الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{الفصل الثاني}
1051-
(6) عن محمد بن إبراهيم، عن قيس بن عمرو، قال:((رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاة الصبح ركعتين. فقال الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما، فصليتهما الآن، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم)) .
ــ
1051-
قوله: (عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد التيمي المدني، ثقة من صغار التابعين، مات سنة عشرين ومائة. (عن قيس بن عمرو) بن سهل بن ثعلبة الأنصاري الصحابي المدني جد يحيى بن سعيد التابعي المشهور وأخوته، ويقال: قيس بن قهد بفتح القاف وسكون الهاء، قاله مصعب الزبيري، وخطأه ابن أبي خيثمة في ذلك وقال: هما اثنان، يعني أن قيس بن عمرو غير قيس بن قهد. وذهب ابن حبان إلى أنهما واحد، وأن قهداً لقب عمرو وكأنه أخذ من قول البخاري: قيس بن عمرو جد يحيى بن سعيد له صحبة، قال: وقال بعضهم قيس بن قهد، وأرجع إلى تهذيب التهذيب (ج8: ص401) والإصابة (ج3: ص255- 256) . (رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً) هو قيس بن عمرو، كما صرح به في رواية أحمد والترمذي والدارقطني وابن حبان والحاكم. (يصلي بعد صلاة الصبح) أي بعد فرض الصبح. (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاة الصبح) بالنصب. (ركعتين) أي اجعل أوصل صلاة الصبح ركعتين. وقال الطيبي: ركعتين منصوب بفعل مضمر تقديره: أتصلي بعد صلاة الصبح ركعتين، وليس بعدها صلاة؟ وتبعه ابن حجر فقال: أي أتصلي صلاة الصبح وتصلي بعدها ركعتين، وقد علمت أنه لا صلاة بعدها؟ فالاستفهام المقدر للإنكار، أي هذه صلاة الصبح صليتها، فكيف تصلي بعدها؟ انتهى. قلت: ولفظ أبي داود في النسخ الموجودة كلها: "صلاة الصبح ركعتان"، وكذا رواه البيهقي من طريق أبي داود، ومعناه ظاهر. (إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما) بضمير التثنية، أي قبل ركعتي الصبح. ووقع في بعض النسخ قبلها أي قبل صلاة الصبح، والأول هو الأولى لكونه مطابقاً لما في داود. (فصليتهما الآن) اعتذر الرجل بأنه قد أتى بالفرض وترك السنة؛ لأنه جاء والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الصبح، ولم يكن ركع ركعتي الفجر، فدخل معه في الصلاة، فأتى بهما حينئذٍ. (فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال السندي في حاشية ابن ماجه: هذا يدل على الإذن في الركعتين بعد صلاة الفجر لمن فاتهما قبل ذلك. وقال ابن الملك: سكوته يدل على قضاء سنة الصبح بعد فرضه لمن لم يصلها قبله. وبه قال الشافعي - انتهى. وكذا قال الشيخ حسين بن محمود الزيداني في المفاتيح حاشية المصابيح، والشيخ علي بن صلاح الدين في منهل الينابيع شرح المصابيح، والعلامة الزيني في شرح المصابيح. قلت: وزاد في رواية لأحمد
رواه أبوداود. وروى الترمذي نحوه، وقال: إسناد هذا الحديث ليس بمتصل؛ لأن محمد بن إبراهيم لم يسمع من قيس بن عمرو.
ــ
(ج5: ص447) ومضى ولم يقل شيئاً، ورواه ابن حبان بلفظ: فلم ينكر عليه. ورواه ابن حزم في المحلي (ج3: ص112-113) بلفظ: فلم يقل له شيئاً. ورواه ابن أبي شيبة بلفظ: فلم يأمره ولم ينهه. ورواه الترمذي بلفظ: فلا أذن. ومعناه إذا كان كذلك فلا بأس عليك أن تصليهما حينئذٍ، يدل على ذلك الروايات المتقدمة، فإن الروايات يفسر بعضها بعضاً، وبذلك فسرة الحنفية. قال أبوالطيب السندي في شرح الترمذي في شرح قوله: فلا إذن أي فلا بأس عليك حينئذٍ ولا شيء عليك ولا لوم عليك. وقال الشيخ سراج أحمد السرهندي في شرح الترمذي في ترجمة هذا اللفظ: "بس نه اين وقت منع ميكنم ترا اركذا دن سنت"- انتهى. وتعريبه: فلا أمنعك الآن عن أداء السنة. قال الخطابي في المعالم (ج1: ص275) : في الحديث بيان أن لمن فاتته الركعتان قبل الفريضة أن يصليهما بعدها قبل طلوع الشمس، وأن النهي عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس إنما هو فيما يتطوع به الإنسان إنشاء وابتداء، دون ما كان له تعلق بسبب. وقد اختلف الناس في وقت قضاء ركعتي الفجر، فروي عن ابن عمر أنه قال يقضيهما بعد صلاة الصبح، وبه قال عطاء وطاووس وابن جريج. وقالت طائفة يقضيها إذا طلعت الشمس، وبه قال القاسم بن محمد وهو مذهب الأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية. وقال أصحاب الرأي: إن أحب قضاهما إذا ارتفعت الشمس، فإن لم يفعل فلا شيء عليه؛ لأنه تطوع. وقال مالك: يقضيها ضحى إلى وقت زوال الشمس ولا يقضيهما بعد الزوال - انتهى. قلت: الصحيح من مذهب الشافعي أنهما يفعلان بعد الصبح ويكونان أداء، قاله العراقي. ومذهب الحنفية في ذلك أنه يستحسن قضاء سنة الفجر إذا فاتت مع الفرض، وأما إذا فاتت وحدها لا تقضى عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: تقضى إذا ارتفعت الشمس كذا في البدائع وغيره. والراجح عندنا هو قول الشافعي: أنها تقضى وإن فاتت وحدها، ويجوز قضاءها بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس، لحديث الباب وهو حديث صحيح ثابت متصل السند، وله شواهد ومتابعات كما ستقف على ذلك. (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً أحمد (ج5: ص447) وابن ماجه والدارقطني (ص148) وابن أبي شيبة والحاكم (ج1: ص275) والبيهقي (ج2: ص483) كلهم من طريق عبد الله بن نمير عن سعد بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن قيس بن عمرو، إلا أنه قال الحاكم: في روايته قيس بن قهد، وكذا قال الشافعي، ومن طريقه البيهقي في روايته عن سفيان عن سعد بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن قيس بن قهد. (وروى الترمذي) أي من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن سعد بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن قيس جد سعد. (نحوه) بالنصب. (وقال: إسناد هذا الحديث ليس بمتصل؛ لأن محمد بن إبراهيم لم يسمع من قيس بن عمرو) وقال أيضاً:
وإنما يروى هذا الحديث مرسلاً. قال: وروى بعضهم هذا الحديث عن سعد بن سعيد عن محمد بن إبراهيم أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج قرأى قيساً، وهذا أصح من حديث عبد العزيز عن سعد بن سعيد - انتهى. وكذا أعله أبوداود بالإرسال، وادعى بعضهم لذلك أن هذا الحديث ضعيف لا يصلح للاستدلال لعلة الإرسال والانقطاع. قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات في ترجمة قيس بن قهد: ذكروا حديثه في الركعتين بعد الصبح، وهو حديث ضعيف، اتفقوا على ضعف حديثه المذكور. ورواه أبوداود والترمذي وغيرهما وضعفوه - انتهى. ملخصاً مختصراً. قلت: للحديث طريق آخر متصل، رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما والدارقطني (ص148) والحاكم (ج1: ص274-275) والبيهقي (ج2: ص483) ، كلهم من طريق الربيع بن سليمان عن أسد بن موسى عن الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن أبيه عن جده قيس، وهذا إسناد صحيح جداً، رجاله كلهم ثقات. قال الحاكم بعد روايته: قيس بن قهد الأنصاري صحابي، والطريق إليه صحيح على شرطهما، ووافقه الذهبي على تصحيحه. وقال الشوكاني في النيل: قول الترمذي: إنه مرسل ومنقطع ليس بجيد، فقد جاء متصلاً من رواية يحيى بن سعيد عن أبيه عن جده قيس، رواه ابن خزيمة في صحيحه، وابن حبان من طريقه وطريق غيره، والبيهقي في سننه عن يحيى بن سعيد عن أبيه عن جده قيس المذكور، وقد قيل: إن سعيد بن قيس لم يسمع من أبيه. (كما في تهذيب التهذيب) فيصح ما قاله الترمذي من الانقطاع. وأجيب عن ذلك بأنه لم يعرف القائل بذلك - انتهى. فان قلت: قال الحافظ في الإصابة (ج3: ص256) : وأخرجه ابن مندة من طريق أسد بن موسى عن الليث عن يحيى عن أبيه عن جده، وقال: غريب تفرد به أسد موصولاً. وقال غيره عن الليث عن يحيى أن حديثه مرسل - انتهى. قلت: هذا التعليل لا يضعف به الإسناد؛ لأن أسد بن موسى ثقة، خلافاً لمن تكلم فيه بغير حجة، فتفرده لا يقدح في صحة الحديث. قال النووي في مقدمة شرح مسلم: إذا رواه بعض الثقات الضابطين متصلاً وبعضهم مرسلاً أو بعضهم موقوفاً وبعضهم مرفوعاً، أو وصله هو أو رفعه في وقت، وأرسله أو وقفه في وقت، فالصحيح الذي قاله المحققون من المحدثين وقاله الفقهاء وأصحاب الأصول وصححه الخطيب البغدادي أن الحكم لمن وصله أو رفعه، سواء كان المخالف له مثله أو أكثر أو أحفظ؛ لأنه زيادة ثقة، وهي مقبولة - انتهى. هذا، وقد ظهر بما ذكرنا أن المراد بقول الترمذي أنه مرسل منقطع هو الإرسال والانقطاع في السند المخصوص الذي ساقه بذلك السند لا مطلقاً، وإلا فقد جاء متصلاً بسند صحيح كما عرفت، ولا وجه لتضعيف الإسناد المتصل الصحيح بالمنقطع والمرسل، على أن للحديث شواهد. منها ما رواه الطبراني في الكبير من طريق أيوب بن سويد عن ابن جريج عن عطاء أن قيس بن سهل حدثه أنه دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي، ولم يكن صلى الركعتين
وفي "شرح السنة" ونسخ "المصابيح" عن قيس بن قهد نحوه.
1052-
(7) وعن جبير بن مطعم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يا بني عبدمناف!
ــ
فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم الحديث. وفيه أيوب بن سويد الرملي، قال ابن حبان: رديء الحفظ. وقال النسائي: ليس بثقة. ومنها ما رواه ابن عبد البر في كتاب التمهيد بسنده عن سهل بن سعد قال: دخلت المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة، ولم أكن صليت الركعتين-الحديث. وفيه عمر بن قيس المعروف بسندل، قال ابن عبد البر: وهو ضعيف لا يحتج بمثله. ومنها ما رواه ابن حزم في المحلى (ج3: ص112- 113) عن الحسن بن ذكوان عن عطاء بن أبي رباح عن رجل من الأنصار قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يصلي بعد الغداة-الحديث. قال العراقي: إسناده حسن. ومنها ما رواه الطبراني في الكبير عن ثابت بن قيس بن شماس قال أتيت المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة-الحديث. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (ج2: ص228) : فيه راويان لم يسميا، وبقية بن الوليد عن الجراح بن منهال بالعنعنة، والجراح منكر الحديث، قاله البخاري - انتهى. ومنها ما رواه ابن أبي شيبة عن هشيم عن عبد الملك عن عطاء أن رجلاً صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح- الحديث. وهذه الروايات كلها تؤيد حديث قيس بن عمرو، فلا شبهة في صحته ولا التفات إلى تعليل من أعله. هذا، وأرجع لمزيد التفصيل إلى أعلام أهل العصر (ص59-62) فإنه قد أفاض القول في هذا وأجاد. (وفي شرح السنة ونسخ المصابيح عن قيس بن قهد) بالقاف المفتوحة والهاء الساكنة والدال المهملة. قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات (ق1/2/63) : قيس بن قهد بفتح القاف وإسكان الهاء، الصحابي. ورواه أكثر المحدثين قيس بن عمرو، ولم يذكر أبوداود وآخرون من أهل السنن فيه إلا قيس بن عمرو، وذكر الترمذي الروايتين، ابن قهد وابن عمرو، وقال: الصحيح ابن عمرو. وهذا هو الصحيح عند جميع حفاظ الحديث. وذكروا حديثه في الركعتين بعد الصبح، قالوا: وهو جد يحيى بن سعيد الأنصاري: قال أحمد بن حنبل. ويحيى بن معين: والأكثرون قيس بن عمرو، وهو جد يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري- انتهى ملخصاً. وقال الطيبي: أشار المؤلف إلى الاختلاف، وأن الصحيح هو الأول، وهو قيس بن عمرو الأنصاري النجاري وهو الصحابي. وقيل: هو قيس بن قهد من بني النجار. أيضاً- انتهى. (نحوه) بالنصب أي روى نحوه، وفي بعض النسخ نحوه بالرفع على أنه مبتدأ.
1052-
قوله: (جبير) بجيم مضمومة فموحدة مفتوحة وسكون ياء. (بن مطعم) بضم الميم وسكون الطاء وكسر العين المهملة. (يا بني عبد مناف) بفتح الميم. قال الطيبي: إنما خصهم بالخطاب دون سائر بطون قريش لعلمه بأن ولاية الأمر والخلافة سيؤول إليهم مع أنهم كانوا رؤساء مكة وساداتهم وفيهم كانت السدانة
لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت، وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار))
ــ
والحجابة والسقاية والرفادة- انتهى. قلت: يؤيد ذلك ما في رواية للدارقطني بلفظ: يا بني عبدمناف! إن وليتم من هذا الأمر شيئاً فلا تمنعن، وفي أخرى له يا بني عبد مناف يا بني هاشم إن وليتم هذا الأمر يوماً فلا تمنعن. وما في رواية ابن حبان في صحيحه: يا بني عبد المطلب! إن كان لكم من الأمر شيء فلا أعرفن أحد منكم يمنع من يصلي عند البيت أية ساعة شاء من ليل أو نهار. (لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت) يعني بيت الله. (وصلى) أي صلاة الطواف أو مطلقاً. قال البيهقي: يحتمل أن يكون المراد بهذه الصلاة صلاة الطواف خاصة، وهو الأشبه بالآثار، ويحتمل جميع الصلوات- انتهى. وقال الزيلعي: قال الشيخ في الإمام: وقد ورد ما يشعر بأن هذا الاستثناء بمكة إنما هو في ركعتي الطواف فأخرج ابن عدي. (والبيهقي من طريقه ج2 ص62) من طريق سعيد بن أبي راشد عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس، وزاد في آخره: من طاف فليصل أي حين طاف. قال ابن عدي: وسعيد هذا يحدث عن عطاء وغيره بما لا يتابع عليه، وكذا قال البخاري- انتهى. وقال الأمير اليماني في السبل: وليس هذا (أي الاستثناء) خاصاً بركعتي الطواف، بل يعم كل نافلة، لرواية ابن حبان في صحيحه: يا بني عبد المطلب إن كان لكم من الأمر شيء فلا أعرفن أحداً منكم يمنع من يصلي عند البيت أية ساعة شاء من ليل أو نهار- انتهى. قلت: الظاهر أن في رواية ابن حبان هذه اختصاراً من الراوي، وأنه ترك ذكر الطواف، والراجح أن الاستثناء مختص بصلاة الطواف ولا يعم الصلوات. وقال الخطابي في المعالم (ج2 ص195) : وذهب بعضهم إلى تخصيص ركعتي الطواف من بين الصلوات، وقال إذا كان الطواف بالبيت غير محظور في شيء من الأوقات، وكان من سنة الطواف أن تصلى الركعتان بعده، فقد عقل أن النوع من الصلاة غير منهي عنه- انتهى. (أية ساعة شاء من ليل أو نهار) قال المظهر: فيه دليل على أن صلاة التطوع في أوقات الكراهة غير مكروهة بمكة لشرفها؛ لينال الناس من فصلها في جميع الأوقات، وبه قال الشافعي، وعند أبي حنيفة حكمها حكم سائر البلاد في الكراهة، ذكره الطيبي. قال الأمير اليماني في السبل: الحديث دال على أنه لا يكره الطواف بالبيت، ولا الصلاة فيه، في أية ساعة من ساعات الليل والنهار، وقد عارض ما سلف يعني أحاديث النهي عن الصلاة في الأوقات الخمسة فالجمهور. (أي مالك وأبوحنيفة ومن وافقهما) عملوا بأحاديث النهي ترجيحاً لجانب الكراهة، ولأن أحاديث النهي ثابتة في الصحيحين وغيرهما، وهي أرجح من غيرها، وذهب الشافعي وغيره إلى العمل بهذا الحديث، قالوا: لأن أحاديث النهي قد دخلها التخصيص بالفائتة والمنوم عنها والنافلة التي تقضى، فضعفوا جانب عمومها فتخصص أيضاً بهذا الحديث ولا تكره النافلة بمكة في أي من الساعات- انتهى. وقال ابن عبد البر: في حديث جبير ما يقوي القول بالجواز مع قول جمهور العلماء من المسلمين به، وذلك أن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير والحسن
رواه الترمذي وأبوداود، والنسائي.
ــ
والحسين وطاؤساً ومجاهداً والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير كانوا يطوفون بعد العصر وبعضهم بعد الصبح أيضاً، ويصلون بأثر فراغهم من طوافهم ركعتين في ذلك الوقت. وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبوثور وداود بن على- انتهى. قلت: وإليه ذهب الطحاوي من الأئمة الحنفية حيث قال في شرح معاني الآثار بعد البحث والكلام في هذا المسألة ما لفظه: وإليه نذهب، يعني إلى الجواز، وهو قول سفيان، وهو خلاف قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى- انتهى. وقال الشيخ عبد الحي اللكنوي في التعليق الممجد (ص209) ما لفظه: ولعل المصنف المحيط بأبحاث الطرفين يعلم أن هذا يعني جواز ركعتي الطواف بعد العصر وبعد الصبح قبل الطلوع والغروب هو الأرجح الأصح. قال: وعليه كان عملي بمكة، قال: ولما طفت طواف الوداع حضرت المقام مقام إبراهيم لصلاة ركعتي الطواف فمنعني المطوفون من الحنفية، فقلت لهم: الأرجح الجواز في هذا الوقت، وهو مختار الطحاوي من أصحابنا، وهو كافٍ لنا، فقالوا لم نكن مطلعين على ذلك، وقد استفدنا منك ذلك- انتهى. (رواه الترمذي) في كتاب الحج في باب الصلاة بعد العصر وبعد الصبح في الطواف لمن يطوف. (وأبوداود) في المناسك في باب الطواف بعد العصر. (والنسائي) في المواقيت في إباحة الصلاة في الساعات كلها بمكة، وأخرجه أيضاً الشافعي وأحمد (ج4 ص80) وابن ماجه في الصلاة في باب الرخصة في الصلاة بمكة في كل وقت، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما، والدارقطني (ص162) والطحاوي (ص395) والحاكم (ج1 ص448) والبيهقي (ج2 ص461) والدارمي (ص) كلهم من طريق سفيان بن عيينة عن أبي الزبير عن عبد الله بن باباه عن جبير بن مطعم. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وسكت عنه أبوداود، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. قال الطيبي: قال المؤلف: ما ذكر في المصابيح بعد يا بني عبدمناف من قوله: من ولى منكم من أمر الناس شيئاً لم أجده في الترمذي ولا في أبي داود والنسائي- انتهى. وفي الباب عن ابن عباس أخرجه الدارقطني (ص162) والطحاوي (ص396) من طريق أبي الوليد العدني عن رجاء أبي سعيد عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعاً: يا بني عبد المطلب أو يا بني عبدمناف لا تمنعوا أحداً يطوف بالبيت ويصلي فإنه لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا عند هذا البيت يطوفون ويصلون. قال صاحب التنقيح: وأبوالوليد العدني لم أر له ذكراً في الكنى لأبي أحمد الحاكم، وأما رجاء بن الحارث أبوسعيد المكي فضعفه ابن معين- انتهى. وقال الحافظ في التلخيص: ورواه الطبراني من رواية عطاء عن ابن عباس، ورواه أبونعيم في تاريخ أصبهان، والخطيب في التلخيص من طريق ثمامة بن عبيدة عن أبي الزبير عن على بن عبد الله عباس عن أبيه، وهو حديث معلول- انتهى. وعن أبي ذر وسيأتي، وعن جابر أخرجه الدارقطني (ص163)، قال الحافظ: هو معلول فإن المحفوظ عن أبي الزبير عن عبد الله بن باباه
1053-
(8) وعن أبي هريرة: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة)) رواه الشافعي.
1054-
(9) وعن أبي الخليل: عن أبي قتادة،
ــ
عن جبير بن مطعم لا عن جابر. وعن أبي هريرة أخرجه ابن عدي، وقد تقدم لفظه مع الكلام فيه. وعن ابن عمر أخرجه الطبراني في الأوسط من رواية عبد الكريم عن مجاهد. قال الهيثمي: فإن كان هو الجزري فهو ثقة وإن كان ابن أبي المخارق فهو ضعيف- انتهى.
1053-
قوله: (نهى عن الصلاة نصف النهار) قال الطيبي: ظرف للصلاة على تأويل أن يصلي. (حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة) مستثنى من النهي، وعليه يحمل حديثا عقبة وعمرو بن عبسة المتقدمان وحديث عبد الله الصنابحي الآتي، ويقال: إن الاستثناء في هذه الأحاديث مقدر، وفيه دليل على أن صلاة النفل نصف النهار يوم الجمعة غير منهي عنها، وبه قال الشافعي وأبويوسف من الأئمة الحنفية لحديث أبي هريرة هذا، وهو وإن كان ضعيفاً لكن له شواهد إذا ضمت قوى الخبر، ويجوز به تخصيص أحاديث النهي وتقييدها به، ويأتي مزيد الكلام فيه في شرح حديث أبي قتادة الآتي. (رواه الشافعي) عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي عن اسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، ومن طريق الشافعي أخرجه البيهقي (ج2 ص464) قال الحافظ في التلخيص: إسحاق وإبراهيم ضعيفان. ورواه البيهقي من طريق أبي خالد الأحمر عن عبد الله شيخ من أهل المدينة عن سعيد به. ورواه الأثرم بسند فيه الواقدي وهو متروك، ورواه البيهقي بسند آخر فيه عطاء بن عجلان وهو متروك أيضاً- انتهى. وفي الباب عن واثلة رواه الطبراني، قال الحافظ: بسند واهٍ. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد _ج2 ص228) بعد عزوه إلى الطبراني في الكبير: وفيه بشير بن عون، قال ابن حبان: يروي مائة حديث كلها موضوعة- انتهى. وعن أبي سعيد رواه البيهقي، وفيه أيضاً عطاء بن عجلان وعن أبي قتادة وسيأتي.
1054-
قوله: (وعن أبي الخليل) اسمه صالح بن أبي مريم الضبعي مولاهم البصري، من رواة الستة، وثقة ابن معين وأبوداود والنسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، وأغرب ابن عبد البر فقال في التمهيد: لا يحتج به. قال في تهذيب التهذيب (ج4 ص402) بعد ذكر جماعة من التابعين: روى عنهم وأرسل عن أبي قتادة وأبي سعيد وسفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. (عن أبي قتادة) بن ربعي الأنصاري الخزرجي السلمي، فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم، شهد أحداً وما بعدها ولم يصح شهوده بدراً، ومات سنة أربع وخمسين، قيل سنة ثمان
قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم كره الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة، وقال: إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة)) رواه أبوداود، وقال: أبوالخليل لم يلق أبا قتادة.
ــ
وثلاثين. والأول أصح وأشهر، كذا في التقريب. وقال في تهذيب التهذيب (ج12 ص204و205) قال الواقدي: توفي بالكوفة سنة أربع وخمسين وهو ابن سبعين سنة، ولم أر بين علمائنا اختلافاً في ذلك. قال وروى أهل الكوفة أنه مات بالكوفة وعلي بها وصلى عليه. حكى خليفة أن ذلك كان سنة ثمان وثلاثين، وهو شاذ، ولأكثر على أنه مات سنة أربع وخمسين، قال الحافظ: ومما يؤيد ذلك أن أن البخاري ذكره في الأوسط في فصل من مات بعد الخمسين إلى الستين. ثم روى بإسناده إلى مروان بن الحكم قال: كان والياً على المدينة من قبل معاوية، أرسل إلى أبي قتادة ليريه مواقف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فانطلق معه فأراه. وقال البيهقي: أجمع أهل التاريخ على أن أبا قتادة بقي إلى بعد الخمسين. وقال في الاصابة (ج4 ص159) : ويدل على تأخره أيضاً ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن محمد بن عقيل أن معاوية لما قدم المدينة تلقاه الناس، فقال لأبي قتادة تلقاني الناس كلهم غيركم يا معشر الأنصار- انتهى. (قال كان النبي صلى الله عليه وسلم كره الصلاة) في أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كره الصلاة، وفي جامع الأصول (ج6 ص182) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره الصلاة. (نصف النهار حتى تزول الشمس) قال السيد جمال الدين: قوله حتى تزول الشمس كذا في أصل سماعنا، وليس في أبي داود ولا في المصابيح. (إلا يوم الجمعة) مستثنى من الكراهة يدل كالحديث السابق على أن الصلاة النافلة نصف النهار يوم الجمعة قبل الزوال غير مكروهة، وبه قال الشافعي، وهي رواية عن الأوزاعي وأهل الشام. قال الحافظ في الفتح: قد استثنى الشافعي ومن وافقه من ذلك يوم الجمعة، وحجتهم أنه صلى الله عليه وسلم ندب الناس إلى التكبير يوم الجمعة ورغب في الصلاة إلى خروج الإمام وجعل الغاية خروج الإمام وهو لا يخرج إلا بعد الزوال فدل على عدم الكراهة، وجاء فيه حديث عن أبي قتادة مرفوعاً يعني حديث الباب، وفي إسناده انقطاع، وقد ذكر له البيهقي شواهد ضعيفة إذا ضمت قوي الخبر- انتهى. واستدل به لأحمد على جواز صلاة الجمعة قبل الزوال، خلافاً للأئمة الثلاثة، ويأتي الكلام فيه في محله إن شاء الله. (إن جهنم تسجر) مشدداً ومخففاً أي توقد. (إلا يوم الجمعة) أي فإنها لا تسجر فلا تكره النافلة يوم الجمعة وقت الاستواء قبل الزوال. (رواه أبوداود) وأخرجه أيضاً الأثرم والبيهقي (ج2 ص464) (ج3 ص193) قال أبوداود: هو مرسل أي منقطع، أبوالخليل لم يسمع من أبي قتادة. وفيه أيضاً ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، إلا أنه اعتضد بمجيئه من طريق أخرى موصولاً كما تقدم، وأيضاً أيده فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا يصلون نصف النهار يوم الجمعة، ولأنه صلى الله عليه وسلم حث على التكبير ثم رغب في الصلاة إلى خروج الإمام من غير تخصيص ولا استثناء. قال الحافظ في التلخيص: قال صاحب الإمام وقوى الشافعي