المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

رواه مسلم. 1068- (10) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - جـ ٣

[عبيد الله الرحماني المباركفوري]

فهرس الكتاب

- ‌(10) باب صفة الصلاة

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(11) باب ما يقرأ بعد التكبير

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(12) باب القراءة في الصلاة

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(13) باب الركوع

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(14) باب السجود وفضله

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(15) باب التشهد

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(16) باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وفضلها

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(17) باب الدعاء في التشهد

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(18) باب الذكر بعد الصلاة

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(19) باب مالا يجوز من العمل في الصلاة وما يباح منه

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(20) باب السهو

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(21) باب سجود القرآن

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(22) باب أوقات النهي

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

- ‌(23) باب الجماعة وفضلها

- ‌{الفصل الأول}

- ‌{الفصل الثاني}

- ‌{الفصل الثالث}

الفصل: رواه مسلم. 1068- (10) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله

رواه مسلم.

1068-

(10) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أيما إمرأة أصابت بخوراً، فلا تشهد معنا العشاء الآخرة)) رواه مسلم.

{الفصل الثاني}

1069-

(11) عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تمنعوا نسائكم المساجد، وبيوتهن خير

لهن))

ــ

في رواية لمسلم: إذا شهدت إحداكن العشاء فلا تطيب تلك الليلة. قال النووي: معناه إذا أرادت شهودها، وأما من شهدتها ثم عادت إلى بيتها فلا تمنع من التطيب بعد ذلك- انتهى. ولعل التخصيص بالعشاء؛ لأن الخوف عليهن في الليل أكثر، ووقوع الفتنة فيه أقرب، أو لأن عادتهن استعمال الطيب في الليل لأزواجهن، والله تعالى أعلم. وفي الحديث دليل على أن الخروج من النساء إلى المساجد إنما يجوز إذا لم يصحب ذلك ما فيه فتنة كما تقدم. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد (ج6 ص363) والنسائي في الزينة والبيهقي في الصلاة (ج3 ص133) وأخرجه مالك بلاغاً عن بسر بن سعيد مرسلاً.

1068-

قوله: (أيما إمرأة أصابت بخوراً) بفتح الباء الموحدة وخفة الخاء المعجمة أخذ دخان المحروق. وقيل: هو ما يبتخر به ويتعطر كالسحور والفطور، والمراد هنا الرائحة الطيبة التي فاحت بإحراق البخور، ويلحق بالبخور ما في معناه من محركات الشهوة، وما كان ي تحريك الشهوة فوق البخور فهو داخل بالأولى. (فلا تشهد) بسكون الدال أي لا تحضر. (معنا العشاء الآخرة) ؛ لأنها وقت الظلمة، والعطر يهيج الشهوة فلا تأمن المرأة حينئذٍ من كمال الفتنة، فالتخصيص بالعشاء الآخرة لمزيد التأكيد، وقد تقدم أن مس الطيب يمنع المرأة من حضور المسجد مطلقاً. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أبوداود في الترجل والنسائي في الزينة والبيهقي في الصلاة كلهم من طريق عبد الله بن محمد أبي فروة عن يزيد بن خصيفة عن بسر بن سعيد عن أبي هريرة، قال النسائي: لا أعلم أحداً تابع يزيد بن خصيفة عن بسر بن سعيد على قوله عن أبي هريرة، وقد خالفه يعقوب بن عبد الله بن الأشج، رواه عن زينب الثقفية، ثم ساق حديث بسر عن زينب الثقفية من طرق - انتهى. وقد ذكر المنذري كلام النسائي هذا في مختصر السنن وأقرّه.

1069-

قوله: (وبيوتهن خير لهن) أي صلاتهن في بيوتهن خير لهن من صلاتهن في المساجد لو علمن

ص: 505

رواه أبوداود.

1070-

(12) وعن ابن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها)) . رواه أبوداود.

1071-

(13) وعن أبي هريرة قال: إني سمعت حبي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تقبل صلاة إمرأة تطيبت للمسجد

ــ

ذلك لكنهن لم يعلمن فيسألن الخروج إلى الجماعة يعتقدن أن أجرهن في المساجد أكثر، وجه كون صلاتهن في البيوت أفضل تحقيق الأمن من الفتنة. (رواه أبوداود) في الصلاة وسكت عنه هو والمنذري وأصله في الصحيحين بدون قوله:"وبيوتهن خير لهن"، وهذه الزيادة أخرجها ابن خزيمة والحاكم (ج1 ص209) وصححه والبيهقي (ج3 ص131) وللطبراني بإسناد نحوها.

1070-

قوله: (صلاة المرأة في بيتها) أي الداخلاني لكمال سترها. (أفضل من صلاتها في حجرتها) أي صحن الدار. قال ابن الملك: أراد بالحجرة ما تكون أبواب البيوت إليها وهي أدنى حالاً من البيت. (وصلاتها في مخدعها) بضم الميم وتفتح وتكسر مع فتح الدال في الكل وهو البيت الصغير الذي يكون داخل البيت الكبير، يحفظ فيه الأمتعة النفيسة من الخدع، وهو إخفاء الشيء أي خزانتها. (أفضل من صلاتها في بيتها) ؛ لأن مبنى أمرها على التستر، وحاصل الأحاديث الواردة في خروج النساء إلى المساجد أن الإذن للنساء من الرجال إلى المساجد إذا لم يكن في خروجهن ما يدعوا إلى الفتنة من طيب أو حلي أو أي زينة، واجب على الرجال أو مندوب على اختلاف القولين، وأنه لا يجب مع يدعوا إلى ذلك، ولا يجوز ويحرم عليهن الخروج لقوله: فلا تشهدن وصلاتهن على كل حال في بيوتهن أفضل من صلاتهن في المساجد لحديث ابن مسعود هذا، ولما روى أحمد والطبراني والبيهقي من حديث أم حميد الساعدية: أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إني أحب الصلاة معك فقال صلى الله عليه وسلم: قد علمت وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير لك من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجد الجماعة، قال الحافظ: إسناده حسن. وقال الهيثمي يعد غزوة لأحمد: رجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن سويد الأنصاري، وثقة ابن حبان، وأخرج أحمد وأبويعلى عن أم سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خير مساجد النساء قعر بيوتهن، وفي إسناده ابن لهيعة. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه أيضاً ابن خزيمة في صحيحه والحاكم (ج1 ص209) والبيهقي (ج3 ص131) .

1071-

قوله: (سمعت حبي) بكسر الحاء المهملة أي محبوبي. (تطيبت للمسجد) أي للخروج إلى المسجد

ص: 506

حتى تغتسل غسلها من الجنابة)) رواه أبوداود، وروى أحمد والنسائي نحوه.

1072-

(14) وعن أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل عين زانية،

ــ

وفي المصابيح: لهذا المسجد كما في أبي داود. وقال ابن الملك: إشارة إلى جنس المسجد لا إلى مسجد مخصوص. (حتى تغتسل) وفي المصابيح: حتى ترجع فتغتسل وكذا وقع في أبي داود. (غسلها) أي مثل غسلها. (من الجنابة) بأن تبالغ في الغسل من الطيب كما تبالغ في غسل الجنابة حتى يزول عنها الطيب بالكلية، ثم تخرج إن شاءت، وقال القاري: بأن تعم جميع بدنها بالماء إن كانت طيبت جميع بدنها ليزول عنها الطيب، وأما إذا أصاب موضعاً مخصوصاً فتغسل ذلك الموضع. قلت: الحديث ساكت عن هذا التفصيل. قال ابن الملك: وهذا مبالغة في الزجر؛ لأن ذلك يهيج الرغبات وتفتح باب الفتن. وقيل: شبه خروجها من بيتها متطيبة مهيجة لشهوات الرجال التي هي رائد الزنا بالزنا، وحكم عليها بما يحكم على الزاني من الاغتسال من الجنابة مبالغة وتشديداً. (رواه أبوداود) في الترجل من طريق الثوري عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري عن عبيد مولى أبي رهم عن أبي هريرة، وقد سكت عنه أبوداود، لكن إسناده ضعيف لضعف عاصم بن عبيد الله، ولكنه لم ينفرد برواية هذا الحديث، كما ستعرف فمعناه صحيح لثبوته من وجه آخر، فقد أخرجه ابن خزيمة في صحيحه والبيهقي من طريق موسى بن يسار عن أبي هريرة، ورواه أحمد خمس مرات في أربعة: منها عاصم بن عبيد الله، والخامسة من طريق ليث بن أبي سليم عن عبد الكريم عن مولى أبي رهم، وأخرجه النسائي من طريق صفوان بن سليم عن رجل ثقة عن أبي هريرة، وقد بوب له ابن خزيمة: باب إيجاب الغسل على المطيبة للخروج إلى المسجد ونفي قبول صلاتها إن صليت قبل أن تغتسل إن صح الخبر، ولفظه عن موسى بن يسار قال: مرت بأبي هريرة امرأة وريحها تعصف فقال لها: أين تريدين يا أمة الجبار؟ قالت: إلى المسجد، قال: وتطيبت؟ قالت: نعم قال: فارجعي فاغتسلي، فإني سمعت رسول الله يقول: لا يقبل الله من امرأة صلاة خرجت إلى المسجد وريحها تعصف حتى ترجع وتغتسل. قال المنذري في الترغيب بعد عزوة لابن خزيمة: إسناده متصل ورواته ثقات، وعمرو بن هاشم البيروتي ثقة، وفيه كلام لا يضر، ورواه أبوداود وابن ماجه من طريق عاصم بن عبيد الله العمري، وقد مشاه بعضهم ولا يحتج به، وإنما أمرت بالغسل لذهاب رائحتها - انتهى. (وروى أحمد والنسائي) وكذا البيهقي الطيالسي. (نحوه) ولفظ النسائي: إذا خرجت المرأة إلى المسجد فلتغتسل من الطيب كما تغتسل من الجنابة، أخرجه في كتاب الزينة من طريق صفوان بن سليم عن رجل ثقة عن أبي هريرة به.

1072-

قوله: (كل عين زانية) أي كل عين نظرت إلى أجنبية عن شهوة فهي زانية؛ لأن زناها

ص: 507

وإن المرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس، فهي كذا وكذا يعني زانية)) . رواه الترمذي، ولأبي داود والنسائي نحوه.

1073-

(15) وعن أبيّ بن كعب قال: ((صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً الصبح، فلما سلم قال: أشاهد فلان؟ قالوا: لا. قال: أشاهد فلان؟ قالوا: لا. قال: إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموها

ــ

النظر، أو لأنه من مقدمات الزنا. (إذا استعطرت) أي استعملت العطر. (فمرت بالمجلس) أي مجلس الرجال وهو أعم من المسجد (فهي كذا وكذا) كناية عن كونها زانية. (يعني زانية) بالنصب على أنه مفعول يعني وقيل: بالرفع يعني هي زانية؛ لأنها قد هيجت شهوة الرجال بعطرها وحملتهم على النظر إليها، ومن نظر إليها فقد زنى بعينه، فإذا هي سبب زناه بالعين فتكون آثمة بإثم الزنا. (رواه الترمذي) في الاستيذان وقال: حديث حسن صحيح. ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره. (ولأبي داود والنسائي نحوه) أخرجه أبوداود في الترجل والنسائي في الزينة. قال المنذري في الترغيب بعد عزوه لأبي داود والترمذي: ورواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما ولفظهم: قال النبي صلى الله عليه وسلم أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية، وكل عين زانية، ورواه الحاكم أيضاً وقال: صحيح الإسناد.

1073-

قوله: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي أمّنا فالباء للتعدية. (الصبح) أي صلاته. (أشاهد) بهمزة الاستفهام أي أحاضر صلاتنا هذه. (أشاهد فلان) أي آخر. (إن هاتين الصلاتين) أي العشاء والصبح، والإشارة إليهما لحضور الصبح، واتصال العشاء بها مما تقدم. وقال القاري: أي صلاة الصبح ومقابلتها باعتبار الأول والآخر، يعني الصبح والعشاء. وقال ابن حجر: وأشار إلى العشاء لحضورها بالقوة؛ لأن الصبح مذكرة بها نظراً إلى أن هذه مبتدأ النوم وتلك منتهاه. (أثقل الصلوات على المنافقين) فيه أن الصلاة كلها عليهم ثقيلة ومنه قوله تعالى: {إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} [4: 142] ، ولكن الأثقل عليهم صلاة العشاء؛ لأنها في وقت الراحة والسكون وصلاة الفجر؛ لأنها في وقت لذة النوم، وليس لهم داع ديني ولا تصديق بأجرهما حتى يبعثهم على اتيانهما، ويخف عليهم الإتيان بهما، ولأنهما في ظلمة الليل وداعي الرياء الذي لأجله يصلون منتف؛ لعدم مشاهدة من يراؤونه من الناس إلا القليل، فانتفى الباعث الديني منهما كما انتفى في غيرهما، ثم انتفى الباعث الدنيوي الذي في غيرهما، ولذا قال ناظراً إلى انتفاء الباعث الديني عندهم: ولو يعلمون ما فيهما، كما في رواية أحمد والنسائي والبيهقي. (ولو تعلمون) أنتم أيها المؤمنون. (ما فيهما) من الأجر والثواب الزائد؛ لأن الأجر على قدر المشقة. (لأتيتموها) أي إلى

ص: 508

ولو حبوا على الركب، وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه، وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل،

ــ

المسجد لأجلهما. وهذا لفظ أبي داود، ورواية أحمد والنسائي والبيهقي: ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما، أي بلفظ الغيبة. قيل: عدل عن الغيبة في رواية أبي داود تغليباً. (ولو حبوا على الركب) بضم الراء وفتح الكاف جمع الركبة، والحبو بفتح الحاء المهملة وسكون الموحدة هو أن يمشي على يديه وركبتيه أو أسته، وحبا البعير إذا برك ثم زحف من الأعياء، وحبا الصبي إذا زحف على أتسه، أي تزحفون إذا منعكم مانع من المشي كما يزحف الصغير، ولابن أبي شيبة من حديث أبي الدرداء. ولو حبواً على المرافق والركب. وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني: ولو حبواً على يديه ورجليه، وفيه حث بليغ على الإتيان إليهما، وأن المؤمن إذا علم ما فيهما أتى إليهما على أي حال، فإنه ما حال بين المنافق وبين هذا الإتيان إلا عدم تصديقه بما فيهما. قال الطيبي: حبواً خبر كان المحذوف أي: ولو كان الإتيان حبوا ويجوز أن يكون التقدير أتيتموها حبواً أي حابين تسمية بالمصدر مبالغة. (وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة) أي على أجر أو فضل هو مثل أجر صف الملائكة أو فضله، وظاهره أن الملائكة أكثر أجراً وفضلاً من بني آدم. وقال الطيبي: شبه الصف الأول في قربهم من الإمام بصف الملائكة من الله تعالى، والجار والمجرور خبر "إن" والمتعلق كائن أو مقاس. (ولو علمتم) هذا لفظ أبي داود، ولفظ أحمد والنسائي والبيهقي: ولو تعلمون (ما فضيلة) أي الصف الأول. (لابتدرتموه) أي سبق كل منكم على آخر لتحصيله. قال الطيبي: وفي قوله: "ولو تعلمون" مبالغة من حيث عدل من الماضي إلى المضارع إشعاراً بالاستمرار. (وأن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده) أي أكثر أجراً وأبلغ في تطهير المصلي وتكفير ذنوبه من صلاته منفرداً، لما في الإجتماع من الرحمة والسكينة دون الإنفراد. قال الطيبي: الزكاة بمعنى النمو فيكون المعنى أن الصلاة مع الجماعة أكثر ثواباً، أو بمعنى الطهارة فيكون المعنى أن المصلي مع الجماعة أمن من رجس الشيطان وتسويله، وفيه أن الرجل مع الرجل جماعة كما رواه ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي أنه قال: الرجل مع الرجل جماعة، لهما التضعيف خمساً وعشرين - انتهى. وقد بوب عليه النسائي باب الجماعة إذا كانوا اثنين والبيهقي (ج3: ص67) بلفظ: باب الاثنين فما فوقهما جماعة. قال الأمير اليماني: فيه دلالة على أن أقل صلاة الجماعة إمام ومأموم، ويوافقه حديث أبي موسى الآتي في الفصل الثالث بلفظ: اثنان فما فوقهما جماعة. (وصلاته) بالنصب أو بالرفع. (مع الرجلين أزكى) أي أفضل. (من صلاة مع الرجل) أي الواحد. (وما كثر فهو أحب إلى الله) قال ابن الملك: "ما" هذه موصولة والضمير عائد إليها، وهي عبارة عن الصلاة، أي الصلاة التي كثر المصلون فيها فهو أحب، وتذكير "هو" باعتبار لفظ

ص: 509

وما كثر فهو أحب إلى الله)) رواه أبوداود، والنسائي.

1074-

(16) وعن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ما من ثلاثة في قرية ولا بد ولا تقام

فيهم الصلاة، إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة،

ــ

ما–انتهى. ولفظ النسائي: وما كانوا أكثر فهو أحب إلى الله. قال السندي: أي قدر كانوا أكثر فذلك القدر أحب مما دونه. وفي رواية لأحمد: وما كان أكثر فهو أحب إلى الله، وذكره المنذري في الترغيب بلفظ: كذا كثر فهو أحب إلى الله، وفيه أن ما كثر جمعه فهو أفضل مما قل جمعه، وأن الجماعات تتفاوت في الفضل وإن كونها تعدل سبعاً وعشرين صلاة يحصل لمطلق الجماعة، وأحاديث التضاعف إلى هذا المقدار لا ينفي الزيادة في الفضل. لما كان أكثر لاسيما مع وجود النص المصرح بذلك، كما في هذا الحديث، ففيه رد على من ذهب إلى القول بتساوى الجماعات في الفضل سواء كثرت الجماعة أو قلت واستدل بقوله "أزكى" على عدم وجوب الجماعة؛ لأنه صيغة أفعل تدل على الاشتراك في أصل الزكاء، والمشترك ههنا لا بد أن يكون هو الإجزاء والصحة، وإلا فلا صلاة فضلاً عن الزكاء؛ لأن ما لا يصح لا زكاء فيه وقد تقدم الكلام في ذلك مبسوطاً. (رواه أبوداود) وسكت عنه. (والنسائي) وأخرجه أيضاً أحمد (ج5: ص140) وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم (ج1: ص247) والبيهقي (ج3: ص61-68 و102) قال المنذري في الترغيب وقد جزم يحيى بن معين والذهلي بصحة هذا الحديث. وقال الشوكاني: صححه ابن السكن والعقيلي والحاكم وأشار ابن المديني على صحته. وقال الحافظ: وله شاهد قوي في الطبراني من حديث قباث بن أشيم ولفظه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاة الرجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من صلاة أربعة تترى، وصلاة أربعة يؤم أحدهم أزكى عند الله من صلاة ثمانية تترى، وصلاة ثمانية يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مائة تترى. قال المنذري في الترغيب: رواه البزار والطبراني بإسناد لا بأس به. وقال الهيثمي بعد عزوه إلى البزار والطبراني في الكبير: ورجال الطبراني موثقون - انتهى. وأخرجه أيضاً البخاري في تاريخه والبيهقي (ج3: ص61) .

1074-

قوله: (ما من ثلاثة) أي رجال، وتقييده بالثلاثة المفيد ما فوقهم بالأولى نظراً إلى أقل أهل القرية غالباً، ولأنه أقل الجمع، وأنه أكمل صور الجماعة وإن كان يتصور باثنين، قاله القاري. (في قرية ولا بدو) بفتح الباء وسكون الدال أي بادية. قال في القاموس: البدو والبادية والباداة والبداوة خلاف الحضر. (لا تقام فيهم الصلاة) أي الجماعة. (إلا قد استحوذ عليهم الشيطان) أي غلبهم واستولى عليهم وحولهم إليه فأنساهم ذكر الله، وهذه كلمة مما جاء على أصله بلا إعلال خارجة عن أخواتها كاستقال واستقام. (فعليك بالجماعة)

ص: 510

فإنما يأكل الذئب القاصية)) رواه أحمد، وأبوداود، والنسائي.

1075-

(17) وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه

عذر. قالوا: وما العذر؟ قال: خوف

ــ

أي الزمها فإن الشيطان بعيد عن الجماعة ويستولى على من فارقها. قال الطيبي: قوله فعليك من الخطاب العام تفخيماً للأمر، والفاء مسببة عن قوله "قد استحوذ" والفاء في قوله:(فإنما) مسببة عن الجميع يعني إذا عرفت هذه الحالة فأعرف مثاله في الشاهد. (يأكل الذئب القاصية) أي الشاة المنفردة عن القطيع البعيدة عنه لبعدها عن راعيها، فإن عين الراعي تحمي الغنم المجتمعة. قيل: المراد أن الشيطان يتسلط على من يخرج عن عقيدة أهل السنة والجماعة. وقيل: عن طاعة الإمام المجتمع على أمره وإطاعته والأوفق بالحديث أن المنفرد ما ذكره السائب بن حبيش أحد رواة هذا الحديث عند النسائي والبيهقي بقوله: يعني بالجماعة الجماعة في الصلاة، أي يتسلط على من يعتاد الصلاة بالانفراد ولا يصلي مع الجماعة، وهو الذي فهمه أبوداود والنسائي حيث بوبا عليه: باب التشديد في ترك الجماعة، وبوب عليه البيهقي: باب فرض الجماعة في غير الجمعة على الكفاية. والحديث استدل به على وجوب الجماعة؛ لأن استحواذ الشيطان وهو غلبته إنما يكون بما يكون معصية كترك الواجب دون السنة. قال القاري: ظاهر الحديث يدل على أن الجماعة فرض عين أو واجب على مختار مذهبنا، ولا يدل على أنها فرض كفاية وإنما قيد بالثلاثة؛ لأنها أقل كمال الجماعة في غير الجمعة - انتهى. (رواه أحمد وأبوداود) وسكت عليه هو والمنذري. (والنسائي) وأخرجه أيضاً ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم (ج1: ص246) وصححه، والبيهقي (ج3: ص54) وقال النووي: إسناده صحيح قال المنذري في الترغيب، وزاد رزين في جامعه: وإن ذئب الإنسان الشيطان إذا خلا به أكله.

1075-

قوله: (من سمع المنادي) أي نداء المؤذن للصلاة المكتوبة. (فلم يمنعه) أي السامع- قال ابن الملك: فيه حذف اعتماداً على المعنى أي فلم يتبعه ولم يمنعه. (من اتباعه) أي اتباع المنادي بحضور المسجد للجماعة. قال ابن حجر: أي من إتيانه إلى الجماعة التي دعي إليها، والتقييد بسماع النداء بالجماعة التي يسمع مؤذنها جرى على الغالب؛ لأن الإنسان إنما يذهب إلى الجماعة التي يسمع مؤذنها، وإلا فلو ذهب لجماعة لم يسمع مؤذنها فقد أتى بالفرض، ولو لم يسمع المؤذن ولا عذر له لم يسقط عنه الفرض، إذ عدم سماعه المؤذن ليس من الأعذار، والحاصل أن المراد من لزمه حضور الجماعة ولم يمنعه من المجيء إليها. (عذر) أي نوع من الأعذار. (قالوا) أي الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم. (قال) أي النبي صلى الله عليه وسلم. (خوف) أي هو خشية على نفسه أو عرضه أو ماله-.

ص: 511

أو مرض، لم تقبل منه الصلاة التي صلى)) رواه أبوداود، والدارقطني.

1076-

(18) وعن عبد الله بن أرقم،

ــ

وقيل: خوف ظلمه، وقد سبق أن من الأعذار المطر والبرد والريح وحضور الطعام ومدافعته الأخبثين. (لم تقبل منه) أي من السامع القاعد في بيته من غير عذر. قال الطيبي: من سمع مبتدأ ولم تقبل خبره، يعني وقع السؤال والجواب معترضين بين الشرط والجزاء. (الصلاة التي صلى) كذا في سنن أبي داود وسنن الدارقطني، وفي نسخ المصابيح "صلاها" قال في شرح السنة: اتفقوا على أن لا رخصة في ترك الجماعة لأحد إلا من عذر لهذا الحديث والحديث الذي سبق، ولقوله عليه السلام لإبن أم مكتوم: فأجب، قال الحسن: إن منعته أمه عن العشاء الآخرة في الجماعة شفقة عليه لم يطعها. وقال الأوزاعي: لا طاعة للوالد في ترك الجمعة والجماعات سمع النداء أو لم يسمع، قال النووي: في حديث الكهان والعراف معنى عدم قبول الصلاة أن لا ثواب له فيها وإن كانت مجزئة في سقوط الفرض عنه كالصلاة في الدار المغصوبة تسقط الفرض ولا ثواب فيها. (رواه أبوداود والدارقطني) وأخرجه أيضاً الحاكم (ج1: ص245، 246) والبيهقي (ج3: ص75) كلهم من طريق أبي جناب الكلبي عن مغراء العبدي عن عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وأبوجناب بجيم ونون خفيفتين يحيى بن أبي حية الكلبي، ضعيف ومدلس وقد عنعن. قال الحافظ: وقد رواه قاسم بن أصبغ في مسنده موقوفاً ومرفوعاً من حديث شعبة عن عدي بن ثابت به، ولم يقل في المرفوع: إلا من عذر - انتهى. ورواه بقي بن مخلد وابن ماجه وابن حبان من طريق هشيم بن بشير عن شعبة والدارقطني (ص161) والحاكم (ج1: ص245) ومن طريقه البيهقي (ج3: ص57) ومن طريق قراد أبي نوح عبد الرحمن بن غزوان وهشيم بن بشير عن شعبة مرفوعاً، وزادوا في رواياتهم: إلا من عذر، وقد ذكره المصنف في الفصل الثالث. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وقد أوقفه غندر وأكثر أصحاب شعبة، وهشيم وقراد أبونوح ثقتان، فإذا وصلاه فالقول فيه قولهما، ثم ذكر لهما متابعتين وهما سيعد بن عامر وداود بن الحاكم عن شعبة، ثم أخرج رواية مغراء العبدي متابعة لشعبة، ثم أخرج له شواهد منها عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً بلفظ: من سمع النداء فارغاً صحيحاً فلم يجب فلا صلاة له، ورواه البزار مرفوعاً وموقوفاً، وصحح البيهقي وقفه، وقال بعد رواية حديث ابن عباس من طريق قراد أبي نوح عن شعبة مرفوعاً، وكذلك رواه هشيم بن بشير عن شعبة، ورواه الجماعة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفاً على ابن عباس، ورواه مغراء العبدي عن عدي بن ثابت مرفوعاً، وروي عن أبي موسى الأشعري مسنداً وموقوفاً، والموقوف أصح - انتهى.

1076-

قوله: (عن عبد الله بن أرقم) بن عبد يغوث بن وهب بن عبدمناف بن زهرة القرشي الزهري صحابي معروف، أسلم يوم الفتح، وكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ثم لأبي بكر وعمر، وكان على بيت المال أيام عمر ثم عثمان،

ص: 512

قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الخلاء فليبدأ بالخلاء)) رواه الترمذي، وروى مالك

ــ

ثم استعفى عثمان فأعفاه، وكان جده عبد يغوث خال النبي صلى الله عليه وسلم كانت آمنة بنت وهب أمه صلى الله عليه وسلم عمة أبيه الأرقم، قال السائب بن يزيد وعبد الله بن عتبة: ما رأيت أخشى لله من عبد الله بن أرقم. وقال عبد الله بن الزبير: أن النبي صلى الله عليه وسلم استكتب عبد الله بن الأرقم، وكان يجيب عنه الملوك، وبلغ من أمانته عنده أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب ويختم ولا يقرأه لأمانته عنده. قال الحافظ في تهذيب التهذيب (ج5: ص146) : روى له الأربعة حديثاً واحداً في البداءة بالخلاء لمن أراد الصلاة، ويقال ليس له مسند غيره، قال ذلك البزار في مسنده. وقال الخزرجي في الخلاصة: له أحاديث وعندهم، أي عند الأربعة فرد حديث. وقال المنذري في مختصر السنن: روى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً واحداً، ليس له في هذه الكتب سوى هذا الحديث. توفي في خلافة عثمان، وكذا ذكره البخاري في التاريخ الصغير، ووقع في ثقات ابن حبان: أنه توفي في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين، وهو وهم فاحش. (ووجد أحدكم الخلاء) أي وجد أحدكم احتياجه إلى البزار. (فليبدأ بالخلاء) أي فليبدأ بما احتاج إليه من قضاء الحاجة فيفرغ نفسه ثم يرجع فيصلي؛ لأنه إذا صلى قبل ذلك تشوش خشوعه واختل حضور قلبه، فيجوز له ترك الجماعة لهذا العذر، ولفظ الشافعي: ووجد أحدكم الغائط فليبدأ بالغائط. ولفظ مالك: إذا أراد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة. ولفظ أبي داود: إذا أراد أحدكم أن يذهب الخلاء وقامت الصلاة فليبدأ بالخلاء. والحديث فيه دليل على أنه لا يقوم إلى الصلاة وهو يجد شيئاً من الغائط والبول. قال في الشرح الكبير (ص) : يكره أن يصلي وهو حاقن سواء خاف فوت الجماعة أو لا، لا نعلم فيه خلافاً وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأى، لرواية عائشة عند مسلم. (يعني التي تقدمت في الفصل الأول) ولأن ذلك يشغله عن خشوع الصلاة فإن خالف وفعل صحت صلاته. (أي إن أكملها ولم يترك شيئاً من فرائضها) وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وقال ابن أبي موسى: إن من به من مدافعة الأخبثين ما يزعجه ويشغله عن الصلاة أعاد في الظاهر من قوله. وقال مالك: أحب إلى أن يعيد إذا شغله ذلك لظاهر الخبر. ولنا أنه أن صلى بحضرة الطعام وقلبه مشغول بشيء من الدنيا صحت صلاته كذا ههنا، وخبر عائشة أريد به الكراهة، بدليل ما لو صلى بحضرة الطعام. قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه لو صلى بحضرة الطعام فأكمل صلاته أن صلاته تجزئة، فكذلك إذا صلى حاقناً - انتهى. واختلفوا في تعليل هذا الحكم فقيل؛ لأنه يشغل القلب ولا يوفي الصلاة حقها من الخشوع. وقيل: العلة فيه انتقال الحدث، وانتقال الحدث سبب لخروجه، فلا يكون أقل من مس الذكر. وقيل:؛ لأنه حامل للنجاسة؛ لأنها متدافعة للخروج، فإذا أمسكها قصداً فهو كالحامل لها، والظاهر هو الأول. (رواه الترمذي) وقال حديث حسن صحيح.

ص: 513

وأبوداود والنسائي نحوه.

1077-

(19) وعن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث لا يحل لأحد أن يفعلهن: لا يؤمن رجل قوماً فيخص

ــ

(وروى مالك وأبوداود الخ) وأخرجه أيضاً أحمد (ج3: ص483، ج4: ص35) والشافعي والدارمي والبيقهي (ج3: ص72) وابن خزيمة وابن حبان والحاكم (ج1: ص168) وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وفيه قصة كما سيأتي كلهم من طريق هشام عن عروة عن عبد الله بن أرقم، ورواه بعضهم عن هشام عن عروة عن رجل عن عبد الله، ورجح البخاري فيما حكاه الترمذي في العلل المفرد رواية من زاد فيه عن رجل، ومال الترمذي إلى ترجيح الرواية الأولى أي رواية من قال عن عروة عن عبد الله، حيث قال بعد رواية الحديث من طريق أبي معاوية عن هشام عن عروة عن ابن أرقم هذا حديث حسن صحيح، هكذا روى مالك ويحيى بن سعيد القطان وغير واحد من الحفاظ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن أرقم، وروى وهيب وغيره عن هشام عن أبيه عن رجل عن عبد الله بن أرقم - انتهى. وحكي نحوه أبوداود أيضاً قال بعد روايته من طريق زهير عن هشام عن أبيه عن ابن أرقم: روى وهيب بن خالد وشعيب بن إسحاق وأبوضمرة هذا الحديث عن هشام ابن عروة عن أبيه عن رجل حدثه عن عبد الله بن أرقم، والأكثر الذي رووه عن هشام قالوا كما قال زهير - انتهى. وقال الزرقاني في شرح الموطأ (ج1: ص288) قال ابن عبد البر: لم يختلف على مالك في هذا الإسناد. (أي في روايته عن هشام عن عروة عن ابن أرقم) وتابعه زهير بن معاوية وسفيان بن عيينة وحفص بن غياث ومحمد بن إسحاق وشجاع بن الوليد وحماد بن زيد ووكيع وأبومعاوية والمفضل بن فضالة ومحمد بن كنانة كلهم رووه عن هشام، كما رواه مالك. ورواه وهيب بن خالد وأنس بن عياض وشعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن رجل حدثه عن عبد الله بن الأرقم، فأدخلوا بين عروة وبين عبد الله بن الأرقم رجلاً، ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن أيوب بن موسى عن هشام بن عروة عن أبيه قال: خرجنا في حج أو عمرة مع عبد الله بن الأرقم الزهري، فأقام الصلاة ثم قال: صلوا وذهب لحاجته، فلما رجع قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أقيمت الصلاة وأراد أحدكم الغائط فليبدأ بالغائط، فهذا الإسناد يشهد بأن رواية مالك ومن تابعه متصلة لتصريحه بأن عروة سمعه من عبد الله بن الأرقم، وابن جريج وأيوب ثقتان حافظان - انتهى.

1077-

قوله: (ثلاث) أي ثلاث خصال بالإضافة ثم حذف المضاف إليه ولهذا جاز الإبتداء بالنكرة. (لا يحل أن يفعلهن) المصدر المنسبك من "أن" والفعل فاعل "يحل" أي لا يجوز فعلهن. (لا يؤمن) بنون التأكيد في جميع النسخ وهكذا في جامع الأصول (ج6: ص387) ووقع في المصابيح: "لا يؤم" بغير النون كما في أبي داود. وقوله: "لا يؤم" بالرفع نفي بمعنى النهي، ويجوز أيضاً فتح الميم على الجزم بالنهي. (فيخص) بالنصب

ص: 514

نفسه بالدعاء دونهم، فإن فعل ذلك فقد خانهم.

ــ

للجواب. وقال المناوي: منصوب بأن المقدرة لوروده بعد النفي على حد: {لا يقضي عليهم فيموتوا} . قيل: ويجوز الرفع عطفاً على لا يؤم. (نفسه) مفعول ليخص. (بالدعاء دونهم) أي دون مشاركتهم في دعائه. (فإن فعل ذلك فقد خانهم) وفي المصابيح: فإن فعل فقد خانهم أي بدون لفظ ذلك، وكذا في أبي داود وجامع الأصول. قال الطيبي: نسب الخيانة إلى الإمام؛ لأن شرعية الجماعة ليفيض كل من الإمام والمأموم الخير على صاحبه ببركة قربه من الله تعالى، فمن خص نفسه فقد خان صاحبه. قال القاري: وإنما خص الإمام بالخيانة فإنه صاحب الدعاء، وإلا فقد تكون الخيانة من جانب المأموم، وفيه دليل على كراهة أن يخص الإمام نفسه بالدعاء في الصلاة ولا يشارك المأمومين فيه، فإن قلت: قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يدعو في صلاته وهو إمام بلفظ الأفراد، كما في دعاء الافتتاح والركوع والسجود والتشهد وغير ذلك. قلت: ذكروا في دفع هذا الاختلاف وجوهاً: منها ان حديث ثوبان هذا موضوع. قال ابن خزيمة في صحيحه وقد ذكر حديث: اللهم باعد بيني وبين خطاياى-الحديث. قال في هذا دليل على رد الحديث الموضوع: لا يؤم عبد قوماً فيخص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم، حكى ذلك عنه ابن القيم في زاد المعاد. وفيه أن الحكم على هذا الحديث بأنه موضوع ليس بصحيح، بل هو حسن كما سيأتي. ومنها أنه مختص بالقنوت ونحوه. قال ابن القيم سمعت شيخ الاسلام ابن تيمية يقول: هذا الحديث عندي في الدعاء الذي يدعو به الإمام لنفسه وللمأمومين ويشتركون فيه كدعاء القنوت ونحوه - انتهى. وقال العزيزي: هذا في دعاء القنوت خاصة بخلاف دعاء الافتتاح والركوع والسجود والجلوس بين السجدتين والتشهد - انتهى. ولذلك استحب الشافعية والحنابلة للإمام أن يقول في دعاء القنوت المروي عن الحسن بن علي: اللهم اهدنا فيمن هديت، بضمير الجمع مع أن المشهور في حديثه: اللهم اهدني بإفراد الضمير، إلا في روية للبيهقي في قنوت الصبح، فإن فيها اللهم اهدنا بضمير الجمع. ومنها أن معناه تخصيص نفسه بالدعاء في الصلاة والسكوت عن المقتدين. ومنها أن المراد نفيه عنهم كارحمني محمداً ولا ترحم معنا أحداً، ولا شك أن هذا ممنوع. ومنها أن المراد بالتخصيص المنهي عنه هو أن ينوي الإمام بالأدعية الواردة بلفظ الإفراد نفسه خاصة ولا ينوي بها العموم والشمول لنفسه وللمقتدين. قال شيخنا في شرح الترمذي: قول الشافعية وغيرهم أنه يستحب للإمام أن يقول: اللهم اهدنا بجمع الضمير فيه أنه خلاف المأثور، والمأثور إنما هو بإفراد الضمير، فالظاهر أن يقول الإمام بإفراد الضمير أي في دعاء القنوت وغيره كما ثبت لكن لا ينوي به خاصة نفسه، بل ينوي به العموم والشمول لنفسه ولمن خلفه من المقتدين - انتهى. قد ورد دعاء القنوت بضمير الجمع من حديث ابن عباس عند البيهقي في السنن الكبرى (ج2: ص210)

ص: 515

ولا ينظر في قعر بيت قبل أن يستأذن، فإن فعل ذلك فقد خانهم. ولا يصل وهو حقن حتى يتخفف)) .

ــ

فقد روى من طريق الوليد بن مسلم عن ابن جريج عن ابن هرمز عن يزيد بن أبي مريم عن عبد الله بن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا دعاء ندعو به في القنوت من صلاة الصبح: اللهم اهدنا فيمن هديت الخ، لكن الأكثر الأشهر هو إفراد الضمير في هذا الدعاء، وفي صحة حديث ابن عباس عندي نظر. (ولا ينظر) بالرفع ويجوز الجزم. (في قعر بيت) بفتح القاف وسكون العين أي داخل مكان مستور للغير. (قبل أن يستأذن) بالبناء للفاعل أي أهله فيؤذن. قال ابن الملك: احترازاً أن يقع نظره على العورة. (فإن فعل) أي فإن نظر فيه قبل الاستيذان من جحر أو غيره. (فقد خانهم) قال الطيبي: شرعية الاستيذان لئلا يهجم قاصد على عورات البيت، فالنظر في قعر البيت خيانة. قلت: وفي المصابيح وأبي داود وجامع الأصول "فقد دخل" بدل قوله "فقد خانهم" أي فقد ارتكب إثم من دخل البيت بغير استئذان. قال ابن العربي: الإطلاع على الناس حرام بالإجماع فمن نظر داره فهو بمنزلة من دخل داره. (ولا يصل) بكسر اللام المشددة وحذف حرف العلة للجزم. وفي بعض النسخ ولا يصلي أي بإثبات الياء، وكذا وقع في المصابيح وأبي داود وجامع الأصول. (وهو حقن) بفتح الحاء المهملة وكسر القاف، أي وهو يؤذيه الغائط أو البول، والجملة حال. قال الجزري: الحاقن والحقن بحذف الألف بمعنى، والحاقن هو الذي حبس بوله مع شدته، والحاقب هو الحابس للغائط، والمراد هنا بالحاقن ما يعم حبس الغائط، وهو من باب الاكتفاء. (حتى يتخفف) بمثناه تحتية مفتوحة ففوقية أي يخفف نفسه بخروج الفضلة ويزيل ما يؤذيه من ذلك. قلت: فإن فعل ذلك فقد خان نفسه. قال الطيبي: الصلاة مناجاة وتقرب إلى الله سبحانه واشتغال عن الغير، والحاقن كأنه يخون نفسه في حقها، ولعل توسيط الاستيذان بين حالتي الصلاة للجمع بين مراعاة حق الله تعالى وحق العباد، وخص الاستيذان أي من حقوق العباد؛ لأن من راعى هذه الدقيقة فهو بمراعاة ما فوقها أحرى- انتهى. والحديث قد استدل به من ذهب إلى فساد صلاة من صلى وهو حاقن وإن أكمل صلاته ولم يترك فرضاً من فرائضها خلافاً للجمهور. قال ابن رشد: والسبب في اختلافهم، اختلافهم في النهي هل يدل فساد المنهى عنه أم ليس يدل على فساده وإنما يدل على تأثيم من فعله فقط إذا كان أصل الفعل الذي تعلق النهي به واجباً أو جائزاً، وقد تمسك القائلون بفساد صلاته بحديث رواه الشاميون منهم من يجعله عن ثوبان، ومنهم من يجعله عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحل لمؤمن أن يصلي وهو حاقن جداً. قال أبوعمر ابن عبد البر: وهو ضعيف السند لا حجة فيه- انتهى. قلت: حديث ثوبان هذا ليس بضعيف بل صحيح أو حسن كما ستعرف، فهو حجة بلا شك، لكن في الاستدلال به على فساد صلاة الحاقن نظر، وأما كراهة صلاة الحاقن وكونه آثما فلا خفاء فيه.

ص: 516

رواه أبوداود، وللترمذي نحوه.

1078-

(20) وعن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تؤخروا الصلاة لطعام ولا لغيره))

ــ

(رواه أبوداود وللترمذي نحوه) وأخرجه أيضاً أحمد (ج5 ص280) وابن ماجه والبيهقي (ج3 ص180) وحديث ابن ماجه مختصر كلهم من طريق يزيد بن شريح الحضرمي عن أبي حي المؤذن عن ثوبان، وقد سكت عليه أبوداود. وقال الترمذي: حديث حسن. واختلف فيه على يزيد بن شريح فرواه حبيب بن صالح عن يزيد عن أبي حي عن ثوبان. أخرجه أحمد والترمذي وأبوداود وابن ماجه والبيهقي، وروى ثور بن يزيد الكلاعي عن يزيد عن أبي حي عن أبي هريرة، أخرجه أبوداود والبيهقي، وروى معاوية بن صالح عن السفر بن نسير عن يزيد عن أبي أمامة. أخرجه أحمد (ج5 ص250، 260، 261) وفي رواية الأخيرة زيادة نصها، فقال شيخ لما حدثه يزيد أنا سمعت أبا أمامة يحدث بهذا الحديث. أخرجه أيضاً الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد (ج2 ص79، 89 ج8 ص43) ورواه ابن ماجه والبيهقي مختصراً. ومدار الحديث في طرقه كلها على يزيد بن شريح كما ترى، وهو ثقة فقيل يحتمل أن يكون سمعه من الطرق الثلاث وحفظه وقيل: بل اضطراب حفظه فيها ونسي فيكون الحديث ضعيفاً بطرقه الثلاث للاضطراب في السند. وقيل: طريق ثوبان أرجح. قال الترمذي بعد ذكر طريق أبي أمامة وأبي هريرة تعليقاً: وكان حديث يزيد بن شريح عن أبي حي الموذن عن ثوبان في هذا أجود إسناداً وأشهر- انتهى. ونقل المنذري كلام الترمذي هذا وأقره. وقيل: رواية السفر بن نسير عنه عن أبي أمامة أرجح لما جاء عند أحمد (ج5 ص261) من المتابعة من شيخ مبهم يحكي أنه سمعه من أبي أمامة كما تقدم، وفيه أن السفر بن نسير ضعيف كما صرح به الحافظ في التقريب، والهيثمي في مجمع الزوائد، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الدارقطني: لا يعتبر به، والمتابع له عند أحمد مبهم، ففي كون رواية السفر أرجح من رواية حبيب بن صالح وثور بن يزيد نظر قوي، وسكوت أبي داود عن حديثي ثوبان وأبي هريرة بعد روايتهما يدل على أن هذين الطريقتين محفوظان صالحان للاحتجاج عنده، وإليه قلبي، وفي كون حديث ثوبان أجود سنداً من حديث أبي هريرة كلام عندي، فإن ثور بن يزيد أوثق وأثبت من حبيب بن صالح. والله أعلم.

1078-

قوله: (لا تؤخروا الصلاة) أي عن وقتها. (لطعام ولا لغيره) كالحقن، قال التوربشتي: المعنى لا تؤخروها عن وقتها، وإنما حملناه على ذلك دون التأخير على الاطلاق لقوله صلى الله عليه وسلم: إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة- الحديث. فجعل له تأخير الصلاة مع بقاء الوقت. وعلى هذا فلا اختلاف بين الحديثين. قال الطيبي: ويمكن أن يكون المعنى لا تؤخروا الصلاة لغرض الطعام لكن إذا حضر الطعام أخروها للطعام قدمت للاشتغال

ص: 517