والتنقية للحال، والغسل للماضي-انتهى. وكان تقديم المستقبل للاهتمام بدفع ما سيأتي قبل رفع ما حصل. ثم إن أمثال هذا السؤال منه صلى الله عليه وسلم من باب إظهار العبودية وتعظيم الربوبية، وإلا فهو مع عصمته مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر لو كان هناك ذنب. وقيل: إن الاستغفار له زيادة خير، والمغفرة حاصلة بدون ذلك لو كان هناك ذنب. وفيه إرشاد للأمة إلى الاستغفار، وقد ورد الأمر بذلك الدعاء في حديث سمرة عند البزار. والحديث يدل على مشروعية دعاء الافتتاح بعد التحريم قبل القراءة بالفرض والنفل خلاف للمشهور عن مالك، وورد فيه أيضاً حديث:"وجهت وجهي" إلى أخره، وهو عند مسلم من حديث علي، قيل: يخير العبد بين هذا الدعاء والدعاء الذي في حديث علي، وسيأتي الكلام فيه في الفصل الثاني. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه.
819-
قوله: (إذا قام إلى الصلاة) أي مكتوبة كانت أو نافلة، فإنه ليس فيه ما يدل على كون هذا الذكر مخصوصاً بالنوافل دون الفرض. وقد روى أيضاً هذا الحديث الترمذي وأبوداود والنسائي وابن حبان والدارقطني والشافعي، وليس في رواية لهؤلاء المخرجين أنه كان في صلاة الليل، بل وقع في رواية للترمذي وأبي داود:"إذا قام إلى الصلاة المكتوبة" ووقع في رواية للدارقطني: "إذا ابتدأ الصلاة المكتوبة". وقال الشوكاني: وأخرجه أيضاً ابن حبان وزاد: "إذا قام إلى الصلاة المكتوبة" وكذلك رواه الشافعي وقيده أيضاً بالمكتوبة وكذا غيرهما، فالقول بأن هذا الذكر مخصوص بصلاة التطوع ولا يكون مشروعاً في الفريضة كما هو مذهب الحنفية باطل جداً. وإيراد مسلم هذا الحديث في صحيحه في صلاة الليل لا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوله في التهجد دون الفرض ما لم يدل الحديث على ذلك كما لا يخفى
وفي رواية: كان إذا افتتح الصلاة- كبر، ثم قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين.
ــ
وأما ما وقع في حديث محمد بن مسلمة عند النسائي: "كان إذا قام يصلي تطوعا قال: الله أكبر، "وجهت وجهي" الخ. فليس فيه دليل على كونه مخصوصا بالتطوع لوجود التقييد بالمكتوبة في أكثر روايات علي رضي الله عنه، ولا منافاة بينهما؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يقول هذا الذكر في الفريضة وصلاة الليل كلتيهما، فقال علي في روايته: "إذا قام إلى الصلاة المكتوبة" وقال محمد بن سلمة: "إذا قام يصلي تطوعا" وأجاب بعض الحنفية عن الروايات التي فيها التقييد بالمكتوبة بأنه كان في أول الأمر كما في شرح المنية لابن أمير الحاج، وفيه أن هذا ادعاء محض لا دليل عليه، فهو مردود على قائله. (وفي رواية: كان إذا افتتح الصلاة كبر ثم قال: وجهت) هذا صريح في أن هذا الذكر بعد تكبير التحريمة لا كما ذهب إليه المتأخرون من الحنفية وغيرهم من أنه قبل التكبير ليكون أبلغ في إحضار القلب وجمع العزيمة، وقولهم هذا مما لا أصل له في السنة، بل هو منابذ للسنة الصحيحة الثابتة. لأن الثابت في الأحاديث التوجيه في الصلاة أي بعد التحريمة لا قبلها. (وجهي) بسكون الياء وفتحها أي توجهت بالعبادة بمعنى أخلصت عبادتي لله، وقيل: صرفت وجهي وعملي ونيتي، أو أخلصت وجهتي وقصدي. (للذي فطر السموات والأرض) أي ابتدأ خلقهما من غير مثال سبق (حنيفاً) حال من ضمير "وجهت" أي مائلاً إلى الدين الحق ثابتا عليه، قال الجزري: الحنيف المائل إلى الإسلام، الثابت عليه، والحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم عليه السلام، وأصل الحنف الميل. (وما أنا من المشركين) بيان للحنيف وإيضاح لمعناه. والمشرك يطلق على كل كافر من عابد وثن وصنم، ويهودي ونصراني ومجوسي ومرتد وزنديق وغيرهم. (إن صلاتي ونسكي) النسك - بضم النون والمهملة - الطاعة والعبادة وكل ما تقرب به إلى الله تعالى، وعطفه على الصلاة من عطف العام على الخاص (ومحياي ومماتي) أي حياتي ومماتي، ويجوز فتح الياء فيهما وإسكانهما، والأكثرون على فتح ياء محياي، وإسكان مماتي (لله) أي هو خالقهما ومقدرهما، أو هو المالك لهما والمختص بهما لا تصرف لغيره فيهما. وقيل: طاعات الحياة والخيرات المضافة إلى الممات كالوصية والتدبير، أو ما أنا عليه من العبادة في حياتي وما أموت عليه خالصة لوجه الله. (رب العالمين) بدل أو عطف بيان؛ أي مالكهم ومربيهم وهم ما سوى الله على الأصح. (لا شريك له) هو تأكيد لقوله: "رب العالمين" المفهوم منه الاختصاص. (وبذلك) أي بالتوحيد الكامل الشامل للإخلاص قولاً واعتقاداً. (وأنا من المسلمين) قال السندي: كأنه كان يقول أحياناً كذلك لإرشاد الأمة إلى ذلك ولإقتدائهم به فيه، وإلا فاللائق به صلى الله عليه وسلم "وأنا أول المسلمين" كما جاء في كثير من الروايات – انتهى. قلت: وقع في رواية أبي داود وكذا في رواية لمسلم. "وأنا أول المسلمين" أي من هذه الأمة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان أول مسلمي هذه الأمة. قال في الانتصار: إن غير النبي إنما يقول: "وأنا من المسلمين" وهو وهم
اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفرلي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت. لبيك وسعديك والخير كله في يديك، والشر ليس إليك.
ــ
منشأه توهم أن معنى "وأنا أول المسلمين" إني أول شخص اتصف بذلك بعد أن كان الناس بمعزل عنه، وليس كذلك، بل معناه بيان المسارعة في الامتثال لما أمر به، ونظيره {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} [43: 81] وظاهر الإطلاق أنه لا فرق في قوله: "وأنا من المسلمين"، وقوله:"أنا من المشركين" بين الرجل والمرأة، وهو صحيح على إرادة الشخص. وفي المستدرك للحاكم من رواية عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: قومي فاشهدي أضحيتك وقولي إن صلاتي ونسكي، إلى قوله "وأنا من المسلمين" فدل على ما ذكرناه (اللهم) أي يا الله! والميم بدل عن حرف النداء ولذا لا يجمع بينهما إلا في الشعر (أنت الملك) أي القادر على كل شيء، المالك الحقيقي لجميع المخلوقات (وأنا عبدك) أي معترف بأنك مالكي ومدبري وحكمك نافذ في (ظلمت نفسي) أي اعترفت بالتقصير. قدمه على سؤال المغفرة أدباً كما قال آدم وحواء عليهما السلام:{ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفرلنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} [7: 23] . (فاغفر لي ذنوبي) أي تقصيراتي (إنه) بالكسر استئناف فيه معنى التعليل والضمير للشأن (لا يغفر الذنوب) أي جميعها (واهدني لأحسن الأخلاق) أي أرشدني لأكملها وأفضلها، ووفقني للتخلق بها، وثبتني عليها (واصرف عني سيئها) أي قبيحها (لبيك) أي أقيم على طاعتك وامتثال أمرك إقامة متكررة. يقال: لب بالمكان لباً وألب إلباباً أي أقام به. وثنى هذا المصدر مضافا إلى الكاف، وأصل "لبيك" لبين حذفت النون للإضافة وأريد بالتثنية التكرير من غير نهاية (وسعديك) أي أسعد أمرك واتبعه إسعاداً متكرراً (والخير كله في يديك) معناه الإقرار بأن كل خير واصل إلى العباد ومرجو وصوله فهو في يديه تعالى (والشر ليس إليك) أي لا يضاف إليك على انفراده، فلا يقال: يا رب الشر، ويا خالق القردة والخنازير، ونحو هذا، وإن كان خالق كل شيء ورب كل شيء، ففيه الإرشاد إلى الأدب في الثناء على الله ومدحه بأن يضاف إليه محاسن الأمور دون مساوئها على جهة الأدب، وليس المقصود نفي شيء عن قدرته، أو إثبات شيء لغيره. وقيل: معنا الشر ليس مما يتقرب به إليك، بل هو سبب إبعاد، والتقدير: والشر ليس مقربا إليك. ولا بد من حذف لأجل خبر ليس فيقدر هنا خاصاً. وقيل: معناه: الشر لا يصعد إليك، فإنه إنما يصعد إليه الكلم الطيب والعمل الصالح. وقيل: معناه الشر ليس شراً بالنسبة إليك، فإنك خلقته لحكمة بالغة، وإنما هو شر بالنسبة إلى المخلوقين. وقيل: هذا كقول القائل: "فلان إلى بني تميم" إذا كان عداده فيهم أو صفوه معهم، حكى هذه الأقوال النووي. وقال:
أنا بك، وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك. وإذا ركع قال: اللهم لك ركعت، وبك أمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي. فإذا رفع رأسه قال: اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات والأرض وما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد. وإذا سجد قال: اللهم لك سجدت، وبك آمنت ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين. ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: اللهم اغفرلي ما قدمت وما أخرت،
ــ
إنه مما يجب تأويله؛ لأن مذهب أهل الحق أن كل المحدثات فعل الله تعالى وخلقه سواء خيرها وشرها. (أنا بك وإليك) أى توفيقي بك والتجائي وانتمائي إليك، أو وجودي بإيجادك، ورجوعي إليك، أو بك أعتمد، وإليك ألتجئ، أو نحو هذا الكلام (تباركت) أي أستحققت الثناء. وقيل: ثبت الخير عندك. وقال ابن الأنباري: تبارك العباد بتوحيدك. وقيل: تكاثر خيرك. وأصل الكلمة للدوام والثبوت (وتعاليت) أي ارتفع عظمتك وظهر قهرك وقدرتك على من في الكونين. وقيل: أي عن مشابهة كل شيء (لك ركعت، وبك آمنت) في تقديم الجار إشارة إلى التخصيص (ولك أسلمت) أي لك ذللت وانقدت، أو لك أخلصت وجهي (خشع) أي خضع وتواضع، وأقبل عليك أو سكن من قولهم: خشعت الأرض إذا سكنت واطمأنت (لك سمعي وبصري) خصهما من بين الحواس؛ لأن أكثر الآفات بهما، فإذا خشعتا قلت الوساوس (ومخي) بضم الميم وتشديد المعجمة. قال ابن رسلان: المراد به هنا الدماغ، وأصله الودك الذي في العظم وخالص كل شيء (وعصبي) العصب بفتحتين طنب المفاصل، وهو ألطف من العظم (فإذا رفع رأسه) أي من الركوع قال أي بعد قوله:"سمع الله لمن حمده" كما في رواية للترمذي (ملء السموات) بكسر الميم ونصب الهمزة بعد اللام ورفعها، والنصب أشهر صفة مصدر محذوف، وقيل: حال، أي حال كونه مالئاً لتلك الأجرام على تقدير تجسمه، والرفع على أنه صفة الحمد (وملء ما شئت من شيء بعد) بالبناء على الضم، أي بعد السموات والأرض وما بينهما كالكرسي والعرش وغيرهما مما لم يعلمه إلا الله. والمراد الاعتناء في تكثير الحمد (سجد وجهي) أي خضع وذل وانقاد (وصوره) زاد مسلم في رواية وأبوداود:"فأحسن صوره" وهو الموافق لقوله تعالى: {فأحسن صوركم} [40: 64] . (أحسن الخالقين) أي المصورين والمقدرين، فإنه الخالق الحقيقي المنفرد بالإيجاد والإمداد وغيره إنما يوجد صوراً مموهة ليس فيها شيء من حقيقة الخلق مع أنه تعالى خالق كل صانع وصنعته. {والله خلقكم وما تعملون} {والله خالق كل شيء} . (ثم يكون) أي بعد فراغه من ركوعه وسجوده (ما قدمت) من سيئة (وما أخرت) من عمل
وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني. أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت)) رواه مسلم. وفي رواية للشافعي:((والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، أنا بك وإليك، لا منجا منك ولا ملجأ إلا إليك، تباركت)) .
820-
(3) وعن أنس ((أن رجلاً جاء فدخل الصف، وقد حفزه النفس، فقال: الله أكبر، الحمدلله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال:
ــ
أي جميع ما فرط مني، قاله الطيبي: وقيل: ما قدمت قبل النبوة وما أخرت بعدها. وقيل: ما أخرته في علمك مما قضيته علي. وقيل: معناه إن وقع مني في المستقبل ذنب فاجعله مقروناً بمغفرتك. فالمراد من طلب المغفرة قبل الوقوع أن يغفر إذا وقع. (وما أسررت، وما أعلنت) أي جميع الذنوب؛ لأنها إما سر أو علن (وما أسرفت) أي جاوزت الحد (وما أنت أعلم به مني) أي من ذنوبي التي لا أعلمها عدداً وحكماً (أنت المقدم وأنت المؤخر) قال البيهقي: قدم من شاء التوفيق إلى مقامات السابقين، وأخر من شاء عن مراتبهم. وقيل: قدم من أحب من أوليائه على غيرهم من عبيده وأخر من أبعده عن غيره، فلا مقدم لما أخر، ولا مؤخر لما قدم. وقيل: أنت الرافع والخافض، والمعز المذل على ما تقتضيه حكمتك. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي مطولاً وابن ماجه مختصراً وابن حبان والدارقطني والشافعي. (والمهدي من هديت) أي لا مهدي إلا من هديته، وترك مقابله وهو لا ضال إلا من أضللته لما تقدم من مراعاة الأدب، أو هو من باب الاكتفاء بمقابله كقوله تعالى:{سرابيل تقيكم الحر} [16: 81](لا منجا) بالقصر لا غير. وهو مصدر ميمي أو اسم مكان، أي لا موضع ينجو به اللائذ (منك) أي من عذابك (ولا ملجأ) الأصل فيه الهمز، ومنهم من يلين همزته ليزدوج مع منجا، أي لا ملاذ عند نزول النوائب وحصول المصائب (إلا إليك) فإنك المفرج عن المهمومين، والمعيذ للمستعيذين. أو المراد "لا مهرب ولا مخلص ولا ملاذ لمن طالبته إلا إليك" والحديث يدل على مشروعية الاستفتاح بما في هذا الحديث. قال النووي: إلا أن يكون إماماً لقوم لا يرون التطويل. وفيه استحباب الذكر في الركوع، والسجود، والاعتدال، والدعاء قبل السلام.
820-
قوله: (وقد حفزه) بفتح الحاء المهملة والفاء والزاي المعجمة (النفس) بفتحتين، أي جهده النفس من شدة السعي إلى الصلاة. وأصل الحفز الدفع العنيف، قاله الخطابي. وقال النووي: أي ضغطه لسرعته (حمداً كثيراً) قال الطيبي: منصوب بمضمر يدل عليه الحمد، ويحتمل أن يكون بدلاً منه جارياً على محله. وقوله:(طيباً) وصف له، أي خالصاً عن الرياء والسمعة. وقوله:(مباركاً فيه) يقتضي بركة وخيراً كثيراً يترادف إرفاده، ويتضاعف إمداده. قال