الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وليشير بيده)) رواه مالك.
(20) باب السهو
{الفصل الأول}
1021-
(1) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أحدكم إذا قام يصلي.
ــ
منهي عنه. وقد دل عليه حديث ابن مسعود المتقدم في الفصل الأول والثاني. (وليشير بيده) أي لرد السلام لما قدمنا من الأحاديث المرفوعة الصحيحة الصريحة في رد السلام إشارة. وفيه أن ابن عمر كان ممن يجوز رد السلام بالإشارة في الصلاة. وأما ما قيل: إن المراد بالإشارة باليد الإشارة للمنع والنهي عن السلام، أو الإيماء إلى الاعتذار بأنه في الصلاة كما يشار للمار من غير قصد رد السلام، فهو مردود على قائله، فإنه ادعاء محض، واحتمال مجرد، ليس عليه أثاره من دليل، فلا يلتفت إليه. (رواه مالك) في موطئه عن نافع، وأخرجه البيهقي (ج2:ص259) من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع.
20-
(باب السهو) أي باب بيان حكم السهو الواقع في الصلاة. وفي المصابيح: باب سجود السهو. وهو لغة: الغفلة عن الشيء، وذهاب القلب إلى غيره. قال في المحكم: السهو هو نسيان الشيء والغفلة عنه. وقضيته أن السهو والنسيان مترادفان. وقيل: بينهما فرق دقيق. وهو أن السهو أن ينعدم له شعور، والنسيان له فيه شعور. وفي المنطوق بين الفروق أن النسيان زوال الشيء عن الحافظة والمدركة، والسهو زواله عن الحافظة فقط. وقال الراغب: النسيان ترك الإنسان ضبط ما استودع إما عن غفلة، وإما عن ضعف قلبه، وإما عن قصد حتى ينحذف عن القلب ذكره. وقال الجزري في النهاية: السهو في الشيء تركه من غير علم، والسهو عن الشيء تركه مع علم، وهذا فرق حسن دقيق. وبه يظهر الفرق بين السهو الذي وقع عن النبي صلى الله عليه وسلم غير مرة، وبين السهو عن الصلاة الذي ذمه الله تعالى بقوله:{الذين هم عن صلاتهم ساهون} [107: 5] واختلف في حكم سجود السهو: قال الشافعية: مسنون كله، وعن المالكية: السجود للنقص واجب دون الزيادة. وعن الحنابلة: التفصيل بين الواجبات غير الأركان، فيجب لتركها سهواً وبين السنن القولية فلا يجب، وكذا يجب إذا سها بزيادة فعل أو قول يبطلها عمده. وعن الحنفية واجب كله. وحجتهم قوله في حديث أبي هريرة الآتي "فليسجد سجدتين"، وقوله في حديثي ابن مسعود وأبي سعيد الآيتين "ثم ليسجد سجدتين". والأمر للوجوب، وقد ثبت من فعله صلى الله عليه وسلم، وأفعاله في الصلاة محمولة على البيان، وبيان الواجب واجب، ولا سيما مع قوله:"صلوا كما رأيتموني أصلي"، كذا في الفتح.
1021-
قوله: (إن أحدكم إذا قام يصلي) فرضاً أو نفلاً، فإن قلت: قوله في الرواية الماضية، في باب
جاءه الشيطان فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى؟ فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس))
ــ
فضل الأذان وإجابة المؤذن "إذا نودي بالصلاة" قرينة في أن المراد الفريضة، وكذا قوله "إذا ثوب"، أجيب بأن ذلك لا يمنع تناول النافلة؛ لأن الإتيان بها حينئذٍ مطلوب لقوله صلى الله عليه وسلم:"بين كل أذانين صلاة". (جاءه الشيطان) الظاهر أن "ال" فيه للعهد الذهني. وهو شيطان الصلاة الذي يسمى خنزب، كما رواه مسلم من حديث عثمان بن أبي العاص. (فلبس عليه) من الثلاثي، أي خلط عليه أمر صلاته وشوش خاطره. مصدره اللبس واللبس. وهو اختلاط الأمر، يقال لبس عليه الأمر يلبسه فالتبس، إذا خلطه عليه، وجعله مشتبهاً بغيره، خافياً حتى لا يعرف جهته. وقد يشدد للمبالغة، فيقال: لبس تلبيساً، وأما اللباس فمن باب سمع. قال الجزري: لبست الأمر بالفتح ألبسه، إذا خلطت بعضه ببعض. ومنه قوله تعالى:{وللبسنا عليهم ما يلبسون} [6: 9] . وربما شدد للتكثير-انتهى. وقال النووي: هو بالتخفيف أي خلط عليه صلاته، وشبهها عليه، وشككه فيها. (حتى لا يدري كم صلى) أي ركعة أو ركعتين أو غيرهما. والمعنى حتى ينسى قدر ما صلى لاشتغال قلبه. (فإذا وجد ذلك) أي التردد، وعدم العلم. وقيل: السهو. (أحدكم) في صلاته. (فليسجد سجدتين) ترغيماً للشيطان حيث لبس عليه صلاته. وليس شيء أثقل على الشيطان من السجود لما لحقه ما لحقه من الامتناع عن السجود. وفيه دلالة على أنه لا زيادة على سجدتين وإن سها بأمور متعددة. (وهو جالس) زاد ابن إسحاق وابن أخي الزهري كلاهما عن الزهري في هذا الحديث عند أبي داود لفظ "قبل أن يسلم". وكذا وقعت هذه الزيادة عند ابن ماجه من رواياته ابن إسحاق عن الزهري، وسلمة بن صفوان بن سلمة كلاهما عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، لكن أعلها أبوداود وغيره بأن الحفاظ من أصحاب الزهري، ابن عيينة ومعمراً والليث ومالكاً لم يقولوا "قبل أن يسلم". وإنما ذكره ابن إسحاق وابن أخي الزهري، وليسا بحجة على من لم يذكروه، قاله الزرقاني. وقال الحافظ في الفتح: لم يقع في رواية الزهري تعيين محل السجود. وقد روى الدارقطني من طريق عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً إذا سها أحدكم فلم يدر أزاد أو نقص، فليسجد سجدتين وهو جالس ثم يسلم. إسناده قوي ولأبي داود من طريق ابن أخي الزهري عن عمه نحوه بلفظ "وهو جالس قبل التسليم". وله من طريق ابن إسحاق قال حدثني الزهري بإسناده، وقال فيه "فليسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم يسلم". قال العلائي: سنده الزيادة في هذا الحديث بمجموع هذه الطرق، لا تنزل عن درجة الحسن المحتج به-انتهى. وهذا كما ترى لم يلتفت الحافظ والعلائي إلى ما أشار إليه أبوداود من إعلال هذه الزيادة، بل جعلاها حجة، وهذا هو الصواب عندي؛ لأنها زيادة ثقة غير معارضة لرواية الثقات، أو لرواية من هو أوثق منه فتقبل، ولا سيما قد
تأيدت بالأحاديث الصحيحة الواردة في سجود السهو للشك، فإنها قاضية بأن سجود السهو لهذا السبب يكون قبل السلام، كحديث أبي سعيد التالي، وحديث عبد الرحمن بن عوف عند أحمد والترمذي وابن ماجه والبيهقي مرفوعاً: إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدرأ واحدة صلى أم اثنتين فليجعلها واحدة، وإذا لم يدر ثنتين صلى أم ثلاثاً فليجعلهما ثنتين، وإذا لم يدر ثلاثاً صلى أم أربعاً فليجعلها ثلاثاً، ثم يسجد إذا فرغ من صلاته وهو جالس قبل أن يسلم سجدتين. نعم قد ورد ما يعارض ذلك، كحديث ابن مسعود الآتي، وحديث عبد الله بن جعفر عند أحمد وأبي داود والنسائي والبيهقي مرفوعاً بلفظ:"من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعد ما يسلم"، فيحمل الأمر في ذلك على التوسع، وإن الكل جائز، والله أعلم. وأما الأفضل في محل السجود فسيأتي بيانه في شرح حديث ابن مسعود الآتي عند ذكر اختلاف الأئمة. واعلم أن الأحاديث الواردة في السهو على خمسة أنحاء بالنظر إلى ما يجبر به الساهي صلاته وما يصنعه من الإتمام وعدمه. فبعضها يدل على أن المصلي إذا شك في صلاته فلم يدر زاد أو نقص، فليس عليه إلا سجدتان، كحديث أبي هريرة، وحديث أبي سعيد عند الترمذي وأبي داود، وحديث عبد الله بن جعفر. وبعضها يدل على أنه يعيد الصلاة، كحديث عبادة بن الصامت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل سها في صلاته فلم يدر كم صلى، فقال: ليعد صلاته، وليسجد سجدتين قاعداً. أخرجه الطبراني في الكبير من رواية إسحاق بن يحيى بن عبادة بن الصامت عن جده عبادة بن الصامت. قال الهيثمي والعراقي: لم يسمع إسحاق عن جده عبادة، وكحديث ميمونة بنت سعد أنها قالت: أفتنا يا رسول الله! في رجل سها في صلاته فلا يدري كم صلى قال ينصرف، ثم يقوم في صلاته حتى يعلم كم صلى، فإنما ذلك الوسواس يعرض، فيسهيه عن صلاته. أخرجه الطبراني في الكبير. وفي إسناده عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي الجزري، مختلف فيه. وهو كبقية في الشاميين، يروي عن المجاهيل. وفي إسناده أيضاً عبد الحميد بن يزيد، وهو مجهول، كما قال العراقي. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج2:ص151) : في إسناده مجاهيل. وبعضها يدل على أنه يبنى على ما استيقن، كحديث أبي سعيد التالي. وفي بعضها أنه يبنى على الأقل، كحديث عبد الرحمن بن عوف عند أحمد والترمذي وغيرهما. وقد ذكرنا لفظه. وبعضها يدل على أنه يتحرى الأقرب إلى الصواب، ويبنى عليه، كحديث ابن مسعود الآتي وغيره من الآثار المروية في ذلك عن ابن عمر وابن مسعود وأبي سعيد. واختلف الأئمة في العمل بهذه الأحاديث، فذهب الحسن البصري وطائفة من السلف إلى أن من دخل عليه الشك فلم يدر زاد أم نقص سجد سجدتين، ليس عليه غير ذلك. واستدل هؤلاء بظاهر حديث أبي هريرة، وحديث أبي سعيد، وحديث عبد الله بن جعفر، وأسقطوا وأهملوا أحاديث التحري والبناء على اليقين وغير ذلك. وهذا أضعف الأقوال، وخالف في ذلك الجمهور الأئمة الأربعة وغيرهم، قالوا: حديث أبي هريرة وما وافقه مجمل، والأحاديث المفسرة قاضية عليه، فلابد من
اعتبارها. قال أبوعبد الملك: حديث أبي هريرة يحمل على كل ساهٍ وإن حكمه السجود، ويرجع في بيان حكم المصلي فيما يشك فيه، وفي موضع سجوده من صلاته إلى سائر الأحاديث المفسرة، قال الشوكاني: ليس في حديثي أبي هريرة وعبد الله بن جعفر أكثر من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بسجدتين عند السهو في الصلاة. وليس بيان ما يصنعه من وقع له ذلك. والأحاديث الآخرة قد اشتملت على زيادة، وهي بيان ما هي الواجب عليه عند ذلك من غير السجود، فالمصير إليها واجب-انتهى. وحاصله أن حديث أبي هريرة سبق لبيان حكم ما يجير به الساهي صلاته. والمقصود من أحاديث البناء وغيره، بيان ما يصنعه من الإتمام وعدمه، فلا بد من أخذها والعمل بها. وقيل: حديث أبي هريرة محمول على من طرأ عليه الشك، وقد فرغ قبل أن يسلم. فإنه لا يلتفت إلى ذلك الشك، ويسجد للسهو، كمن طرأ عليه بعد أن سلم، فلو طرأ عليه قبل ذلك بنى على اليقين كما في حديث أبي سعيد. وعلى هذا فقوله فيه "وهو جالس" يتعلق بقوله "إذا شك" لا بقوله "سجد". وقال ابن عبد البر: حديث أبي هريرة هذا محمول عند مالك على المستنكح الذي لا يكاد ينفك عنه، ويكثر عليه السهو، ويغلب علىظنه أنه قد أتم، لكن الشيطان يوسوس له، فيجزيه أن يسجد للسهو دون أن يأتي بركعة؛ لأنه لا يأمن أن ينويه مثل ذلك فيما يأتي به. وأما من غلب على ظنه أنه لم يكمل صلاته، فيبنى على يقينه، فإن اعتراه ذلك أيضاً فيما يبني لهى عنه أيضاً، كما قاله ابن القاسم وغيره، وقال ابن رشد في البداية: فأما مالك بن أنس حمل حديث أبي سعيد الخدري – يعني الذي يأتي – على الذي لم يستنكحه الشك، وحمل حديث أبي هريرة على الذي يغلب عليه الشك، ويستنكحه. وتأول حديث ابن مسعود على أن المراد بالتحري هنالك هو الرجوع إلى اليقين، فثبت على مذهبه الأحاديث كلها-انتهى. وحمل الشافعي حديث أبي هريرة هذا على أحاديث البناء على اليقين، وقال: إن الشاك يبني على اليقين أي المتيقن، وهو الأقل في جميع الصور كلها. والبناء على اليقين هو أن يشك في الواحدة والثنتين، أو الثنتين والثلاث، أو الثلاث والأربع. فإذا كان كذلك فعليه أن يبني على اليقين، وهو الأقل، وليتم صلاته ثم يسجد سجدتي السهو على ما في حديث أبي سعيد. وحمل التحري في حديث ابن مسعود على الأخذ باليقين، كما حمله مالك عليه. قال الشافعي ومن وافقه: والتحري هو القصد. ومنه قوله تعالى. {فأولئك تحروا رشداً} [14:72] ، فمعنى الحديث فليقصد الصواب، فيعمل به. وقصد الصواب هو ما بينه في حديث أبي سعيد وغيره. قال الشوكاني: قال الشافعي وداود وابن حزم: التحري هو البناء على اليقين. وحكاه النووي عن الجمهور-انتهى. وقيل: التحري غير البناء على اليقين. قال أحمد: ترك الشك على وجهين: أحدهما إلى اليقين والآخر إلى التحري. فمن رجع إلى اليقين فهو أن يلقى الشك، ويسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد. وإذا رجع إلى التحري، وهو أكبر الوهم سجد للسهو بعد السلام على حديث ابن مسعود، ذكره ابن عبد البر في التمهيد،
والخطابي في المعالم (ج1:ص239) . وقال ابن حبان: قد يتوهم من لم يحكم صناعة الأخبار، ولا تفقه في صحيح الآثار أن التحري في الصلاة، والبناء على اليقين واحد وليس كذلك؛ لأن التحري هو أن يشك المرأ في صلاته فلا يدري ما صلى فإذا كان ذلك فعليه أن يتحري الصواب وليبن على الأغلب عنده على خبر ابن مسعود، والبناء على اليقين هو أن يشك في الثنتين والثلاث، أو الثلاث والأربع. فإذا كان كذلك فعليه أن يبنى على اليقين، وهو الأقل، وليتم صلاته على خبر عبد الرحمن بن عوف وأبي سعيد-انتهى مختصراً. وبهذا كله ظهر أن مالكا والشافعي أوّلا أحاديث التحري والبناء على الأقل إلى أحاديث البناء على اليقين. وأما حديث أبي هريرة فحمله مالك على المستنكح، وحمله الشافعي على أحاديث البناء على اليقين، واتفقا جميعاً على إهمال حديثي عبادة بن الصامت وميمونة بنت سعد الدالين على إعادة الصلاة. وذلك لعدم صلوحهما للاحتجاج. وأما أحمد فله في ذلك ثلاث روايات، كما في المغني (ج1:ص671-673) : إحداها البناء على اليقين أي الأقل مطلقاً للإمام والمنفرد كليهما. والثانية البناء على اليقين للإمام والمفرد إذا لم يكن لهما ظن، ومتى كان لهما غالب ظن عملا عليه. قال ابن قدامة: فعلى هذا يحمل حديث أبي سعيد على من استوى عنده الأمران، فلم يكن له ظن. وحديث ابن مسعود على من له رأي وظن. يعمل بظنه، جمعاً بين الحديثين، وعملا بهما، فيكون أولى، ولأن الظن دليل في الشرع، فيجب اتباعه، والثالثة التفريق بين المنفرد، فيبني على اليقين مطلقاً، والإمام فيبنى على غالب ظنه إذا كان له ظن. وإن لم يكن له ظن بل استوى الأمران عنده بنى على اليقين أيضاً، اختار هذه الرواية الخرقي، وهو الظاهر في المذهب. وقال الشعبي والأوزاعي وجماعة من السلف: إذا لم يدر كم صلى لزمه أن يعيد الصلاة مرة بعد أخرى حتى يستيقن. وقال بعضهم: يعيد ثلاث مرات، فإذا شك في الرابعة فلا إعادة عليه. واستدل هؤلاء بحديثي عبادة وميمونة. وقد عرفت أنهما لا يصلحان للاحتجاج لضعفهما. وأما الحنفية فقالوا بالتفصيل، وحالوا الجمع بين الأحاديث الواردة في المسألة، قالوا إذا شك وهو مبتدأ بالشك، لا بمتلى فيه استأنف الصلاة، والمراد بقولهم مبتدأ بالشك على ما في البدائع: أنه لم يصر عادة له، لا أنه لم يسه في عمره قط. فحملوا حديثي عبادة وميمونة الدالين على الإعادة على من لم يصر الشك عادة له، قالوا: وإن كان يعرض له الشك كثيراً تحرى وبنى على أكبر رأيه وأكثر ظنه على حديث ابن مسعود، ولم يمض على اليقين، أي الأقل، وإن لم يكن له رأي بنى على اليقين على حديث أبي سعيد، قالوا حديث أبي سعيد لا يخالفنا؛ لأنه ورد في الشك وهو ما استوى طرفاه، ومن شك ولم يترجح له أحد الطرفين يبني على الأقل بالإجماع، بخلاف من غلب على ظنه أنه صلى أربعاً مثلاً، وفيه أن تفسير الشك بمستوى الطرفين إنما هو اصطلاح طارئ للأصوليين. وأما في اللغة: فالتردد بين وجود الشيء وعدمه كله يسمى شكاً، سواء المستوي والراجح والمرجوح. والحديث يحمل على اللغة ما لم يكن هناك حقيقة شرعية أو عرفية.
متفق عليه.
ــ
ولا يجوز حمله على ما يطرأ للمتأخرين من الاصطلاح، قاله النووي. وقال الشوكاني: والذي يلوح لي أنه لا معارضة بين أحاديث البناء على الأقل والبناء على اليقين وتحري الصواب. وذلك؛ لأن التحري في اللغة: هو طلب ما هو أحرى إلى الصواب. قد أمر به صلى الله عليه وسلم وأمر بالبناء على اليقين. والبناء على الأقل عند عروض الشك. فإن أمكن الخروج بالتحري عن تاثرة الشك لغة، ولا يكون إلا بالاستيقان بأنه قد فعل من الصلاة كذا ركعات، فلا شك أنه مقدم على البناء على الأقل؛ لأن الشارع قد شرط في جواز البناء على الأقل عدم الدراية، كما في حديث عبد الرحمن بن عوف. وهذا المتحري قد حصلت له الدراية. وأمر الشاك بالبناء على ما استيقن، كما في حديث أبي سعيد، ومن بلغ به تحريه إلى اليقين قد بنى على ما استيقن. وبهذا تعلم أنه لا معارضة بين الأحاديث المذكورة، وأن التحري المذكور مقدم على البناء على الأقل. وقد أوقع الناس ظن التعارض بين هذه الأحاديث في مضائق ليس عليها أثارة من علم، كالفرق بين المبتدأ والمبتلى والركن والركعة-انتهى قلت: هذا تحقيق جيد حقيق بالقبول. وأما ما ذهب إليه الحنفية من البناء على أكبر الرأي وأكثر الظن وأغلبه، فلم أجد فيه حديثاً صريحاً مرفوعاً صحيحاً أو حسناً. وأيضاً هو مبنى على أخذ الشك الواقع في حديث أبي سعيد وغيره في المعنى المصطلح وقد عرفت ما فيه. وأما استدلالهم على ذلك بلفظ التحري في حديث ابن مسعود الآتي ففيه ما تقدم آنفاً، وسيأتي مزيد الكلام في ذلك. ثم إن ظاهر قوله: إن أحدكم إذا قام يصلي، وقوله: إذا شك أحدكم في صلاته في حديثي أبي سعيد وابن مسعود، وقوله: من صلى صلاة في حديث عبد الرحمن بن عوف، يدل على ما ذهب إليه الجمهور من أن سجود السهو مشروع في صلاته النافلة، كما هو مشروع في صلاة الفريضة؛ لأن الجبران وإرغام الشيطان يحتاج إليه في النفل، كما يحتاج إليه في الفريضة. وذهب ابن سيرين وقتادة وعطاء إلى أن التطوع لا يسجد فيه. وهذا يبني على الخلاف في اسم الصلاة الذي هو حقيقة شرعية في الأفعال المخصوصة هل هو متواطئ فيكون مشتركاً معنوياً فيدخل تحته كل صلاة. أو هو مشترك لفظي بين صلاتي الفريضة والنافلة فذهب الفخر الرازي إلى الثاني، لما بين صلوتي الفرض والنفل من التباين في بعض الشروط كالقيام واستقبال القبلة وعدم اعتبار العدد المنوي وغير ذلك. قال العلائي: والذي يظهر أنه مشترك معنوي لوجود القدر الجامع بين كل ما يسمى صلاة، وهو التحريم والتحليل مع ما يشمل الكل من الشروط التي لا تنفك. قال الحافظ: وإلى كونه مشتركاً معنوياً ذهب جمهور أهل الأصول. قال ابن رسلان: وهو أولى لأن الاشتراك اللفظي على خلاف الأصل، والتواطؤ خير منه-انتهى. فمن قال إن لفظ الصلاة مشترك معنوي قال بمشروعية سجود السهو في صلاة التطوع. ومن قال بأنه مشترك لفظي فلا عموم له حينئذٍ إلا على قول الشافعي: أن المشترك يعم جميع مسمياته. وقد ترجم البخاري على حديث أبي هريرة هذا: باب السهو في الفرض والتطوع، وذكر عن ابن عباس أنه سجد سجدتين بعد وتره. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد ومالك والترمذي وأبوداود والنسائي وابن
1022-
(2) وعن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثاً أو أربعاً فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم،
ــ
ماجه والبيهقي. وأعلم أن المذكور في هذا الحديث وغيره من حديث أبي سعيد وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف، هو حكم الشك في الصلاة. والفرق بين السهو والشك أن السهو يكون فيه أحد الطرفين مجزوماً بخلاف الشك. ولما كان الشك في الصلاة كالسهو والنسيان في مشروعية السجود ذكر المصنف هذه الأحاديث في باب السهو. والله أعلم.
1022-
قوله: (إذا شك أحدكم في صلاته) ليس المراد بالشك التردد مع التساوى، بل مطلق التردد في النفس وعدم اليقين على ما في اللغة، فيشمل الشك المصطلح عند الأصوليين والوهم والظن وغالب الظن. قال الحموي في حواشي الأشباه والنظائر: الشك لغة: مطلق التردد. وفي اصطلاح الأصول: استواء طرفي الشيء، وهو الوقوف بحيث لا يميل القلب إلى أحدهما، فان ترجح أحدهما ولم يطرح الآخر فهو ظن، فإن طرحه فهو غالب الظن، وهو بمنزلة اليقين. وأما عند الفقهاء: فهو كاللغة لا فرق بين المساوي والراجح. وقال في فتح القدير نقلاً عن الحموي: اعلم أن مراد الفقهاء بالشك في الماء والحدث والنجاسة والصلاة والطلاق وغيرها، هو التردد بين وجود الشيء وعدمه، سواء كان الطرفان سواء أو أحدهما راجحاً. فهذا معناه في اصطلاح الفقهاء. وأما أصحاب الأصول فإنهم فرقوا بين ذلك، فقالوا التردد إن كان على السواء فهو الشك، فإن كان أحدهما راجحاً فالراجح ظن والمرجوح وهم-انتهى. وعند الحنفية: المراد به التردد من غير رحجان. قال السندي: حمله علماؤنا على ما إذا لم يغلب ظنه على شيء، وإلا فعند غلبة الظن لم يبق شك، فمعنى "إذا شك أحدكم" أي إذا بقى شاكاً ولم يترجح عنده أحد الطرفين بالتحري وغيرهم، حملوا الشك على مطلق التردد في النفس وعدم اليقين-انتهى.. (فلم يدر كم صلى ثلاثاً) تمييز رافع لإبهام العدد في "كم". (أو أربعا) أي مثلاً. (فليطرح الشك) أي المشكوك فيه، وهو الأكثر أي ليطرح الزائد الذي هو محل الشك، ولا يأخذ به في البناء يعنى الركعة الرابعة يدل عليه قوله:(وليبن) بسكون اللام وكسره. (على ما استيقن) أي علم يقينا، وهو ثلاث ركعات وفي رواية أبي داود والنسائي وابن ماجه: وليبن على اليقين أي المتيقن به، وهو الأقل فلا يقال إنه لا يقين مع الشك؛ لأن المراد باليقين ههنا المتيقن، فالثلاث هو المتيقن، والشك والتردد إنما هو في الزيادة، فيبنى على المتيقن لا على الزائد الذي يشك فيه. (ثم يسجد سجدتين) قال القاري: بالجزم. وفي نسخة: بالرفع في الأزهار يجوز فيه الجزم عطفاً على "ليبن"، والرفع خبر لو بمعنى الأمر إشارة إلى المغايرة
فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان)) رواه مسلم.
ــ
في الحكم وجوباً أو ندباً-انتهى. وهذا الحديث كما ترى مفصل للإجمال الوارد في حديث أبي هريرة المتقدم، وحديث عبد الله بن جعفر، وحديث أبي سعيد عند الترمذي وأبي داود. فعليه التعويل، ويجب إرجاع الإجمال إليه. وفيه رد على من فصل في الشك من كونه أول ما سهى أو ثانياً؛ لأن الحديث مطلق وهو أوفق بالناس، والنبي صلى الله عليه وسلم أرسل رحمة ورأفة لهم. واحتج به للجمهور مالك والشافعي ومن تبعهما فيما ذهبوا إليه من وجوب طرح الشك والبناء على المتيقن أي الأقل، وعدم أجزاء التحرى، كما تقدم الإشارة إليه. (قبل أن يسلم) فيه دليل لمن قال إن السجود للسهو قبل السلام. وسيأتي الكلام فيه. (فإن كان صلى خمساً) أي في رباعية وهو تعليل للأمر بالسجود، أي فإن كان ما صلاه في الواقع أربعاُ فصار خمساُ بإضافة إليه ركعة أخرى. (شفعن) بتخفيف الفاء وتشديدها. (له صلاته) قال الطيبي: الضمير في "شفعن" للركعات الخمس وفي "له" للمصلي يعني شفعت الركعات الخمس صلاة أحدكم بالسجدتين، يدل عليه قوله الآتي: شفعها بهاتين السجدتين أي شفع المصلى الركعات الخمس بالسجدتين. وقال ابن حجر: أي الركعة الخامسة والسجدتان، لرواية أبي داود: كانت الركعة نافلة والسجدتان، أي وصارت صلاته شفعاً باقياً على حاله-انتهى. وفي رواية النسائي: شفعتا أي بصيغة التثنية. والمعنى ردت السجدتان صلاته إلى الشفع. قال السندي: أن السجدتان صارتا له كالركعة السادسة، فصارت الصلاة بهما ست ركعات، فصارت شفعاً-انتهى. وكان المطلوب من الرباعية الشفع وإن زادت على الأربع. (وإن كان صلى إتماماً لأربع) قيل: نصبه على أنه مفعول له، يعني إن كان صلى ما يشك فيه لإتمام أربع. وقيل: إنه حال أي إن صلى ما شك فيه حال كونه متمماً للأربع، فيكون قد أدى ما عليه من غير زيادة ولا نقصان. (كانتا ترغيماً للشيطان) أي وإن صارت صلاته بتلك الركعة أربعاً كانتا أي السجدتان ترغيماً أي سبباً لاغاظة الشيطان وإذلاله وإهانته له حيث تكلف في التلبيس، فجعل الله تعالى له طريق جبر بسجدتين فأضل سعيه حيث جعل وسوسته سبباً للتقرب بسجدة استحق هو بتركها الطرد. قال النووي: المعنى أن الشيطان لبس عليه صلاته وتعرض لإفسادها ونقصانها، فجعل الله للمصلي طريقاً إلى جبر صلاته، وتدارك ما لبسه عليه، وإرغام الشيطان ورده خاسئاً مبعداً عن مراده، وكملت صلاة ابن آدم لما امتثل أمر الله الذي عصى به إبليس من امتناعه من السجود-انتهى. قال القاضي: القياس أن لا يسجد، إذ الأصل أنه لم يزد شيئاً لكن صلاته لا تخلوا عن أحد خللين، إما أداء الزيادة، وإما أداء الرابعة على التردد، فيسجد جبراً للخلل، والتردد لما كان من تسويل الشيطان وتلبيسه سمى جبره ترغيماً له. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقي (ج2:ص331) .
1023-
(3) ورواه مالك عن عطاء مرسلاً. وفي روايته، شفعها بهاتين السجدتين.
ــ
1023-
قوله: (ورواه مالك عن عطاء مرسلاً) وأخرجه أبوداود والبيهقي أيضاً مرسلاً عن عطاء. قال الزرقاني في شرح الموطأ: هكذا مرسلاً عند جميع الرواة. (أي رواة الموطأ) وتابع مالكاً على إرساله الثوري وحفص بن ميسرة ومحمد بن جعفر وداود بن قيس في رواية. ووصله الوليد بن مسلم ويحيى بن راشد المازني كلاهما عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد الخدري. وقد وصله مسلم من طريق سليمان بن بلال وداود بن قيس كلاهما عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد. وله طرق عند أبي داود والنسائي وابن ماجه عن زيد موصولاً، ولذا قال أبوعمر بن عبد البر: هذا الحديث وإن كان الصحيح فيه عن مالك الإرسال فإنه متصل من وجوه ثابتة من حديث من تقبل زيادته؛ لأنهم حفاظ فلا يضره تقصير من قصر في وصله إلا أن الصحيح أنه من مسند أبي سعيد الخدري. وما أخرجه النسائي من طريق عبد العزيز الدراوردي عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس. قال ابن حبان: وهم عبد العزيز في قوله ابن عباس، وإنما هو عن أبي سعيد. وقال الأثرم لأحمد بن حنبل. أتذهب إلى حديث أبي سعيد،؟ قال: نعم. قلت: إنهم يختلفون في إسناده، قال: إنما قصر به مالك وقد أسنده عدة منهم ابن عجلان وعبد العزيز بن أبي سلمة - انتهى. وقال الخطابي في المعالم (ج1: ص240) : قد ضعف حديث أبي سعيد الخدري قوم زعموا أن مالكاً أرسله عن عطاء بن يسار ولم يذكر فيه أباسعيد الخدري. وهذا مما لا يقدح في صحته، ومعلوم عن مالك أنه يرسل الأحاديث وهي عنده مسندة، وذلك معروف من عادته، وقد رواه أبوداود من طريق ابن عجلان عن زيد بن أسلم، وذكر أن هشام بن سعد أسنده فبلغ به أباسعيد، وقد أسنده أيضاً سليمان بن بلال - انتهى. قلت: رواية هشام بن سعد أخرجها البيهقي في السنن الكبرى وفي معرفة السنن. وأما رواية الدراوردي عن زيد عن عطاء عن ابن عباس، فلم أجدها في الصغرى من سنن النسائي. فلعلها في الكبرى، نعم ذكرها الخطابي في المعالم (ج1: ص240) قال: قال الشيخ: ورواه ابن عباس أيضاً حدثونا به عن محمد بن إسماعيل الصائغ قال: حدثنا ابن قعنب حدثنا عبد العزيز بن محمد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا شك أحدكم، الحديث. قال الحافظ في التلخيص. (ص112) وروي عن ابن عباس وهو وهم. وقال ابن المنذر: حديث أبي سعيد أصح حديث في الباب - انتهى. (وفي روايته) أي رواية مالك المرسلة بدل "شفعن له صلاته". (شفعها) أي صيرها شفعاً. (بهاتين السجدتين) اللتين سجدهما للسهو، أي لما بنى على اليقين وصلى ركعة أخرى، فإن صارت صلاته خمساً شفعها أي جعل الخمس شفعاً بهاتين السجدتين؛ لأنها تصير ستاً بهما حيث أتى بمعظم أركان الركعة وهو السجود، فكأنه أتى بالركعة السادسة. وقال ابن رسلان: يعني لو لم يسجد للسهو لكانت الخامسة، لا يناسب أصل المشروعية، فلما سجد سجدتي السهو ارتفعت الوترية، وجاءت الشفعية المناسبة الأصل - انتهى.
1024-
(4) وعن عبد الله بن مسعود: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمساً، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: وما ذاك؟ قالوا: صليت خمساً، فسجد سجدتين بعد ما سلم)) .
ــ
1024-
قوله: (صلى الظهر خمساً) أي خمس ركعات. (فقيل له) أي لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن سلم. (أزيد في الصلاة) بهمزة الإستفهام للإستخبار. (فقال وما ذاك) أي وما سؤالكم عن الزيادة في الصلاة. وفي رواية لمسلم: فلما انفتل توشوش القوم بينهم فقال: ما شأنكم، قالوا: يا رسول الله! هل زيد في الصلاة، قال: لا وقد تبين بهذه الرواية أن سؤالهم لذلك كان بعد استفساره لهم عن مشاورتهم. وهو دال على عظيم أدبهم معه صلى الله عليه وسلم. (فسجد سجدتين) أي للسهو. (بعد ما سلم) كلمة "ما" مصدرية أي بعد سلام الصلاة. وفي رواية للشيخين: فثنى رجليه واستقبل القبلة، وسجد سجدتين ثم سلم، أي من سجدتي السهو. وقد روى أحمد ومسلم وابن خزيمة وغيرهم هذا الحديث مختصراً أيضاً بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد سجدتي السهو بعد السلام والكلام. قال ابن خزيمة: إن كان المراد بالكلام قوله: وما ذاك، في جواب قولهم:"أزيد في الصلاة"، فهذا نظير ما وقع في قصة ذي اليدين. وسيأتي البحث فيه فيها. وإن كان المراد به قوله: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون. فقد اختلفت الرواة في الموضع الذي قالها فيه: ففي رواية منصور: أن ذلك كان بعد سلامه من سجدتي السهو. وفي رواية غيره أن ذلك كان قبل. ورواية منصور أرجح - انتهى. واحتج به من قال إن سجود السهو كله بعد السلام، وهم الحنفية، وتعقب بأنه لم يعلم بزيادة الركعة إلا بعد السلام حين سألوه هل زيد في الصلاة. وقد اتفق العلماء في هذه الصورة على أن سجود السهو بعد السلام لتعذره قبله لعدم علمه بالسهو. وأجاب بعضهم مما وقع في هذا الحديث من الزيادة الآتية القولية. وأجيب بأنه معارض بحديث أبي سعيد المتقدم. فالظاهر أن ذلك كان منه صلى الله عليه وسلم لبيان الجواز، والتوسع في الأمرين. كما تقدم، وقد رجح البيهقي: التخيير في سجود السهو قبل السلام أو بعده. ونقل الماوردي وغيره: الإجماع على الجواز. وإنما الخلاف في الأفضل. وكذا قال النووي، واستدل بالحديث على أن من صلى خمساً ساهياً ولم يجلس في الرابعة أن صلاته لا تفسد، خلافاً للكوفيين. وقولهم: يحمل هذا على أنه قعد في الرابعة يحتاج إلى دليل، بل السياق يرشد إلى خلافه. وعلى أن الزيادة في الصلاة على سبيل السهو لا تبطلها، وعلى أن من لم يعلم بسهوه إلا بعد السلام يسجد للسهو، وعلى أن الكلام العمد فيما يصلح به الصلاة لا يفسدها، وعلى أن من تحول عن القبلة ساهياً لا إعادة عليه. كذا في الفتح. قلت: ذهب الجمهور مالك والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهوية وغيرهم إلى أنه إذا صلى الرجل الظهر خمساً فصلاته جائزة، وسجد سجدتي السهو. وإن لم يجلس في الرابعة. والحديث حجة لهم. ومسلك الحنفية في ذلك على ما في الهداية وحواشيه: أن من سها عن القعدة الأخيرة
حتى قام إلى الخامسة رجع إلى القعدة ما لم يسجد؛ لأن فيه إصلاح صلاته، وأمكنه ذلك؛ لأن ما دون الركعة بمحل الرفض، وألغى الخامسة، وسجد للسهو لتأخير الفرض، وهي القعدة، وإن قيد الخامسة بسجدة بطل فرضه؛ لأنه تحقق شروعه في النافلة قبل إكمال الفرض، فإن القعدة الأخيرة فرض عندهم، وبترك الفرض تبطل الصلاة، وتحولت صلاته نفلاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وبطلت عند محمد، فيضم إليها ركعة، ولو لم يضم لا شيء عليه، ولو قعد في الرابعة، ثم قام، ولم يسلم عاد إلى القعدة ما لم يسجد للخامسة وسلم، وإن قيد الخامسة بالسجدة، ثم تذكر ضم إليها ركعة أخرى، وتم فرضه؛ لأن الباقي إصابة لفظ السلام، وهي غير فرض عندهم، وإنما يضم إليها أخرى لتصير الركعتان نفلاً؛ لأن الركعة الواحدة لا تجزيه عندهم لحديث النهي عن البتيراء. وحملوا حديث ابن مسعود هذا على أنه جلس على الرابعة. وفيه: أنه محتاج إلى دليل، بل سياق الحديث يرشد إلى خلافه، قال ابن قدامة في المغني (ج1: ص68) : الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم لم يجلس عقيب الرابعة؛ لأنه لم ينقل، ولأنه قام إلى الخامسة معتقداً أنه قام عن ثالثه، ولم تبطل صلاته بهذا، ولم يضف إلى الخامسة أخرى. وحديث أبي سعيد أيضاً حجة عليهم، فإنه جعل الزائدة نافلة من غير أن يفصل بينها وبين التي قبلها بجلوس، وجعل السجدتين يشفعانها، ولم يضم إليها ركعة أخرى. وهذا كله خلاف لما قالوه. فقد خالفوا الخبرين جميعاً. وقولنا يوافق الخبرين جميعاً - انتهى. وقال السندي: حمله علماؤنا الحنفية على أنه جلس على الرابعة، إذ ترك هذا الجلوس عندهم مفسد. ولا يخفى أن الجلوس على رأس الرابعة إما على ظن أنها رابعة أو على ظن أنها ثانية، وكل من الأمرين يفضي إلى اعتبار الواقعة منه أكثر من سهو واحد. وإثبات ذلك بلا دليل مشكل. والأصل عدمه. فالظاهر أنه ما جلس أصلاً. وذلك؛ لأنه إن ظن أنها رابعة فالقيام إلى الخامسة يحتاج إلى أنه نسي ذلك، وظهر له أنها ثالثة مثلاً، واعتقد أنه خطأ في جلوسه. وعند ذلك ينبغي أن يسجد للسهو فتركه لسجود السهو. أولا يحتاج إلى القول أنه نسي ذلك الاعتقاد أيضاً، ثم قوله: وما ذاك بعد إن قيل له، يقتضي أنه نسي بحيث ما تنبه له بتذكيرهم أيضاً. وهذا لا يخلو عن بُعد. وإن قلنا أنه ظن أنها ثانية سهواً ونسياناً فذاك النسيان مع بعده يقتضي أن لا يجلس على رأس الخامسة، بل يجلس على رأس السادسة، فالجلوس على رأس الخامسة يحتاج إلى اعتبار سهو آخر - انتهى. تنبيه: قال العيني في شرح البخاري (ج7: ص307) مستدلاً على وقوع الجلوس منه صلى الله عليه وسلم عقيب الرابعة: إن المذكور في الحديث "صلى الظهر خمساً" والظهر اسم للصلاة المعهودة في وقتها بجميع أركانها. وفيه: أن إطلاق لفظ الظهر لا يدل على أنه جلس في الرابعة بل قوله: خمساً يرشد إلى خلاف ذلك، وإنما هذا كقول الراوي في قصة ذي اليدين:"صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر، وفي رواية: العصر فسلم مع أنه صلى الله عليه وسلم قد ترك الركعتين الأخيرتين نسياناً". وقال بعضهم حديث ابن مسعود واقعة حال، لا عموم لها، فلا
وفي رواية: قال: ((إنما أنا بشر مثلكم،
ــ
يشكل على الحنفية إلا بعد إثبات أنه عليه الصلاة والسلام لم يجلس على الرابعة وهو لم يثبت بعد، بل هو محتمل، ولا يحتاج الحنفية إلى إثبات القعدة، كما هو ظاهر؛ لأنهم قالوا إن القعدة فرض فلا يترك إلا بنص يخالفه لا بمحتمل. وفيه: أنه لم يقم دليل يثبت به كون القعدة الأخيرة فرضاً بالمعنى المصطلح عندهم. ولا بد لمن يدعي قعوده صلى الله عليه وسلم على الرابعة أن يأتي بدليل يدل صراحة على ذلك. ولا يكفي الاحتمال في مثل هذا. والحديث ليس بظاهر في ثبوت القعود، بل هو ظاهر في نفيه، كما يرشد السياق إليه. بل ذكر الشيخ محمد أنور الحنفي تصريح نفي الجلوس عقب الرابعة عن معجم الطبراني حيث قال: وفي المعجم للطبراني نفي القعدة على الرابعة صراحة، فأشكل الأمر علينا، ولا بد له من جواب - انتهى. (فيض الباري ج2: ص339) قال جامعه: ولم أسمع منه-يعني من شيخه محمد نور- جوابه، ولا اتفق لي السؤال عنه. والله تعالى يدري ما كان جوابه عنده. ولا ريب أن الأمر أمر - انتهى. قلت: لا شك أن الحديث مشكل جداً على الحنفية ولم أر لهم جواباً عنه إلا ادعاء القعود على الرابعة من غير دليل مع كونه مخالفاً لما في الطبراني من نفي القعدة صراحة على ما قال صاحب فيض الباري. ولو صرفنا النظر عن ذلك، وسلمنا أنه قعد في الرابعة أشكل عليهم أيضاً؛ لأنه لم يضم السادسة، بل اكتفى بسجدتي السهو. وضم الركعة السادسة مؤكد، بل واجب عندهم. وأما قول العيني: لا يضرنا ذلك؛ لأنا لا نلزمه بضم الركعة السادسة على طريق الوجوب حتى قال صاحب الهداية: ولو لم يضم لا شيء عليه؛ لأنه مظنون. وقال صاحب البدائع: والأولى أن يضيف إليها ركعة أخرى ليصيرا نفلاً إلا في العصر. ففيه: أن هذا مخالف لقولهم: لا بد من أن يضم سادسة؛ لأن الركعة الواحدة لا تجزيه لنهيه عليه السلام عن البتيراء، فإنه ظاهر في وجوب ضم السادسة في هذه الصورة- واعلم أن حديث النهي عن البتيراء أخرجه ابن عبد البر في التمهيد بسنده من رواية أبي سعيد الخدري بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن البتيراء أن يصلي الرجل واحدة يوتر بها، ذكره عبد الحق في أحكامه، وقال الغالب على حديث عثمان بن محمد بن ربيعة - أحد رواة هذا الحديث - الوهم. وقال ابن القطان في كتابه الوهم والإيهام بعد ذكره من جهة ابن عبد البر: الحديث شاذ، لا يعرج عليه ما لم يعرف عدالة راويه. وعثمان بن محمد بن ربيعة الغالب على حديثه الوهم - انتهى. وقال ابن حزم: لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن البتيراء - انتهى. وهو أيضاً معارض بما ثبت. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم من الإيتار بركعته قولاً وفعلاً. (وفي رواية قال) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد سلامه من سجدتي السهو. (إنما أنا بشر مثلكم) أي في جميع الأمور البشرية إلا أنه يوحى إليّ. قال الشوكاني: هذا حصر له في البشرية باعتبار من أنكر ثبوت ذلك. ونازع فيه عناداً وجحوداً، وأما باعتبار غير ذلك مما هو فيه فلا ينحصر في وصف البشرية، إذ له صفات أخر ككونه جسماً حياً متحركاً، فيها
أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم يسلم ثم يسجد سجدتين))
ــ
رسولاً، بشيراً ونذيراً، سراجاً منيراً وغير ذلك. (أنسى كما تنسوني) زاد النسائي "وأذكر كما تذكرون". وفيه دليل على جواز السهو والنسيان عليه صلى الله عليه وسلم فيما طريقه التشريع. وقد نقل عياض الإجماع على عدم جواز دخول السهو في الأقوال التبليغية، وخص الخلاف بالأفعال، لكنهم تعقبوه. نعم اتفق من جوز ذلك على أنه لا يقر عليه بل يقع له بيان ذلك إما متصلاً بالفعل أو بعد، كما في حديث ذي اليدين من قوله: لم أنس ولم تقصر، ثم تبين أنه نسي. وفائدة جواز السهو في مثل ذلك بيان الحكم الشرعي، إذا وقع مثله لغيره. (فإذا نسيت فذكروني) فكان حقهم أن يذكروه بالإشارة ونحوها عند إرادة قيامه إلى الخامسة. (فليتحر الصواب) قال الطيبي: التحري القصد والاجتهاد في الطلب. والعزم على تحصيل الشيء بالفعل. والضمير البارز في (فليتم عليه) راجع إلى ما دل عليه "فليتحر"، والمعنى فاليتم على ذلك ما بقي من صلاته بأن يضم إليه ركعة. ولمسلم في رواية: فأيكم شك في صلاته فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب. وله أيضاً: فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب. وفي لفظ له: فليتحر الذي يرى أنه الصواب. واستدل به من قال بالعمل بغالب الظن، وتقديمه على البناء على اليقين أي الأقل وهم الحنفية. قال القاري: معناه "فليطلب بغلبة ظنه واجتهاده الصواب. وقال السندي: أي فليطلب ما يغلب على ظنه ليخرج به عن الشك، فإن وجد فليبن عليه، وإلا فليبن على الأقل لحديث أبي سعيد السابق - انتهى. قال الحافظ: وهو أي كون التحري بمعنى الأخذ بغالب الظن ظاهر الروايات التي عند مسلم - انتهى. وحمله الجمهور على اليقين. قال الخطابي في المعالم (ج1: ص239) ومعنى التحري في حديث ابن مسعود عند أصحاب الشافعي هو البناء على اليقين على ما جاء تفسيره في حديث أبي سعيد الخدري. وحقيقة التحري هو طلب أحرى الأمرين وأولاهما بالصواب. وأحراهما ما جاء في حديث أبي سعيد من البناء على اليقين لما كان فيه من كمال الصلاة والاحتياط لها ومما يدل على أن التحري قد يكون بمعنى اليقين قوله تعالى. {فمن أسلم فأولئك تحروا رشداً} [72: 14] انتهى. وقال الشافعي: فليتحر الصواب معناه فليتحر الذي يظن أنه نقصه فيتمه، فيكون التحري أن يعيد ما شك فيه، ويبني على ما استيقن، وهو كلام عربي مطابق لحديث أبي سعيد إلا أن الألفاظ تختلف لسعة الكلام في الأمر الذي معناه واحد - انتهى. وقدمنا طرفاً من الخلاف في كون التحري والبناء على اليقين شيئاً واحداً أم لا. (ثم ليسلم ثم يسجد) بالجزم. وقيل: بالرفع. وثم لمجرد التعقيب، وفيه دليل لمن قال أن سجود السهو بعد السلام. وقد اختلف أهل العلم في ذلك على عشرة أقوال: الأول: أن سجود السهو كله بعد السلام. وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه عملاً يحدث ابن مسعود، وحديث ذي اليدين التالي، وحديث عمران بن حصين في الفصل الثالث، وحديث عبد الله بن جعفر
المتقدم، وحديث ثوبان عند أبي داود وابن ماجه مرفوعاً: لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم. قال الحافظ: في سنده اختلاف، وقال العراقي: حديث مضطرب. الثاني: أنه كله قبل السلام. وبه قال الشافعي أخذاً بحديث أبي سعيد الخدري، وحديث عبد الرحمن بن عوف، وقد ذكرنا لفظه، وحديث عبد الله بن بحينة الآتي. الثالث: التفرقة بين الزيادة والنقصان فيسجد للزيادة بعد السلام أخذاً بحديث ذي اليدين وللنقص قبله أخذاً بحديث ابن بحينة. قيل: وهذا مذهب مالك. وفيه أن هذا الفرق غير صحيح؛ لأن قصة ذي اليدين وقع السجود فيها بعد السلام، وهي عن نقصان، وأيضاً من جمع عليه السهوان: أحدهما في الزيادة، والثاني، في النقصان، فلا يكون مساغ له. وما قالوا يسجد قبل السلام تغلباً لجانب النقص لا دليل عليه. الرابع: أنه يستعمل كل حديث، كما ورد ففي السلام من اثنتين بعد السلام لحديث ذي اليدين، وكذا إذا سلم من ثلاث لحديث عمران، وفي التحري بعد السلام لحديث ابن مسعود، وفي القيام من ثنتين قبل السلام لحديث ابن بحينة، وفي الشك يبني على اليقين، ويسجد قبل السلام لحديث أبي سعيد، وما عدا هذه المواضع يسجد كله قبل السلام. وإلى ذلك ذهب أحمد بن حنبل. الخامس: أنه يستعمل كل حديث، كما ورد، وما لم يرد فيه شيء مما كان نقصاً سجد له قبل السلام، وفي الزيادة بعد السلام. وبه قال إسحاق بن راهوية. وقد تبين بهذا بأن الشافعي وأبا حنيفة سلكا مسلك الترجيح، ومالكاً وأحمد وإسحاق سلكوا مسلك الجمع. السادس: أن الباني على الأقل عند شكه يسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد، والمتحري في الصلاة عند شكه يسجد بعد السلام على حديث ابن مسعود. وإلى ذلك ذهب أبوحاتم ابن حبان. السابع: أنه يتخير الساهي بين السجود قبل السلام وبعده، سواء كان لزيادة أو نقص، حكاه ابن أبي شيبة في المصنف عن علي، وحكاه الرافعي قولاً للشافعي. قال الحافظ: ورجح البيهقي طريقة التخيير في سجود السهو قبل السلام أو بعده. ودليلهم أن النبي صلى الله عليه وسلم صح عنه السجود قبل السلام وبعده فكان الكل سنة. الثامن: أن كله بعد السلام إلا في موضعين، فإن الساهي فيهما مخير، أحدهما من قام من ركعتين، ولم يجلس، ولم يتشهد. والثاني أن لا يدري أصلى ركعة أم ثلاثاً أم أربعاً فيبني على الأقل، ويخير في السجود. وإلى ذلك ذهب أهل الظاهر، وبه قال ابن حزم: التاسع: أنه لا يشرع سجود السهو إلا في المواضع التي سجد النبي صلى الله عليه وسلم فيها فقط. وهو مذهب داود الظاهري. العاشر: ما اختاره الشوكاني في النيل حيث قال: وأحسن ما يقال في المقام أنه يعمل على ما يقتضيه أقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم من السجود قبل السلام وبعده، فما كان من أسباب السجود، مقيداً بقبل السلام سجد له قبله، وما كان مقيداً بعد السلام سجد له بعده، وما لم يرد تقييده
متفق عليه.
ــ
بأحدهما كان مخيراً بين السجود قبل السلام وبعده من غير فرق بين الزيادة والنقص - انتهى. وهذا الخلاف إنما هو في الاختيار والأفضل، لا في الجواز وعدمه، قال عياض وجماعة من أصحاب الشافعي: ولا خلاف بين هؤلاء المختلفين وغيرهم من العلماء أنه لو سجد قبل السلام أو بعده للزيادة، أو للنقص أنه يجزئه، ولا تفسد صلاته وإنما اختلافهم في الأفضل. وفي الهداية: هذا الخلاف في الأولوية، وكذا قال الماوردي في الحاوي، وابن عبد البر وغيرهم، قاله العيني. وقال النووي: جميع العلماء قائلون بجواز التقديم وجواز التأخير، ونزاعهم في الأفضل - انتهى. والراجح عندي القول السابع أعني التخيير من غير تفصيل وترجيح، والله أعلم. تنبيه: المشهور في كتب شروح الحديث من مذهب أبي حنيفة أن سجود السهو كله بعد السلام، كما تقدم. وهذا صريح في أنه سلك مسلك الترجيح، وترك أحاديث السجود قبل السلام، لكن قال بعض الحنفية: إن فيما قاله الحنفية جمعاً بين روايات فعله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم قالوا إنه يسلم بعد التشهد عن يمينه فيسجد سجدتي السهو، فيتشهد ويصلي ثم يسلم. وهكذا ورد في بعض الروايات المفصلة في فعله صلى الله عليه وسلم، فهذا أوجه ما يجمع به اختلاف الحديث. فالروايات التي ورد فيها سجوده صلى الله عليه وسلم قبل السلام فالمراد فيها من السلام سلام لانصراف عن الصلاة، وهو التسليم الثاني في قولنا، وما ورد فيه السجود بعد السلام فالمراد فيه سلام الفصل بين الصلاة والسجدتين، قال: وفيه العمل بكل من روايات القول والفعل، فهذا الجمع لشموله لجميع الروايات أولى - انتهى. قلت: هذا الجمع ليس بوجيه فضلاً عن أن يكون أولى بل هو بعيد جداً يرده ظاهر سياق الأحاديث الواردة في المسألة؛ لأن المراد من السلام المذكور في هذه الأحاديث هو التسليمتان؛ لأنه هو المعهود لا السلام الواحد. فالأحاديث التي ذكر فيها سجود السهو بعد السلام المراد من السلام فيها تسليمتا التحليل بعد التشهد وبعد الصلاة على النبي والأدعية المأثورة. وما ورد فيه السجود قبل السلام فالمراد منه أنه تشهد وصلى ثم سجد للسهو، ثم سلم السلام المعهود وهو التسليمتان. وهذا كله مخالف لما ذكره هذا البعض من تفصيل مذهب الحنفية. ففي قولهم هذا طرح لجميع الروايات الواردة في الباب، لا إعمالها، ولم يرد هذا التفصيل في حديث مرفوع صحيح أو ضعيف فهو مردود على قائله. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً البيهقي، وأخرج الرواية الأولى أحمد والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه أيضاً، والرواية الثانية أخرجها أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه. قال ابن حجر: صريح كلام المصنف أن قوله: "بعد ما سلم" رواه الشيخان، وليس كذلك إذ لم يروه مسلم، وإنما رواه البخاري. والمصنف كأصله يقع له ذلك كثيراً لكن عذره أنه يريد اتفاق الشيخين على أصل إخراجه وإن لم يتساويا في كل ألفاظه، فاستحضر ذلك فإنه ينفعك في مواضع كثيرة من هذا الكتاب - انتهى.
1025-
(5) وعن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: ((صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ــ
1025-
قوله: (وعن ابن سيرين) بكسر السين والراء، قال القاري: إنه مضبوط في جميع النسخ المصححة والأصول الحاضرة بالفتح. (أي بفتح النون على أنه غير منصرف) ويوجه منع صرفه على رأي أبي على الفارسي في اعتبار مطلق الزائدين كحمدون وعليون على ما ذكره الجعبري - انتهى. وسيرين هو مولى أنس بن مالك من سبي عين التمر، أدرك الجاهلية، وسبي في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، كاتبه أنس على عشرين ألف درهم، فأداها وعتق، والمراد بابن سيرين محمد أبوبكر الأنصاري مولاهم البصري ثقة ثبت عابد كبير القدر من كبار التابعين، أخو أنس ومعبد ويحيى وحفصة وكريمة أولاد سيرين أبي عمرة. وإذا أطلق ابن سيرين فهو محمد هذا. وهؤلاء الستة كلهم تابعيون. قال ابن سعد: كان محمد ثقة مأموناً عالياً فقيهاً رفيعاً إماماً كثير العلم. وقال أبوعوانة: رأيت ابن سيرين في السوق، فما رآه أحد إلا ذكر الله. وروي: أنه اشترى بيتاً فأشرف فيه على ثمانين ألف دينار، فعرض في قلبه شيء، فتركه. قال الحافظ: كان لا يرى الرواية بالمعنى. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، ومات لتسع مضين من شوال سنة 110هـ، وله سبع وسبعون سنة. (عن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي أمّنا، يدخل فيه حرف التعدية فيفيد معنى قولنا: أمنا فجعلنا من المؤتمين بصلاته. وفي رواية لمسلم وغيره: صلى لنا. واللام فيه قائم مقام الباء. ويصح أن يراد صلى من أجلنا لما يعود إليهم من فائدة الجماعة، ويصيب إليهم من البركة بسبب الإقتداء. واللفظان ظاهران، بل صريحان في أن أبا هريرة حضر قصة السهو. وحمله الطحاوي على المجاز فقال: إن المراد به صلى بالمسلمين. متمسكاً بما قاله الزهري أن القصة لذي الشمالين المستشهد ببدر قبل إسلام أبي هريرة بأكثر من خمس سنين، فإن مقتضاه أن تكون القصة وقعت قبل بدر لكن اتفق أئمة الحديث، كما نقله ابن عبد البر وغيره على أن الزهري وهم في ذلك، فالصواب أن القصة لذي اليدين وهو غير ذي الشمالين. نص على ذلك الشافعي في اختلاف الحديث وأبوعبد الله الحاكم والبيهقي وغيرهم. وقال النووي في الخلاصة: إنه قول الحافظ وسائر العلماء إلا الزهري، واتفقوا على تغليطه، وذو الشمالين هو الذي قتل ببدر وهو خزاعي، واسمه عمير بن عبد عمرو بن نضلة. وأما ذو اليدين فتأخر بعد النبي صلى الله عليه وسلم بمدة؛ لأنه حدث بهذا الحديث بعد النبي صلى الله عليه وسلم، كما أخرجه الطبراني وغيره وهو سلمي، واسمه الخرباق. وقد جوز بعض الأئمة أن القصة وقعت لكل من ذي الشمالين وذي اليدين، وأن أبا هريرة روى الحديثين فأرسل أحدهما، وهو قصة ذي الشمالين، وشاهد الآخر، وهي قصة ذي اليدين. وهذا محتمل من طريق الجمع. وقيل: يحمل على أن ذا الشمالين كان يقال له أيضاً ذواليدين وبالعكس. فكان ذلك سبباً للاشتباه. قلت: قد وقع في رواية لمسلم عن أبي هريرة قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي صريحة في أن أبا هريرة كان حاضراً في الصلاة، وهي تبطل تأويل الطحاوي. قال الحافظ: ويدفع المجاز الذي ارتكبه الطحاوي، ما رواه مسلم وأحمد وغيرهما من طريق يحيى بن أبي كثير عن
إحدى صلاتي العشي،
ــ
أبي سلمة في هذا الحديث عن أبي هريرة بلفظ: بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى. وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي في التعليق الممجد. (ص104) : قال بعضهم: إن أبا هريرة لم يحضر القصة، وإنما رواه مرسلاً بدليل أن ذا الشمالين قتل يوم بدر، وهو صاحب القصة، وردوه بأن رواية مسلم وغيره صريحة في حضور أبي هريرة تلك القصة، والمقتول ببدر هو ذو الشمالين، وصاحب القصة هو ذو اليدين، وهو غيره - انتهى. وقال البيهقي في المعرفة: إن هذا ترك الظاهر على أنه رواه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلم يجز في هذا القول معناه صلى بالمسلمين - انتهى. قلت: رواية أحمد ومسلم والبيهقي بلفظ: بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
نص صريح في حضور أبي هريرة قصة ذي اليدين، وليس عند من ادعى عدم حضوره عن هذه الرواية الصحيحة الصريحة جواب شاف. وقد اعترف به صاحب البحر الرائق من الحنفية، وقد اعترف به صاحب العرف الشذي أيضاً حيث قال: ولكن الطحاوي لم يجب عما في طريق مسلم عن أبي هريرة. بينما أنا أصلي الخ. وقال صاحب البحر: لم أجد جواباً شافياً عن هذه. وقال ابن عابدين ما قال، وتعجب من عدم جواب البحر. أقول: إن ابن عابدين غفل عما في مسلم، فإن الرواية ههنا: أنا أصلي
…
رواها مسلم، وأما أنا فلم أجد جواباً شافياً أيضاً - انتهى. ثم إنه لما عجز الحنفية عن جواب هذه الرواية اعترف بعضهم بعدم وجدان الجواب الشافي وسعى بعضهم لإثبات الوهم فيها من الراوي، فقال النيموي ومن تبعه أخذاً عن العيني قوله: بينما أنا أصلي: ليس بمحفوظ، ولعل بعض رواة الحديث فهم من قول أبي هريرة "صلى بنا" أنه كان حاضراً فروى هذا الحديث بالمعنى على ما زعمه. وقد أخرجه مسلم من خمس طرق، فلفظه في طريقين: صلى بنا. وفي طريق: صلى لنا. وفي طريق: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين. وفي طريق: بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. تفرد به يحيى بن أبي كثير وخالفه غير واحد من أصحاب أبي سلمة وأبي هريرة، فكيف يقبل أن أبا هريرة قال في هذا الخبر: بينما أنا أصلي - انتهى. قال شيخنا في شرح الترمذي مجيباً عن كلام النيموي هذا ما لفظه: قلت يحيى بن أبي كثير ثقة ثبت متقن. قال الحافظ في مقدمة الفتح: أحد الأئمة الثقات الأثبات. قال شعبه: حديثه أحسن من حديث الزهري. وقال في تهذيب التهذيب: وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه يحيى من أثبت الناس. إنما يعد مع الزهري ويحيى بن سعيد، وإذا خالفه الزهري، فالقول قول يحيى - انتهى. فكيف لا يقبل ما تفرد به مثل هذا الثقة الثبت الذي هو من أثبت الناس، وإذا خالفه الزهري فالقول قوله، فقول النيموي قوله: بينما أنا أصلي. غير محفوظ مردود عليه. والحاصل أن رواية مسلم وأحمد بلفظ: بينما أنا أصلي. صحيحة محفوظة وهي نص صريح في شهود أبي هريرة قصة ذي اليدين، وليس لمن أنكر ذلك جواب شاف عن هذه الرواية -انتهى كلام الشيخ. (إحدى صلاتي العشي) بفتح العين وكسر الشين المعجمة وتشديد الياء. قال الأزهري: العشي عند العرب ما بين زوال
قال ابن سيرين: قد سماها أبوهريرة، ولكن نسيت- أنا قال: فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد،
ــ
الشمس وغروبها. ويبين ذلك ما وقع في رواية لمسلم إحدى صلاتي العشي إما الظهر وإما العصر. وفي رواية للبخاري: صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر أو العصر. وفي رواية له أيضاً بلفظ: الظهر بغير شك. ولمسلم من طريق أبي سلمة المذكورة: صلاة الظهر. وله من طريق أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد عن أبي هريرة: صلاة العصر من غير شك. قال الحافظ: الظاهر أن الاختلاف فيه من الرواة. وأبعد من قال (كالنووي وأبي حاتم بن حبان) يحمل على أن القصة وقعت مرتين. (مرة في صلاة الظهر ومرة في صلاة العصر) بل روى النسائي من طريق ابن عون عن ابن سيرين أن الشك فيه من أبي هريرة، ولفظه: صلى النبي صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي. قال أبوهريرة: ولكني نسيت. فالظاهر أن أباهريرة رواه كثيراً على الشك، وكان ربما غلب على ظنه أنها الظهر فجزم بها، وتارة غلب على ظنه أنها العصر، فجزم بها، وطرأ الشك في تعيينها أيضاً على ابن سيرين. وكان السبب في ذلك الاهتمام بما في القصة من الأحكام الشرعية، ولم تختلف الرواة في حديث عمران في قصة الخرباق. (الآتية في الفصل الثالث) أنها العصر. فإن قلنا: أنهما قصة واحدة، فيترجح رواية من عين العصر في حديث أبي هريرة - انتهى. وقال القاري: الأظهر أن القضية متحدة والصلاة هي العصر. فإنها مجزومة في جميع الروايات، وإنما التردد في غيرها، فيترك الشك، ويعمل بالمتيقن - انتهى. (قال ابن سيرين) محمد. (قد سماها أبوهريرة) أي تلك الصلاة بالخصوص. (ولكن نسيت أنا) أي هي الظهر أم العصر. وفي رواية للبخاري: قال محمد وأكثر ظني أنه العصر. قال القسطلاني: هذا شك آخر من ابن سيرين، وذلك أن أبا هريرة حدثه بها معينة، كما عينها لغيره، ويدل على أنه عينها له قول البخاري في بعض طرقه. قال ابن سيرين: قد سماها أبوهريرة ولكني نسيت. قال الحافظ: وإنما رجح كونها العصر عند ابن سيرين؛ لأن في حديث عمران الجزم بأنه العصر، كما تقدمت الإشارة إليه قبل. (قال) أي أبوهريرة. (فصلى بنا ركعتين ثم سلم فقام) أي من ذلك الموضع وأتى. (إلى خشبة معروضة) أي موضوعة بالعرض أو مطروحة. (في) ناحية (المسجد) وفي رواية للبخاري في مقدم المسجد. وفي رواية لمسلم: ثم أتى جذعاً في قبلة المسجد، يعني من جذوع النخل التي كان المسجد مسقوفاً عليها. قال الحافظ: ولا تنافي بين هذه الروايات؛ لأنها تحمل على أن الجذع قبل اتخاذ المنبر كان ممتداً بالعرض، وكأنه الجذع الذي كان صلى الله عليه وسلم يستند إليه قبل اتخاذ المنبر، وبذلك جزم بعض الشراح - انتهى. قلت: ليس في شيء من روايات الحديث وطرقه ما يدل على أن المراد به الجذع الذي كان يستند إليه النبي صلى الله عليه وسلم عند الخطبة قبل اتخاذ المنبر، ولا حجة لمن يدعي أنه كان يرى من ذلك الجذع شيء بعد دفنه، وإليه استند النبي صلى الله عليه وسلم واتكأ عليه في هذه القصة ولا على أن
فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت سرعان القوم من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبوبكر وعمر، رضي الله عنهما، فهاباه أن يكلماه،
ــ
الجذع دفن في قبلة المسجد ولا على أن عمل المنبر كان قبل بدر. (كأنه غضبان) قال القاري: لعل وجه الغضب تأثير التردد والشك في فعله أو كان غضبان، فوقع له الشك لأجل غضبه. (على اليسرى) أي على يده اليسرى. (وشبك بين أصابعه) أي أدخل بعضها في بعض من فوق الكف. (وخرجت سرعان القوم) وفي بعض النسخ الناس بدل القوم. ولفظ البخاري ههنا خرجت السرعان أي بالألف واللام وبدون الإضافة. نعم في رواية أخرى له ولمسلم: خرج سرعان الناس، وهو بفتح السين والراء المهملتين وضم النون فاعل خرجت. ومنهم من سكن الراء، والمراد بهم أوائل الناس خروجاً من المسجد. والمستعجلون منهم، وهم أهل الحاجات غالباً، قال الجزري: السرعان بفتح السين والراء: أوائل الناس الذي يتسارعون إلى الشيء ويقبلون عليه بسرعة، ويجوز تسكين الراء، قال عياض: وضبطه الأصيلي في البخاري بضم السين وإسكان الراء، ويكون جمع سريع كقفيز وقفزان وكثيب وكثبان وهو المسرع الخروج، ومن قال سرعان بكسر السين فهو خطأ؛ لأنه إنما هو في سرعان الذي هو اسم فعل أي سرع. (فقالوا قصرت الصلاة) كذا في جميع النسخ بدون همزة الاستفهام، وكذا وقع في رواية للبخاري، لكن وقع في رواية البخاري هذه، فقالوا: أقصرت أي بذكر همزة الاستفهام، قال الحافظ: فتحمل تلك على هذه، وفيه دليل على ورعهم إذ لم يجزموا بوقوع شيء بغير علم. وهابوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يسألوه وإنما استفهموه؛ لأن الزمان زمان النسخ - انتهى. وقصرت بفتح القاف وضم الصاد على البناء للفاعل أي صارت قصيرة. وروي بضم القاف وكسر الصاد على البناء للمفعول، أي أن الله قصرها. قال النووي: كلاهما صحيح ولكن الأول أشهر وأصح. وقال ابن رسلان: الفعل لازم ومتعد فاللازم مضموم الصاد؛ لأنه من الأمور الخلقية كحسن وقبح، والمتعدي بفتح الصاد منه قصر الصلاة وقصرها بالتخفيف والتشديد وأقصرها على السواء، حكاهن الأزهري. (وفي القوم) أي المصلين. (فهاباه) من الهيبة وهو الخوف والإجلال، أي فخاف أبوبكر وعمر النبي صلى الله عليه وسلم تعظيماً وتبجيلاً وإجلالاً له. (أن يكلماه) بما وقع له أنه سهواً وعمداً، وبأنه سلم من ركعتين، فإن يكلماه بدل اشتمال من ضمير "هاباه" لبيان أن المقصود هيبة تكليمه، لا نحو نظره واتباعه. يروى "فهابا" بدون الضمير المنصوب، وأن مصدرية. والتقدير من التكليم. قال الطيبي: أي فخشيا أن يكلما رسول الله صلى الله عليه وسلم في نقصان الصلاة. والمعنى أنهما غلب عليهما احترامه وتعظيمه عن الاعتراض عليه. وأما ذو اليدين فغلب عليه حرصه على تعلم العلم. وقيل: خشيا أن
وفي القوم رجل في يديه طول، يقال له: ذو اليدين،
ــ
يكلماه لما ظهر عليه من أثر الغضب. (وفي القوم رجل) هو الخرباق السلمي، وكان (في يديه طول) أي كانت يداه أطول من يدي القوم، وهو محمول على الحقيقة. ويحتمل أن يكون كناية عن طولهما بالعمل أو بالبذل، قاله القرطبي. وجزم ابن قتيبة بأنه كان يعمل بيديه جميعاً. (يقال له ذو اليدين) وفي رواية: يدعوه النبي صلى الله عليه وسلم ذا اليدين. وهذا لقبه، واسمه الخرباق، من بني سليم، وبقي بعد النبي صلى الله عليه وسلم. قال السهيلي في الروض الأنف: مات ذو اليدين السلمي في خلافة معاوية. وقال أبوعوانه في صحيحه: ذو اليدين عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ومات بذي خشب على عهد عمر. ويدل عليه ما رواه الحسن بن سفيان والطبراني وغيرهما من طريق شعيب بن مطير عن أبيه أنه لقي ذا اليدين بذي خشب، فحدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم إحدى صلاتي العشي، وهي العصر، فصلى ركعتين، وخرج سرعان الناس، فذكر الحديث. وروى ابن أبي شيبة من طريق عمرو بن مهاجر أن محمد بن سويد أفطر قبل الناس بيوم، فأنكر عليه عمر بن عبد العزيز، فقال شهد عندي فلان أنه رأى الهلال، فقال عمر أو ذو اليدين هو. ذكره الحافظ في الإصابة (ج1: ص489) قلت: حديث ذي اليدين هذا رواه أيضاً عبد الله بن أحمد: في زيادات المسند (ج4: ص77)، والبيهقي (ج2: ص366) من طريق معدي بن سليمان، وكان ثقة، كما في مجمع الزوائد (ج2: ص150) ، قال أتيت مطيراً لأسأله عن حديث ذي اليدين، فأتيته فسألته، فإذا هو شيخ كبير، لا ينفذ الحديث من الكبر. فقال ابنه شعيب: بلى، يا أبت! حدثني أنك لقيت ذا اليدين بذي خشب، فحدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم إحدى صلاتي العشي، وهي العصر، ركعتين ثم سلم، فذكر الحديث. وفي رواية: حدثني شعيب بن مطير، ومطير حاضر، يصدق مقالته، قال كيف كنت أخبرتك؟ قال يا أبتاه أخبرتني أنك لقيت ذا اليدين بذي خشب الحديث. قال الهيثمي: رواهما عبد الله بن أحمد مما زاده في المسند. وفيه معدي بن سليمان. قال أبوحاتم شيخ، وضعفه النسائي - انتهى. قلت: معدي هذا من رجال الترمذي وابن ماجه. قال الشاذكوني: كان من أفضل الناس، وكان يعد من الأبدال، وقد صحح الترمذي حديثه، كذا في تهذيب التهذيب (ج10 ص229)، وأما تضعيف النسائي وقول ابن حبان فيه: لا يجوز أن يحتج به فالظاهر أنه في روايته عن ابن عجلان خاصة. ففي تهذيب التهذيب قال أبوزرعة: واهي الحديث يحدث عن ابن عجلان بمناكير - انتهى. على أن النسائي وابن حبان من المتشددين، كما قال النيموى. وأما مطير فهو بالتصغير ابن سليم شيخ من أهل وادي القرى من رجال أبي داود، ذكره ابن حبان في الثقات. وقال البخاري: لم يثبت حديثه. والظاهر أنه أراد حديثه الذي رواه عن ذي الزوائد، وهو صحابي آخر أخرج أبوداود حديثه في كتاب الخراج. وذو اليدين هو غير ذي الشمالين المستشهد ببدر، واسمه عمير بن عبد عمرو بن نضلة خزاعي حليف بني زهرة، قال الحافظ في الفتح: قد اتفق معظم أهل الحديث من المصنفين وغيرهم على أن ذا لشمالين غير ذي اليدين. ونص
على ذلك الشافعي في اختلاف الحديث - انتهى. وقال بعد ورقة: وقد تقدم أن الصواب التفرقة بين ذي اليدين وذي الشمالين. وذهب الأكثر إلى أن ذي اليدين الخرباق بكسر المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة، وآخره قاف، اعتماداً على ما وقع في حديث عمران بن حصين. (الآتي في الفصل الثالث) عند مسلم: وهذا صنيع من يوحد حديث أبي هريرة بحديث عمران. وهو الراجح في نظري، وإن كان ابن خزيمة ومن تبعه جنحوا إلى التعدد - انتهى. وقال ابن رسلان في شرح سنن أبي داود: وللناس خلاف فيما يتعلق بذي اليدين في موضعين: الأول: أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد أو اثنان، ولا خلاف بين أهل السير أن ذا الشمالين قتل ببدر، فالجمهور على أن ذا اليدين غيره لروايات أبي هريرة في شهوده القصة. قال العلائي: هذا هو الصحيح الراجح. وقال أبوبكر بن الأثرم: الذي قتل ببدر إنما هو ذو الشمالين ابن عبد عمرو حليف لبنى زهرة. واختار القاضي عياض في الإكمال بأنهما واقعتان: أحدهما كانت قبل بدر، والمتكلم فيها ذو الشمالين، ولم يشهدها أبوهريرة بل أرسل روايتها. والثانية كانت بعد إسلامه، وحضرها أبوهريرة، والمتكلم ذواليدين. والثاني: أن ذا اليدين هو الخرباق المتكلم في حديث عمران أو غيره، فالذي اختاره عياض وابن الأثير والنووي في غير موضع أنهما واحد. وأما ابن حبان فجعلهما اثنين، فقال في معجم الصحابة: الخرباق صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سها، وهو غير ذي اليدين. وتوقف ابن عبد البر والقرطبي، فقالا يحتمل أن يكون الخرباق ذا اليدين، وأن يكون غيره. وقال ابن الجوزي: في اسم ذي اليدين قولان: أحدهما عمير بن عبد عمرو بن نضلة السلمي، ذكره الأكثرون. والثاني خرباق، ذكره أبوبكر الخطيب، قال وقد قيل: إنه ذوالشمالين، وليس بصحيح. قال العلائي: وعمير بن عبد عمرو بن نضلة هو ذوالشمالين لا ذو اليدين. وابن الجوزي وهم في هذه التسمية - انتهى. قلت: وادعى الحنفية أن ذا اليدين وذا الشمالين رجل واحد اسمه عمير بن عبد عمرو بن نضلة، ويقال له الخرباق أيضاً، وهو سلمي وخزاعي، واختاروا ذلك؛ لأنه ينفعهم في مسألة الكلام في الصلاة سهواً أو نسياناً أو عمداً لإصلاح الصلاة، وسنذكرها. واستدلوا على ذلك بما وقع عند النسائي من رواية الزهري عن أبي سلمة وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة عن أبي هريرة، ومن رواية عمران بن أبي أنس عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: ذي الشمالين مكان ذي اليدين. قال الصيني في شرح البخاري (ج4: ص264) وابن التركماني في الجوهر النقي بعد ذكر الروايتين، صرح فيهما بأن ذا الشمالين هو ذو اليدين، وقالا أيضاً فثبت أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد، وهذا أولى من جعله رجلين؛ لأنه خلاف الأصل في هذا الموضع - انتهى. قلت: في كون رواية الزهري وعمران بن أبي أنس بلفظ: ذي الشمالين محفوظة نظر؛ لأنه وقع في عامة روايات أبي هريرة
قال: يا رسول الله! أنسيت أم قصرت
ــ
الصحيحة لفظ: ذي اليدين دون ذي الشمالين. وكذلك وقع في حديث عمران بن حصين عند أحمد ومسلم وغيرهما، وحديث ابن عمر عند أبي داود لفظ: ذي اليدين، وقد ثبت شهود أبي هريرة قصة ذي اليدين، وشهدها عمران بن حصين أيضاً، كما صرح به الحافظ في الفتح. وعمران بن حصين أسلم عام خيبر، كما نص عليه الحافظ في التقريب. وروى معاوية بن حديج عند أحمد وأبي داود، وغيرهما قصة أخرى في السهو، ووقع فيها الكلام ثم البناء، وكان إسلامه قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بشهرين، كما صرح به البيهقي والنووي والحافظ. وهذا كله يدل دلالة واضحة على أن من روى في حديث أبي هريرة ذا الشمالين فقد وهم. ولذلك قال الحاكم على ما نقل عنه البيهقي (ج2: ص367) : كل من قال ذلك فقد أخطأ - انتهى. فعلى هذا لا فائدة في ذكر متابعة عمران بن أبي أنس للزهري على ذكر ذي الشمالين. ويمكن أن يقال: إن ذا اليدين كان يقال له أيضاً ذو الشمالين، ويؤيده أنه وقع في رواية الزهري وعمران بن أبي أنس أولاً لفظ ذي الشمالين، ثم وقع فيها لفظ ذي اليدين. وعلى هذا فالمراد بذي الشمالين في روايتهما هو ذو اليدين لا ذو الشمالين الذي قتل ببدر. واستدل الحنفية أيضاً بأقوال بعض أهل العلم كابن سعد في الطبقات وغيره في غيرها مما يدل أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد. وفيه: أنها معارضة بما تقدم عن الحافظ أنه اتفق معظم أهل الحديث من المصنفين وغيرهم على أن ذا الشمالين غير ذي اليدين، وقد ثبت شهود أبي هريرة قصة ذي اليدين، فهذا يرد قول من قال: أن ذا اليدين وذا الشمالين واحد. قال ابن عبد البر: ذو اليدين غير ذي الشمالين المقتول ببدر بدليل حضور أبي هريرة ومن ذكرنا قصة ذي اليدين، وأن المتكلم رجل من بني سليم، كما ذكر مسلم في صحيحه. وفي رواية عمران بن حصين اسمه الخرباق ذكره مسلم، فذو اليدين الذي شهد السهو في الصلاة سلمي، وذو الشمالين المقتول ببدر خزاعي، يخالفه في الاسم والنسب. وقد يمكن أن يكون رجلان وثلاثة يقال لكل واحد منهم ذو اليدين وذو الشمالين، لكن المقتول ببدر غير المذكور في حديث السهو. هذا قول أهل الحذق والفهم من أهل الحديث والفقه، ثم روى هذا بإسناده عن مسدد. قال ابن عبد البر: وقد اضطرب الزهري في حديث ذي اليدين اضطراباً أوجب عند أهل العلم بالنقل تركه من روايته خاصة، ثم ذكر طرقه، وبين اضطرابها في المتن والإسناد، وذكر أن مسلم بن الحجاج غلط الزهري في حديثه. قال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً من أهل العلم بالحديث المصنفين فيه عول على حديث الزهري في قصة ذي اليدين، وكلهم تركوه لاضطرابه، وأنه لم يتم له إسناداً ولا متناً وإن كان إماماً عظيماً في هذا الشأن، فالغلط لا يسلم منه بشر، والكمال لله تعالى، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم، فقول الزهري أن ذا اليدين قتل يوم بدر متروك لتحقق غلط فيه - انتهى كلامه ملخصاً مختصراً. (أنسيت) بالخطاب. (أم قصرت) بالفتح ثم الضم أو الضم ثم الكسر كالسابقة.
الصلاة؟ قال لم أنس، ولم تقصر. فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم. فتقدم فصلى ما ترك، ثم سلم،
ــ
(الصلاة) بالضم على الوجهين، وحصر في الأمرين؛ لأن السبب إما من الله، وهو القصر أو من النبي صلى الله عليه وسلم، وهو النسيان. (فقال) صلى الله عليه وسلم:(لم أنس) أي في ظني أي لا في نفس الأمر، فخرج هذا الكلام على حسب الظن، ويعتبر الظن قيداً في الكلام، ترك ذكره بناء على أن الغالب في بيان أمثال هذه الأشياء أن يجري فيها الكلام بالنظر إلى الظن، فكأنه قال ما نسيت ولا قصرت في ظني، وهذا الكلام صادق لا غبار عليه، ولا يتوهم فيه شائبة كذب، وليس مبنى الجواب على كون الصدق المطابقة للظن، بل على أنه مطابقة الواقع، فافهم. (ولم تقصر) أي الصلاة وهو بفتح التاء وضم الصاد على بناء الفاعل، أو ضم التاء وفتح الصاد على بناء المفعول. وهذا صريح في نفي النسيان، ونفي القصر. وفيه تفسير للمراد بقوله في الرواية الآتية: كل ذلك لم يكن، وتأيد لما قاله أصحاب المعاني أن لفظ "كل" إذا تقدم وعقبها النفي كان نفياً لكل فرد لا للمجموع، بخلاف ما إذا تأخرت كأن يقول لم يكن كل ذلك، فإنه يفيد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد. (بخلاف الأول فإنه، يقتضى السلب عن كل فرد) ولهذا أجاب ذو اليدين بقوله قد كان بعض ذلك، وأجابه في بعض الروايات التي وقع فيها نفي النسيان، ونفي القصر صريحاً بقوله:"بلى قد نسيت"؛ لأنه لما نفي الأمرين، وكان مقرراً عند الصحابي أن السهو غير جائز عليه في الأمور البلاغية جزم بوقوع النسيان لا بالقصر، وهو حجة لمن قال: إن السهو جائز على الأنبياء فيما طريقه التشريع، وقد تقدم الكلام في ذلك. (فقال) صلى الله عليه وسلم بعد تردده بقول ذي اليدين. (أكما يقول ذو اليدين) أي أتقولون كقوله، أو أكان كما يقول، أو الأمر كما يقول. وفي رواية بعد قوله: لم أنس ولم تقصر: فقال بل نسيت يا رسول الله، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على القوم فقال: أصدق ذو اليدين، فلما جزم بالنسيان استثبت عليه السلام فقال أوقع مني أني تركت نصف الصلاة، كما يقول؟ وعدل عن قال لتصوير صورة للحال الماضية حتى يستحضر ويتأمل. (فقالوا: نعم) الأمر كما يقول. وفي رواية لمسلم: قالوا صدق، لم تصل إلا ركعتين. قال ابن حجر: فحينئذٍ تيقن عليه السلام أنه ترك ركعتين، إما لتذكره أو لكونهم عدد التواتر أو لإخبار الله له بالحال، كما في رواية أبي داود، ولم يسجد سجدتي السهو حتى يقنه الله ذلك، أي ألقى الله تعالى اليقين بوقوع النسيان في قلبه. (فتقدم) أي مشى إلى محل صلاته. ففي رواية لأبي داود: فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مقامه. (فصلى ما ترك) أي الذي تركه، وهو الركعتان. ففي رواية: فصلى ركعتين أخراوين. (ثم سلم) قال العلائي: جميع رواياته وطرقه لم يختلف فيه شيء منها أن السجود بعد السلام، كذا في شرح ابن رسلان لسنن أبي داود وهذا يهدم قاعدة المالكية ومن وافقهم أنه إذا كان السهو بالنقصان يسجد قبل
ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، فربما سألوه، ثم سلم)) . فيقول: نبئت أن عمران بن حصين قال: ((ثم سلم)) . متفق عليه.
ــ
السلام. (ثم كبر) أي بعد السلام للسجود. واختلف في سجود السهو بعد السلام هل يشترط له تكبيرة إحرام أو يكتفي بتكبير السجود؟ فالجمهور على الاكتفاء، وهو ظاهر غالب الأحاديث. وحكى القرطبي: أن قول مالك لم يختلف في وجوب السلام بعد سجدتي السهو، قال وما يتحلل منه بسلام لا بد له من تكبيرة إحرام كسائر الصلاة لكن لا تبطل بتركها. ويؤيده ما رواه أبوداود من طريق حماد بن زيد عن هشام بن حسان عن ابن سيرين في هذا الحديث قال: فكبر ثم كبر وسجد للسهو. قال أبوداود: لم يقل فكبر ثم كبر إلا حماد بن زيد، فأشار إلى شذوذ هذه الرواية. (وسجد) أي للسهو. (مثل سجوده) الذي للصلاة. والمثل الشبه. قال الراغب: المثل عبارة عن المشابهة لغيره في معنى من المعاني أي معنى كان، وهو أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة، وذلك لأن الند يقال لما يشارك في الجوهر فقط، والشبه فيما يشاركه في الكيفية فقط، والمساوي فيما يشاركه في الكمية فقط، والمثل عام في جميع ذلك، ولذا قال تعالى:. {ليس كمثله شيء} [42: 11] . وأما نحو هذا فيقضي المشابهة مع التقريب - انتهى. (أو أطول) منه. (ثم رفع رأسه وكبر) أي للرفع من السجود. (ثم كبر) أي للسجود الثاني. (وسجد) أي ثانياً. (مثل سجوده) الأول أو مثل سجوده للصلاة والأول أقرب لفظاً، والثاني معنى. (ثم رفع رأسه) من السجدة الثانية. (فربما سألوه) أي سألوا ابن سيرين هل في الحديث. (ثم سلم) أي النبي صلى الله عليه وسلم بعد سجدتي السهو. فالضمير المنصوب لابن سيرين والمسئول عنه قوله: ثم سلم. (فيقول) أي ابن سيرين في جواب سؤالهم. (نبئت) بضم النون أي أخبرت. (أن عمران بن حصين قال: ثم سلم) هذا يدل على أنه لم يسمع ذلك من عمران، وقد بين أشعث في روايته عن ابن سيرين الواسطة بينه وبين عمران، فقال قال ابن سيرين: حدثني خالد الحذاء عن أبي قلابة عن عمه أبي المهلب عن عمران بن حصين، أخرجه أبوداود، والترمذي والنسائي والبيهقي فظهر أن ابن سيرين أبهم ثلاثة، وروايته عن خالد من رواية الأكابر عن الأصاغر، كذا في الفتح. وقول ابن سيرين هذا، وهو راوي حديث ذي اليدين يدل، على أنه كان يرى التوحيد بين حديث أبي هريرة هذا، وحديث عمران بن حصين، وهو الذي رجحه الحافظ في الفتح، كما تقدم. ووقع عند البخاري من طريق حماد عن سلمة بن علقمة قال: قلت لمحمد في سجدتي السهو تشهد؟ فقال: ليس في حديث أبي هريرة. وقد يفهم منه أنه ورد في حديث غيره، وهو كذلك. فقد رواه الترمذي وغيره من حديث عمران بن حصين، وسيأتي الكلام في ذلك في الفصل الثاني. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد ومالك والترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه والبيهقي
ولفظه للبخاري، وفي أخرى لهما: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بدل: "لم أنس، ولم تقصر": "كل ذلك لم يكن"، فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله!
ــ
وغيرهم. قال ابن حجر: أي اتفقا على المقصود منه، فلا ينافيه خلو حديث مسلم عن ذكر وضع اليد على اليد، والتشبيك. قال الحافظ في التلخيص. (ص112) لهذا الحديث طرق كثيرة وألفاظ، وقد جمع جميع طرقه الحافظ صلاح الدين العلائي، وتكلم عليه كلاماً شافياً - انتهى. (ولفظه للبخاري) في باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره. (وفي أخرى) أي في رواية أخرى. (لهما) أي للشيخين. وفيه نظر؛ لأن هذه الرواية من إفراد مسلم، وليست للبخاري. (كل ذلك) أي كل من النسيان والقصر. (لم يكن) أي في ظني، أي لم يكن لا ذلك ولا ذا في ظني، بل ظني أني أكملت الصلاة أربعاً، فهو في معنى لا شيء منهما بكائن على شمول النفي وعمومه لثلاثة وجوه: أحدها الرواية المتقدمة لم أنس ولم تقصر. والثاني القاعدة المتقدمة عن علماء المعاني. والثالث أنه قال ذو اليدين في جوابه صلى الله عليه وسلم قد كان بعض ذلك. ومعلوم أن الثبوت للبعض أنما ينافي النفي عن كل فرد لا النفي عن المجموع. وقوله: قد كان بعض ذلك، موجبة جزئية ونقيضها السالبة الكلية، ولولا أن ذا اليدين فهم السلب الكلي لما ذكر في مقابلته الإيجاب الجزئي. (فقال) أي ذو اليدين. (قد كان بعض ذلك) يعني قصرت الصلاة، ولكن لا أدري قصرتها سهواً أو أمر الله تعالى بقصرها، قاله القاري. واعلم أن حديث ذي اليدين هذا فيه فوائد كثيرة وقواعد مهمة: منها جواز النسيان في الأفعال والعبادات على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأنهم لا يقرون عليه. ومنها أن الواحد إذا ادعى شيئاً جرى بحضرة جمع كثير لا يخفى عليهم سئلوا، ولا يعمل بقوله من غير سؤال. ومنها إثبات سجود السهو، وأنه سجدتان، وأنه يكبر لكل واحد منهما، وأنهما على هيئة سجود الصلاة، وأنه يسلم من سجود السهو. ومنها جواز البناء على الصلاة لمن أتى بالمنافي سهواً وإن طال زمن الفصل. ومنها أن الباني لا يحتاج إلى تكبيرة الإحرام، وأن السلام ونية الخروج من الصلاة سهواً لا يقطع الصلاة. ومنها أنه يرجع الإمام لقول المأمومين إذا شك. ومنها جواز التقليب الذي سبيله التعريف دون التهجين. ومنها أن سجود السهو لا يتكرر بتكرر السهو، ولو اختلف الجنس؛ لأنه صلى الله عليه وسلم سلم وتكلم ومشى ناسياً ولم يسجد إلا سجدتين. وروى ابن أبي شيبة عن النخعي والشعبي: أن لكل سهو سجدتين، وورد على وفقه حديث ثوبان عند أحمد وأبي داود والبيهقي (ج2: ص337) . وحمل على أن معناه من سها بأي سهو كان شرع له السجود، أي لا يختص بالمواضع التي سها فيها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بالأنواع التي سها بها. فالحديث سيق للعموم لكل ساه لا لتعدد السجود عند تعدد مقتضيه. وروى البيهقي (ج2: ص346) من حديث عائشة سجدتا السهو تجزءان من كل زيادة ونقصان. ومنها أن من ظن أنه فعل شيئاً فقال فعلته أو قال: ما فعلته، وفي ظنه
أنه لم يفعل، ثم تبين خلاف ما ظن لم يأثم؛ لأنه عليه السلام قال كل ذلك لم يكن وقد كان السهو. ومنها أن العمل الكثير والخطوات إذا كانت في الصلاة سهواً أو مع ظن التمام لا تفسد بها الصلاة، فإن في رواية: أنه صلى الله عليه وسلم خرج إلى منزله. وفي أخرى: يجر رداءه مغضباً. وفي أخرى: أنه مشى إلى الجذع، واستند إليه، وخرج السرعان. وفي أخرى: دخل الحجرة ثم خرج ورجع الناس وبني على صلاته. قال النووي: الحكم ببطلانها بما ذكر من الأفعال في حديث ذي اليدين مشكل، وتأويل الحديث صعب على من أبطلها - انتهى. ومنها أن من تحول عن القبلة سهواً لم تكن عليه الإعادة. ومنها أن الكلام سهواً، أو على ظن تمام الصلاة، لا يقطع الصلاة، خلافاً للحنفية. قالوا: إن قصة ذي اليدين كانت قبل نسخ الكلام في الصلاة. وفيه أن هذا مبني على قول الزهري: إنها قبل بدر. وقد قدمنا أنه إما وهم في ذلك أو تعددت القصة لذي الشمالين المقتول ببدر، ولذي اليدين الذي تأخرت وفاته بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت شهود أبي هريرة للقصة، كما تقدم، وشهدها عمران بن حصين، وإسلامه متأخر أيضاً. وروى معاوية بن حديج قصة أخرى في السهو، أي في صلاة المغرب، ووقع فيها الكلام ثم البناء، أخرجها أبوداود وابن خزيمة وغيرهما، وكان إسلامه قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بشهرين. قال السندي: من يقول بإبطال الكلام للصلاة مطلقاً يحمل الحديث على أنه قبل نسخ إباحة الكلام في الصلاة، لكن يشكل عليه أن النسخ كان قبل بدر، وهذه الواقعة قد حضرها أبوهريرة وكان إسلامه أيام خيبر. وقال صاحب البحر من علمائنا الحنفية: ولم أر لهذا إلا يراد جواباً شافياً - انتهى. وأما ما روى الطحاوي عن ابن عمر أنه ذكر له حديث ذي اليدين، فقال: كان إسلام أبي هريرة بعد ما قتل ذو اليدين. ففيه: أن هذه الرواية ضعيفة منكرة مخالفة لروايات الصحيحين، تفرد بها عبد الله بن عمر بن حفص العمري، وهو ضعيف، كما في التقريب. وقال الذهبي: صدوق في حفظه شيء. وأما ما قيل: أن عمر كان حاضراً في حادثة ذي اليدين، وقد حدث به مثل تلك الحادثة بعد النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته، وفعل فيها بخلاف ما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ذي اليدين، مع أنه كان حاضراً في قصته. وهذا يدل على أن قصة ذي اليدين كانت حين الكلام مباحاً في الصلاة، أخرج الطحاوي في معاني الآثار بإسناده عن عطاء قال: صلى عمر بن الخطاب بأصحابه فسلم في الركعتين، ثم انصرف، فقيل له في ذلك، فقال: إني جهزت عيراً من العراق بأحمالها وأحقابها حتى وردت المدينة، فصلى بهم أربع ركعات. ففيه أن رواية الطحاوي هذه مرسلة، ومع ذلك ضعيفة جداً؛ لأن مرسل عطاء أضعف المراسيل. قال أحمد: ليس في المرسل أضعف من مرسل الحسن وعطاء، يأخذان عن كل أحد - انتهى. فمرسل عطاء هذا لا يصلح للاستدلال، على أن قصة ذي اليدين كانت حين كان الكلام مباحاً. على أنه يحتمل أن عمر كان إذ ذاك قد ذهل عن قصة
1026-
(6) وعن عبد الله بن بحينة، أن النبي صلى الله عليه وسلم، صلى بهم الظهر،
ــ
ذي اليدين، كما كان قد ذهل عن قصة التيمم، ولم يتذكر بتذكير عمار مع أنه حضر معه تلك القصة. وأيضاً يحتمل أن عمر كان يرى أن من حدث به هذه الحادثة فله أن يستأنف الصلاة، وله أن يبني ولم ير ما فعله صلى الله عليه وسلم واجباً، فإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال. وقد بسط شيخنا الكلام في هذا الباب في أبكار المنن (ص247- 257) فعليك أن تطالعه. وأما ما توهم بعضهم أن حديث ذي اليدين مخالف لقول زيد بن أرقم: نهينا عن الكلام، فيحمل قصة ذي اليدين على أنها كانت قبل النهي والنسخ. ففيه أنه لا معارضة بينهما؛ لأن قول زيد بن أرقم عام يشمل كل نوع من الكلام، وحديث ذي اليدين خاص، كما لا يخفى ولا معارضة بين العام والخاص. قال ابن بطال: يحتمل أن يكون قول زيد بن أرقم ونهينا عن الكلام أي إلا إذا وقع سهواً وعمداً لمصلحة الصلاة فلا يعارض قصة ذي اليدين - انتهى. ومنها أن تعمد الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها، وهو المشهور من مذهب مالك والأوزاعي أن التكلم عمداً على جهة إصلاح الصلاة وبيانها لا يفسدها، وهو رواية عن أحمد. وأجاب من لم يقل بذلك بأن كلامهم كان جواباً للنبي صلى الله عليه وسلم، وجوابه لا يقطع الصلاة. وتعقب بأنه لا يلزم من وجوب الإجابة عدم قطع الصلاة. وأجيب بأنه ثبت مخاطبته في التشهد، وهو حي بقولهم: السلام عليك أيها النبي، ولم تفسد الصلاة. والظاهر أن ذلك من خصائصه. ويحتمل أن يقال ما دام النبي صلى الله عليه وسلم يراجع المصلي فجائز له جوابه حتى تنقضي المراجعة، فلا يختص الجواز بالجواب لقول ذي اليدين: بلى قد نسيت، ولم تبطل صلاته. قلت الخصوصية لا تثبت بالادعاء والاحتمال، وأيضاً ما الجواب عن قول سرعان الناس: قصرت الصلاة، فاته لم يكن خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم ولا جواباً له. والحق أن الحديث مشكل على المالكية أيضاً، والجواب عما ذكر في رواياته وطرقه من الأفعال والأقوال صعب على أصحاب المذاهب الأربعة، كما لا يخفى على من له وقوف على مذاهبهم، ولا عذر عندنا عن العمل بما ورد في الحديث لمن يتفق له مثل ذلك. وما أحسن كلام صاحب المنار حيث قال بعد الرد على من ادعى نسخه ما نصه: وأنا أقول أرجو الله للعبد إذا لقي الله عاملاً بذلك أن يثبته في الجواب بقوله صح لي ذلك عن رسولك، ولم أجد ما يمنعه، وأن ينجو بذلك ويثاب على العمل به، وأخاف على المتكلفين وعلى المجبرين على الخروج من الصلاة للاستئناف، فإنه ليس بأحوط، كما ترى؛ لأن الخروج بغير دليل ممنوع وإبطال للعمل - انتهى.
1026-
قوله: (وعن عبد الله بن بحينة) هو عبد الله بن مالك بن القشب الأسدي أو الأزدي من أزد شنوءة، وأما بحينة فهي أمه، فاسم أبيه مالك، واسم أمه بحينة - مصغراً - بنت الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف. قيل: فينبغي كتابة ابن بحينة بالألف لئلا يلتبس بالأب، وإذا نسب إليهما، وكتب عبد الله بن مالك بن بحينة
فقام في الركعتين الأوليين لم يجلس، فقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلاة. وانتظر الناس تسليمه، كبر وهو جالس، فسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم))
ــ
ينبغي أن يكتب ألف ابن وينوّن مالك ليندفع الوهم، ويعرف أن ابن بحينة نعت لعبد الله لا لمالك. وينبغي أن يحفظ هذا الأصل، فيحتاج إليه في أسماء كثيرة مثل محمد بن علي ابن الحنفية، وإسماعيل بن إبراهيم ابن علية وغير ذلك. وعبد الله هذا صحابي مشهور. أسلم قديماً، كان ناسكاً فاضلاً صائم الدهر، وأمه بحينة أيضاً صحابية أسلمت وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطعمها من خيبر ثلاثين وسقاً، قال في الإصابة: كان عبد الله ينزل ببطن ريم على ثلاثين ميلاً من المدينة، ومات به في إمارة مروان الأخيرة على المدينة، وأرخه ابن زبير سنة ست وخمسين. (فقام في الركعتين الأوليين) بالمثناتين التحتيتين يعني أنه قام إلى الركعة الثالثة حال كونه. (لم يجلس) أي عقب الركعتين للتشهد. ووقع في رواية ابن عساكر: ولم يجلس بزيادة الواو. وفي صحيح مسلم فلم يجلس بالفاء، وكذا في رواية للبخاري. وزاد في رواية ابن خزيمة: فسبحوا به، فمضى حتى فرغ من صلاته. وفي حديث معاوية عند النسائي والبيهقي وعقبة بن عامر عند الحاكم والبيهقي جميعاً نحو هذه القصة بهذه الزيادة. وفيه دليل على أن تارك الجلوس الأول إذا قام لا يرجع له. (فقام الناس معه) إلى الثالثة اتباعاً لفعله صلى الله عليه وسلم. وفيه دليل على وجوب متابعة الإمام حيث تركوا القعود الأول وتشهده. (حتى إذا قضى الصلاة) أي فرغ منها، وقد استدل به لمن زعم أن السلام ليس من الصلاة حتى لو أحدث بعد أن جلس، وقبل أن يسلم تمت صلوته. وهو قول بعض الصحابة والتابعين، وبه قال أبوحنيفة، كما تقدم. وتعقب بأن السلام لما كان لتحليل من الصلاة كان المصلي إذا انتهى إليه إليه كمن فرغ من صلاته. ويدل على ذلك قوله في رواية ابن ماجه من طريق جماعة من الثقات عن يحيى بن سعيد عن الأعرج: حتى إذا فرغ من الصلاة إلا أن يسلم، فدل على أن بعض الرواة حذف الاستثناء لوضوحه. والزيادة من الحافظ مقبولة، كذا في الفتح. وقيل: معناه قارب الفراغ من الصلاة. وقال الباجي: ويحتمل أن يراد بالصلاة الدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون لفظ:"قضى" على حقيقته - انتهى. (كبر وهو جالس) جملة حالية. (فسجد سجدتين) أي للسهو بعد التشهد. (قبل أن يسلم) وفي رواية: كبر قبل التسليم فسجد سجدتين، وهو جالس، أي أنشأ السجود جالساً. فهي جملة حالية. وفي أخرى لهما: يكبر في كل سجدة. وعند أحمد: فكبر فسجد، ثم كبر فسجد ثم سلم، قال الحافظ في الفتح: وفي رواية الأوزاعي فكبر ثم سجد، ثم كبر فرفع رأسه، ثم كبر فسجد، ثم كبر فرفع رأسه ثم سلم. أخرجه ابن ماجه. واستدل به على مشروعية التكبير في سجدتي السهو والجهر به، كما في غيرهما من سجود الصلاة وأن بينهما جلسة فاصلة. (ثم سلم) بعد ذلك للانصراف من الصلاة. واستدل به على أن سجود السهو قبل السلام. ولا حجة فيه في كون جميعه كذلك، نعم يرد على من زعم أن جميعه بعد السلام كالحنفية، وتقدم ذكر مستندهم،